قائمة المدونات الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا تونس. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا تونس. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 31 مايو 2026

زيت الزيتون التونسي: ذهب أخضر يُصدَّر خاماً ويُهدر وطنياً بقلم: الناصر خشيني






مدخل
مئة مليون شجرة زيتون تتناثر على امتداد الأرض التونسية من الشمال إلى الجنوب، تحمل في أغصانها ثروة حقيقية وميزة تنافسية نادرة على المستوى العالمي. غير أن هذا الذهب الأخضر يُصدَّر في غالبيته سائلاً خاماً في صهاريج ضخمة، فيجني الطرف الأجنبي المستورد القيمة المضافة الحقيقية من تعليبه وتسويقه تحت علامات تجارية أوروبية بأثمان مضاعفة، بينما يبقى الفلاح التونسي الذي روى هذه الأشجار بعرقه ووقته رهين شبكة وسطاء وتجار يحتكرون التسعير والتخزين والتصدير. هذه هي فضيحة القطاع بعينها.
أولاً: تونس... قوة عالمية تفرّط في قيمتها المضافة
الأرقام تُجلّي حجم الثروة التي تمتلكها تونس وحجم ما تخسره في آنٍ واحد.
احتلت تونس المرتبة الثانية عالمياً في إنتاج زيت الزيتون لموسم 2024-2025 بعد إسبانيا، بإنتاج بلغ 340 ألف طن، في حين يبلغ الإنتاج العالمي نحو 3 ملايين طن.  (Babnet Tunisie) والمعدل السنوي لإنتاج تونس خلال الفترة 2014-2024 يناهز 220 ألف طن، وتُعدّ تونس الأولى عالمياً في إنتاج الزيت البيولوجي الخالي من المواد الكيميائية وتصديره.  (As-Safir Al-Arabi)
وقد صدّرت تونس في موسم 2023-2024 ما يقارب 195 ألف طن بقيمة 5162 مليون دينار إلى أكثر من 60 دولة، محققةً زيادة في العائدات بنسبة 51% مقارنة بالموسم السابق.  (Al-Chourouk)
لكن خلف هذه الأرقام البراقة يكمن العيب الهيكلي الأكبر: تصدير الزيت الخام يُعدّ خسارة على مستوى قيمة الصادرات، إذ يُستفاد منها بالخارج عبر تكريره وتعليبه وترويجه بالأسواق العالمية.  (Ministère des Finances) والأوروبي يشتري الزيت التونسي الخام ليُعبّئه تحت علامات تجارية إيطالية أو إسبانية أو فرنسية ويبيعه بأضعاف ما دفعه، وتبقى تونس مجرد موردة للمادة الأولية.
ثانياً: احتكار الكبار وتهميش الصغار
يتسم سوق الزيت في تونس بممارسات احتكارية فادحة: شركة خاصة واحدة تحتكر تصدير 20% من إجمالي الزيت الموجه للخارج وقرابة 55% من الكميات المعلّبة.  (As-Safir Al-Arabi) وأشار المجلس الدولي للزيتون إلى أن 10 مؤسسات فقط من بين 100 مؤسسة تونسية تعمل في التصدير تسيطر على 70% من إجمالي الصادرات و69% من أرباحها.  (Legal Agenda)
وقد كشفت قضية أعادت رسم مشهد القطاع بأسره حدّة هذا الاحتكار. فقد كُشِف عن قضية احتيال بقيمة 170 مليون يورو من قبل رئيس مجموعة "CHO"، أكبر مصدّر لزيت الزيتون في تونس، مما أدى إلى خسائر فادحة أثرت على الاقتصاد التونسي، وقدّر الخبراء أن هذه الأزمة قد تؤدي إلى خسائر تتراوح بين 8 و10% من عائدات تصدير زيت الزيتون.  (Erem Business) وقد جرى إيقاف أكبر الفاعلين في القطاع بالتزامن مع انطلاق موسم جني 2024-2025.  (Legal Agenda)
هذه ليست قضية فرد شاذ، بل هي انعكاس لمنظومة سعت سنوات إلى تركيز القطاع في أيدي قلة، بعد أن أُنهي في 1995 احتكار الديوان الوطني للزيت وتراجع دور الدولة في التسعير والتخزين لصالح الفاعلين الخواص.  (As-Safir Al-Arabi)
ثالثاً: الفلاح... آخر من يجني ثمار شجرته
في مفارقة مؤلمة، يبقى الفلاح التونسي، الذي يُشكّل العمود الفقري للقطاع، حلقته الأضعف والأكثر هشاشة. يصف الفلاح حسن البعلي وضعه بقوله إن الأسعار خذلته ولن يتمكن من تغطية تكاليف الإنتاج، مشيراً إلى اعتماده الكامل على عائدات الزيتون لسداد ديونه وتغطية نفقات عائلته. دون خيار، باع محصوله بدينار واحد للكيلوغرام في حين كان يبيعه في الموسم الماضي بثلاثة دنانير.  (Al Jazeera)
وقد دفع تراجع الأسعار عشرات الفلاحين في مناطق عدة إلى وقف عمليات الجني أو تأجيلها، مؤكدين أن الأسعار لا تغطي مصاريف الإنتاج وتكاليف اليد العاملة.  (Ultra Tunisia) وتكاليف اليد العاملة هذه ليست وهماً: فيد العمل شحيحة في موسم الجني، والعمال يُطالبون بأجور لا تُطيقها الحسابات الهزيلة للفلاح الصغير.
وفي تحذير بالغ الدلالة، أشار رئيس نقابة الفلاحين إلى أن الزياتين زراعات موسمية محددة بأجل يتراوح بين 90 و120 يوماً، ولا يمكن تأخير الجني أبعد من ذلك، وأن التأخير له عواقب وخيمة قد تؤثر على الموسم القادم.  (Sarabic) وهكذا يجد الفلاح نفسه بين خيارين كلاهما مر: بيع بخسارة أو مشاهدة محصوله يتلف على الأشجار.
رابعاً: التعليب... الحل الذي يتعثر
تشير الأرقام إلى أن الكميات المصدرة من الزيت المعلب ارتفعت بنسبة 46% في موسم 2023-2024  (Al-Chourouk) ، وهو مؤشر إيجابي لا يجب التقليل من شأنه. غير أنه يبقى ضئيلاً قياساً بحجم الإنتاج الكلي.
أقرّت الحكومة بأن تصدير الزيت الخام خسارة، وضمّن مشروع قانون المالية لسنة 2024 الترفيع في معلوم الزيت المصدَّر غير المعلب، وذلك لحثّ المصدرين على خلق القيمة المضافة عبر التكرير في مرحلة أولى والتعليب في مرحلة ثانية.  (Ministère des Finances)
لكن الإقرار بالمشكلة شيء ومعالجتها شيء آخر. المنظومة الضريبية وحدها لا تُحوّل قطاعاً بنيوياً يعتاش الكبار فيه على تصدير الخام.
خامساً: الحلول... من الميدان لا من المكاتب
أولاً: فرض نسبة دنيا للتعليب في الصادرات. لا يكفي التحفيز المالي، المطلوب قرار سياسي جريء يُلزم المصدّرين بتعليب نسبة متصاعدة من صادراتهم، يُرفع سقفها تدريجياً حتى يصبح تصدير الزيت الخام استثناءً لا قاعدة.
ثانياً: كسر الاحتكار وتعزيز المنافسة. المنافسة الحقيقية في قطاع التعليب والتصدير تبدأ بفتح الباب أمام المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ودعمها بقروض ميسّرة ومرافقة تقنية، بدلاً من ترك السوق لعشرة مؤسسات تلتهم كل شيء.
ثالثاً: دعم الفلاح في موسم الجني. إنشاء منظومة وطنية لتأمين اليد العاملة في أوقات الذروة، وتسهيل الحصول على الآليات الميكانيكية لجمع الصابة، ودعم تعاونيات الفلاحين حتى يتمكنوا من التفاوض الجماعي بدلاً من البيع فرادى لوسطاء يستغلون حاجتهم للسيولة.
رابعاً: تطوير العلامة التونسية عالمياً. زيت الزيتون التونسي البيولوجي هو الأول عالمياً في نوعه. هذه ميزة استثنائية تستحق برنامجاً وطنياً للترويج والتسويق بالأسواق العالمية تحت علامة تجارية تونسية قوية، لا أن يُباع أفضل زيت في العالم بلا هوية ثم يُعاد بيعه باسم غيرنا.
خامساً: سعر أدنى مضمون للفلاح. آلية تدخل ديوان الزيت مهمة لكنها غير كافية. الديوان الوطني للزيت لم يتدخل بالكيفية المطلوبة لمواكبة وفرة الموسم وامتصاص الفائض.  (Sarabic) يجب وضع منظومة سعر أدنى مضمون يحمي الفلاح من الانهيار عند كل موسم وفير.
خاتمة
تونس تمتلك 100 مليون شجرة زيتون وتحتل المرتبة الثانية عالمياً في الإنتاج، وتنتج الأجود بيولوجياً على وجه الأرض. ومع ذلك يبيع فلاحها كيلوغرام الزيتون بدينار في حين يباع مُعلَّباً في أوروبا بعشرة أضعاف. هذا ليس قدراً، بل هو نتيجة حتمية لسياسة فلاحية تفرّط في القيمة المضافة ولمنظومة احتكارية تحصن مصالحها بكل الوسائل. الإصلاح الحقيقي لهذا القطاع لن يأتي من بيانات حكومية براقة، بل من كسر الاحتكار وتمكين الفلاح وإلزام المصدّر بخلق القيمة على أرض تونس لا في مصانع جنوب أوروبا.
المراجع والمصادر
موقع الترا تونس، "تراجع أسعار الزيت يدفع الفلاحين إلى تأجيل جني الزيتون"، نوفمبر 2024.
الجزيرة نت، "أسعار زيت الزيتون تشعل أزمة في تونس: فرحة للمواطنين ونقمة على الفلاحين"، ديسمبر 2024.
موقع السفير العربي، "زيت الزيتون في تونس: وفرة في الإنتاج ولكن"، ديسمبر 2025.
موقع Legal Agenda، "إنتاج زيت الزيتون في تونس: مأزق التصدير وعجز الدولة"، أبريل 2025.
موقع إرم بزنس، "قضية احتيال تضرب صناعة زيت الزيتون الحيوية لاقتصاد تونس"، فبراير 2025.
سبوتنيك عربي، حوار مع رئيس نقابة الفلاحين التونسيين الميداني الضاوي، ديسمبر 2024.
جريدة الشروق، "زيت الزيتون: تونس تتوقع إنتاج 340 ألف طن في 2024-2025"، يناير 2025.
موقع babnet، "صادرات تونس من زيت الزيتون ستبلغ 300 ألف طن"، نوفمبر 2024.
وزارة المالية التونسية، مشروع قانون المالية لسنة 2024، أحكام دعم التعليب.
المجلس الدولي للزيتون، تقرير حول تركّز سوق التصدير التونسي، 2024.
وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، مؤشرات قطاع زيت الزيتون 2024-2025.
جميع حقوق النشر محفوظة للمؤلف

