‏إظهار الرسائل ذات التسميات القضية الفلسطينية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات القضية الفلسطينية. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 2 يوليو 2026

من "طوفان الأقصى" إلى الحرب على إيران: قراءة في تحولات الصراع في المنطقة بقلم الناصر خشيني - نابل، تونس

 



أولاً: لحظة السابع من أكتوبر ومساراتها
في السابع من أكتوبر 2023، نفّذت كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، عملية عسكرية واسعة أطلقت عليها اسم "طوفان الأقصى"، عبرت خلالها مجموعات مقاتلة الحدود مع مستوطنات غلاف غزة. وقد حدّدت قيادة حماس حينها أهداف العملية في جملة من النقاط: الرد على اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى والاعتداءات المتواصلة في الضفة الغربية، ورفع الحصار المفروض على غزة منذ سنوات، وإعادة القضية الفلسطينية إلى الواجهة الدولية بعد أن كادت تُطوى في ملفات التطبيع الإقليمي.
الحرب التي تلت العملية استمرت عامين كاملين، وخلّفت خسائر بشرية وعمرانية هائلة في قطاع غزة، ووثّقت هيئات أممية ما وصفته بجرائم إبادة جماعية بحق السكان المدنيين. وفي المقابل، فإن حصيلة العملية من الناحية العملية تبقى موضع جدل حتى بين المحللين المتعاطفين مع القضية الفلسطينية: فقد فشلت في "تفريغ السجون" الإسرائيلية كما كان معلناً، ولم تحقق سوى صفقتي تبادل محدودتين، بينما ارتفع عدد المعتقلين الفلسطينيين بشكل كبير نتيجة حملات الاعتقال الواسعة التي تلتها في الضفة الغربية والقدس وغزة.
بالمقابل، يُسجَّل للعملية أنها أعادت فرض القضية الفلسطينية على الأجندة الدولية، وأسهمت -بحسب كثير من المراقبين- في موجة اعترافات دولية متتالية بدولة فلسطين، دفعت إليها بالأساس الاحتجاجات الشعبية العالمية الرافضة للحرب على غزة أكثر مما دفعت إليها العملية نفسها.
ثانياً: اتفاق وقف إطلاق النار في غزة.. هدنة هشة
بعد عامين من الحرب، دخل اتفاق لوقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في العاشر من أكتوبر 2025، ضمن خطة رعتها الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب، شملت انسحاباً جزئياً إسرائيلياً، وتبادلاً للأسرى والرهائن، وتشكيل "مجلس سلام" لإدارة المرحلة الانتقالية في غزة، إلى جانب لجنة تكنوقراط فلسطينية من المفترض أن تتولى الشأن المدني في القطاع.
غير أن الوقائع الميدانية منذ ذلك الحين تكشف هشاشة هذا الاتفاق. فبعد ستة أشهر من دخوله حيّز التنفيذ، وثّقت مصادر طبية وحقوقية في غزة أكثر من ألفي خرق إسرائيلي للاتفاق، أسفرت عن مقتل مئات الفلسطينيين وإصابة آلاف آخرين، فضلاً عن استمرار سياسات تقييد دخول المساعدات والوقود ومواد إعادة الإعمار. كما أبقت إسرائيل على سيطرتها على ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، وهي مناطق واسعة داخل القطاع رفضت الانسحاب منها، معتبرة إياها "منطقة عازلة" أمنية، بينما ترى منظمات إنسانية دولية، من بينها أطباء بلا حدود، أن وقف إطلاق النار "الهش وغير الفعّال" لم ينه فعلياً حالة الحرب على السكان المدنيين.
ثالثاً: الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران
في فبراير 2026، وبعد أشهر من مفاوضات نووية غير مباشرة بين طهران وواشنطن لم تفضِ إلى نتيجة، شنّت إسرائيل والولايات المتحدة حرباً واسعة على إيران، بدأت بضربات جوية استهدفت مواقع في طهران ومدن إيرانية أخرى. طالبت واشنطن إيران بثلاثة شروط رئيسية: إنهاء دائم لتخصيب اليورانيوم، وقيود صارمة على برنامج الصواريخ الباليستية، ووقف كامل لدعم الجماعات الحليفة في المنطقة كحماس وحزب الله والحوثيين.
توسعت رقعة المواجهة لتشمل حزب الله في لبنان، الذي استأنف القتال مع إسرائيل بعد اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي خلال الحرب، معتبراً ذلك "عملاً دفاعياً" لإجبار إسرائيل على وقف عدوانها والانسحاب من الأراضي اللبنانية التي كانت لا تزال تحتلها رغم الهدنة السابقة.
وبعد أسابيع من التصعيد المتبادل، وتوقف مؤقت للمفاوضات إثر هجوم استهدف الضاحية الجنوبية لبيروت، تم توقيع مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران في 18 يونيو 2026، نصّت على وقف فوري ودائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات بما فيها لبنان، وإعادة فتح مضيق هرمز، ورفع الحصار البحري عن إيران. عُقدت لاحقاً محادثات رفيعة المستوى في منتجع بورغنستوك بسويسرا بمشاركة قطرية وباكستانية لبحث تفاصيل الاتفاق النهائي، وسط تصريحات متضاربة من الرئيس الأمريكي حول مدى التزامه بإطار الستين يوماً المتفق عليه، واستمرار الخلاف بين واشنطن وتل أبيب بخصوص الملف اللبناني، حيث واصلت إسرائيل ضرباتها هناك رغم نص مذكرة التفاهم.
رابعاً: ماذا تغيّر في المشهد الإقليمي؟
اتساع دائرة المواجهة: انتقل الصراع من كونه فلسطينياً-إسرائيلياً محصوراً إلى صراع إقليمي متعدد الأطراف يشمل إيران ولبنان واليمن، بما يعكس تشابك الملفات وصعوبة عزل أي جبهة عن الأخرى.
تراجع الأولوية الأمريكية لملف غزة: أفاد مسؤولون أمريكيون سابقون بأن انشغال واشنطن بالحرب الإيرانية أضعف متابعتها لتنفيذ اتفاق غزة، وتركّز اهتمامها بدلاً من ذلك على مسار نزع سلاح حماس والترتيبات الأمنية الإقليمية.
هشاشة الحلول المرحلية: سواء في غزة أو مع إيران، تكشف الوقائع أن التوقيع على اتفاقيات وقف إطلاق النار لا يعني بالضرورة توقف العمليات العسكرية الفعلية على الأرض، بل غالباً ما يستمر التصعيد ضمن هوامش تكتيكية.
دور الوساطات الإقليمية: برزت قطر وباكستان ومصر كوسطاء رئيسيين في الملفين، في وقت تراجع فيه الدور الأوروبي المباشر لصالح حضور أمريكي كثيف ومباشر في إدارة تفاصيل التفاوض.
خامساً: خلاصة
ما تكشفه هذه المحطات مجتمعة أن المنطقة تعيش حالة من عدم الاستقرار البنيوي، حيث تتوالى الحروب والهدنات دون أن تفضي إلى تسويات سياسية جذرية تعالج جوهر القضايا: الاحتلال، وحق الفلسطينيين في دولة مستقلة، والصراع على النفوذ الإقليمي بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى. الاتفاقيات الموقعة -سواء في غزة أو بين واشنطن وطهران- تبقى بمثابة هدن تكتيكية أكثر منها حلولاً استراتيجية، وما لم تُترجم بنودها الإنسانية والسياسية إلى واقع ملموس على الأرض، فإنها ستظل عرضة للانهيار في أي لحظة، تاركة السكان المدنيين -في غزة ولبنان وإيران على حد سواء- يدفعون الثمن الأكبر لصراعات لم يختاروها.

 




الأحد، 28 يونيو 2026

غزة.. عامان من الإبادة الجماعية والتدمير الممنهج لسبل الحياة بقلم: الناصر خشيني



بعد مرور قرابة ألف يوم (995 يوماً) على بدء العدوان الإسرائيلي الشامل على قطاع غزة في أعقاب عملية "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر 2023، لم تعد التطورات الميدانية مجرد عمليات عسكرية عابرة، بل تحولت إلى حرب إبادة جماعية معلنة وممنهجة. إن القراءة التقييمية والشاملة لحجم الخسائر البشرية والمادية في القطاع تكشف عن استراتيجية صهيونية واضحة تهدف إلى تحويل غزة إلى بقعة غير قابلة للحياة البشرية، عبر استهداف مقومات البقاء كافة من بشر، وحجر، وبنية تحتية.
أولاً: المحرقة البشرية والتهجير القسري
تمثّل الخسائر البشرية في هذا العدوان الكارثة الأكبر في التاريخ الفلسطيني المعاصر منذ نكبة عام 1948. فلم يعد الأمر يقتصر على استهداف المقاتلين، بل تحول المدنيون إلى الهدف المباشر للآلة العسكرية الصهيونية:
  • حرب على الأطفال والنساء: تجاوز عدد الشهداء المسجلين رسمياً 73,051 شهيداً، يضاف إليهم أكثر من 9,500 مفقود تحت الركام. وتشير الإحصاءات إلى أن النساء والأطفال يشكلون النسبة الأكبر من هؤلاء الضحايا، مما يؤكد الطبيعة الانتقامية للعدوان.
  • جيش من الجرحى وذوي الإعاقات: أسفرت الغارات والأحزمة النارية عن إصابة أكثر من 173,437 فلسطينياً، يعاني الآلاف منهم من بتر في الأطراف وإصابات بليغة تتطلب علاجاً تخصصياً يفتقده القطاع جراء الحصار.
  • التطهير العرقي عبر النزوح: أُجبر نحو 2 مليون فلسطيني (ما يعادل 90% من سكان القطاع) على النزوح القسري المتكرر. يعيش هؤلاء المهجرون في مخيمات قماشية متهالكة ومراكز إيواء تفتقر لأدنى مقومات الكرامة الإنسانية.
ثانياً: تدمير الحجر وإبادة المعالم (سياسة الأرض المحروقة)
لم تسلم البنية التحتية في غزة من الاستهداف الممنهج، حيث بلغت نسبة الدمار الإجمالية ما يقارب 90%، شملت كافة القطاعات الحيوية:
  • تدمير الحيز السكني: تعرضت ما بين 70% إلى 80% من الوحدات السكنية للتدمير الكلي أو الأضرار الجسيمة. وفي مدن مثل غزة والشمال، بلغت نسبة الدمار أكثر من 83%، مما يعكس رغبة الاحتلال في منع عودة السكان إلى أحيائهم.
  • تصفية المنظومة التعليمية والدينية: استهدف الاحتلال 90% من مباني المدارس (أكثر من 668 مدرسة تابعة للأونروا وللحكومة)، ودمر المعالم الرئيسية لجميع جامعات غزة. كما سُحقت الهوية الثقافية والدينية عبر تدمير أكثر من 600 مسجد وكنائس أثرية تدميراً كلياً.
  • شلل شبكات النقل والخدمات: دُمرت شبكات الطرق والجسور بنسبة تتراوح بين 65% و70%، مما تسبب في عزل المناطق عن بعضها وتدمير شبكات المياه والصرف الصحي الممتدة أسفلها.
ثالثاً: الحصار الخانق وسلاح التجويع.. والعجز الدولي أمام خيار الصمود والمقاومة
إلى جانب القصف الجوي والمدفعي، استخدم الكيان الصهيوني الحصار الخانق كأداة قتل صامتة وعقاب جماعي مجرم دولياً. هذا الحصار يتفاقم اليوم في ظل عجز دولي وعربي وإسلامي مريب ومخزٍ عن لجم هذه الجريمة المشهودة والموثقة صوتاً وصورة أمام مرأى العالم ومسامعه:
  • إعدام القطاع الصحي: أخرج الاحتلال 38 مستشفى عن الخدمة كلياً أو جزئياً، واستهدف 96 مركزاً صحياً و197 سيارة إسعاف، مما حرم المرضى والجرحى من الرعاية الطبية الأساسية.
  • سلاح التجويع والتعطيش: أدى منع إدخال المساعدات، والمحروقات، وغاز الطهي إلى انتشار مجاعة حقيقية وحالات سوء تغذية حادة، خاصة في شمال غزة.
  • الكارثة البيئية ونشر الأوبئة: أدى تدمير 90% من آبار المياه ومحطات الصرف الصحي إلى تدفق المياه‌ العادمة بين خيام النازحين، مما نتج عنه تسجيل أكثر من 2.1 مليون حالة إصابة بأمراض معدية (كالتهاب الكبد الوبائي والأمراض الجلدية الحادة).
  • حتمية الصمود والمقاومة: أمام هذا التواطؤ والصمت الدولي الشامل، بات قاطعاً أن الحل الوحيد والمسار الحتمي المتبقي لشعبنا الفلسطيني هو الصمود الثابت في أرضه ومواصلة المقاومة المشروعة بكل السبل والوسائل الممكنة؛ باعتبارها الخيار الوحيد القادر على لجم غطرسة الاحتلال وحماية القضية من التصفية والاندثار.
خلاصة وتقييم قانوني
إن هذه الأرقام والوقائع لا تدع مجالاً للشك في أن ما يرتكبه الكيان الصهيوني في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر يتجاوز المفاهيم التقليدية للحروب، ليقع مباشرة تحت بند "جريمة الإبادة الجماعية" (Genocide) و**"الجرائم ضد الإنسانية"** وفقاً للقانون الدولي الإنساني ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. إن استهداف مقومات الحياة وتدمير البيئة العمرانية والصحية بشكل كامل يثبت بالدليل القاطع نية الاحتلال في إهلاك المجموع السكاني الفلسطيني في غزة، وهي جريمة كبرى ستبقى وصمة عار على جبين المجتمع الدولي الذي عجز عن لجم هذا العدوان الخارق لكل المواثيق والشرائع الدولية.

