التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من أغسطس 30, 2026

قرأت لكم: كتاب "تونس الشهيدة" للشيخ عبد العزيز الثعالبي بقلم: الناصر خشيني

  تقديم نلتقي اليوم في هذه القراءة من سلسلة "قرأت لكم" لننبش في واحدة من أهم وثائق التحرر الوطني التونسي والعربي في القرن العشرين: كتاب "تونس الشهيدة" (La Tunisie martyre)، الصادر في باريس مطلع سنة 1920. لم يكن هذا الكتاب مجرد مؤلَّف فكري عابر، بل كان بياناً سياسياً صدامياً، وصيحة فزع وطنية أطلقها الشيخ عبد العزيز الثعالبي ورفاقه من أجل تعرية الوجه البشع للاستعمار الاستيطاني الفرنسي، وإعادة الاعتبار للشخصية العربية الإسلامية لتونس أمام العالم. أولاً: سياق التأليف وميلاد الوثيقة صدر الكتاب دون ذكر اسم مؤلفه في طبعته الأولى، تحت عنوان "تونس الشهيدة - مطالبها"، وذلك في ظرف دقيق كانت فيه أوروبا تعيد ترتيب أوراقها السياسية عقب الحرب العالمية الأولى، وسط أجواء مشحونة بشعارات "حق الشعوب في تقرير مصيرها" التي رفعها الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون. استثمر الثعالبي هذه اللحظة الدولية استثماراً ذكياً، فاختار أن يخاطب الرأي العام الفرنسي والعالمي بلغته هو، أي الفرنسية، لا بلغة العاطفة والخطابة العربية التقليدية. لم يكتب الثعالبي النص بنفسه مباشرة بالفرنسية، إذ ...

سقوط البورقيبية: شهادة المنفى على أسطورة "الزعيم الأوحد" بقلم: الناصر خشيني 

  مدخل من رحم المنفى، وبعيداً عن سطوة الرواية الرسمية التي صاغها بورقيبة لنفسه ولدولته، يطل علينا كتاب "سقوط البورقيبية" لإبراهيم طوبال (1924 - 1990)، الذراع الأيمن لصالح بن يوسف، بوصفه وثيقة مضادة تفكك أسطورة "المجاهد الأكبر" وتعيد قراءة تجربة الاستقلال التونسي من زاوية الخط اليوسفي المهزوم سياسياً والمنتصر - كما يرى المؤلف - تاريخياً. هذا العمل ليس سرداً أكاديمياً محايداً، بل هو مرافعة معارض عاش الانشقاق بجسده قبل أن يكتبه بقلمه، وهو ما يمنحه صدقية الشاهد وتحيّز صاحب القضية في آن واحد. أولاً: جذور الانشقاق وصراع الزعامة يعيد طوبال في القسم الأول من كتابه تفكيك مسار الحركة الوطنية التونسية منذ نشأتها، كاشفاً عن الصراعات الداخلية التي رافقتها منذ البداية، قبل أن يتوقف مطولاً عند اللحظة الفاصلة: الانقسام بين الخط البورقيبي والخط اليوسفي في منتصف الخمسينيات. وهنا يضع المؤلف يده على الجرح العميق في الذاكرة الوطنية التونسية: كيف تحول خلاف حول جدوى استقلال منقوص وصفقة مع باريس، إلى صراع دموي انتهى بتصفية صالح بن يوسف واستفراد بورقيبة بالسلطة وتهميش كل قيادة منافسة. في قر...

سلسلة قرأت لكم كتاب البديل الثوري في تونس للمناضل القومي الصلب إبراهيم طوبال بقلم: الناصر خشيني

    في خضم التجاذبات الكبرى التي تعصف بالهوية والسيادة الوطنية، وحين نعود لنبش جذور أزمتنا الراهنة، يبرز كتاب «البديل الثوري في تونس» للمناضل القومي الصلب إبراهيم طوبال (الصادر سنة 1979 ببيروت) كوثيقة إدانة تاريخية ومشروع تحرري متكامل. إن قراءة هذا السفر للمقاوم اليوسفي والرفيق العروبي لا تقتصر على تدوين وقائع الصراع السياسي، بل تمثل محاكمة جذرية لمسار دولة الاستقلال الشكلي التي أسس لها الحبيب بورقيبة، والتي قطعت مع نبض الأمة وتماهت مع مشاريع التغريب والتبعية. 1. في نقد التوجه التغريبي: قطيعة مع الهوية والعمق القومي يكشف إبراهيم طوبال في تحليله العميق كيف عمد النظام البورقيبي، منذ استلامه مقاليد السلطة، إلى سلخ تونس عن محيطها العربي الإسلامي وحركتها التحررية المشرقية والمغاربية. لقد تجسدت هذه العقيدة التغريبية في أشد تجلياتها خطورة في النظرة الدونية للعمق القومي العربي، والتي كانت تترجم سياسياً وثقافياً في محاولات تبني النموذج الغربي بشكل مسخ ومشوّه. وفي هذا السياق، جاءت التصريحات والتوجهات السياسية لبورقيبة لتؤكد هذا التموضع الكولونيالي الجديد؛ فبدل أن تكون تونس امتداداً طبيع...