الحبوب والبذور في تونس: ثروة أخرى منهوبة بين سوء التخزين والتبعية الخارجية بقلم: الناصر خشيني



مقدمة: من "سلة روما" إلى قفة المستورد
كانت تونس تُعرف في العهد القرطاجي والروماني بـ"سلة الحبوب"، تلك التسمية التي أهّلتها لأن تكون مورد الغذاء الأول لإمبراطورية ممتدة من المحيط إلى الخليج. اليوم، وبعد قرون من هذا التاريخ المجيد، باتت تونس تستورد أكثر مما تنتج، وتتسوّل الحبوب من أسواق عالمية متقلبة، وتدفع ثمنها بعملة صعبة شحيحة، بينما تُضيّع ما أنتجته أرضها بين مخازن متهالكة ومنظومة فاسدة ولوبيات متربصة. هذا المقال محاولة لكشف طبقات هذا النهب المزدوج: نهب الحبوب بفعل سوء التخزين والإهمال، ونهب البذور بفعل التبعية والاستسلام للوبيات الدولية.
أولاً: أرقام تكشف حجم الكارثة
تستهلك تونس سنوياً ما يقارب 3.4 مليون طن من الحبوب موزعة على القمح الصلب والقمح اللين والشعير، في حين لا يغطي إنتاجها المحلي في أفضل السنوات سوى 40 إلى 45 بالمائة من هذه الحاجيات. ومن أبرز المفارقات المؤلمة:
تستورد تونس أكثر من 90 بالمائة من حاجتها من القمح اللين  (AA.com.tr) ، وهو المادة الأساسية لصنع الخبز.
ارتفع حجم واردات الحبوب بين 2011 و2020 من 15.7 مليون قنطار إلى 27.5 مليون قنطار  (Arabi21) ، أي بنسبة تجاوزت 75 بالمائة.
الحبوب الموردة تمثل 50.8 بالمائة من الواردات الغذائية لتونس في سنة 2022 بكلفة بلغت 4552 مليون دينار من جملة 8954 مليون دينار  (Nawaat) .
وصل دين ديوان الحبوب إلى 1.1 مليار دولار  (Al-Ain) ، مما يضيّق هامش المناورة أمام الدولة لتأمين احتياجاتها.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات باردة، بل هي قراءة في خريطة استنزاف وطني ممنهج.
ثانياً: سوء التخزين — الصابة تضيع قبل أن تصل المائدة
منظومة متهالكة بنيوياً
تبلغ القدرة الوطنية لتجميع وتخزين الحبوب للموسم 2024/2025 نحو 1578 ألف طن، تتوزع بين قدرة التجميع في مناطق الإنتاج بـ780 ألف طن، وقدرة على التخزين بحجم 798 ألف طن  (Radionationale) ، وهي أرقام تظل قاصرة في مواسم الوفرة.
تنقسم إشكاليات التخزين إلى عدة محاور:
1. غياب الصوامع الحقلية: يعيب الخبراء على السلطات عدم الاهتمام ببناء صوامع تخزين جديدة في مناطق الإنتاج، والاكتفاء بالأساليب القديمة المتمثلة في نقل المحصول إلى مناطق أخرى تضم مخازن تجميع، مما يؤدي إلى تواصل الإهدار وزيادة التكاليف في ظل الظروف المالية الصعبة  (Al Arab) .
2. ضعف منظومة النقل: أشار خبراء إلى ضرورة تحسين البنية التحتية الإضافية لربط الصوامع عن طريق السكك الحديدية لتسهيل النقل، وتجديد الصوامع في الموانئ الرئيسية التي تستقبل الواردات من الحبوب  (Ciessm) ، غير أن هذا التحديث لم يُنجز حتى الآن.
3. التلف على مراحل متعددة: تتعرض الحبوب المنتجة لخسائر كبيرة على مراحل عدة: يجب طرح كميات كبيرة تذهب للاستهلاك الذاتي للفلاحين المنتجين وأخرى تخزن للبذر، فضلاً عن كميات يصيبها التلف بسبب الأمراض وظروف التجميع والنقل والتخزين  (Nawaat) .
4. العجز الهيكلي المزمن: تونس تعاني عجزاً هيكلياً مزمناً ومتنامياً في قطاع الحبوب، إذ لا يغطي الإنتاج المحلي إلا 40 أو 45 بالمائة من احتياجات البلاد، مما يجعلها مجبرة على استيراد حوالي 3 مليون طن من الحبوب سنوياً  (Nawaat) .
الحرائق: عدو الصابة الصامت
لا يمكن تجاهل ظاهرة حرائق الحبوب التي تتكرر كل موسم حصاد، تاركةً وراءها خسائر فادحة. بسبب عوامل متداخلة تتقدمها سوء إدارة القطاع وموجة الجفاف والحرائق، تلجأ تونس إلى التوريد من السوق العالمية لتغطية الطلب المحلي من الحبوب، مما يضغط على الميزانية السنوية الضعيفة للدولة  (Al Arab) . وبعض هذه الحرائق يطرح تساؤلات جدية حول وجود جهات منتفعة من إتلاف المحصول لصالح تضخيم فاتورة الاستيراد.
ثالثاً: مفارقة التصدير والاستيراد — معادلة العار
تُنتج تونس قمحاً صلباً ذا جودة عالية يُصدَّر إلى الأسواق الأوروبية، في حين تستورد هي قمحاً أدنى جودةً لتغذية مواطنيها. هذه المفارقة ليست محض مصادفة، بل هي نتاج منظومة مشبوهة يتقاطع فيها الفاسدون في الداخل مع شركات الاستيراد في الخارج. برزت خلال السنوات الأخيرة أزمة السيادة الغذائية في تونس وتعمّقت، خاصة مع هيمنة لوبيات الفساد على أبرز مسالك الإنتاج والتوزيع وتحويل السوق الفلاحي الوطني من منتج إلى مستورد لجميع مستلزمات الفلاح في مسار تدميري ممنهج للقطاع الفلاحي ككل  (Kapitalis) .
يشير خبراء إلى أن معدل المردودية الوطني للحبوب لا يتجاوز 16 قنطاراً لكل هكتار، وهو معدل ضعيف لا يمكن من خلاله تحقيق الاكتفاء الذاتي  (Arabi21) ، رغم أن الإمكانية الإنتاجية للأرض التونسية أوسع بكثير مما تُعطيه حالياً.
رابعاً: البذور المحلية — ثروة وراثية في مواجهة الإبادة الممنهجة
من الاكتفاء إلى التبعية الكاملة
لعل أخطر ما يتهدد الأمن الغذائي التونسي هو ما يجري بصمت بعيداً عن الأضواء: إبادة البذور المحلية الأصيلة واستبدالها بأخرى هجينة مستوردة. وتكشف الأرقام هول المأساة:
تراجع معدل استعمال البذور المحلية الأصيلة في تونس من 65% عام 1975 إلى 25% عام 2004، وما يقارب 5% فقط حالياً  (Alaraby) .
وصلت نسبة استيراد تونس لبذور الخضار المهجنة من الخارج إلى 90%، مما يعني أن البلاد باتت في تبعية مفرطة للخارج  (Al Jazeera) .
قدّرت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة أن نحو 75% من التنوع الجيني للمحاصيل في العالم اندثر في القرن الماضي، إذ تحوّل المزارعون إلى زراعة أصناف وراثية موحدة والتخلي عن الأصناف المحلية المتعددة  (Annabaa) ، وتونس لم تكن بمعزل عن هذا الخراب.
آلية الإحلال: كيف تعمل اللوبيات؟
تعمل اللوبيات الخارجية من خلال ثلاثة مسارات متداخلة:
المسار الأول — الإغراء بالمردودية: الأصناف المحلية القديمة معروفة بطعمها اللذيذ وتأقلمها الجيد مع التربة والمناخ التونسيين، حيث تتحمل حرارة وبرودة الطقس ونقص المياه وفقر التربة، وهي أيضاً تقاوم بكفاءة عديد الأمراض والآفات الزراعية ولا تكاد تحتاج إلى المدخلات من الأسمدة والمبيدات  (Kapitalis) . لكن الشركات الأجنبية تُروّج لبذورها الهجينة بحجة الإنتاجية العالية، متجاهلةً هشاشتها أمام المناخ التونسي.
المسار الثاني — فخ التبعية التقنية: الشركات العالمية تستغل خاصية البذور الهجينة العلمية لمنع الفلاحين من إكثار البذور التي تنتجها، وبذلك تحمي حقوق الملكية الفكرية لأصنافها  (Kapitalis) ، مما يُكبّل الفلاح بشراء بذور جديدة في كل موسم ويُحوّله من منتج مستقل إلى "مستهلك" دائم.
المسار الثالث — التشريع الموجَّه: سياسة التخلي عن البذور المحلية والاعتماد على بذور هجينة بدأت منذ أكثر من 30 عاماً، وكانت تجد تحفظاً من قبل المزارعين الذين كانوا يعولون على أنفسهم في تخزين جزء من المحاصيل لإعادة استعمالها في البذر للموسم التالي  (Alaraby) ، غير أن ضغوطاً تشريعية متواصلة تهدد هذه العادة الصحية.
لوبيات الداخل: الشريك الصامت
لا تعمل اللوبيات الخارجية وحدها. طالب ناشطون زراعيون رئيس الجمهورية عديد المرات بترسيم البذور التونسية الأصيلة  (Dhadpost) في الفهرس الوطني، غير أن هذه المطالب ظلت حبيسة الرفوف البيروقراطية بفعل متنفذين يجدون في استمرار التبعية للخارج مصلحة مباشرة.
استرداد ما نُهب: دلالة مؤلمة
في دلالة صارخة على حجم ما فُقد، أعلن بنك الجينات التونسي عن استرجاع 1705 عينات من البذور الأصيلة التي كانت موجودة في بنك جينات أستراليا، واصفاً هذه الخطوة بالإنجاز القيّم الذي سيعزز مخزوناته بنوعيات اندثرت  (Al Jazeera) . وهو أمر يجعل المرء يتساءل بمرارة: كيف وصلت بذور تونس إلى أستراليا؟ ومن نقلها؟ ولمصلحة من؟
خامساً: الحلول العاجلة والآجلة
حلول عاجلة (المدى القريب: 1-2 سنة)
1. إعلان حالة طوارئ غذائية زراعية: إعلان رسمي يُلزم الحكومة بإيلاء قطاع الحبوب الأولوية القصوى في الميزانية والقرار.
2. بناء صوامع حقلية طارئة: تركيز صوامع معدنية في مناطق الإنتاج الكبرى كباجة وسليانة وجندوبة وبنزرت لاستيعاب الصابة فور حصادها.
3. توفير بذور معتمدة مدعومة: دعم مباشر يُتيح للفلاحين الحصول على بذور جيدة بأسعار في متناولهم، ووقف الاعتماد العشوائي على بذور مستوردة غير معتمدة.
4. تجريم استيراد الحبوب الفاسدة: تفعيل دور الرقابة والمختبرات الجهوية لفحص كل شحنة مستوردة والتشهير بكل مخالفة.
5. إعادة هيكلة ديوان الحبوب: إخضاعه لمراجعة شاملة لماليته وعقوده وصفقاته، ومحاسبة كل من ثبت تورطه في مخالفات.
حلول آجلة (المدى المتوسط والبعيد: 3-10 سنوات)
1. استراتيجية وطنية شاملة لقطاع الحبوب: وضع خطة وطنية على 5 سنوات تمكّن من تحقيق الاكتفاء الذاتي من مادة الحبوب  (AA.com.tr) ، وتقليص التبعية في القمح اللين إلى أدنى مستوياتها.
2. إنشاء شبكة صوامع حديثة: رفع القدرة الإجمالية للتخزين إلى ما يكفي لموسمين كاملين، مع ربط مناطق الإنتاج بالسكك الحديدية.
3. إحياء بنك الجينات الوطني وتوسيعه: استكمال استرداد البذور الأصيلة من بنوك الجينات الدولية، وإنشاء شبكة لامركزية من بنوك البذور الجماعية يُديرها الفلاحون أنفسهم.
4. مراجعة الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالبذور: مراجعة الانخراط في اتفاقيات حقوق الملكية الفكرية النباتية، وتكريس حق الفلاح في تبادل البذور وتخزينها بحرية.
5. دعم البحث العلمي في تطوير الأصناف المحلية: رفع ميزانيات المعهد الوطني للبحوث الزراعية لتطوير أصناف هجينة تونسية الهوية تجمع بين إنتاجية عالية وتأقلم مع المناخ المحلي.
6. التوسع في الزراعات المروية: تطوير شبكة الري لتغطية مساحات أوسع من زراعة القمح، مما يقلص الاعتماد على الأمطار ويضمن استقرار الإنتاج.
7. تكريس السيادة الغذائية في التشريع: سنّ قانون خاص يحمي البذور المحلية ويعاقب على تهريبها أو إتلافها، ويُكرّس السيادة الغذائية حقاً مقدساً لا تنازل عنه.
خاتمة: الحبّة كرامة وطن
لا يمكن فصل ملف الحبوب والبذور عن الصورة الأشمل للسيادة الوطنية. فالبلد الذي لا يملك حبته يرهن قراره السياسي لمن يملك القمح، والأمة التي تفقد بذورها الأصيلة تفقد معها ذاكرتها الزراعية وتنوعها البيولوجي الذي راكمته لآلاف السنين.
ما يجري في تونس اليوم ليس مجرد إخفاق في إدارة قطاع، بل هو نهب ممنهج لثروة استراتيجية، تتقاطع فيه إهمال الدولة مع جشع اللوبيات وغياب الوعي الشعبي بحجم الخطر. الوقت لا يزال سانحاً لاسترداد ما يمكن استرداده، لكن ذلك يتطلب إرادة سياسية جادة لا تتوقف عند الخطابات الموسمية، وصحوة مجتمعية تُعيد للفلاح التونسي كرامته وللبذرة التونسية هويتها.
المراجع والمصادر
ديوان الحبوب التونسي — البيانات الرسمية لمواسم الإنتاج والتخزين 2021-2025، وكالة تونس إفريقيا للأنباء.
وكالة الأناضول — "أزمة في قطاع الحبوب تهدد خبز التونسيين"، ديسمبر 2021. متاح على: aa.com.tr
جريدة النهار — "التغيّر المناخي أبرز الأسباب... زراعة الحبوب في تونس تتراجع والأمن الغذائي مهدَّد"، مارس 2022. متاح على: annahar.com
موقع عربي21 — "كيف تنعكس أزمة الحبوب في تونس على أمنها الغذائي؟"، فبراير 2022. متاح على: arabi21.com
موقع نواة — "أزمة الحبوب في تونس: كيف أينعت سنابل العجز؟ (الجزء الثاني)"، أغسطس 2023. متاح على: nawaat.org
صحيفة العرب اللندنية — "المشكلات اللوجستية وقلة المخازن تهددان محصول الحبوب في تونس"، يونيو 2021. متاح على: alarab.co.uk
Carnegie Endowment for International Peace — "تراكم العوامل المؤدية إلى الأزمة: تونس بين المشاكل الحالية والمسارات المستقبلية"، يناير 2024. متاح على: carnegieendowment.org
الجزيرة نت — "معركة أمن غذائي قادها المرزوقي.. تونس تسترد جزءاً من بذورها المنهوبة"، ديسمبر 2020. متاح على: aljazeera.net
القدس العربي — "اندثار البذور المحلية يهدد زراعة تونس"، أبريل 2017. متاح على: alaraby.co.uk
موقع كابيتاليس (أنباء تونس) — "تونس: معركة البذور والشتلات والأصناف لا مبرر لها"، يوليو 2022. متاح على: kapitalis.com
موقع كابيتاليس (أنباء تونس) — "تونس: إطلاق تجربة زراعة بذور أصلية من أجل تكريس السيادة الغذائية"، فبراير 2024. متاح على: kapitalis.com
المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية الأمنية والعسكرية (CIESSM) — "قطاع الحبوب وضعف منظومة التخزين في تونس: ثروة مهدورة بفعل الفقر الغذائي"، يوليو 2024. متاح على: ciessm.org
منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (FAO) — تقارير سنوية حول الأمن الغذائي وتبذير الطعام.
الراديو الوطني التونسي — "موسم الحبوب 2024/2025: القدرة الوطنية لتجميع وتخزين الحبوب"، مارس 2025. متاح على: radionationale.tn
الترا تونس — "موسم الحبوب في تونس: الكميات المجمعة تتجاوز 11 مليون قنطار"، يوليو 2025. متاح على: ultratunisia.ultrasawt.com
مقال تحليلي للكاتب الناصر خشيني — 2026