📌 تهميش المقال (المراجع والمصادر):
  1. التقرير الحقوقي السنوي للمراصد الدولية، "سياق الإبادة الجماعية المستمرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة"، يناير 2025.
  2. المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، "التقرير الإحصائي الشامل لنتائج التدمير والبنية التحتية في قطاع غزة"، تحديثات منتصف عام 2026.
  3. وزارة الصحة الفلسطينية (غزة)، "التقرير اليومي التراكمي لعدد الشهداء والجرحى والمفقودين"، المؤشر الإحصائي المحدث حتى يونيو 2026.
  4. وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، "تقارير الوضع الإنساني وأعداد النازحين والأضرار في منشآت التعليم بقطاع غزة"، البيانات الدورية 2025-2026.
  5. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) ومنظمة الصحة العالمية، "تقييم أثر الدمار والوضع البيئي والصحي في قطاع غزة بعد عامين من النزاع"، مارس 2026.

السبت، 27 يونيو 2026

دلالات الاعتراف بالدولة الفلسطينية: بين الأوهام الدبلوماسية وحقائق الميدان بعد "طوفان الأقصى" ​بقلم: الناصر خشيني (نابل - تونس)


   مقدمة: سراب الاعترافات الدبلوماسية مقابل واقع الاحتلال
​تتوالى موجات الاعتراف الدولي والدبلوماسي بالدولة الفلسطينية من قِبل قوى صاعدة في أمريكا اللاتينية وأوروبا، وهو ما يراه البعض مكسباً سياسياً كبيراً وانتصاراً ناجزاً على الكيان الصهيوني. غير أن القراءة الواقعية للميدان تكشف أن هذه الاعترافات -على أهميتها الرمزية- لا تغير من الحقائق المأساوية على الأرض شيئاً؛ ففلسطين التاريخية ما زالت ترزح تحت وطأة احتلال عسكري مباشر، يمارس أبشع سياسات التنكيل، والاعتقال، والتهجير، والتجريف، في ظل تواطؤ دولي وعربي يساهم -من حيث يشعر أو لا يشعر- في إطالة أمد هذا الاحتلال ومنحه شرعية زائفة على حساب الحق العربي التاريخي. إن تضخيم هذه المكاسب الدبلوماسية الهامشية يمثّل حالة من الوهم السياسي الذي يغطي على عمق المعاناة الإنسانية غير المسبوقة في التاريخ البشري [1].
​ثانياً: حدود التعاطف الدولي وجدلية "الحق الكامل"
​إننا إذ نتوجه بالشكر والتقدير لكل الدول الصديقة والشعوب الحرة التي انتصرت لعدالة قضيتنا، فإنه من واجبنا المصارحة وطرح الأسئلة الجوهرية: هل يترجم هذا الاعتراف الدبلوماسي إقراراً بالحقوق المشروعة الكاملة للشعب الفلسطيني فوق كامل ترابه الوطني من النهر إلى البحر؟ وهل يتضمن اعترافاً صريحاً ببطلان الكيان الصهيوني كدولة ونظريات وأيديولوجيا إحلالية يجب أن تزول ليتحقق السلام والأمن المستند إلى العدالة؟ إن أي اعتراف لا يفكك البنية الاستعمارية للكيان يظل قاصراً عن تحقيق جوهر الحرية [2].
​ثالثاً: الأمة العربية بين تشرذم "السياسات الإقليمية" والأطماع الأجنبية
​لا يمكن فصل قضية فلسطين عن سياقها القومي؛ فالأمة العربية المستهدفة تمتد من المحيط إلى الخليج، وما زالت أجزاء واسعة من أراضيها تعاني من الغزو والاحتلال الأجنبي متعدد الأطراف:
​الاحتلال الإسباني لمدينتي سبتة ومليلة في المغرب.
​الاحتلال الأثيوبي لإقليم الأوغادين الصومالي.
​التغلغل التركي في لواء الاسكندرون السوري.
​الاحتلال الإيراني للأحواز والجزر الإماراتية الثلاث، ورفض مبدأ التفاوض حولها.
​الغزو الصهيوني الذي يتمدد إلى أجزاء من سوريا ولبنان، ومساهمته التاريخية مع الولايات المتحدة في تدمير العراق وتفتيته.
​إن العائق الأكبر أمام مشروع التحرير الشامل -إلى جانب الاستبداد- هو "النزعة الإقليمية الضيقة"، حيث تستأثر سلطات محلية بجزء من الشعب والأرض وممارسة سيادة منقوصة، مما يكرس التشرذم ويفتح الباب لمزيد من التفكيك والتقسيم في اليمن، والسودان، وسوريا، وليبيا. وفي الوقت الذي تتكتل فيه أمم مختلفة اللغات والتاريخ في اتحادات كبرى (كالاتحاد الأوروبي) لمواجهة الهيمنة العالمية، تزداد الأمة العربية تفتتاً وانعزالاً [3].
​رابعاً: "طوفان الأقصى" وخيار المقاومة كطريق وحيد للتحرير
​إن معركة طوفان الأقصى وصمود المقاومة الأسطوري أثبتا بالدليل القاطع والدم القاني أن قضية فلسطين لا تُحل في أروقة المحافل الدولية والاعترافات الورقية، بل بتفعيل المقاومة الشاملة ومساندتها مادياً، ومعنوياً، وإعلامياً. لقد سقطت أوهام "الحياد"؛ فهذه قضية وجودية يجب أن تُبنى علاقات الأمة ومصالحها مع دول العالم بناءً على مواقفها منها.
​إن الطريق الوحيد لتحرير فلسطين -كل فلسطين- يمر عبر ضرب العقيدة الأمنية للكيان الصهيوني، واستهداف جنوده وقطعان مستوطنيه، لدفعه إلى إدراك كلفة الاحتلال، وزعزعة استقراره الزائف، وجعله يفكر جلياً في الهجرة العكسية والعودة إلى البلدان الأصلية التي جاء منها [4].
​الهوامش والتعليقات التوثيقية 
​[1] الهامش الأول (حول طبيعة الاعتراف الدولي الحالية):
شهدت الساحة الدولية بعد الـ7 من أكتوبر/تشرين الأول قفزة في الاعترافات الدبلوماسية (مثل اعتراف إسبانيا، وإيرلندا، والنرويج، وسلوفينيا بالدولة الفلسطينية).  فهذه الاعترافات -رغم أهميتها الأخلاقية وعزلها للكيان- جاءت كنتاج مباشر لـ "طوفان الأقصى" وصمود المقاومة، وليست منّة من المسارات التفاوضية. ومع ذلك، يظل التحذير قائماً من "تضخيم" هذه الخطوات وتحويلها إلى انتصار نهائي، بينما غزة تُباد والضفة تُضم فعلياً، مما يؤكد أن الميدان هو المحدد الأساسي للسيادة وليس الأوراق الدبلوماسية.
​[2] الهامش الثاني (حدود حل الدولتين وسقوط الأوهام):
جاءت معركة طوفان الأقصى لتطلق رصاصة الرحمة على ما يُسمى "حل الدولتين" الذي تستند إليه الاعترافات الدولية الحالية. لقد أثبت الصمود الأسطوري للمقاومة وشراسة الهجمة الصهيونية المدعومة أمريكياً أن الصراع هو "صراع وجود لا صراع حدود"، وأن أي اعتراف دولي يلتف على حق العودة والتحرير الكامل لكل شبر من فلسطين التاريخية هو محاولة لشرعنة وجود الكيان وتأمين بقائه.
​[3] الهامش الثالث (واقع التشرذم العربي والإقليمي والتواطؤ):
تتجلى  "الإقليمية والتشرذم العربي" في أبهى وأسوأ صورها اليوم؛ حيث يقف النظام الرسمي العربي عاجزاً -بل ومشاركاً عبر الحصار الإقليمي والاقتصادي وبناء ممرات بديلة لإنقاذ الكيان الصهيوني- أثناء حرب الإبادة الجماعية. هذا التشرذم يؤكد أن عزل القضية الفلسطينية عن عمقها القومي التحرري هو مصلحة استعمارية مشتركة لإبقاء الأمة مستباحة ومقسمة من قِبل القوى الإقليمية والدولية الطامعة.
​[4] الهامش الرابع (معادلة الأمن والهجرة العكسية بعد الطوفان):
هذا المحور يمثل الذروة التحليلية للمقال والتي تطابقت تماماً مع نتائج "طوفان الأقصى". لأول مرة منذ عام 1948، تهاوت العقيدة الأمنية الصهيونية (بأبعادها: الردع، والإنذار المبكر، والحسم الميداني). إن استهداف أمن الكيان وضرب العمق الاستيطاني الصهيوني في غلاف غزة وشمال فلسطين المحتلة أدى فعلياً إلى نزوح مئات الآلاف من المستوطنين داخلياً، وتصاعد أرقام الهجرة العكسية إلى الخارج بلا عودة. لقد أثبتت المقاومة عملياً أن تدمير "الرفاه والأمن" للمستوطن هو السبيل الأقصر لتفكيك البنية البشرية والاقتصادية للكيان الصهيوني الغاصب.


