التخطي إلى المحتوى الرئيسي

غزة الأبية.. طائر الفينيق وأيقونة الصمود في زمن الخنوع بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تُعد مدينة غزة من أقدم مدن العالم عبر التاريخ، حيث أسسها الكنعانيون قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد، واكتسبت موقعاً استراتيجياً فريداً كبوابة تربط بين قارتي آسيا وإفريقيا، وملتقى للقوافل والتجارة. سُميت "غزة هاشم" نسبة إلى هاشم بن عبد مناف (جد الرسول محمد ﷺ) الذي دُفن فيها. تعاقبت عليها الحضارات والعهود الإسلامية من الفتح العمري حتى العثماني، وظلت دائماً حاضرة علمية وثقافية كبرى، وجزءاً لا يتجزأ من جغرافية فلسطين وضالعاً أساسياً في حماية ثغور الأمة الإسلامية.
أهم معالمها
يأتي "المسجد العمري الكبير" كأبرز المعالم الدينية والحضارية في غزة، شاهداً ببنائه العريق ومكتبته التاريخية على قرون من العلم والعبادة. وتضم المدينة "كنيسة القديس برفيربوس" التي تُعد من أقدم كنائس العالم لتجسد قيم التآخي، إلى جانب "سوق الزاوية" الأثري و"حي الشجاعية" وحي "الزيتون" العريق بأزقته القديمة، بالإضافة إلى "قلعة برقوق" (خان يونس) والمعالم الأثرية التي تروي تجذر الإنسان الفلسطيني في هذه الأرض الطاهرة.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
سجلت غزة في التاريخ الحديث معجزة صمود أسطورية لم يشهد لها التاريخ المعاصر مثيلاً؛ فمنذ عقود من الحصار الجائر والحروب التدميرية المتلاحقة، تحولت المدينة إلى قلعة عالمية للمقاومة المسلحة والشعبية. غزة لم تنحنِ أمام آلات الدمار الشامل، بل طورت بأسها وصنعت من الحصار سلاحاً للردع والسيادة، وغدت ببيوتها وأنفاقها وأحيائها مقبرة لجنود الاحتلال وآلياته، مقدمةً آلاف الشهداء والجرحى في سبيل حرية فلسطين والقدس، لتصبح رمزاً عالمياً لمعنى التضحية والحرية أولاً.
خاتمة
إن غزة اليوم ليست مجرد بقعة جغرافية محاصرة، بل هي بوصلة الشرف للأمة العربية والإسلامية؛ تولد من تحت الرماد كطائر الفينيق مع كل عدوان، لتثبت للعالم أن الإرادة العقائدية أصلب من الفولاذ، وأن فجر الحرية آتٍ لا محالة مهما طال ليل الظلم

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...