الشمس المهدورة: تونس وثروة تجلس تحت سمائها بقلم / الناصر خشيني



مدخل: الفضيحة الجغرافية
ثمة مفارقة صارخة تكاد تكون جريمة في حق الأجيال القادمة: بلد يمتع سماء مشمسة تُعدّ من أغنى سماوات حوض المتوسط، تتمتع تونس بإمكانيات شمسية كبيرة تُقدَّر بـ1800 كيلوواط ساعي/متر مربع/السنة في شمالها، و2600 كيلوواط ساعي/متر مربع/السنة في جنوبها، فيما يبلغ عدد ساعات الشمس المشرقة 3400 ساعة في السنة  (Wikipedia) — ومع ذلك كله، لا تزال حصة الطاقة الشمسية في المزيج الكهربائي الوطني في حدود 2.7%، والغاز الطبيعي يشكّل 95% من المزيج  (Attaka) . هذا هو المشهد الذي يُلخّص أزمة متكاملة الأوجه: طاقة مجانية من السماء تُهدَر، وفاتورة باهظة تُدفَع نقداً للخارج.
أولاً: حجم الكارثة الطاقية بالأرقام
لا يمكن فهم راهن الطاقة الشمسية التونسية بمعزل عن السياق الطاقي العام، الذي يشهد انهياراً مضطرداً. تستورد تونس نحو 60% من احتياجاتها الطاقية مما يضعها في موقف حساس يؤثر على الاقتصاد الوطني، فضلاً عن ارتفاع فاتورة الطاقة لتبلغ 6.7 مليار دينار خلال الأشهر السبعة الأولى من 2024 وحدها  (Assabah News) . أمّا على صعيد الميزان التجاري الطاقي، فقد بلغ العجز مستويات قياسية؛ إذ سجّل ارتفاعاً على أساس سنوي بنحو 29%، ليصل إلى 8.7 مليار دينار (2.74 مليار دولار) حتى نهاية الربع الثالث من 2024، فيما تراجعت نسبة الاستقلالية الطاقية إلى 41% مقابل 49% في الفترة المقابلة من العام السابق  (Attaka) .
وفي سياق المصادر، انخفض إنتاج تونس من النفط الخام والمكثفات إلى 26.4 ألف برميل يومياً في الربع الثالث من 2024، ما يعادل نصف المستويات المسجّلة قبل عشر سنوات  (Attaka) . بلغةٍ أخرى: الخزّان الجوفي يُفرغ، والحلّ يطلّ من الفضاء الأزرق فوقنا، إلا أننا نُحجم عن اقتناصه.
ثانياً: واقع الطاقة الشمسية — طفرة في الأرقام، تقصير في النسب
الأمانة تقتضي الإقرار بأن ثمة مسيرة، وإن كانت متعثرة. ارتفعت قدرة الطاقة الشمسية في تونس بنسبة 15.5% إلى 895 ميغاواط في 2025، مقارنة بنحو 775 ميغاواط في 2024، وقد ارتفعت هذه القدرة بمعدل 22 مرة منذ عام 2016 الذي لم تكن فيه السعة الشمسية العاملة تتجاوز 38 ميغاواط  (Attaka) . ويبدو الرقم مبهجاً من حيث النسبة المئوية، غير أنه حين يُوضع في سياقه الحقيقي يتكشف ضآلة الحضور؛ فحصة الطاقة الشمسية في المزيج التونسي لم ترتفع إلا إلى 2.35% خلال 2024، مقابل 2.3% في عام 2023  (Attaka) ، أي أن عقداً كاملاً من الجهود لم يُفضِ إلا إلى اثنين وثلاثة أعشار في المئة.
أما الأهداف الرسمية، فقد تتالت وتبدّلت دلالةً على ارتباك الرؤية؛ تسعى تونس إلى زيادة حصة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء من 3% الحالية إلى 35% بحلول عام 2030، وقد تم إطلاق 2200 ميغاواط من مشاريع الإنتاج الخاص  (Al Jazeera) ، فيما تُقدَّر الاستثمارات المطلوبة بحوالي 4.5 مليارات دولار بحلول 2030، ويمكن أن تأتي من القطاع الخاص إذا توفرت شروط تنظيمية ملائمة  (Al Jazeera) . الهوّة بين المنطلق (3%) والمقصد (35%) خلال سبع سنوات تُشير إلى أن المطلوب ليس مجرد مشاريع، بل ثورة طاقية كاملة في السياسة والتشريع والإرادة.
ولعل الخطوة الأجدر بالذكر هي تدشين محطة القيروان الشمسية في ديسمبر 2025؛ إذ تبلغ قدرتها 120 ميغاواط، لتكون أكبر محطة طاقة شمسية في تونس حتى الآن، ومن المتوقع أن تولّد نحو 222 غيغاواط/ساعة من الكهرباء النظيفة سنوياً، وتكفي لتزويد قرابة 43 ألف منزل، فضلاً عن خفض نفقات الغاز الطبيعي بنحو 80 مليون دينار  (Attaka) . وقد بلغت تكلفة المشروع نحو 250 مليون دينار بتمويل مشترك من مؤسسة التمويل الدولية وبنك التنمية الأفريقي  (Attaka) .
ثالثاً: عقبات الانتقال — تشخيص الداء
الطاقة الشمسية لا تنقصها الشمس، بل ينقصها السياق. يمكن إجمال العوائق في محاور:
1. احتكار الإنتاج وقصور التشريع: ظلت الشركة التونسية للكهرباء والغاز (ستاغ) لعقود القلعة المغلقة أمام القطاع الخاص، وإن انفتح الباب ببطء إلا أن آليات الترخيص ونظام الأسعار لا تزال تُبطئ الإيقاع.
2. مسألة التمويل: تنفيذ خطط الطاقة المتجددة سيتطلب استثمارات بنحو 1.5 مليار دولار، أي ما يعادل 4 مليارات دينار، وتحقيق ذلك منوط بتعبئة استثمار سنوي يبلغ 900 مليون دينار  (Radio Diwan fm) ، في ظل واقع مالي عسير وضغوط متراكمة على الميزانية.
3. تسييس القطاع ومحدودية المكون الوطني: نصف المناقصات التي أُطلقت بين عامي 2017 و2019 فقط لديه قادة مشاريع تونسيون، فيما ذهبت عدة مشاريع حصرياً إلى شركات فرنسية وألمانية  (Al Jazeera) . يطرح هذا تساؤلاً جوهرياً: هل نبني قدرة طاقية سيادية، أم نُرسّخ تبعية في ثوب أخضر؟
4. البنية التحتية للشبكة: لا تُجدي الألواح الشمسية نفعاً بدون شبكة نقل ذكية قادرة على استيعاب تذبذب مصادر الطاقة المتجددة. ومحطة القيروان كانت أول مشروع طاقة متجددة في تونس مزوّد بمحطة فرعية متكاملة تُغذّي مباشرة في شبكة نقل الجهد العالي بـ225 كيلو فولت  (Attaka) ، مما يعني أن هذا الأمر لم يكن قاعدة راسخة حتى وقت قريب.
5. غياب منظومة التخزين: بلا بطاريات تخزين، تبقى الطاقة الشمسية رهينة ساعات النهار، وعاجزة عن تغطية أوقات الذروة مساءً.
رابعاً: مسالك النهوض — وصفة للثروة المُهملة
الخروج من هذا المأزق لا يتطلب معجزة، بل يتطلب إرادة مُصاحَبة بمنهج:
على صعيد التشريع: تحرير سوق إنتاج الكهرباء من الطاقة المتجددة للقطاع الخاص مع ضمانات سيادية واضحة، وتبسيط منظومة التراخيص وتقليص آجالها من سنوات إلى أشهر.
على صعيد تمويل المواطن: دعم الألواح الشمسية للمنازل والمزارع والمنشآت الصغيرة وفق آليات قروض ميسّرة، علماً أن تنفيذ هذه الخطط يُمكّن من تجنّب تكاليف إنتاج الطاقة من الغاز الطبيعي بنحو 500 مليون دينار سنوياً وتلك المتعلقة باستيراد مليون طن من الغاز الطبيعي سنوياً  (Radio Diwan fm) .
على صعيد التوطين الصناعي: بناء صناعة وطنية لتصنيع الألواح الشمسية والعواكس والبطاريات، بدل أن يظل كل مشروع ذريعةً لاستيراد المعدات وتحويل العملة.
على صعيد الربط الإقليمي: ستُسهم المشاريع الجديدة في تطوير الربط الكهربائي مع دول الجوار ودول القارة الأوروبية، بالإضافة إلى إدماج التقنيات الحديثة كالشبكات الذكية والتنقل الكهربائي وتخزين الطاقة  (Attaka) . وتونس قادرة أن تكون ممراً للطاقة النظيفة نحو أوروبا لا مجرد مستورد لوقود أحفوري منها.
على صعيد الهيدروجين الأخضر: الطاقة الشمسية الوفيرة هي المدخل الحقيقي لصناعة هيدروجين أخضر تونسي يستهدف أسواق أوروبا الساعية للتخلص من اعتمادها على الغاز الروسي.
خاتمة: الشمس لا تنتظر