الخميس، 25 يونيو 2026

خرافة "السلام العادل" وحتمية التحرير بقلم: الناصر خشيني.

 

  قراءة في طبيعة الصراع العربي الصهيوني وحصاد العدوان بالأرقام

  مقدمة
كثيرا ما تُطرح مسألة "السلام العادل والدائم" في منطقة الشرق الأوسط، وهي في معظمها أطروحات مخادعة ومخاتلة، لا ترقى إلى الحل النهائي والشامل لمعضلة الشرق الأوسط، ولا يمكن أن تُنهي نزاعا قائما منذ نحو قرن من الزمان؛ وذلك لأن الحلول المقدَّمة جميعها في خدمة الكيان الصهيوني الغاصب للأرض والمعتدي على الحقوق. ونحن نعلم علم اليقين أن لكل مشكل حلا صحيحا واحدا موضوعيا، وأنه بنفس اليقين لا يمكن حله بغير ذلك الحل. وبناء عليه، إذا فهمنا قضية فلسطين فهما موضوعيا حقيقيا وبدون خداع، أمكن حينئذ وفقط السير نحو الحل الموضوعي الصحيح. وهذا المقال محاولة لتفنيد ذلك الخداع، واستعراض طبيعة الصراع الحقيقية، وتبيان الطريق الوحيد إلى التحرير، مع توثيق إحصائي لحصاد العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني عبر عقدين من الزمن.
المحور الأول: في تفنيد خرافة "السلام العادل" المطروحة على الأمة
أشرتُ في مقال سابق بعنوان "الصراع العربي الصهيوني وطبيعته" إلى أنه صراع وجود لا صراع حدود؛ فالصهاينة الذين يحتلون أرض فلسطين بالقوة الغاشمة، وتساعدهم في ذلك قوى دولية وإقليمية خوفا أو طمعا أو لحسابات سياسية واقتصادية، لم يضفوا على ذلك الاحتلال شرعية أبدا [1]. كل المبادرات التي تُقدَّم تحت لافتة "السلام العادل" تتقاسم خاصية واحدة: أنها تبدأ من الاعتراف بالاحتلال كواقعة ناجزة، وتفاوض على إدارته بدل إزالته، وهو بالضبط ما يجعلها خادعة، لأنها تستبدل الحق الموضوعي الواحد بحلول وسط تُبقي جوهر الظلم قائما.
المحور الثاني: الأمة العربية بين الهوية الحضارية والاستعداد للدفاع عن الوجود
نحن، كأمة عربية، أكثر من 90% من مواطنيها مسلمون، والبقية مسيحيون يتبعون في معظمهم الكنيسة الشرقية لا الغربية، وهم أقرب ما يكونون إلى الإسلام من المسيحية، بدليل اشتراكهم في الحروب الصليبية وحروب التحرر من الاستعمار الحديث إلى جانب إخوانهم من المسلمين دفاعا عن وطنهم. وهذا الانتماء للإسلام حضاريا وقيميا يعني أمرين:
أولا، أننا أمة مسالمة انسجاما مع مبادئ دينها، وتاريخها يؤكد هذه الحقيقة؛ فالحروب التي خضناها عبر تاريخنا لم تكن عدوانية استعمارية، بل كانت دفاعية عن النفس، وهذا أمر ثابت تاريخيا، بحيث لم نأتِ بأفكار عدوانية كالإقطاع أو الرأسمالية أو النازية أو الصهيونية، فكلها مفردات من خارج أمتنا، وقد اكتوينا بنيرانها وكنا ضحايا لها.
ثانيا، أننا أمة مستعدة للدفاع عن نفسها إلى أبعد الحدود، وإلى آخر فرد فيها وآخر قطرة دم؛ فنحن لا نظلم، ولكننا إذا ظُلمنا فلن نسكت كما تفعل بعض الشعوب. واليابانيون، حين أُصيبوا بقنبلتين نوويتين، أعلنوا الاستسلام والهزيمة، ومنذ ذلك الوقت لا تزال القوات الأمريكية تحتل بلدهم الذي صار تابعا ذليلا لأمريكا. أما العراق، فأثناء الغزو الهمجي له سنة 2003، وفي عشرين يوما فقط، سقط عليه ما يعادل سبعين قنبلة نووية، ولكن الشعب العراقي لم يستسلم، وها هو يفرض على الأمريكان بعد ست سنوات ونيف من المقاومة الضارية الانكفاء إلى مواقع خارج المدن، بعد سلسلة من الهزائم العسكرية والأخلاقية والسياسية والإعلامية وقعوا فيها، وها هو اقتصادهم يتهاوى وجنودهم ينتحرون فعلا على أسوار بغداد. وفي سنة 1982 اجتاحت العصابات الصهيونية لبنان، ولكنها بفعل المقاومة انسحبت مدحورة سنة 2000، وأعادت عدوانها عليه سنة 2006، ولكنها انهزمت ولم تحقق شيئا على الإطلاق، وحاولت أن تجرب حظها في أضعف الحلقات العربية والإسلامية، غزة المحاصرة والمجوَّعة، ولكنها لاقت نفس المصير.
المحور الثالث: بداهة القضية الفلسطينية وحتمية حق العودة
بناء على ما سبق، فإن الوضع في الشرق الأوسط لن يستقر ولن تهدأ الأمور فيه ما دام هناك احتلال للأرض، وهناك ملايين من المهجَّرين من بيوتهم وأرضهم، معظمهم لا يبعدون عنها سوى مسافة ساعة أو ساعتين بالسيارة، لأنهم يأملون العودة إلى بيوتهم يوما ما.
إن قضية فلسطين تكمن في بديهية واضحة تماما، لا لبس فيها ولا تستحق جدلا كبيرا: ببساطة هي قضية شعب اغتُصبت أرضه بالقوة الغاشمة من قبل أناس اضطهدتهم أوروبا، ومارست عليهم عنصريتها واستعلاءها وقهرتهم، وأرادت أن تحل مشكلتهم على حسابنا، فهذا لن يكون. الحل يكمن في عودة الصهاينة إلى بلدانهم الأصلية التي انطلقوا منها للعدوان على فلسطين واحتلالها بدون وجه حق، وخاصة أنهم لا يزالون يحتفظون بجنسياتهم الأصلية. أما العرب منهم الذين خانوا أمتهم المعتدى عليها، فيمكن للأمة أن تتجاوز عنهم إذا قبلوا فورا ودون تأخير العودة إلى مواطنهم الأصلية، ولكن القيادات المجرمة في الكيان الصهيوني لا بد أن تُحاسَب على قدر إجرامها وتُحاكَم محاكمة عادلة أمام محكمة لجرائم الحرب. لا بد من عودة اللاجئين إلى ديارهم وتعويضهم عن سني العذاب والحرمان، وعلى أوروبا، إن كانت ما تدّعيه حقا من كونها تدافع عن حقوق الإنسان والديمقراطية، أن تساهم في هذا التعويض بقدر ما فعلت من مساندة غير مشروعة للكيان الصهيوني، وأن تبادر فورا إلى تسيير رحلات جوية لجلب رعاياها من فلسطين المحتلة.
هذا هو السلام العادل والشامل الذي يفهمه كل الأحرار والشرفاء في العالم، فضلا عن المثقفين العرب وقادة الرأي والمفكرين، وحتى المواطن العادي لا يقبل أقل من هذا تحقيقا للسلام العادل والدائم في الشرق الأوسط، وبالتالي العالم ككل. وهو الحد الأدنى الذي نقبل به، ونعتبره المخرج الوحيد لكل القوى المتورطة في منطقتنا، وكل الواهمين بأن الأمة العربية غير قادرة على فرض هذا الحل. ونقول لهؤلاء الواهمين: إن الأمة العربية لها من إمكانيات الصمود والمقاومة، ولها من القدرات المادية والمعنوية والحضارية والقيمية والتاريخية، ما يجعلها قادرة، ولو بعد حين، على فرض الحلول المُثلى التي تتناسب مع ردع العدوان عنها وتحقيق كرامتها وعزتها المسلوبة، وقادرة على الإسهام في التقدم البشري.
المحور الرابع: الطريق إلى تحرير فلسطين
بعد أن توقف العدوان الهمجي على أهلنا في غزة، يثور في أذهاننا سؤال مشروع: ما الطريق إلى تحرير فلسطين، كل فلسطين من البحر إلى النهر، ودون تنازل عن أي ذرة تراب واحدة للصهاينة؟ وذلك أن كل تراب فلسطين قد تعمَّد بالدم وبدموع الأرامل واليتامى وآهات المعتقلين في سجون العدو، وكل هذه العذابات منذ عشرات السنين، أي منذ عمل الغرب والحركة الصهيونية على إقامة وطن قومي مزعوم لليهود في فلسطين. فما السبيل إلى تحرير هذه الأرض التي باركها الله؟
إني أعتقد أن الله سبحانه وتعالى اختار هذه الأمة لتنوء بحمل ثقيل، وهو مواجهة أعتى القوى في هذه الدنيا؛ ومن ذلك أن العراقيين لا يزالون يسعون لتحرير العراق من الاحتلال وعملائه، وكذلك السودان ولبنان والصومال، كلها تواجه تدخلا سافرا واحتلالا مباشرا أو غير مباشر، ولكنها مع ذلك لم تستكن، بل واجهت وقاومت وصمدت، وهو الحل الوحيد في رأيي لمواجهة التحديات.
وأما بالنسبة لفلسطين، فأعتقد أن الحل الوحيد لإنهاء الوجود الصهيوني يكمن في خيار المقاومة بكل أشكالها المشروعة، وفقا لميثاق الأمم المتحدة وقرارات الجمعية العامة المؤكدة لحق الشعوب في مقاومة الاحتلال، وتاريخ الشعوب المناضلة من أجل الحرية [2]، ومواصلة الاشتباك مع العدو الصهيوني بشكل دائم وعدم ترك الفرصة له ليلتقط أنفاسه، حتى يدرك أنه لا يستطيع القضاء على شعب بأكمله أراد التحرر. وذلك أن هدف الاحتلال هو توفير الأمن للمغرَّر بهم من الصهاينة من مختلف أنحاء العالم، فإذا منعناه من تحقيق هذا الهدف، فمعنى ذلك أن الهدف الاستراتيجي للعدو انهار، وبات العدو كأنه أتى الآن للمنطقة والأرض تهتز من تحته. فلا بد من تفعيل المقاومة والمواجهة اليومية بأدوات بسيطة، ولسنا في حاجة إلى جيوش جرارة تعادل قوة العدو من طائرات ودبابات وغيرها من الأسلحة المتطورة، فيمكن مواجهته بأسلحة بسيطة كالتي تمتلكها المقاومة الفلسطينية أو اللبنانية أو العراقية، ونحارب العدو بحرب العصابات.
وأما بالنسبة للتفاوض معهم، فلن يكون إلا في المراحل الأخيرة للصراع، وحول كيفية مغادرتهم لفلسطين وعودة اللاجئين إلى أرض الوطن. كما لا بد من تفعيل المقاطعة الاقتصادية ومحاصرة العدو وعدم تمكينه من تنمية كيانه اقتصاديا حتى لا يشعر بالرفاه، ويبقى دائما يعاني من العجز. كما يجب المواجهة عن طريق الإعلام بتقديم الحقيقة التاريخية حول صراعنا مع هذا العدو، وتقديم ذلك للعالم على أن مواجهتنا معه لا تعدو كونها عملا تحرريا من استعمار استيطاني عنصري شبيه جدا بنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.
المحور الخامس: شهادة الأرقام — حصاد العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني
إن ما سبق ذكره من طبيعة الصراع وحتمية المقاومة لا يبقى تجريدا نظريا، بل يتجسد دما ودموعا وتهجيرا تشهد عليه الأرقام الرسمية الفلسطينية والأممية عبر العقدين الأخيرين:
عدوان 2008-2009 ("الرصاص المصبوب"): استمر 23 يوما، واستُخدم فيه الفسفور الأبيض واليورانيوم المنضب، وأسفر عن سقوط نحو 1417 شهيدا في الحصيلة الأولى، منهم 926 مدنيا و412 طفلا و111 امرأة، وإصابة أكثر من 4336 آخرين، ثم ارتفعت الحصيلة النهائية إلى 1328 شهيدا و5450 جريحا بعد انتشال جثث من تحت الركام [3].
عدوان 2014 ("الجرف الصامد"): دام 51 يوما، شُنّ خلاله أكثر من 60 ألف غارة جوية على القطاع، وأسفر عن سقوط ما لا يقل عن 2251 شهيدا فلسطينيا في غزة وفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، إضافة إلى نحو 11 ألف جريح، وما يقارب ألفي يتيم خلّفته الحرب [4].
عدوان 2021 ("سيف القدس"): استمر 11 يوما، وأسفر عن سقوط نحو 250 شهيدا فلسطينيا وأكثر من 5 آلاف جريح، إلى جانب تدمير عشرات الأبراج السكنية ونحو 100 كيلومتر من الأنفاق [5].
عدوان أكتوبر 2023 المستمر (حرب الإبادة): وهو الأشد دموية في تاريخ الصراع كله. فبحلول نهاية ديسمبر 2025، بلغ عدد الشهداء في فلسطين أكثر من 72 ألف شهيد منذ السابع من أكتوبر 2023، نسبة 98% منهم في قطاع غزة، وهي أعلى حصيلة شهداء في تاريخ عدوان الاحتلال على فلسطين. وتحديدا في قطاع غزة، بلغ عدد الشهداء 70942 شهيدا، بينهم 18592 طفلا ونحو 12400 امرأة، إضافة إلى نحو 11 ألف شخص لا يزالون في عداد المفقودين تحت الركام، وارتفاع عدد الجرحى إلى 171195، واضطرار نحو 100 ألف فلسطيني إلى مغادرة القطاع، ونزوح نحو مليوني فلسطيني من بيوتهم من أصل نحو 2.2 مليون كانوا يقيمون فيه عشية العدوان. وفي الضفة الغربية، أسفرت العمليات العسكرية المتصاعدة وعنف المستوطنين عن استشهاد 1102 شهيد وإصابة 9034 آخرين. وقد انعكست هذه الخسائر على البنية الديموغرافية، فانخفض عدد سكان قطاع غزة بنسبة 10.6% خلال عامين [6].
وبحلول أبريل 2026، أحصت وزارة الصحة في غزة استشهاد 72345 شخصا وإصابة 172250 آخرين منذ بدء العدوان، فيما أعلنت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن أكثر من 38 ألف امرأة وفتاة (أكثر من 22 ألف امرأة و16 ألف فتاة) قُتلن في غزة بين أكتوبر 2023 ونهاية 2025، بمعدل لا يقل عن 47 امرأة وفتاة يوميا، وهي نسبة مرتفعة بشكل غير مسبوق مقارنة بكل النزاعات السابقة في القطاع [7]. وفي دراسة ديموغرافية مستقلة أجراها معهد ماكس بلانك لأبحاث الديموغرافيا ومركز الدراسات الديموغرافية، قُدِّر العدد الحقيقي للشهداء بما يتجاوز 100 ألف شخص حتى أكتوبر 2025، أي أكثر بكثير من الأرقام الرسمية المعلنة وقتها، مما يعني أن الحصيلة الحقيقية للمجازر الصهيونية تفوق كل الإحصاءات المتداولة [8].
وقد استمرت المجازر حتى في "مراحل توزيع المساعدات" بعد إعلان الهدنة جزئيا؛ فقد أعلن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان استشهاد 798 فلسطينيا من منتظري المساعدات منذ نهاية مايو 2025 وحده، بينما رفع المكتب الإعلامي الحكومي في غزة العدد إلى 773 شهيدا و5101 جريح و41 مفقودا، وكلهم من المدنيين المجوَّعين تحت الحصار، في مشهد وصفه المفوض العام للأونروا بأن غزة "أصبحت مقبرة للأطفال والجوعى" [9].
هذه الأرقام، على هولها، لا تشمل ضحايا التهجير القسري المستمر منذ النكبة الأولى سنة 1948، حين اقتُلع مئات الآلاف من الفلسطينيين من ديارهم، ولا ضحايا العدوانات المتكررة على لبنان والعراق وسوريا، وهي وحدها كافية لإثبات أن ما يُسمى "السلام العادل" المطروح دوليا لم يكن في يوم من الأيام سوى غطاء لاستمرار هذه المجازر دون محاسبة.
خاتمة
إن ما تكشفه الأرقام أعلاه ليس سوى الترجمة الدموية لرفض الكيان الصهيوني الانصياع لأي حل عادل، ولاستمراره في سياسة الأرض المحروقة بدل الإقرار بحق شعب كامل في وطنه. وكل هذا يؤكد ما بدأنا به: أن "السلام العادل" المطروح دوليا خرافة ما لم يقترن باعتراف صريح بحق العودة، والمحاسبة القانونية للمجرمين أمام محاكم جرائم الحرب، وانسحاب الصهاينة إلى بلدانهم الأصلية. وأن الطريق الوحيد المتبقي أمام الأمة هو مواصلة الاشتباك مع هذا العدو ضمن مقاومة مشروعة بكل أدواتها السياسية والاقتصادية والإعلامية والعسكرية، حتى يدرك العدو أنه لا يستطيع، بكل ترسانته وحلفائه، أن يقضي على شعب بأكمله أراد التحرر، وأن أرض فلسطين، من البحر إلى النهر، ستبقى عربية إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.
ثبت المراجع
[1] الناصر خشيني، "الصراع العربي الصهيوني وطبيعته" (مقال سابق للكاتب).
[2] الجمعية العامة للأمم المتحدة، القرار 3246 (1974) والقرار 37/43 (1982)، المتعلقان بحق الشعوب في تقرير المصير ومقاومة الاحتلال.
[3] ويكيبيديا، "الحرب على غزة (2008-2009)"؛ الجزيرة نت، "حروب إسرائيل على غزة".
[4] الحرة، "في 6 أيام.. إسرائيل قصفت غزة بما يعادل كل القنابل التي شنت بها حرب 2014"، أكتوبر 2023؛ وكالة الأناضول، "الذكرى الثالثة لحرب 2014 على غزة.. أرقام وحقائق".
[5] الجزيرة نت، "حروب إسرائيل على غزة.. بعضها بدأ باغتيالات"، يوليو 2024.
[6] الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، "أوضاع الفلسطينيين في نهاية عام 2025، وعشية رأس السنة الجديدة 2026"، ديسمبر 2025.
[7] صحيفة الدستور، "ارتفاع حصيلة الشهداء في غزة إلى 72345 منذ عدوان أكتوبر 2023"، أبريل 2026؛ هيئة الأمم المتحدة للمرأة، تقرير حول قتلى النساء والفتيات في غزة، أبريل 2026.
[8] معهد ماكس بلانك لأبحاث الديموغرافيا ومركز الدراسات الديموغرافية (MPIDR/CED)، دراسة تقديرية لحصيلة شهداء غزة، أكتوبر 2025 (نقلا عن وكالة الأنباء الفلسطينية).
[9] الجزيرة نت، "إحصاء أممي يوثق حصيلة الشهداء المجوّعين بغزة"، يوليو 2025.