الرؤية الشعبية القومية للحركة الوطنية التونسية: قراءة تفكيكية في مسار التحرير من التبعية إلى الاستقلال (1830-1956) ​بقلم: الناصر خشيني

​تندرج قراءتنا لكتاب الباحث والسياسي التونسي الراحل الطاهر عبد الله، "الحركة الوطنية التونسية: رؤية شعبية قومية جديدة 1830-1956"، ضمن مشروعنا الفكري النابع من الرؤية القومية التقدمية التي تسعى جاهدة لنقد التزييف التاريخي وتفكيك السرديات الاستعمارية وبقايا الاستعمار الجديد. ​لقد دأب التاريخ الرسمي للبورجوازية التونسية الصاعدة عقب استقلال 1956 على اختزال معركة التحرر التونسي في أشخاص ونخب صالونية أرستقراطية، متجاهلاً الدور الحاسم للكفاح الجماهيري وللعمق العربي والإسلامي القومي. يأتي مؤلف الطاهر عبد الله كشاهد فكري ومحطة إعادة اعتبار لتاريخ الشعب والعمال والفلاحين والفرسان المقاومين. ​ أولاً: تفكيك اختراق رأس المال ومقدمات الاحتلال ​يبدأ الكاتب بتحليل المسببات العميقة للاحتلال الفرنسي، معيداً جذور الأزمة إلى لحظة سقوط الجزائر [1]. لم يأتِ الاحتلال نتيجة "حادثة الحدود" أو صدفة تاريخية، بل كان نتيجة حتمية لـ: ​ التغلغل الرأسمالي الإمبريالي: الذي استغل ديون البايليّات والطبقة الحاكمة التونسية عبر القروض الأجنبية، مما أدى إلى كف يد الدولة التونسية وتكبيل سيادتها الم...

معالم على طريق التكفير: قراءة نقدية في فكر سيد قطب من منظور قومي تقدمي بقلم الناصر خشيني

  مقدمة يُعدّ كتاب "معالم في الطريق" لسيد قطب، الصادر عام 1964، أحد أخطر النصوص التي أعادت تشكيل الخطاب الإسلامي السياسي في النصف الثاني من القرن العشرين، ووضعت الأساس النظري لتيارات التكفير التي عصفت لاحقاً بالمجتمعات العربية والإسلامية. والكتاب، الذي كُتب في غياهب سجون عبد الناصر، ليس مجرد نص فكري عابر، بل وثيقة تأسيسية لقطيعة جذرية مع الواقع، ودعوة صريحة إلى تكفير المجتمعات القائمة وتصنيفها ضمن "الجاهلية المعاصرة". وإذ نتناول هذا الكتاب بالنقد من منظور قومي تقدمي، فإننا لا نفعل ذلك من موقع العداء المسبق، بل من موقع المساءلة التاريخية والفكرية لمنهج أثبتت التجربة أنه أفضى إلى العنف والتفكك والانغلاق، بدل أن يفضي إلى النهضة التي زعم أنه يسعى إليها. أولاً: الجيل القرآني الفريد – نموذج مثالي منقطع عن التاريخ ينطلق قطب من فرضية مركزية مفادها أن جيل الصحابة الأول كان "جيلاً قرآنياً فريداً" لا يتكرر، تشكّل من معين واحد هو القرآن الكريم، بمعزل عن أي رافد ثقافي أو حضاري آخر. وهذه الفرضية، على جاذبيتها الوجدانية، تنطوي على قفزة فوق التاريخ؛ إذ تتجاهل أن ذلك الجيل...

سيكولوجية "الظلال" وصراع السرديات: كيف وظّف سيد قطب العاطفة الدينية لمواجهة المشروع الناصري؟ بقلم الباحث: الناصر خشيني

    يظل كتاب "في ظلال القرآن" لسيد قطب واحداً من أكثر المصنفات المعاصرة إثارة للجدل الفكري والسياسي في التاريخ العربي الحديث. فلم يكن الكتاب مجرد محاولة لتفسير النص القرآني بأدوات العلم الموروثة، بل تحول عبر ظروف نشأته وسياق خطابه إلى "مانيفستو" حركي مشحون بالعواطف الجياشة، استُخدم كأداة أيديولوجية حاسمة في صراع مرير على الشرعية والولاء الشعبي ضد نظام الرئيس جمال عبد الناصر في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، في ذروة صمود المشروع القومي أمام الاستعمار والصهيونية. أولاً: الهروب من قيود "التفسير" إلى حرية "الظلال" والتحول الأسلوبي٠ إن القراءة الفاحصة لعنوان كتاب سيد قطب، "في ظلال القرآن"، تكشف من العتبة الأولى عن إستراتيجية فكرية مراوغة؛ فالرجل تعمّد ألا يسمي مجهوده هذا "تفسيراً"، بل نزع عنه هذه الصفة العلمية المحددة ليلجأ إلى فضاء "الظلال". هذا الهروب الاصطلاحي لم يكن عفوياً، بل كان آلية واعية لتأمين مساحة حرة ومنفلتة، تتيح للكاتب القفز فوق التزامات علم التفسير الصارمة وقواعده الموروثة (كمناهج التفسير بالمأثور، والبحث ...