من المتوقع أن تُنتج المشاريع الشمسية الجديدة 1000 غيغاواط/ساعة سنوياً، أي ما يعادل نحو 5% من الإنتاج الوطني للكهرباء، مع توفير قرابة 250 ألف طن من الغاز الطبيعي بقيمة تناهز 125 مليون دولار سنوياً  (Attaka) . إنها بداية لا نهاية. والرقم مهم، لكنه يزيد أهميةً حين نُدرك أن هذه الطاقة مجانية من ربّ العالمين، لا تستوجب سوى الإرادة والتخطيط.
في خضم عجز الميزانية وضغط ديون الخارج وتراجع الإنتاج النفطي، تبقى الشمس التونسية أكثر الثروات المتاحة صبراً على أصحابها. السؤال ليس: هل نستطيع؟ بل: حتى متى نتأخر؟ وليكن هذا التأخير آخر فصل في قصة الثروة المنهوبة.
المراجع والمصادر
منصة الطاقة المتخصصة (واشنطن) — تقارير متعددة حول قدرة الطاقة الشمسية في تونس، 2024–2026. attaqa.net
الجزيرة نت — "الطاقة الشمسية في تونس: الحلم الأخضر الذي تعرقله التحديات السياسية"، ديسمبر 2024.
مرصد بيانات الطاقة النظيفة (إمبر) — مزيج توليد الكهرباء في تونس 2024.
الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (آيرينا) — بيانات القدرة المركّبة للطاقة المتجددة في تونس 2025.
المرصد الوطني للطاقة والمناجم التونسي — النشرية الشهرية للوضع الطاقي، 2024.
جريدة الصباح نيوز — "فاتورة الطاقة ترتفع إلى 6.7 مليار دينار"، 2024.
وزارة الصناعة والمناجم والطاقة التونسية — بيانات مشاريع الطاقة الشمسية، مارس 2025.
المرصد التونسي للاقتصاد والمعهد الدولي — دراسة مشتركة حول المكون الوطني في مشاريع الطاقة، 2022.
تقرير البنك الدولي — "الطاقة المتجددة للاقتصاد"، 2024.
ويكيبيديا العربية — مقالة "الطاقة الشمسية في تونس"، مع إحالة إلى: تقرير المؤسسة الألمانية للتعاون الدولي والوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة، يوليو 2013.
يُشكركم الناصر خشيني على متابعتكم سلسلة "الثروات المنهوبة"، ويرحّب بكل تعليق أو إثراء.


 






السبت، 30 مايو 2026

الملح التونسي: "الذهب الأبيض" المنهوب.. من قيد التبعية إلى رهان السيادة والتنمية الجهوية بقلم: الناصر خشيني

 



لا يمكن قراءة ملف الثروات الطبيعية في تونس، وعلى رأسها "الملح"، إلا بوصفه جرحاً مفتوحاً في جسد السيادة الوطنية. إن هذا "الذهب الأبيض" ليس مجرد سلعة تُصدّر، بل هو شاهد عيان على عقود من النهب المشرعن والتبعية الهيكلية التي صُممت لتبقى تونس مجرد خزان للمواد الخام لفائدة المركز الاستعماري القديم.
خطيئة 1949: جذور الاستنزاف
إن السبب الحقيقي وراء ضياع هذه الثروة يكمن في اتفاقية 3 أكتوبر 1949. تلك الاتفاقية التي وُقعت في ظلام الحقبة الاستعمارية، ومنحت شركة "كوتوزال" الفرنسية حق استباحة مساحات شاسعة من سواحلنا ومن حيزنا الجغرافي الوطني مقابل معاليم رمزية تكرس الإذلال الاقتصادي. إن استمرار هذه العقود لعقود بعد الاستقلال يعكس "هشاشة هيكلية" في المعالجة السياسية والتشريعية، حيث غابت الإرادة الحقيقية لفك الارتباط مع موروث الاستعمار، وبقيت الإدارة أسيرة نصوص قانونية تجاوزها الزمن والمنطق الوطني.
غياب التصنيع وهشاشة البناء التشريعي
رغم الشعارات، ظلت الدولة تتعامل مع الملح كقطاع منجمي ثانوي، فغاب التوجه نحو "التصنيع الوطني" للملح، وبقينا نُصدّر الملح الخام بأسعار بخسة لنشتري مشتقاته الكيميائية والطبية بأغلى الأثمان. هذا العجز لم يكن تقنياً، بل هو نتاج منظومة تشريعية وإدارية هشة فضلت الحلول الترقيعية والغموض على الوضوح والسيادة المطلقة التي نص عليها الفصل 13 من دستور 2014، والذي ظل في كثير من الأحيان حبراً على ورق أمام قوة اللوبيات والمصالح العابرة للحدود.كما ان دستور الجمهورية التونسية لعام 2022 تضمن عدة فصول صريحة تؤكد على سيادة الشعب على ثرواته الوطنية ووجوب حسن إدارتها وتوزيعها، وأبرز هذه الفصول هي:
التوطئة (المقدمة): أشارت التوطئة  إلى رفض الشعب التونسي لـ "نهب الثروات الطبيعية" والمال العام، معتبرة أن تصحيح مسار التاريخ يهدف لاسترجاع هذه الحقوق
الفصل 16 (الأهم): ينص صراحة على أن "ثروات الوطن ملك للشعب التونسي". كما يُلزم الدولة بالعمل على:
توزيع عائدات هذه الثروات على أساس العدل والإنصاف بين المواطنين في جميع جهات الجمهورية.
إخضاع عقود الاستثمار والاتفاقيات المتعلقة بالثروات الوطنية لموافقة مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم.
الفصل 43: يركز على السيادة والموارد الحيوية، حيث نص على أن الدولة تضمن حق المواطنين في الماء، وتسعى لتحقيق السيادة الغذائية عبر توفير الموارد الفلاحية والطاقية من داخل حدود الوطن. كما جعل المحافظة على الموارد الطبيعية (الفلاحية والبيئية والطاقية) وترشيد استغلالها واجباً على الدولة والمجتمع.
الفصل 44: يؤكد على أن "الحق في الماء مضمون"، وأن ترشيد استهلاكه والمحافظة عليه واجب مشترك.
الفصل 45: يربط بين الثروات والبيئة، حيث يضمن الحق في بيئة سليمة ومتوازنة، ويُلزم الدولة بتوفير الوسائل اللازمة للقضاء على التلوث.
التنمية الجهوية: الحلقة المفقودة والعدالة الغائبة
إن المعالجة الهيكلية الحقيقية لهذا الملف لا تكتمل إلا برد الاعتبار للمناطق المستخرجة لهذه الثروة. فمن المفارقات الصارخة أن المناطق التي تحتضن الملاّحات والشطوط، من الساحل إلى الجنوب (مثل شط الجريد)، تعاني من تهميش تنموي وبطالة متفاقمة وبنية تحتية متهالكة.
إن الرؤية الوطنية التي ننشدها يجب أن تقوم على "العدالة المنجمية"؛ بحيث يتم توجيه جزء سيادي من عائدات الملح لخلق أقطاب تنمية جهوية حقيقية. إن ربط استخراج الملح بإنشاء وحدات تحويلية وصناعية في قلب تلك الجهات هو الكفيل بتحويل الملح من "مادة منهوبة" إلى "رافعة للتنمية"، مما يخلق مواطن شغل قارة ويقطع مع سياسة التهميش الممنهج التي طالت تلك الربوع لسنوات طويلة.
الخلاصة: نحو ثورة في إدارة الثروات
إن استعادة "الذهب الأبيض" تتطلب قراراً سيادياً شجاعاً يتجاوز مجرد إنهاء العقود، إلى إرساء استراتيجية وطنية شاملة تقوم على:
السيادة التشريعية: صياغة مجلة مناجم وطنية بامتياز تنهي كل أشكال الامتيازات الاستعمارية.
التثمين الصناعي: منع تصدير الملح في شكله الخام وفرض تصنيعه محلياً لرفع القيمة المضافة.
العدالة الجهوية: تخصيص نسبة ثابتة من الموارد لتنمية المناطق المنتجة، وجعلها شريكاً في الثروة لا مجرد مسرح لاستخراجها.
إنها معركة استكمال الاستقلال، وبناء اقتصاد وطني متحرر من كل قيود التبعية.
المراجع والمصادر:
اتفاقية 3 أكتوبر 1949: المبرمة بين الدولة التونسية (تحت الحماية) والشركة العامة للملاحات التونسية (COTUSAL).
دستور الجمهورية التونسية 2014: الفصل 13 المتعلق بملكية الشعب للثروات الطبيعية.                                  دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022
مجلة المناجم التونسية: والنصوص الترتيبية المنظمة للاستغلال المنجمي.
تقارير هيئات الرقابة: تقارير دائرة المحاسبات حول قطاع الطاقة والمناجم (2018-2020).
الأرشيف الوطني التونسي: وثائق تتعلق بتاريخ الامتيازات الاستعمارية في قطاع الملح