 

الخميس، 18 يونيو 2026

قرأتُ لكم التقدّم… على الطريق المسدود لعصمت سيف الدولة بقلم الناصر خشيني



حين يتحوّل وهم الحل إلى جزء من المشكلة                 
      لا يمكن أن يكون هذا الكتاب سردًا تاريخيًا آخر للقضية الفلسطينية، ولا محاولة لتكديس الوقائع منذ 1897 إلى ما بعد 1967، بل هو – في جوهره – محاكمة فكرية لمسار سياسي كامل، سُمّي زورًا “تقدّمًا”، بينما كان في الواقع سيرًا متدرجًا نحو الطريق المسدود.

ينطلق المؤلف من مسلّمة مركزية:
أن مأزق القضية الفلسطينية ليس نتاج الهزيمة العسكرية فقط، بل ثمرة تراكم خيارات سياسية خاطئة، ورهانات مكرورة، وانتقال متدرّج من منطق التحرير إلى منطق التكيّف مع الهزيمة.

من وعد بلفور إلى نكبة 1948، ثم إلى نكسة 1967، لا يرى الكاتب هذه المحطات كصدمات منفصلة، بل كحلقات في سلسلة واحدة:سلسلة التنازلات المؤجلة، والمقاومة المؤطّرة، والرهان الدائم على الخارج.

1. وهم “التقدّم” في الخطاب السياسي العربي

يُفكك الكتاب مفهوم “التقدّم” كما استُخدم في الخطاب العربي الرسمي:
تقدّم نحو التسوية،
تقدّم نحو الواقعية،
تقدّم نحو الحل المرحلي…

لكن الكاتب يطرح السؤال الحاسم:
تقدّم إلى أين؟ وبأي كلفة؟ وعلى حساب من؟

فالتحوّل من فلسطين التاريخية إلى فلسطين المجزأة،
ومن التحرير الكامل إلى دولة منقوصة،
ومن الكفاح الشعبي إلى التفاوض اللامتكافئ،
لم يكن – في نظره – تقدّمًا، بل إعادة تعريف للهزيمة بوصفها إنجازًا سياسيًا.

2. 1967: لحظة انكشاف لا لحظة قطيعة

يرفض المؤلف اعتبار هزيمة 1967 مجرد منعطف عسكري، ويقرأها باعتبارها لحظة انكشاف عميق لبنية النظام العربي:
أنظمة رفعت شعارات كبرى، لكنها افتقرت إلى مشروع تحرري حقيقي،
وجيوش استُنزفت في الداخل أكثر مما وُجهت إلى العدو،
ونخب سياسية تعاملت مع فلسطين كورقة شرعية لا كقضية وجود.

ومن هنا، يرى أن ما بعد 1967 لم يكن تصحيحًا للمسار، بل إدارة ذكية للهزيمة، عبر تسويق الحلول المرحلية، وتحويل الصراع من صراع تحرّر إلى نزاع حدود.

3. المشروع الصهيوني: وضوح الهدف مقابل ارتباك الخصم

في مقابل التخبط العربي، يُبرز الكتاب سمة مركزية في المشروع الصهيوني:
ثبات الهدف وتدرّج الوسيلة.

من 1897 إلى 1948، ثم إلى ما بعد 1967، لم يتنازل المشروع الصهيوني عن جوهره، بل كان يتقدّم خطوة خطوة، بينما كان الطرف العربي يتراجع خطوة خطوة، ويُسمي التراجع “واقعية”.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة التي يلحّ عليها المؤلف:
أن من قدّموا أنفسهم دعاة “العقلانية السياسية” كانوا في الواقع أكثر من خدم منطق القوة لدى العدو.

4. الطريق المسدود: حين يصبح الحل جزءً من الأزمة

يصل الكتاب إلى خلاصته القاتمة:
أن ما سُمّي “حلًا” للقضية الفلسطينية، منذ أواخر الستينات، لم يفتح أفقًا، بل أغلقه.فلا الأرض عادت،ولا السيادة تحققت و،لا اللاجئون استعادوا حقهم،ولا العدو توقّف عن التوسع.

الطريق المسدود، إذن، ليس حدثًا طارئًا، بل نتيجة طبيعية لمسار بُني على قبول منطق القوة، والتعايش مع ميزان مختل، والتنازل المسبق عن عناصر الصراع.

5. ما الذي يبقى من هذا الكتاب اليوم؟

قيمة هذا الكتاب لا تكمن في تفاصيله التاريخية فقط، بل في منهجه النقدي الذي لا يزال صالحًا:
نقد الأوهام،
تفكيك اللغة السياسية،
والتحذير من تحويل الهزيمة إلى ثقافة.

هو كتاب يذكّرنا بأن أخطر ما في الصراع العربي–الصهيوني
ليس تفوق العدو،
بل اعتيادنا على الخسارة، وتسويقها كحكمة سياسية.

خاتمة
«التقدّم… على الطريق المسدود» ليس كتاب يأس، بل كتاب تحذير.
تحذير من تكرار المسار ذاته مع انتظار نتيجة مختلفة.
وهو، في زمن الانهيارات العربية المتلاحقة، قراءة ضرورية لفهم كيف نصل دائمًا متأخرين… وكيف نسمّي التراجع “خيارًا استراتيجيًا”.

الأربعاء، 17 يونيو 2026

تفاهم إيران – أميركا: لماذا لم تُدرَج غزة؟ ليلى نقولا




منذ الإعلان عن توقيع تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران وإدراج لبنان من ضمنه، خرج بعض الأصوات العربية التي تلوم إيران على عدم إدراج غزة من ضمن تفاهمها مع الولايات المتحدة.

لا شكّ في أن العديد من هذه الأصوات ينتقد بدافع قومي ووطني وإنساني، لرغبة منهم بوقف الإبادة التي تفتك بأهل غزة منذ سنوات. لكن هناك بعض الأصوات الأخرى التي تستخدم هذا اللوم لتكرّس سردية أن "ايران وحزب الله أرادوا النجاة بأنفسهم وتركوا غزة وحيدة"، وهي أصوات- وخلال سنوات ثلاث- استمرت تتهم الجميع بالتقصير وترك غزة وحيدة، حتى في خضمّ الحرب الإسرائيلية على لبنان وتقديمه آلاف الشهداء إسناداً لغزة.

ولمقاربة موضوع بقاء غزة خارج إطار التفاهم الإيراني الأميركي، بصيغة هادئة وموضوعية، ندرج الأسباب التالية:

الاختلاف بين حماس وحزب الله في علاقتهما بإيران

منذ تأسيس حماس كقوة مقاومة ضد "إسرائيل"، كانت تربطها علاقات بقوى إقليمية داعمة منها إيران وقطر وتركيا. وطبعاً، تختلف العلاقة بين حماس وداعميها من ناحية العمق والوسائل والعقيدة وغيرها، فبينما ترتبط العلاقة مع إيران بأولوية الصراع مع "إسرائيل"، تكتسب علاقة حماس مع تركيا بُعداً أيديولوجياً أعمق بكثير. 

بهذا المعنى تختلف العلاقة بين إيران وحماس عن علاقة إيران مع حزب الله الذي يرتبط عقائدياً ودينياً وأيديولوجياً وحتى عضوياً بإيران. وعلى هذا الأساس، حينما اضطرت حماس للاختيار بين حلفائها خلال الربيع العربي، اختارت الانحياز للأيديولوجيا، وهذا مفهوم في العلاقات التحالفية من هذا النوع.

وخلال حرب غزة، اعتمدت حماس بالكامل على وساطة مصر وقطر والوسطاء الدوليين، ولم تُدرج إيران في أي مفاوضات رسمية، وهذا يعني عمليًا أن حماس لم تكن ترى إيران وسيطًا مفيدًا، أو لا تثق بقدرة إيران على الضغط لتحقيق نتائج تفاوضية توقف الحرب على غزة.

 في المقابل، وبالرغم من إدراك حزب الله أنه سيتعرض للكثير من الانتقادات الداخلية اللبنانية، ومنها اتهامه "بالعمالة لإيران" وبأنه بجرّ لبنان الى حرب ثأراً للإمام الخامنئي، أصرّ - بما لا يقبل الشكّ - على ربط الجبهة اللبنانية بالإيرانية استباقاً لاي فصل ممكن في المستقبل وهو ما عبّر عنه بوضوح مقصود ومتعمّد في بيان "مشمار الكرمل" في الـ 2 من آذار 2026.

موقف "إسرائيل" والولايات المتحدة:

لا شكّ في أن الإسرائيلي ومنذ بداية الحرب على غزة، وضع شروطاً على مَن يسمح له بالوساطة في موضوع غزة. على سبيل المثال لا الحصر، رفض إدخال تركيا كدولة ضامنة أو وسيطة بالرغم من كل العلاقة التي تربط تركيا بحماس وقدرتها على تحقيق اختراقات.

وبالرغم من المحاولات التي بذلها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، استمرّ الإسرائيلي في رفض الوساطة التركية بينما وافق على وساطة قطر ومصر، الى أن استنفدت حرب غزة نفسها، حينها أدخل الأميركيون تركيا والعديد من الدول العربية في اتفاق السلام النهائي، وفي مجلس السلام حول غزة.

في هذا الإطار، يمكن أن ندرك أن الإسرائيلي ومعه الأميركي كان سيرفض رفضاً قاطعاً إدراج غزة في أي نقاش مع إيران في هذه المرحلة أو حتى في مرحلة سابقة. 

لنقارن مثلاً مسألة إدراج لبنان في مسار باكستان، كيف جرى رفضها بشكل تام من الإسرائيلي، وقد تسبّب ربط المسارين بقيام "إسرائيل" بمجزرة كبرى في بيروت. أما الطرف الأميركي فلم يكن بعيداً عن هذا الرفض.

فبعد إعلان رئيس وزراء باكستان شمول لبنان بالاتفاق الأول (نيسان 2026)، تراجع الأميركيون وتمّت الموافقة (على عجل وبعد تمنّع إسرائيلي) على مفاوضات مباشرة بين لبنان و "إسرائيل". حينها، قال ترامب إن لبنان غير مشمول بالاتفاق بين أميركا وإيران، لأن له مساره الخاص بين "إسرائيل" والسلطة اللبنانية. 

وللتأكيد على رفضه دمج المسارات، أصرّ الجانب الأميركي على تضمين العبارة نفسها في البيانين اللذين أصدرهما بعد محادثات واشنطن وهي "التأكيد أن أي اتفاق لوقف الأعمال العدائية يجب أن يتم التوصل إليه مباشرة بين الحكومتين، بوساطة أميركية، وليس عبر أي مسار منفصل". 

إن ما سبق، يشير وبما لا يقبل الشك، إلى أن أي عرض من قبل إيران لدمج غزة بالاتفاق، كان سيتم رفضه بشكل قاطع من "إسرائيل"، وسيتم رفضه بشكل مطلق من الأميركيين والإجابة بأن لغزة مسارها المنفصل، وقد جرى تأسيس مجلس السلام لهذا الغرض، وأن حماس وقعت اتفاقاً أصلاً، ولا علاقة لإيران بالموضوع.

مواقف العرب والدول الإقليمية:

إن قيام إيران بدمج غزة في مفاوضاتها مع الأميركيين، سيثير حفيظة الدول الراعية لحماس بالدرجة الأولى (ومنهم تركيا)، وحفيظة العديد من العرب، الذين سيعتبرون أن إيران تريد أن تكسب نفوذاً في الإقليم على حساب القضية الفلسطينية.

في هذا الإطار، لو أصرّت إيران على ربط مفاوضاتها بغزة، لكانت الأصوات العربية والمعلّقون والإعلاميون، اتهموا إيران بإضافة ملف غزة كورقة لتعزيز وضعها التفاوضي، وهو تماماً ما قيل حول لبنان. لأشهر، قالت أصوات متعددة في لبنان والعالم العربي، إن إيران تستغل جبهة لبنان لتعزيز وضعها التفاوضي، مع العلم أن جبهة لبنان كانت الحلقة الأضعف في الحرب الدائرة حالياً، وهي الجبهة التي حاول الإسرائيلي والأميركي استخدامها للضغط على إيران وليس العكس.

علم المفاوضات:

في علم التفاوض، هناك معايير تحكم جولات التفاوض وما يمكن أن يستخدم من أوراق، والسقوف التفاوضية وغيرها. من أهم هذه المعايير هي إدراك المفاوض المتمرس ما هو الحد الأقصى الذي يستطيع فيه أن يرفع إليه سقف مطالبه من دون أن يفجّر المفاوضات برمّتها.


على سبيل المثال، أدخل الأميركيون إلى جولات التفاوض الأولى والثانية مع إيران، بنوداً تعجيزية، منها "عدم الاعتراف بحق إيران في التخصيب"، والتخلص من برنامجها الصاروخي إلخ... مع العلم أنهم يدركون أن هذه من الخطوط الحمر الإيرانية. كان الهدف تفجير المفاوضات ووصولها إلى حائط مسدود لتبرير شنّ الحرب.


بالمثال، لو أدرج الإيراني "بند غزة" وهو يدرك أنه من الخطوط الحمر التي لن يقبل بها الأميركي ولا الإسرائيلي، فهذا يعني أنه يحكم على المفاوضات بالفشل مسبقاً، لأن إدراج غزة في هذه المرحلة سيعقّد الاتفاق وقد لا يصل إلى نتيجة، وهو ما يريده نتنياهو بالضبط.