البحر المنهوب: تونس وثرواتها البحرية بين الاحتكار الداخلي والنهب الخارجي بقلم الناصر خشيني

صورة

مدخل: الفارق المفضوح بين الإمكان والواقع
ثمة مفارقة صارخة تطرح نفسها على كل تونسي يقف أمام رفّ السمك في السوق: كيف يكون السردين — الذي كان يُعرَّف بـ"سمك الفقراء" — بعيد المنال عن شريحة واسعة من المواطنين، في بلد تمتد سواحله على أكثر من 1300 كيلومتر، وتحتضن مياهه الإقليمية ثروة سمكية تُقدَّر بعشرات الآلاف من الأطنان سنوياً؟ هذا التناقض لا يُفسَّر بشحّ الطبيعة، بل بفداحة سوء الحوكمة وضراوة النهب، من الداخل والخارج معاً.
تونس ليست دولة فقيرة بحرياً. هي دولة أُفقِرت من بحرها.
أولاً: ثروة بحرية حقيقية تُقاس بأرقام لا بأوهام
قبل تشريح جراحات القطاع، لا بد من تثبيت حجم ما يُنهَب. تبلغ الطاقة الإنتاجية السنوية لقطاع الصيد البحري في تونس نحو 147 ألف طن، غير أن الإنتاج الفعلي لا يتجاوز 138 ألف طن وفق أرقام 2024، وهو رقم يخفي تذبذباً واضحاً وتراجعاً ملموساً في أنشطة الصيد الساحلي التقليدي الذي يعتمد عليه صغار البحارة (1).
والأشد دلالة مما تقوله الأرقام هو ما يرويه أصحاب الشبك أنفسهم؛ إذ يؤكد رئيس الاتحاد الجهوي للفلاحة والصيد البحري بالمهدية أن الإنتاج السمكي تراجع بأكثر من 70% مقارنة بالسنوات الماضية، وأن عدداً من البحارة لم يعودوا قادرين حتى على تغطية تكاليف الإبحار (1).
أما في باطن هذا البحر، فتمتد ثروة أعمق وأبعد أثراً. أفادت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية بوجود حوضين كبيرين للنفط والغاز يمتدان على مساحات واسعة بين ليبيا وتونس، مع احتياطيات ضخمة من النفط والغاز الطبيعي ومكثفات الغاز (2). فضلاً عن ذلك، تزخر السواحل الشمالية الغربية لتونس، لا سيما طبرقة، بالشعاب المرجانية الحمراء التي تُعدّ من الأهم في حوض المتوسط، ويحظى المرجان التونسي بسمعة عالمية بفضل لونه الأحمر القاني وجودته العالية، ما يجعله مطلوباً في أسواق المجوهرات والتحف الفاخرة أوروبياً وآسيوياً وعربياً (3).
هذا هو الوجه الأول للحقيقة: ثروة موجودة، قابلة للقياس، مرئية. والوجه الثاني: هي مصادرة، مهدورة، أو منهوبة.
ثانياً: الاحتكار الداخلي — العدو الذي يسكن داخل الأسوار
السمكة التي يصطادها البحّار في الفجر لا تصل إلى مائدة المواطن إلا بعد أن تمر عبر شبكة وسطاء ومحتكرين تمتص القيمة وتُضاعف السعر. فقد تجاوز سعر السردين 10 دنانير للكيلوغرام في عدة مناسبات، بعد أن كان في حدود 3 إلى 5 دنانير، فيما بلغت أسعار أنواع كالدوراد والقاروص مستويات تتراوح بين 30 و50 ديناراً للكيلوغرام (1). ويرى المهنيون أن هذا الارتفاع يعكس اختلالاً واضحاً بين العرض والطلب، لكنه يعكس كذلك فشلاً مقصوداً في تنظيم السوق.
بيد أن الاحتكار ليس وحيد المصدر. ثمة منظومة فساد أعمق تتمثل في الصيد الجائر الداخلي نفسه؛ إذ يُسجَّل استعمال شباك غير مطابقة للمواصفات القانونية، ذات عيون ضيقة، تؤدي إلى صيد الأسماك الصغيرة قبل بلوغها الحجم التجاري، مما يهدد استدامة الثروة البحرية على المديين المتوسط والبعيد (1). ويُضاف إلى ذلك عدم احترام فترات "الراحة البيولوجية" المخصصة لتجديد المخزون السمكي، خاصة بالنسبة لأنواع حساسة كالأخطبوط وبعض الأسماك الساحلية.
ويحذر مختصون من أن هذه الممارسات تُسرّع من وتيرة استنزاف المخزون في وقت يعمل فيه في القطاع نحو 45 ألف شخص، أكثر من 60% منهم في الصيد التقليدي (1). والأنكى أن الدولة ذاتها تقدّم الذريعة للمحتكرين، إذ يعاني القطاع من تقادم الأسطول واهتراء البنية التحتية وبيروقراطية مفرطة تُعقّد عمل المنتجين (1). فحين يُترك صغار البحارة بلا موانئ ولا أسطول متجدد ولا دعم لوجستي، يُضطرون إلى بيع إنتاجهم بأثمان بخسة لفائدة وسطاء يمتلكون رأس المال والتخزين والنقل، فيكون الاحتكار نتيجة طبيعية لغياب السياسة العامة لا لقانون السوق.
ثالثاً: النهب الخارجي — السفن الأوروبية في مياهنا
لا يقتصر النزيف على الداخل. ترسّخ الاتفاقيات الأوروبية المتتالية مع دول الجنوب نمطاً عالمياً غير عادل، تُستنزف بموجبه ثروات الجنوب البحرية لتغذية حاجات الشمال الاستهلاكية، في وقت يعاني فيه المواطنون المحليون من غلاء السمك ونقصه (4). وإذا كان المغرب قد خاض مفاوضات شاقة مع الاتحاد الأوروبي وصلت إلى حدود إلغاء الاتفاقية دفاعاً عن سيادته البحرية، فإن تونس لم تبلغ بعد هذا المستوى من الوعي السيادي في التفاوض.
ومن أبرز تجليات هذا النهب ما يُسجَّل في خليج قابس تحديداً، الذي يُعدّ من أخصب المناطق السمكية في المتوسط بأسره. وقد اعتبر رئيس الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري أن تهديدات الاتحاد الأوروبي بمنع استيراد المنتوجات البحرية التونسية بسبب تواصل الصيد العشوائي تشكّل خطراً يداهم منظومة الصيد البحري ككل (5). هذا الخطر يكشف عن ورطة بنيوية: تونس تُصدّر ثروتها السمكية إلى أوروبا بأسعار مجحفة لكسب العملة الصعبة، بينما يعجز مواطنوها عن اقتنائها في أسواقهم الداخلية.
والمفارقة الجارحة أن الاتحاد الأوروبي يُهدّد بعقوبات تجارية في وجه الصيد العشوائي التونسي، بينما تواصل سفنه المتطورة جنيَ ما تطاله شباكها في المياه المتوسطية المشتركة، بذريعة اتفاقيات "الشراكة" الواجب إعادة النظر فيها من أساسها.
رابعاً: النفط والغاز البحري — كنز يُوزَّع بلا حساب
إذا كانت المأساة السمكية مرئية يومياً، فإن مأساة الثروات الباطنية تجري في الخفاء. فقد كُشف عن قائمة تضم أكثر من 25 شركة أجنبية وتونسية مُرخَّصة للاستكشاف النفطي والتنقيب، من بينها شركات إيطالية وبريطانية وسويدية وأسترالية وكندية ونرويجية وهولندية وفرنسية وغيرها (6).
وتتّسم العلاقة مع هذه الشركات بالهشاشة السيادية المزمنة؛ إذ لم تستقطب تونس منذ نحو 15 عاماً أي شركة كبيرة الحجم متخصصة في الاستكشاف، وتتشكل خريطة الآبار من 1100 بئر، أكثر من 80% منها غير منتجة، ولا تتخطى نسبة النجاح 10% (2). وهذا يعني أن عقود الامتياز تُمنح بسخاء لشركات أجنبية في حين تبقى الثروة في معظمها حبيسة الباطن أو خارجة عبر منافذ لا تعكس عائداً عادلاً للشعب.
والمفارقة أن تونس بدأت استخراج النفط والغاز الطبيعي منذ 1966 بمساعدة شركات أجنبية (7)، وستون عاماً مضت دون أن تبني كفاءة وطنية حقيقية تُمكّنها من التفاوض من موقع ندّيّ. والدليل على العطش الشعبي لهذه العدالة الثروية أن احتجاجات اندلعت في منطقة الفوار بمحافظة قبلي تعبيراً عن السخط من إعلان اكتشاف بئر نفطية في تلك المنطقة وتخصيص عائداتها لمنطقة أخرى، وسط ارتفاع البطالة والفقر بالجنوب رغم احتوائه على مخزون كبير من الثروات (8).
خامساً: المياه المحلاّة — الحل الذي تأخّر جيلاً كاملاً
من أبشع مظاهر هدر الموارد البحرية أن تونس تعاني من أزمة مياه مزمنة وهي مطلّة على البحر بأكثر من ألف وثلاثمائة كيلومتر من الشريط الساحلي. فقد استكشفت تونس سُبُل تحلية المياه منذ 1983، لكن المشاريع ظلت موجهة كلياً لمعالجة المياه الجوفية لا مياه البحر، وأُجِّلت لعقود بسبب تشابك المصالح والفساد (9). ولعل أفضح مثال على ذلك أن مشروع أول محطة لتحلية مياه البحر في جربة كان مُقرراً بالشراكة مع مجمع تونسي مملوك لصهر الرئيس بن علي ومجموعة إسبانية، وكان مُزمَعاً التوقيع عليه في يناير 2011 قبل أن تسبقه الثورة (9).
وتُشكّل الطاقة حوالي 40% من تكلفة إنتاج متر مكعب واحد من المياه المحلاة في تونس (10)، وهو ما يجعل الدولة في حاجة إلى الجمع بين الطاقة الشمسية وتحلية المياه في منظومة متكاملة — خيار يبقى ممكناً لو توفّرت الإرادة السياسية والسيادة على القرار الاستراتيجي. غير أن المسار انحرف مرة أخرى حين قفز خيار "الهيدروجين الأخضر" بدفع أوروبي واضح إلى رأس قائمة الأولويات الطاقية، ليُحوَّل ماء البحر — مرة أخرى — إلى خدمة أوروبية قبل أن يكون خدمة للمواطن التونسي (9).
نحو المقارنة: ماذا تفعل الدول التي تحترم بحرها؟
لا يحتاج المرء إلى البحث بعيداً. المغرب خاض مفاوضات شاقة مع الاتحاد الأوروبي وأوقف التمديد في اتفاقيات الصيد حين رأى فيها إخلالاً بسيادته البحرية. موريتانيا ضمنت لصيّاديها احتكار أصناف محددة ولم تمنح أوروبا إلا ما تجاوز الحاجة الداخلية (11). النرويج تُقيّد الصيد الأجنبي في مياهها بيد من حديد وتبني كفاءتها التقنية ذاتياً. أما الصين وكوريا الجنوبية فقد حوّلتا تربية الأسماك إلى صناعة قائمة بذاتها تُكمل الصيد الطبيعي وتستوعب ملايين العمال.
القاسم المشترك في هذه التجارب: الإرادة السيادية، وسياسة وطنية واضحة، وإدارة تحمي المواطن أولاً. كل ذلك غائب في تونس، لا لأن الأرض لم تُعطِ، بل لأن الحكم لم يُبنَ على الخدمة.
خاتمة: البحر لا يكذب
البحر التونسي لم يُخن مواطنيه. الذين خانوه هم من استلموا مفاتيح إدارته: صانعو القرار الذين أسبغوا رخص التنقيب على الأجانب دون حساب ولا شفافية، والوسطاء الذين يُحوّلون نِعمة البحر إلى أداة احتكار، والسياسيون الذين أجّلوا تحلية المياه جيلاً كاملاً لأن المشاريع كانت ريعاً خاصاً لا خدمة عامة، والمفاوضون الذين مضوا إلى أوروبا دون أن يحملوا من القاموس السيادي ما يعادل شبكة صيد واحدة.
مكمن الأزمة ليس في البحر. مكمنها في من يُحكم قبضته على الشاطئ.
المراجع
(1) الجزيرة نت، "بين شح البحر وأزمات البحارة.. لماذا ترتفع أسعار الأسماك في تونس؟"، أبريل 2026.
(2) موقع الطاقة، "تونس تحسم الجدل حول اكتشاف احتياطيات ضخمة للنفط والغاز قبالة سواحل البلاد"، مارس 2023.
(3) وكالة الأنباء السعودية (واس)، "المرجان في تونس.. ثروة بحرية نادرة تسعى السلطات لحمايتها"، سبتمبر 2025.
(4) موقع الأيام 24، "اتفاقيات الصيد مع أوروبا.. نظام نهب وتكريس للتبعية"، يوليو 2025.
(5) أفريكان مانجر، تصريح رئيس الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري حول تهديدات الاتحاد الأوروبي، 2024.
(6) موقع الجمهورية / المصدر تونس، "قائمة الشركات التونسية والأجنبية المرخص لها لاستكشاف البترول والتنقيب عنه"، مايو 2015.
(7) وزارة الطاقة والمناجم التونسية، "الاستكشاف والبحث وإنتاج المحروقات"، الموقع الرسمي.
(8) الجزيرة نت، "أين البترول؟.. فقراء تونس يتساءلون عن ثرواتهم"، مايو 2015.
(9) Legal Agenda، "تحلية مياه البحر في تونس: خيار مرّ أم هروب إلى الأمام؟"، يوليو 2025.
(10) Swiss Info، "تحلية مياه البحر ومعالجة الصرف الصحي.. الحل الوحيد لدول المغرب العربي"، فبراير 2024.
(11) الجزيرة نت، "اتفاق موريتاني أوروبي في مجال الصيد البحري"، يوليو 2015.