في النتيجة، إن عدم إدراج بند غزة له ظروفه الموضوعية والواقعية، لكن هذا لا يعني أن إيران قد تخلّت عن دعم الفلسطينيين، وسيكون لخروج إيران ولبنان من الاستنزاف والحروب، وخسارة "إسرائيل" وانسحابها من لبنان، تأثير كبير على القضية الفلسطينية، سوف تبرز نتائجه على المديين المتوسط والطويل

الخميس، 11 يونيو 2026

التصعيد الأمريكي-الإيراني ومعضلة الشرق الأوسط: بقلم الناصر خشيني

 


التصعيد الأمريكي-الإيراني ومعضلة الشرق الأوسط:
لن تُحلَّ العقدة إلا بعودة الشعب الفلسطيني إلى أرضه
الناصر خشيني
كاتب وصحفي ومحلل سياسي - نابل، تونس | مؤسس "الحرية أولاً"
مدخل: جذر الأزمة
لا يمكن فهم التصعيد الأمريكي-الإيراني المتجدد في منطقة الشرق الأوسط، ولا استيعاب تشعّبات الحروب والمحاصرات التي اجتاحت دوله من العراق إلى سوريا ومن ليبيا إلى اليمن، دون الرجوع إلى الجرح الأصلي الذي لم يُضمَّد منذ أكثر من سبعة عقود: الجرح الفلسطيني. فمنذ اليوم الأول لإعلان قيام الكيان الصهيوني في مايو 1948، والمنطقة تعيش على فوهة بركان لا يهدأ، وكل محاولة لمعالجة الأعراض دون معالجة العلّة الأصلية لم تُنتج سوى مزيد من الاحتراق والدماء.¹
يطرح هذا المقال مقاربةً تحليليةً تربط التصعيد الأمريكي-الإيراني الراهن بمحوره الحقيقي، وهو ضمان بقاء الكيان الصهيوني وحمايته على حساب حقوق الشعوب العربية ومصالحها الاستراتيجية، معتمداً على قراءة تاريخية وجيوسياسية متكاملة، تتتبع المسار الدموي لتدخلات واشنطن في المشرق العربي وشمال أفريقيا منذ عام 2003 حتى اليوم.²
أولاً: القضية الفلسطينية جوهر الصراع لا هامشه
يُصرّ المنطق الغربي والصهيوني على تصوير التوترات الإقليمية بوصفها صراعات دينية-مذهبية أو صراعات نفوذ إقليمي بين قوى متنافسة، وكل ذلك في سياق ذرّ الرماد في العيون وصرف الأنظار عن المعادلة الجوهرية: أن هذه المنطقة لن تعرف استقراراً حقيقياً طالما بقيت أرض فلسطين محتلة، وطالما ظلّ الشعب الفلسطيني شريداً مهجَّراً في مخيمات البؤس واللجوء.³
منذ نكبة عام 1948، وقعت حروب كبرى متعاقبة: حرب 1956، وحرب يونيو 1967 التي ابتلعت الضفة والقطاع وسيناء والجولان، وحرب أكتوبر 1973، والاجتياح الإسرائيلي للبنان 1982، ثم الانتفاضتان الشعبيتان، وسلسلة الحروب على غزة من 2008 وحتى الإبادة الجماعية المتواصلة منذ أكتوبر 2023. هذا التسلسل ليس عرضياً، بل هو نتاج منطقي لوجود جسم غريب زُرع قسراً في القلب العربي دون موافقة أصحاب الأرض.⁴
والمعادلة بسيطة ومُرّة في آنٍ واحد: لا استقرار في المنطقة دون حل القضية الفلسطينية، ولا حل للقضية الفلسطينية دون عودة الشعب الفلسطيني إلى أرضه وإزالة الاحتلال، فكل ما عدا ذلك ليس سوى إدارة للأزمة وتدوير لها، لا علاج لها.⁵
ثانياً: أمريكا حارسة الكيان ومحرّكة التدمير
2-1: العراق.. أول الدروب
كانت حرب عام 2003 على العراق هي الفصل الأكثر جرأةً وفجاجةً في مشروع تدمير المنطقة بذريعة حماية الكيان الصهيوني. فالعراق الذي كان يمتلك ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم، وجيشاً وقدرات مؤسسية وعلمية لافتة، كان يُمثّل ثقلاً موازناً حقيقياً في المعادلة الإقليمية. أفضى الغزو الأمريكي إلى تدمير الدولة، وحلّ الجيش، وتفكيك المؤسسات، ثم فتح الباب واسعاً أمام الفوضى الطائفية والإرهاب المُصنَّع الذي استُخدم ذريعةً لتبرير الاحتلال الممتد.⁶
ولم يتوقف الأمر عند الغزو العسكري، بل امتد إلى حصار اقتصادي خانق سبقه منذ عام 1990 وتلاه، أودى بحياة مئات الآلاف من الأطفال وفقاً لتقارير الأمم المتحدة ذاتها. والعراق اليوم، رغم مرور عشرين سنة على الغزو، لا يزال يرزح تحت وطأة الانقسام والهشاشة المؤسسية والنفوذ الأجنبي المتشعّب.⁷
2-2: سوريا.. حرب الوكالة ومشروع التفتيت
لم تُدمَّر سوريا بجيوش أمريكية مباشرة بالضرورة، لكن واشنطن ضخّت عشرات المليارات من الدولارات في دعم الجماعات المسلحة وتنظيم شبكات التسليح عبر الأراضي التركية والأردنية، وأسبغت على ذلك غطاء خطاب «دعم الثورة الشعبية». والنتيجة التي رأيناها هي: دولة مهشّمة، وملايين من المهجّرين، وبنية تحتية دُمِّرت تدميراً منهجياً، وفوق كل ذلك حصار اقتصادي قاتل يُكرَّس عبر قانون قيصر الأمريكي الذي يستهدف الشعب السوري في رزقه وغذائه ودوائه.⁸
والهدف الاستراتيجي من وراء كل ذلك ليس خافياً: إزاحة الدولة السورية من معادلة محور المقاومة، وتأمين الجبهة الشمالية لإسرائيل، وتحقيق حلم التفتيت الذي طالما رسمه المخططون الأمريكيون والإسرائيليون في مراكز دراساتهم.⁹
وقد جاء سقوط دمشق في ديسمبر 2024 وتسلّم جماعات مسلحة ذات خلفيات جهادية مقاليد الحكم، بعد عقد كامل من الحرب الضروس، ليُؤكد مدى عمق هذا المشروع وطول نفَسه.¹⁰
2-3: ليبيا.. نموذج التدمير بالناتو
في ليبيا كان المشهد مختلفاً في أدواته لكن متشابهاً في مآلاته. استغلّت واشنطن وحلفاؤها الأوروبيون قرار مجلس الأمن رقم 1973 الخاص بحظر الطيران، لتحوّله إلى غطاء لعملية عسكرية شاملة أسقطت نظام القذافي وأجهزت على الدولة الليبية برمّتها. ليبيا التي كانت تمتلك أعلى مستوى معيشي في أفريقيا والاحتياطي النفطي الأضخم في القارة، صارت منذ 2011 دولة فاشلة مقسّمة بين حكومتين وميليشيات لا تُحصى.¹¹
والأدهى أن الفراغ الذي خلّفه التدخل الغربي فتح الأبواب أمام الإرهاب الذي تمدّد جنوباً نحو منطقة الساحل الأفريقي، في نتيجة كانت متوقَّعة لكل مراقب، وكأنها كانت مقصودة ومُبرمجة ابتداءً.¹²
2-4: اليمن.. الحرب بالوكالة على شعب جائع
أما اليمن فقد عاش واحدة من أبشع الجرائم الإنسانية في التاريخ المعاصر، إذ رأت واشنطن في التدخل العسكري السعودي-الإماراتي منذ مارس 2015 أداةً مناسبة لإخضاع الحوثيين الذين رفعوا شعار معاداة إسرائيل، فضلاً عن احتواء النفوذ الإيراني. قدّمت الولايات المتحدة الدعم اللوجستي والاستخباراتي والتسليحي الكامل لهذه الحرب، وشاركت بصورة مباشرة في تحديد بعض الأهداف. ووفقاً لتقرير الأمم المتحدة الصادر عام 2021 فإن الحرب على اليمن خلّفت نحو 377,000 ضحية بالقتل المباشر والأمراض والجوع.¹³
ثالثاً: الإمارات.. الذراع الخليجية في خدمة واشنطن
يستحق الدور الإماراتي وقفةً خاصة، إذ تحوّلت دولة الإمارات في العقد الأخير إلى أداة فاعلة لتنفيذ السياسة الأمريكية في المنطقة، وذلك في إطار تبادل المصالح: فأبوظبي توفّر الغطاء العربي وتضخّ الأموال، وواشنطن تضمن أمنها وتُمكّنها من التوسع الاقتصادي والنفوذ.¹⁴
في اليمن، قادت الإمارات عمليات برية وموّلت الميليشيات الانفصالية في الجنوب، وأدارت سجوناً سرية وفق ما وثّقته منظمات حقوق الإنسان الدولية. وفي السودان، كانت أبوظبي الداعم الرئيسي لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي»، التي شنّت حرب الإبادة والنهب الممنهج منذ أبريل 2023.¹⁵
ولا يفوتنا في هذا السياق أن الإمارات هي إحدى الدول العربية الموقّعة على اتفاقيات أبراهام عام 2020، التي طبّعت علاقاتها مع الكيان الصهيوني ووفّرت له بذلك ظهيراً خليجياً ثميناً، في اللحظة التي كان مطلوباً فيها أن تكون إلى جانب القضية الفلسطينية.¹⁶
رابعاً: إيران في المعادلة.. الخصم الذي صُنع لأغراض بعينها
لا يعني التسليم بالدور الإيراني في المنطقة التبرئةَ الكاملة لسياساته أو القبول بكل ممارساته التوسعية، غير أنه لا بد من قراءة واقعية للدور الذي أدّته واشنطن في صناعة هذا الدور وتضخيمه. فمنذ الثورة الإيرانية عام 1979 والحرب العراقية-الإيرانية التي دعمتها أمريكا بالسلاح والاستخبارات، لم تتوقف واشنطن عن استخدام إيران سواءً كعدو يُبرّر الانتشار العسكري الأمريكي في الخليج أو كمنافس يُوظَّف لإرباك قوى الممانعة.¹⁷
والتصعيد الراهن بين البلدين ليس وليد عداء أيديولوجي خالص، بل هو في جوهره صراع نفوذ وإعادة رسم تموضع، يجد طريقه دائماً إلى التصعيد كلما اقتربت أطراف المفاوضات من اتفاق نووي أو تهدئة استراتيجية، ذلك أن جماعات الضغط الصهيونية واللوبيات المرتبطة بإسرائيل في واشنطن تعمل بجد لإفشال كل تقارب أمريكي-إيراني يُفضي إلى تخفيف القلق الوجودي على الكيان.¹⁸
خامساً: السودان.. ساحة التدمير الجديدة
لا يختلف الوضع في السودان عمّا شهدته الدول الأخرى في المنطقة من حيث البنية العميقة للأزمة. فبعد سنوات من الحصار الأمريكي الذي أُعلن رسمياً بتهمة دعم الإرهاب، ثم مسيرة التطبيع التي انطلقت في سياق اتفاقيات أبراهام، فُتحت الأبواب أمام نفوذ الإمارات في الخرطوم وفي العمق الأفريقي السوداني.¹⁹
حين اندلعت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، كشفت التقارير الدولية عن دعم إماراتي مالي وتسليحي واسع لقوات «حميدتي»، في استعادة لنموذج ليبيا: تمزيق دولة ذات ثقل عربي-أفريقي وإخراجها من معادلة القرار المستقل.²⁰
سادساً: لماذا لا حل دون فلسطين؟
الإجابة تستدعي فهم طبيعة المشروع الأمريكي-الصهيوني في المنطقة. هذا المشروع لا يسعى إلى الاستقرار، بل يستثمر في عدم الاستقرار. فالمنطقة المنهكة بالحروب الأهلية والتدخلات والحصارات لا تستطيع أن تُنشئ جبهة موحّدة في مواجهة التمدد الصهيوني. وما إن تتجمّع القوى نحو شكل من أشكال التوحّد السياسي أو الاقتصادي حتى تُطلق واشنطن الفتنة أو تشعل الحرب أو تُفرض العقوبات.²¹
أما فلسطين فهي ليست قضية أخلاقية أو إنسانية فحسب، وإن كانت كذلك، بل هي أيضاً قضية استراتيجية: فطالما بقي الشعب الفلسطيني محاصراً في غزة ومطارَداً في الضفة الغربية ومُشرَّداً خارج وطنه، فإن ذلك يُغذّي مستوىً من الغضب الشعبي العربي الذي تستثمر فيه إيران والقوى الإقليمية المختلفة لتبرير تدخلاتها، ولا يُلغي هذا الغضبَ إلا زوال سببه، أي زوال الاحتلال.²²
والحل الوحيد الحقيقي هو أن يعود الشعب الفلسطيني إلى أرضه بحق تقرير المصير الكامل، وأن تتوقف الدول الغربية عن دعم الاحتلال سياسياً وعسكرياً وعن توفير الغطاء الدولي له في مجلس الأمن. أما دون ذلك، فالشرق الأوسط يسير من أزمة إلى أزمة، من حرب إلى حرب، في دوامة لا قرار لها.²³
خاتمة: الدرس الذي لا يريد أحد أن يتعلّمه
يمكن تلخيص ما سبق في حكمة واحدة مُضمَّخة بدم الشهداء العرب على امتداد سبعة عقود: لن يهدأ الشرق الأوسط ما لم يعد الشعب الفلسطيني إلى أرضه ويحقّق استقلاله وسيادته. كل الحلول الجزئية، كل التسويات المُجزّأة، كل مشاريع التطبيع التي تتقدم بها واشنطن وتروّج لها دول الخليج، ليست سوى محاولات لإرجاء الاستحقاق لا إلغائه.²⁴
أما التصعيد الأمريكي-الإيراني الراهن، فينبغي قراءته بعيون مفتوحة: إنه ليس خلافاً بين طرفين متكافئين على مصالح مشروعة، بل هو جزء من إدارة منظومة إمبريالية لصراعات مصطنعة تدور رحاها فوق رؤوس الشعوب العربية وفي أراضيها وبدمائها، بينما تُخصَّب أرباح شركات التسليح في واشنطن وباريس ولندن، وتُصان حدود الكيان الصهيوني المتمدّد بحماية أمريكية مطلقة.²⁵
إن مصلحة الامة العربية تقتضي بناء إرادة جماعية مستقلة، ترفض الاصطفاف في أي محور خارجي وخاصة مع الغرب المتصهين، وتعمل على استعادة الحق الفلسطيني بكل الوسائل المشروعة المتاحةبما في ذلك المقاومة بكل اشكالها، وان تُعيد صياغة علاقاتها الدولية على أساس السيادة والتكافؤ لا التبعية والاستزلام. فهذا هو الطريق الوحيد للخروج من مأزق الشرق الأوسط المزمن.²⁶

 المراجع والهوامش

¹ أنور عبد الملك، المجتمع الجدلي في الفكر العربي المعاصر، دار المستقبل العربي، القاهرة، 1985، ص 112-115.

² نوم تشومسكي، السيطرة على الإعلام، ترجمة نبيل صبحي، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1997، ص 89.

³ وليد الخالدي، «لماذا فلسطين؟» مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 3، صيف 1990، ص 5-17.

⁴ إيلان بابيه، التطهير العرقي في فلسطين، ترجمة أحمد خليل، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 2007، ص 23-57.

⁵ محمد حسنين هيكل، المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل، الجزء الثاني، دار الشروق، القاهرة، 1996، ص 314.

⁶ هانز بليكس، خلع سلاح العراق، ترجمة شوقي جلال، المجلس الوطني للثقافة والفنون، الكويت، 2004، ص 200-234.

⁷ تقرير اليونيسف حول وفيات الأطفال في العراق في فترة الحصار 1990-2003، نيويورك، 2000.

⁸ روبرت فيسك، البلد الكبير، دار المدى، دمشق، 2006، ص 560-590.

⁹ أوفر شيلاح، لماذا تريد إسرائيل تفكيك سوريا؟، هآرتس، يوليو 2015 (مترجم).

¹⁰ تقارير المرصد السوري لحقوق الإنسان، ديسمبر 2024.

¹¹ منظمة هيومن رايتس ووتش، ليبيا: الحرب المنسية، تقرير 2012.

¹² تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول الوضع في الساحل، مجلس الأمن، نوفمبر 2013.

¹³ فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن، تقرير 2021، وثيقة رقم A/HRC/48/20.

¹⁴ ديفيد كيركباتريك، طريق الإمارات إلى السلطة الإقليمية، نيويورك تايمز، أبريل 2019 (مترجم).

¹⁵ منظمة العفو الدولية، الإمارات والحرب في اليمن: السلاح وإفلات الجناة من العقاب، 2020.

¹⁶ اتفاقيات أبراهام، وثيقة البيت الأبيض، سبتمبر 2020.

¹⁷ تريتا بارسي، خيانة إيران، دار الكتاب العربي، بيروت، 2009، ص 78-105.

¹⁸ ميرشايمر وولت، اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية، ترجمة محمد بشارة، الدار العربية للعلوم، 2009.

¹⁹ تقرير مجموعة الأزمات الدولية حول السودان والتطبيع، يناير 2021.

²⁰ تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش حول السودان، يوليو 2023.

²¹ نعوم تشومسكي، مصير المنطقة، خطاب في مؤتمر القضية الفلسطينية، بوسطن، 2014 (مترجم).

²² عزمي بشارة، فلسطين المسألة، المركز العربي للأبحاث، الدوحة، 2016، ص 340-380.

²³ بيان الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 الصادر عام 1948 وإقراره بحق العودة الفلسطيني.

²⁴ سلمى الخضراء الجيوسي، «الوجدان العربي وفلسطين»، الكرمل، العدد 15، 1985، ص 3-18.

²⁵ ستيوارت إيزنستات، مصالح أمريكا في الشرق الأوسط، مجلس العلاقات الخارجية، نيويورك، 2018 (مترجم).

²⁶ الناصر خشيني، الاحتلال الثلاثي للعراق، منشورات الحرية أولاً، نابل، 2022.

الاثنين، 8 يونيو 2026

درس في الكرامة وفك الحصار من تاريخنا (قراءة متجددة في زمن الطوفان بقلم الناصر خشيني


 حين كتبتُ قبل سنوات مقالي "درس في الكرامة وفك الحصار من تاريخنا"، كنتُ أنطلق من إيمانٍ راسخ بأن الحصار المفروض على أهلنا في غزة ليس مجرد تدبير تقني أو جدار إسمنتي وأسلاك شائكة تُضرب حول بقعة جغرافية، بل هو في جوهره معركة إرادات واختبار وجودي لمفهوم الكرامة الإنسانية والسياسية لأمتنا العربية والإسلامية. واليوم، ونحن نعيش فصول ملحمة تاريخية غير مسبوقة، أجد نفسي مدفوعاً لإعادة قراءة ذلك النص واستحضار أبعاده، فالدم النازف والفعل المقاوم الأسطوري يعيدان اليوم صياغة هذا الدرس التاريخي، لينتقلا بالأمة من حيز "الدفاع عن النفس" إلى مرحلة "فرض المعادلات وصناعة السيادة".

إن الواقع الراهن قد تجاوز كل الخطوط الحمراء والشرائع الدولية؛ فلم يعد الحصار مجرد منع للإعمار والوقود والمواد الأساسية كما كان في العقود الماضية، بل إننا نعيش اليوم فصلاً مرعباً من "حرب الإبادة الجماعية"، حيث تحول التجويع الممنهج، ومنع حبة القمح وقطرة الماء الروية، ودك المستشفيات إلى سلاح عسكري مباشر ومقصود. هذا التحول البنيوي في عقلية الاحتلال الغاشم لم يعد يستهدف الضغط على الإرادة السياسية للمقاومة فحسب، بل يهدف بوضوح واعتراف علني إلى تهجير الإنسان واقتلاعه من أرضه، وتصفية القضية الفلسطينية برمتها وسط تواطؤ دولي مخزٍ وعجز إقليمي فاضح.
وفي مقارنتي التاريخية التي تمسكتُ بها، ستبقى "غزوة بدر الكبرى" الشاهد والمبرهن الأزلي على أن قلة العدد وشُح العتاد لم يكونا يوماً عائقاً أمام انتزاع النصر وفك طوق الاستضعاف، شريطة توفر القرار الشجاع والإرادة المستقلة والتوكل الصادق. واليوم، يتجسد هذا الإسقاط التاريخي في أبهى وأعقد صوره؛ فغزة التي عُزلت عن العالم وخُنقت برّاً وبحراً وجوّاً لأكثر من عقدين، لم تقف نادبة حظها على أعتاب المساعدات العسكرية الإقليمية التي لم تأتِ. بدلاً من ذلك، حفرت المقاومة في الصخر، وعجنت الركام، وأعادت تدوير مخلفات القذائف لتصنع ترسانتها المعقدة محلياً تحت الأرض. إن "معجزة التصنيع الذاتي" داخل الأنفاق هي الامتداد المعاصر لروح معركة بدر، حيث تحولت القلة المستضعفة إلى قوة اشتباك تفرض شروطها وتجابه أحدث الترسانات التكنولوجية في العالم.
وهنا، لا بد لي أن أجدد نقدي اللاذع والعميق للأنظمة الرسمية العربية، فالأمر اليوم تجاوز مجرد "التقصير" في إرسال قوافل إغاثية، بل تحول إلى عجز بنيوي مخزٍ، تقف فيه عواصم كبرى عاجزة عن فرض إدخال شاحنة طحين أو تأمين ممر إنساني لإنقاذ الأطفال من الموت جوعاً أمام شاشات البث المباشر. هذا الصمت الرسمي يعكس فجوة سحيقة بين وجدان جماهير الأمة وعواصم قرارها، ويؤكد أن الحصار المفروض على غزة هو في الوقت ذاته حصار مضروب على الإرادة السياسية العربية الرسمية المكبلة بتبعيّتها.
ومع ذلك، فإن هذا الحصار والخذلان قابله التفاف وتلاحم شعبي عارم أعاد الروح إلى الجسد العربي المنهك. وهنا نستحضر بفخر الدور التاريخي والمبدئي للشعوب المغاربية وفي مقدمتها شعبنا العربي في تونس؛ هذا الشعب الذي لم يتأخر يوماً عن نصرة الحق الفلسطيني، فانتفضت شوارعه وساحاته، وتوحدت قواه النقابية والطلابية والمدنية في هبة مستمرة ترفض التطبيع وتجعل من قضية فلسطين قضية وطنية تونسية بامتياز. إن هذا الموقف الشعبي المتأصل يعكس عمق الرابطة القومية والإسلامية، ويثبت أن نبض الجماهير في تونس والمغرب العربي يرفض الامتثال لسياسات الأمر الواقع، ويصر على أن يكون شريكاً في معركة فك الحصار وإسقاط الإبادة.
ومثلما تحرك الشارع المغاربي، حدث تحول جوهري على الصعيد الشعبي العالمي. فإذا كنتُ قد أشدتُ سابقاً بقوافل كسر الحصار التضامنية القديمة، فإننا اليوم نشهد طوفاناً شعبيّاً عالميّاً تجاوز المساعدات الرمزية إلى حراك بنيوي: انتفاضة عارمة في كبرى الجامعات الأمريكية والأوروبية (مثل كولومبيا، والهارفارد، والسوربون)، ومقاطعة اقتصادية شاملة ألحقت خسائر فادحة بالشركات الداعمة للاحتلال، وملاحقة قانونية تاريخية على منصات محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، مما أسقط ورقة التوت الأخلاقية عن المنظومة الاستعمارية وحلفائها.
لذا، فإنني أتوجه من هنا بصرخة واستنهاض مباشر إلى النخب الفكرية والسياسية والوعي الثقافي في أمتنا العربية: إن دوركم اليوم لا يمكن أن يقف عند حدود التوصيف أو البكاء على الأطلال الإنسانية، أو الانكفاء على التنظير البارد خلف الشاشات. إن النخب مطالبة اليوم بقيادة معركة الوعي، وتفكيك السرديات الانهزامية، وبناء جبهة ثقافية وسياسية صلبة ترفض التبعية وتدعم خيار المقاومة والاعتماد على الذات كممر إجباري وحيد للتحرر. إن سقوط المفاهيم والقيم الغربية تحت أقدام أطفال غزة يفرض عليكم صياغة مشروع نهضوي عربي جديد يستمد قوته من كرامة شعبه وعمق تاريخه، لا من فتات الموائد الدولية.
ختاماً، إن الدرس الأكبر والأعمق الذي أردتُ تأكيده وأعيده اليوم بقوة، هو أن كسر الحصار ليس مطلباً إنسانيّاً يُستجدى على أعتاب المنظمات الدولية أو بالاعتماد على "حسن نوايا" المجتمع الدولي. إن كسر الحصار هو معركة سياسية وعسكرية لانتزاع الحرية والسيادة كاملة. لقد أثبتت هذه الملحمة المستمرة أن الكرامة لا تُوهب بل تُنتزع، وأن الرهان على الضمير الرسمي العالمي هو رهان خاسر وصفري. النصر والتحرير يصنعهما الصمود الأسطوري الحاضن للمقاومة على الأرض، والتلاحم الشعبي العابر للقارات، والإيمان اليقيني بأن إرادة الشعوب الحرة، متى ما تسلحت بالاعتماد على ذاتها، هي أعتى وأبقى من كل ترسانات الإبادة والخراب.