 



 



هندسة الخنق الاقتصادي والتطبيع بالوكالة: كيف سحقت "دليس" منافسيها واعتلت عرش الغذاء والمياه في تونس؟ بقلم: الناصر خشيني



هندسة الخنق الاقتصادي والتطبيع بالوكالة: كيف سحقت "دليس" منافسيها واعتلت عرش الغذاء والمياه في تونس؟

بقلم: الناصر خشيني
تتحول منظومة الأمن الغذائي والمائي في تونس تدريجياً من ركيزة سيادية تضمن كرامة المواطن وديمومة الفلاح، إلى حلبة مغلقة تديرها كارتلات مالية نجحت على مدار عقود في فرض معادلة احتكارية صارمة. لم يكن تربع مجموعة "دليس" على عرش قطاع الحليب ومشتقاته -ثم توسعها لاحقاً لفرض نفوذها في قطاع المياه المعلبة- وليد صدفة اقتصادية، بل هو نتاج استراتيجية توسع هجومية شرسة اعتمدت على آليات "تجفيف المنابع"، و"الإغراق السعري"، وتوظيف القوة المالية والآلة الإعلامية لفرض منتجات عادية غصباً في الأسواق وسحق النسيج الإنتاجي المحلي. يضاف إلى هذا المشهد الاحتكاري بعدٌ آخر غاية في الحساسية يتعلق بالتبعية الرأسمالية لشركات عالمية متورطة في دعم منظومة الاحتلال الصهيوني. يبحث هذا التحقيق الاستقصائي الشامل في "الهندسة الخفية" التي اتبعتها المجموعة لإفلاس المعامل الجهوية والمؤسسات الحكومية، مع تشريح البنية الرقمية الراهنة التي تحكم خريطة النفوذ، والوقوف على التواطؤ التشريعي الذي جعل من أجهزة الدولة الرقابية هياكل بلا أنياب.

أولاً: كواليس تدمير "ستيل" وإخلاء الساحة من الرقابة السيادية
شكلت الشركة التونسية لصناعة الألبان "ستيل" (STIL) تاريخياً خط الدفاع الأول عن منظومة الإنتاج الوطني؛ إذ كانت هذه المؤسسة العمومية تلعب دوراً تعديلياً يحمي الفلاح عبر قبول الحليب بأسعار عادلة، ويضمن للمستهلك منتجاً مدعماً بأسعار مدروسة.
مع انطلاق سياسات الخصخصة وإعادة الهيكلة في تسعينات القرن الماضي، تقاطعت الضغوط الاقتصادية لتسريع وتيرة تفكيك "ستيل" وإغراقها في الديون لتبرير غلقها. ومع زوال هذا العملاق الحكومي، لم تجد مجموعة "دليس" أي رادع سيادي يمنعها من الاستحواذ على الحصص السوقية الشاغرة وشبكات التوزيع الممتدة عبر كامل تراب الجمهورية، لتتحول من مجرد مصنع خاص إلى "محتكر فعلي" يتحكم في مسار المادة الحيوية الأولى للتونسيين.

ثانياً: سياسة "التسعير الافتراسي" (Predatory Pricing) وسحق المعامل الجهوية
عندما حاولت بعض المصانع الجهوية والتعاونيات الفلاحية الصمود وتقديم بدائل محلية للمستهلك، اصطدمت بآلية اقتصادية مدمرة تُعرف بـ "التسعير الافتراسي":
  • الإغراق المؤقت: اعتمدت "دليس" -مستندة إلى السيولة المالية الضخمة وشراكتها الاستراتيجية مع عملاق الألبان الفرنسي "دانون"- على ضخ كميات هائلة من مشتقات الألبان في المناطق الجهوية بأسعار منخفضة جداً تقل عن كلفة الإنتاج الحقيقية للمصانع الصغرى.
  • خنق السيولة: لم تتحمل المالية الهشة لمعامل مثل "لينو" في بوسالم، و"ثالجة" في صفاقس وبن عروس، و"بلدي" بوادي الليل هذا النسق من حرب الأسعار.
  • النتيجة الحتمية: عجزت هذه المعامل عن تغطية مصاريفها الثابتة، مما قادها إلى التوقف الإجباري والإفلاس، لتقوم "دليس" فور خروج المنافس من السوق بإعادة رفع الأسعار لتعويض خسائرها المؤقتة وفرض شروطها الاحتكارية.

ثالثاً: التحكم في المنبع ومعاقبة مراكز التجميع
لم تقتصر استراتيجية الخنق على واجهات البيع والمساحات الكبرى، بل ركزت بشكل أساسي على التحكم الصارم في المادة الخام (الحليب الطازج) عبر هندسة عقود حصرية تمنع المنافسين من الحصول على الإمدادات:
  1. العقود الاحتكارية: فرضت المجموعة على أغلبية مراكز تجميع الحليب في أحواض الإنتاج الكبرى (مثل الشمال والوسط الغربي) توقيع اتفاقيات توريد حصرية لـ "دليس" دون سواها.
  2. سلاح المقاطعة الفورية: أي مركز تجميع كان يحاول بيع فائض إنتاجه اليومي أو تزويد مصانع صغرى منافسة (مثل مصنع كانديا أو مصنع سيدي بوعلي لاحقاً)، كان يواجه بالتهديد المباشر بفسخ العقد وإيقاف قبول الشحنات منه نهائياً.
  3. الانصياع القسري: نظرًا لعدم وجود بديل قادر على استيعاب تلك الكميات الضخمة غير "دليس"، اضطر أصحاب مراكز التجميع للانصياع، مما أدى عملياً إلى قطع شريان الحياة عن المشاريع المنافسة حتى تلاشت تماماً.

رابعاً: النفوذ الرياضي والشعبي كـ "درع حماية قانوني"
تمثل ظاهرة الجمع بين رئاسة المجموعات الاقتصادية الكبرى وإدارة الأندية الرياضية الجماهيرية (مثل ترؤس حمدي المدب لنادي الترجي الرياضي التونسي) آلية بالغة الذكاء لبناء "حصانة ناعمة".
تُستخدم هذه المكانة الرياضية كقوة ضغط غير مباشرة على الحكومات ومؤسسات الدولة. إن أي محاولة جدية من مجلس المنافسة التونسي أو وزارة التجارة لفتح ملفات الاحتكار، أو فرض خطايا مالية ثقيلة، أو إعادة هيكلة منظومة الدعم بما يضمن تكافؤ الفرص، كانت تصطدم دائماً بالتخوف من إثارة القواعد الجماهيرية الرياضية العريضة. هذا التداخل بين التجاري والرياضي وفّر للمجموعة مظلة أمان سياسية سمحت لها بمواصلة التمدد واحتواء السوق دون خشية من التبعات القانونية أو المحاسبة القانونية الصارمة.

خامساً: مغالطة "المستحضرات الغذائية" والالتفاف على كلفة الإنتاج
مع تفاقم الأزمات الهيكلية لمنظومة الحليب في تونس، لجأت "دليس" إلى آلية تصنيعية بالغة الربحية على حساب جودة الغذاء وصحة المستهلك، وتمثلت في تعويض الأجبان الحقيقية بما يسمى "المستحضرات الغذائية":
  • التلاعب بالمكونات: تعمد هذه العملية إلى سحب المواد الدهنية اللبنية الطبيعية واستبدالها بزيوت نباتية رخيصة ومعالجة (مثل زيت النخيل)، مع إضافة نكهات اصطناعية ومثبتات كيميائية لمنح المنتج ملمس وطعم الجبن.
  • هوامش ربح خيالية: توفر هذه المستحضرات هوامش ربح اقتصادية تتجاوز 200% مقارنة بالأجبان الحقيقية.
  • تدمير الحرفيين: بفضل الكلفة البخسة لهذه المستحضرات، أغرقت المجموعة السوق بمنتجات رخيصة الثمن عجز أمامها صغار الحرفيين ومصنعي الأجبان التقليدية (الذين يعتمدون على الحليب الخالص 100%) عن المنافسة، مما دفعهم للغلق، وأجبر المستهلك التونسي على استهلاك دهون نباتية مهدرجة تحت مسمى "الأجبان".

سادساً: قراءة تحليلية مقارنة في توازنات القوى وحصص السوق الراهنة
عند تفكيك بنية السوق التونسية للألبان حالياً، يتضح أننا لسنا أمام حالة تنافسية بالمعنى الاقتصادي، بل أمام "شبه احتكار مطلق" (Monopoly Power) تقوده مجموعة دليس، بينما تتقاسم بقية الشركات الفتات عبر سياسة التعايش القسري.(14)
تُشير التقديرات المسجلة في تقارير الممارسات الاحتكارية إلى أن مجموعة "دليس" تستأثر بحصة أسد تتجاوز الـ 65% من إجمالي الاستهلاك الوطني للحليب المعبأ. في المقابل، تحل مجموعة "فيتالي" (المركزية اللبنية بالمهدية) في المرتبة الثانية بحصة سوقية تقارب الـ 20% إلى 25%، تاركةً ما لا يزيد عن 10% إلى 15% موزعة على بقية المتدخلين الصغار والتعاونيات الجهوية.(15)
وتكشف قراءة توزيع هذه الحصص عن هرمية احتكارية واضحة المعالم. تتربع مجموعة دليس القابضة على القمة بهيمنة شاملة تتجاوز 65% من السوق، موزعة على قطاعات الحليب المعبأ والأجبان والياغورت معاً، مستندةً في ذلك إلى شراكتين أجنبيتين استراتيجيتين هما دانون وسافينسيا الفرنسيتان، اللتان تمنحانها تفوقاً تكنولوجياً ومالياً يعجز عنه أي منافس محلي. وتحتل مجموعة فيتالي بالمهدية المرتبة الثانية بحصة تتراوح بين 20% و25%، مقتصرةً على الحليب المعبأ دون سواه، مستقلةً عن أي شراكة أجنبية مما يُضعف قدرتها التنافسية أمام الآلة المالية للمجموعة الأولى. أما لاندور (Land'Or) فتكتفي بحصة متواضعة لا تتعدى 5% إلى 8%، محصورةً في قطاع الأجبان التقليدية التي تشكّل ملاذها الأخير للبقاء. وفي ذيل الهرم تقبع التعاونيات الجهوية المستقلة، تتقاسم فيما بينها بقية الحصص المتناثرة في سوق يضيق عليها يوماً بعد يوم.
هذا الفارق الشاسع يمنح "دليس" القدرة على توجيه السوق؛ فإذا قررت خفض وتيرة الإنتاج أو توجيهه نحو المشتقات، أصيبت البلاد بأزمة ندرة خانقة فوراً. أما في قطاع "الياغورت" ومشتقات الألبان الطازجة، يظهر الأثر المباشر للشراكة مع "دانون" الفرنسية؛ إذ تسيطر دليس على أكثر من 70% من السوق، تليها "فيتالي" و"ناتيل" بنسب متواضعة جداً لا تسمح لهما بتشكيل جبهة ضغط سعرية.
مقارنة إقليمية: كيف تُدار قطاعات الألبان في الجوار؟
لفهم عمق الأزمة التونسية، يكفي مقارنتها بنموذجين إقليميين قريبين:
النموذج المغربي: تحتفظ الدولة المغربية بحضور تعديلي فاعل في قطاع الألبان عبر مجموعة "حليب المغرب" التابعة للقطاع شبه العام، التي تعمل كضابط سعري يحمي صغار الفلاحين ويمنع التسعير الافتراسي.(16) كما يتضمن قانون المنافسة المغربي آليات رقابية أكثر صرامة بما يجعل هيمنة أي كيان تجاري على أكثر من 40% من السوق مثار تدقيق تلقائي من سلطة المنافسة.
النموذج المصري: حافظت مصر على دور عام مباشر في قطاع الألبان عبر "شركة مصر للألبان والأغذية" (بيكو)، فضلاً عن منظومة التعاونيات الفلاحية التي تحمي الفلاح الصغير من الاستغلال. وقد أصدر جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية قرارات بتغريم شركات عدة بسبب تنسيق الأسعار، مما يشير إلى حضور رقابي حقيقي لا صوري.(17)         سابعاً: غزو قطاع المياه.. القوة المالية والإعلامية تفرض الماء العادي غصباً
لم تقف شهية التوسع الاحتكاري للمجموعة عند حدود الألبان؛ بل امتدت لتشمل قطاع المياه المعلبة عبر إطلاق منتجها "ماء دليس" (Eau Délice). عند إخضاع هذا المنتج للتفكيك والتحليل الميداني، تتجلى الحقائق التالية:
  • ماء عادي بآلة ترويجية خارقة: من الناحية الفيزيائية والجيولوجية، لا يقدم "ماء دليس" أي ميزة تفاضلية صحية أو تركيبة معدنية نادرة تفوق بقية المياه في تونس. بل إن الشهادات الميدانية والتقارير الاستقصائية تشير إلى أنه ماء عادي مستخرج من آبار عادية (مثل منطقة جلمة بسيدي بوزيد)، وتواجه عمليات استخراجه اتهامات محلية باستنزاف المائدة المائية على حساب عطش الأهالي وصغار الفلاحين في الجهة.
  • الفرض القسري بالقوة الناعمة والصلبة: رغماً عن عادية المنتج، نجحت الشركة في فرضه "غصباً" على المستهلك التونسي عبر محورين:
    1. السطوة المالية واللوجستية: وظفت المجموعة شبكة توزيع الألبان العملاقة الخاصة بها لفرض "البيع المشروط" بطرق غير مباشرة على تجار التفصيل والمساحات الكبرى. فمن يريد الحصول على حصته الكافية من حليب دليس السريع النفاد، يجد نفسه مجبراً لوجستياً على غمر محله بـ "ماء دليس".
    2. القصف الإعلامي الممنهج: سُخرت ترسانة إعلامية دعائية ضخمة لصناعة هالة وهمية حول المنتج تسوقه كـ "مصفٍّ للبدن" ومطهر من السموم، مما أدى إلى غسل دماغ جماعي للمستهلك الذي أصبح يقتني ماءً عادياً بسعر مرتفع مدفوعاً ببريق العلامة التجارية لا بجودة المضمون Facebook.

ثامناً: التبعية الرأسمالية وشبهة "التطبيع بالوكالة"
لا يكتمل تشريح الامتداد الأخطبوطي لمجموعة "دليس" دون النبش في خلفيات ملف باليد الحساسية، يثير نقاشاً حقوقياً وسياسياً واسعاً في تونس، وهو ملف ارتباطها غير المباشر بالشركات الداعمة للكيان الصهيوني:
  • ارتباط وثيق بـ "دانون" (Danone): على الرغم من عدم وجود تعامل تجاري أو تصديري مباشر ومعلن بين دليس ودولة الاحتلال، إلا أن الشبهة الرئيسية والخطيرة تنبع من طبيعة شراكتها الهيكلية والرأسمالية مع عملاق الأغذية الفرنسي "دانون"، الذي يمتلك حصة ضخمة من فرع المنتجات الطازجة للمجموعة (دليس دانون).
  • جائزة اليوبيل الصهيونية لـ دانون: في عام 1998، تم تكريم شركة "دانون" الفرنسية رسمياً من قِبل حكومة الكيان الصهيوني بمنحها "جائزة اليوبيل" (Jubilee Award)، نظراً لدورها التاريخي والبارز في دعم وتعزيز الاقتصاد الإسرائيلي عبر الاستثمار المباشر في شركات كبرى داخل الكيان (مثل شركة معجنات شتراوس) وشراكتها مع معاهد بحوث وتطوير تكنولوجي تابعة للاحتلال.
  • التبعات والتحركات الوطنية: بالنظر إلى هذه التبعية، تؤكد الهيئات المناهضة للتطبيع (مثل BDS Tunisia والاتحاد العام لطلبة تونس UGET) أن المستهلك التونسي الذي يشتري هذه المنتجات يساهم دون وعي في تدوير عجلة رأس مال يصب جزئياً في خزانة الشركة الأم الداعمة للاحتلال. وقد تجلى هذا الاحتقان في إصدار الاتحاد العام لطلبة تونس لبيانات استنكارية رسمية تندد بإبرام دواوين الخدمات الجامعية لصفقات توزيع منتجات دليس-دانون داخل المطاعم الجامعية، معتبرين ذلك ضرباً لجهود المقاطعة وتواطؤاً بالوكالة، خاصة في ظل حرب الإبادة الجماعية المستمرة ضد الشعب الفلسطيني. ورغم هذه التحركات، تنجح الآلة الإعلامية والمالية للشركة في فرض جدار الصمت حول هذا الملف داخل وسائل الإعلام الكبرى بصفة الشركة الممول الإعلاني الأول لها.