السبت، 6 يونيو 2026

من وحي النكسة: صمود المقاومة وتهافت المظلات الغربية بقلم: الناصر خشيني

 


لم تكن هزيمة الخامس من حزيران (يونيو) عام 1967 مجرد انكسار عسكري عابر على جبهات القتال، بل كانت زلزالاً استراتيجياً وبنيوياً أعاد تشكيل الوعي العربي وصاغ مسارات الصراع في الشرق الأوسط لعقود طويلة [1]. واليوم، ونحن نستحضر ذكرى النكسة في ظل مشهد إقليمي شديد المعاصرة والخطورة، ندرك أن قراءة تلك المرحلة لا تجوز أن تقتصر على البكاء فوق أطلال الهزيمة، بل يجب أن تتحول إلى مختبر فكري لقراءة الحاضر واستشراف لاءات المستقبل العروبي.
من الانهيار إلى الالتفاف: الوعي الجماهيري كحائط صد
كشفت النكسة بمرارة عن فجوة هائلة في أساليب التخطيط، والتفوق التقني والاستخباراتي للعدو، والخلل البنيوي في الإدارة العسكرية العربية آنذاك [2]. لكن العبقرية الحقيقية للمشروع القومي برزت في كيفية امتصاص الصدمة؛ فخطاب التنحي التاريخي للرئيس الراحل جمال عبد الناصر في 9 يونيو لم ينته بانسحاب القائد، بل بتفجير طاقة الرفض الشعبي الكامنة. خرجت الجماهير العربية لترفض الهزيمة، معلنةً أن سقوط الجيوش لا يعني سقوط إرادة الأمة.
هذا الالتفاف الجماهيري العفوي والمنظم مـثّل حجر الأساس لـ "مرحلة الصمود"، والتي تُرجمت سياسياً في قمة الخرطوم (أغسطس 1967)، حيث صاغ العرب جداراً صلباً تمثل في اللاءات الثلاث: لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض [3]. كانت هذه اللاءات إعلاناً صريحاً بأن التنازل عن الحقوق التاريخية تحت وطأة السلاح أمر غير قابل للنقاش.
حرب الاستنزاف وأكتوبر 1973: كسر أسطورة التفوق
لم تقف القيادة العسكرية مكتوفة الأيدي، بل تحولت اللاءات سريعاً إلى عقيدة قتالية تجسدت في حرب الاستنزاف (1967 - 1970). نجحت هذه الحرب في تدمير مفهوم "الأمن المستدام" للاحتلال، وفرضت عليه استنزافاً بشرياً واقتصادياً متواصلاً، وتُوّجت ببناء حائط الصواريخ المعقد الذي حرم العدو من تفوقه الجوي المطلق [4].
أدت هذه المقدمات العلمية والجادة إلى ملحمة أكتوبر 1973، حيث تحطمت تحصينات خط بارليف والجولان في أكبر انهيار وجودي وعسكري شهدته إسرائيل منذ نشأتها [5]. ولم يوقف هذا الانهيار الشامل سوى التدخل الأمريكي المباشر والفوري عبر الجسر الجوي العسكري الشامل (عملية عشب النيكل)، لإنقاذ حليفتها الاستراتيجية في اللحظات الأخيرة.
مقارنة الأرقام: بين "عشب النيكل" والمدد المعاصر
إن التدخل الغربي لحماية الكيان الصهيوني ليس حدثاً طارئاً، بل هو عقيدة إمبراطورية ثابتة تطورت لغتها الإحصائية عبر الزمن بكثافة مرعبة:
  • عام 1973 (عملية عشب النيكل): شحنت واشنطن حوالي 22,325 طناً من الدبابات والمدفعية والذخائر عبر طائرات "سي-5 غالاكسي" و"سي-141"، بالإضافة إلى 560 ألف طن شُحنت بحراً، بكلفة ناهزت 2.2 مليار دولار آنذاك لإنقاذ جيش الاحتلال من الانهيار الكلي [6].
  • الدعم العسكري المعاصر (المعركة الحالية): تجاوز الدعم الأمريكي كل الخطوط القياسية السابقة؛ حيث رصدت واشنطن حزم مساعدات عسكرية تجاوزت 17.9 مليار دولار في عام واحد من الحرب، تضمنت تشغيل جسور جوية ممتدة نقلت عشرات الآلاف من القنابل الموجهة بدقة (مثل GBU-39 وMK-84) وقذائف المدفعية، فضلاً عن النشر المباشر لحاملات الطائرات ومنظومات الدفاع الجوي المتطورة (مثل ثاد تلو الآخر) باعتراف البنتاغون لحماية العمق الإسرائيلي من الهجمات الإقليمية ومسيرات المقاومة الصامدة [7].
يكشف هذا التطور الرقمي أن واشنطن لم تعد تكتفي بدور "المموِّل العسكري الحليف" كما في 1973، بل تحولت إلى شريك عملياتي مباشر في إدارة الميدان وخوض الحرب الإقليمية بالوكالة لحماية منظومة الردع الإسرائيلية المتآكلة.
القواعد الأمريكية: وهم الحماية واستنزاف الثروات
عند إسقاط دروس الماضي على واقعنا الراهن، نجد أن الخريطة الجيوسياسية للمنطقة ما زالت محكومة بنفس الثوابت الاستعمارية. إن الانتشار الواسع للقواعد العسكرية الأمريكية والأجنبية في المنطقة، والذي تم تبريره لسنوات طويلة تحت لافتة "حماية العروش وأنظمة الحكم"، لم يكن يوماً لصالح الاستقرار العربي.
لقد أثبتت المحطات التاريخية الصعبة، وصولاً إلى موجات التصعيد الراهنة والمواجهات العسكرية المباشرة وغير المباشرة مع إيران، أن هذه الترسانات الممتدة والمدفوعة بـ "ترليونات الدولارات" من ثروات الأمة، صُممت بالأساس لخدمة هدفين لا ثالث لهما:
  1. حماية الأمن الوجودي لإسرائيل: وضمان تفوقها العسكري النوعي على محيطها، واعتراض أي تهديد يطال عمقها الاستراتيجي عبر شبكات الرادارات والقواعد المنتشرة.
  2. استنزاف ورهن الموارد العربية: وإبقاء القرار السياسي الإقليمي تابعاً للمظلة الغربية، وتجريد الدول من مقومات الدفاع الذاتي المستقل [7].
الدرس المستفاد: المقاومة كبديل تاريخي
إن الدرس الأبرز المستوحى من روح حزيران، والذي تعيد المقاومة الباسلة في غزة وفلسطين ولبنان واليمن والعراق كتابته بدمائها اليوم، هو أن توازن القوى لا تصنعه الترسانات التكنولوجية وحدها، بل تصنعه "عدالة القضية وعقيدة الصمود".
تماماً كما تحولت نكسة الجيوش عام 1967 إلى طاقة استنزاف ومواجهة شاملة، يثبت الواقع المعاصر أن الرهان على التحالفات الغربية والمظلات الأمريكية لحماية العروش ما هو إلا وهم مكلف. إن المظلة الوحيدة الحقيقية هي التلاحم الشعبي، وبناء القوة الذاتية المستقلة، والتمسك بخيار المقاومة الشاملة لكسر أوهام الهيمنة وتغيير الموازين المفروضة على الأمة منذ عقود.

الهامش والمراجع :
  • [1] الناصر خشيني: قراءات في فكر حزيران وتداعيات النكسة، أرشيف دراسات دنيا الرأي.
  • [2] محمد حسنين هيكل: الانفجار 1967 - حرب الثلاثين سنة، مركز الأهرام للترجمة والنشر.
  • [3] وثائق جامعة الدول العربية: قرارات ومخرجات قمة الخرطوم (مؤتمر اللاءات الثلاث)، أغسطس 1967.
  • [4] الفريق أول محمد فوزي: حرب الاستنزاف 1967 - 1970، مذكرات وزير الحربية المصري الأسبق.
  • [5] المشير أحمد إسماعيل: التوجيه الاستراتيجي وحرب أكتوبر (وثائق عسكرية ومذكرات رسمية).
  • [6] تقارير وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون): سجلات عملية الجسر الجوي "عشب النيكل" (Operation Nickel Grass 1973)، الأرشيف العسكري.
  • [7] نوام تشومسكي: الهيمنة أم البقاء - السعي الأمريكي نحو السيطرة العالمية، دراسات في الجيوسياسية الشرق أوسطية (محدث ببيانات تمويل 

سلسلة دعاة على ابواب جهنم :المتشدد عائض القرني.. سارق الكتاب وصانع الغلو بقلم الناصر خشيني

    يتصدر المشهد في قراءة تفكيكية لرموز الفكر الظلامي، الداعية السعودي عائض القرني؛ كنموذج صارخ يجمع بين الغلو الفكري والزيف الأخلاقي والقي...