تاسعاً: التحليل القانوني لثغرات قانون المنافسة والأسعار التونسي
إن استمرار هذا التمدد الاحتكاري يطرح تساؤلاً جوهرياً: أين هي الدولة وأجهزة الرقابة؟ الإجابة تكمن في البنية الهيكلية لـ قانون إعادة تنظيم المنافسة والأسعار (قانون عدد 36 لسنة 2015)، والذي يحتوي على ثغرات جعلت منه نصاً بلا أنياب:
  1. إثبات الوضع المهيمن ضد إساءة استغلاله: يعاقب القانون التونسي على "إساءة استغلال" الموقع المهيمن وليس على امتلاك الموقع المهيمن في حد ذاته. هذه الثغرة تمنح المحامين غطاءً؛ إذ يتم تسويق الممارسات الاحتكارية على أنها "إجراءات لوجستية لتحسين الجودة".
  2. ضعف آليات التقديم وبطء التقاضي: يعاني "مجلس المنافسة التونسي" من نقص حاد في الإمكانيات البشرية واللوجستية، مما يجعله عاجزاً عن فتح تحقيقات استقصائية استباقية ومعقدة. أضف إلى ذلك أن القضايا المرفوعة أمام المجلس تستغرق سنوات طويلة، وهي فترة تكون كافية اقتصادياً للمصنع المحتكر لسحق المنافس الصغير وإخراجه من السوق نهائياً قبل صدور أي قرار قضائي.
  3. هزالة العقوبات المالية مقارنة بالأرباح: حتى في الحالات النادرة التي تثبت فيها التجاوزات، فإن الخطايا المالية المرصودة قانوناً تُعتبر ضئيلة جداً مقارنة بالأرباح الخيالية التي تجنيها المجموعة. تصبح هذه الخطايا بالنسبة للكارتل مجرد "تكلفة تشغيلية بسيطة" يتم دفعها ومواصلة نفس النهج التدميري للمنافسة.

خاتمة واستنتاجات ومقترحات تشريعية لصناع القرار
إن تربع مجموعة "دليس" على قطاعات الألبان والمياه في تونس ليس قصة نجاح اقتصادي بقدر ما هو نموذج صارخ لغياب آليات التعديل التنافسي وضعف الرقابة السيادية للدولة. ولإنقاذ ما تبقى من سيادة غذائية ومائية، نرفع لصناع القرار المقترحات التشريعية والإجرائية العاجلة التالية:
  1. تعديل القانون عدد 36 لسنة 2015: بوضع سقف محدد للحصة السوقية لأي مجمع اقتصادي (لا تتجاوز 40%)، واعتبار تجاوز هذا السقف احتكاراً موجباً للتفكيك القسري بقوة القانون لمنع الهيمنة المطلقة.
  2. استقلالية ومنح الأنياب لمجلس المنافسة: عبر إلحاقه مباشرة برئاسة الجمهورية أو القضاء العدلي، وتزويده بضابطة عدلية اقتصادية قادرة على مداهمة الشركات وتفتيش عقود التوزيع الحصرية والسرية وفرض عقوبات تصل إلى مصادرة الأصول المرتكبة للممارسات الاحتكارية.
  3. حظر المستحضرات الغذائية الضارة ومنع البيع المشروط: إصدار أمر وزاري صارم يمنع تسويق المستحضرات النباتية تحت مسميات الأجبان، وفرض رقابة ميدانية صارمة من وزارة التجارة لمعاقبة المصانع التي تفرض على التجار شراء مياهها لمعادلة حصص الحليب.

الهوامش والمراجع
(1) تقارير المعهد الوطني للإحصاء حول قطاع الصناعات الغذائية في تونس (1990-2000)؛ وأرشيف الشركة التونسية لصناعة الألبان (ستيل - STIL) المحفوظ في مركز التوثيق الوطني بتونس.
(2) وثائق وزارة الصناعة التونسية حول برامج الخصخصة وإعادة الهيكلة الصناعية في إطار سياسات التكيف الهيكلي للفترة 1990-2000.
(3) شهادات نقابية منشورة للاتحاد العام التونسي للشغل (UGTT) - الفدرالية العامة للصناعات الغذائية - حول تداعيات تصفية ستيل على قطاع التشغيل.
(4) شهادات نقابية ومهنية لمتضرري الفلاحين وصغار المصنعين حول إفلاس مصانع "ستيل" و"لينو" و"ثالجة"؛ منشورة في الصحافة المحلية لمنطقة جندوبة (2000-2005).
(5) التقرير الفصلي للديوان الوطني للفلاحة (OEP) حول وضع قطاع تربية المواشي وإنتاج الحليب في المناطق الداخلية؛ البيانات الإحصائية للفترة 2005-2015.
(6) التحليلات الاقتصادية لآليات "التسعير الافتراسي" واستراتيجيات الإغراق في السوق التونسية ومفهوم الاحتكار الفعلي؛ تقارير المعهد الوطني للاستهلاك ومجلس المنافسة التونسي.
(7) شهادات نقابية ومهنية منشورة حول إفلاس مصنع "لينو" في بوسالم، ومصنع "ثالجة" في صفاقس وبن عروس، ومصنع "بلدي" بوادي الليل.
(8) تقارير المعهد الوطني للاستهلاك ومجلس المنافسة التونسي بشأن قطاع الألبان والممارسات التنافسية في السوق؛ بيانات الهيكلة والشراكات من الموقع الرسمي لمجموعة دليس القابضة وبورصة تونس.
(9) التقارير الصحفية الاستقصائية المنشورة حول الامتدادات الرياضية لمجموعة دليس ودور رئاسة الأندية الجماهيرية في بناء الحصانة السياسية.
(10) شهادات صحفيين تونسيين (طلبوا إخفاء هويتهم) حول ممارسات الضغط الإعلاني وإيقاف التحقيقات الاستقصائية المتعلقة بملفات الاحتكار.
(11) تقارير المرصد التونسي للإعلام حول توزيع الإنفاق الإعلاني في القطاع الإعلامي التونسي وتأثيره على الاستقلالية التحريرية.
(12) الدراسات الفنية والتقنية الصادرة عن وزارة الصحة التونسية والمركز الوطني للتقنين (INNORPI) حول مواصفات المستحضرات الغذائية ومكوناتها مقارنة بالأجبان الحقيقية.
(13) التحليلات الاقتصادية لهوامش الربح في صناعة الأجبان والمستحضرات الغذائية؛ تقارير اتحاد الصناعة التونسية والتجارة والصناعات التقليدية (UTICA) - الفدرالية الوطنية للمواد الغذائية.
(14) تقارير مجلس المنافسة التونسي والمعهد الوطني للاستهلاك بشأن بنية السوق ودرجات التركز في قطاع الألبان.
(15) الموقع الرسمي لمجموعة دليس القابضة وبورصة تونس (بيانات الهيكلة والتقارير المالية السنوية)؛ تقديرات المعهد الوطني للإحصاء حول حجم الاستهلاك الوطني.
(16) المجلس الأعلى للحسابات المغربي: تقرير قطاع الحليب ومشتقاته في المغرب؛ البيانات الرسمية لمجموعة حليب المغرب (Centrale Laitière).
(17) تقارير جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية في مصر؛ البيانات السنوية لشركة مصر للألبان والأغذية (بيكو).
(18) دراسات وتقارير المرصد التونسي للمياه (مؤسسة نوماد 08) والتحقيقات الصحفية المنشورة حول احتكار قطاع المياه واستنزاف الموائد المائية في جلمة وسيدي بوزيد.
(19) بيانات المندوبية الجهوية للفلاحة بسيدي بوزيد حول منسوب المياه الجوفية وتأثير رخص الاستغلال الصناعي على الموائد المائية.
(20) دراسات المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (FTDES) حول العدالة المائية وإشكاليات توزيع الثروات الطبيعية في تونس الداخلية.
(21) شهادات ميدانية لتجار تجزئة وأصحاب مساحات صغرى حول ممارسات البيع المشروط المرتبطة بحصص الحليب؛ منشورة في منتديات المهنيين ووسائل التواصل الاجتماعي.
(22) بيانات المعهد الوطني للاستهلاك والديوان الوطني للمياه المعدنية حول تركيبة المياه المعبأة وأساليب تسويقها.
(23) الموقع الرسمي لمجموعة دليس القابضة وبورصة تونس: التقارير المالية السنوية وبيانات الهيكلة والشراكات الأجنبية مع دانون وسافينسيا.
(24) أدبيات وبيانات الحملة التونسية لمقاطعة ومناهضة التطبيع (BDS Tunisia) والتقارير المتعلقة بجائزة اليوبيل الممنوحة لشركة دانون الفرنسية من قبل حكومة الكيان الصهيوني عام 1998.
(25) البيانات الرسمية الصادرة عن الحملة التونسية لمناهضة التطبيع BDS Tunisia حول الارتباطات الرأسمالية لمجموعة دليس-دانون.
(26) البيانات الرسمية الصادرة عن المكتب التنفيذي للاتحاد العام لطلبة تونس (UGET) حول مقاطعة المنتجات والمطالبة بإلغاء عقود التوريد للمطاعم الجامعية.
(27) نص القانون عدد 36 لسنة 2015 المتعلق بإعادة تنظيم المنافسة والأسعار في تونس والقراءات النقدية الفقهية لثغراته الإجرائية؛ الرائد الرسمي للجمهورية التونسية.
(28) التقرير السنوي لمجلس المنافسة التونسي حول الإمكانيات البشرية والمادية المتاحة ونسبة القضايا المُعالَجة مقارنة بالمقدَّمة.
(29) الأرشيف العلني لمجلس المنافسة التونسي (القرارات والتوصيات المنشورة على موقعه الرسمي)؛ مراجعة منهجية لملفات قطاع الألبان.
(30) تقارير منظمة أنا يقظ ومنظمة I Watch حول استقلالية هيئات الرقابة الاقتصادية في تونس ومدى مقاومتها لضغوط اللوبيات المالية.
(31) دراسات المعهد العربي لرجال الأعمال حول نماذج تشريعية مقارنة في قوانين المنافسة الناجحة في المغرب والأردن وتونس.
(32) تقارير المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (FTDES) حول آليات التعويض وإعادة التأهيل في الجهات المتضررة من التحولات ج


أزمة المياه في الوطن العربي حين يصبح الماء سلاحاً وسياسةً ومصيراً بقلم الناصر خشيني

  مقدمة: «مثلث العطش» لا يُعرف الوطن العربي في الأدبيات الجيوسياسية المائية بوصفه منطقةً غنيةً بمواردها الطبيعية فحسب، بل يُعرف أيضاً بلقب م...