التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف قضايا تونس

المقاومة المسلحة التونسية (الفلاقة واليوسفيون): ملحمة الفداء والبعد العروبي في مواجهة التغريب بقلم الناصر خشيني

  مقدمة حينما نُخضع التاريخ التونسي المعاصر لمشرط التحليل المنهجي الدقيق، نجد أن السردية الرسمية التي صاغها النظام البورقيبي قد تعمدت لزمن طويل طمس وتهميش أعمق الحركات التحررية راديكالية وأصالة. إنها حركة "الفلاقة" أو "جيش التحرير الوطني التونسي" ، الذين تحولوا في السردية السياسية البورقيبية اللاحقة إلى "خارجين عن القانون" أو "يوسفيين". والحقيقة التاريخية تكشف أن هؤلاء الأبطال لم يكونوا مجرد مقاتلين محليين، بل كانوا يمثلون الطليعة المقاتلة لوعيٍ قومي عروبي سارٍ في القطر التونسي منذ البدايات، رافضين بشكل مطلق للتوجهات الفرنكوفونية والتسويات الجزئية التي قادها الحبيب بورقيبة مع المستعمر الفرنسي. المرتكز الأيديولوجي: البعد القومي العروبي ضد التوجه الفرنكوفوني انطلقت حركة الفلاقة من أرضية شعبية صلبة تؤمن بأن تونس جزء لا يتجزأ من الأمة العربية الإسلامية. هذا الموقف المبدئي اصطدم مبكرًا بطروحات الحبيب بورقيبة الذي كان يرى في النموذج الغربي والفرنسي تحديدًا منارة للتحديث، مفضلاً سياسة "خطوة خطوة" والتفاوض من أجل "استقلال داخلي" يضم...

الملحمة المغدورة: المقاومة العروبية الإسلامية في تونس ومواجهة الهيمنة الفرنكوفونيةبقلم الناصر خشيني

 قراءة تفكيكية من منظور قومي تقدمي مقدمة: في جدلية التحرر والتبعية لا يمثل تاريخ التحرر الوطني في تونس مجرد سردية لجلاد ومستضعَف، بل هو ساحة صراع طبقي، وفكري، وهووي محتدم، دارت رحاه بين مشروعين متناقضين جذرياً. المشروع الأول هو حركة المقاومة الأصيلة بأبعادها العروبية والإسلامية، والتي رأت في التحرر انخراطاً عضوياً في معركة البعث العربي الشامل وتصفية تامة لبنى الاستعمار. أما المشروع الثاني، فهو الشق الفرنكوفوني التغريبي الذي قاده الحبيب بورقيبة ومن سار في فلكه، والذي قام على عقيدة "القطرية الضيقة" ومحاكاة النموذج الغربي، متوسلاً بسياسة "المراحل" لتأمين انتقال سلس للسلطة يحافظ على المصالح الحيوية للمستعمر القديم. إن تفكيك هذا الصراع يتطلب ملامسة الجذور الفكرية والطبقية لثورة "الفلاقة"، وتشريح آليات الهيمنة الثقافية التي ضربت مقومات الهوية القومية بعد الاستقلال الشكلي. أولاً: الأبعاد الفكرية للمقاومة (العمق العروبي والإسلامي) انطلقت المقاومة التونسية ضد الاحتلال الفرنسي منذ عام 1881 من أرضية عقائدية وقومية صلبة، ولم تكن مجرد رد فعل عاطفي مؤقت. تبلور هذا البعد...

تجارة الموت الأبيض وهندسة استئصال الأجساد: حينما تتقاطع مأساة "الدواء المغتصب" بـ "أعضاء البشر" المهرّبة في تونس بقلم الباحث: الناصر خشيني

إنّ الجريمة المنظمة العابرة للحدود لم تعد مجرّد فصول من سيناريوهات الرعب البعيدة، بل تحوّلت إلى واقع ملموس يخترق النسيج المجتمعي والأمني، متمثلاً في أخطر ثنائيات القرن الحادي والعشرين: احتكار الأدوية الحيوية وتهريبها، وشبكات المتاجرة بالأعضاء البشرية. هذه الأنشطة الإجرامية لا تقتصر خطورتها على كونها تجارة اقتصاد أسود غير مشروع، بل إنها تُمثل انتهاكاً صارخاً للحق الكوني في الحياة والصحة المضمونين قانوناً، وتستغل بشكل بشع الأزمات الاقتصادية الخانقة، والظروف المعيشية القاسية للضحايا المستضعفين لإرساء أركان هندسة القتل البطيء وتفكيك الأجساد. أولاً: الأخطبوط الإجرامي الإقليمي والدولي (خارطة التورط والأدوار) تُدار الجريمتان عبر توليفة معقدة وشبكات دولية دقيقة تتداخل فيها مسارات الفساد الإداري والمحلي بالمافيات عابرة الحدود، وتتقاسم الأدوار عبر آليات منظمة كالتالي: مافيات تهريب واحتكار الدواء والمنظومات الصيدلانية عصابات التهريب الإقليمية: مجموعات تعمد إلى تحويل مسار الأدوية المدعومة والمخصصة للمواطنين المحتاجين والأسواق المحلية، لتهريبها عبر الحدود وتسييلها بأسعار مضاعفة في الأسواق الموازية...

أزمة المياه المعدنية في تونس: عطش مُصنّع في بلاد الوفرة بقلم: الناصر خشيني

 مدخل من المفارقات التي لا يمكن أن يبتلعها عقل، أن يستفيق التونسي على أزمة في زجاجة ماء معدني، في بلد امتلأت سدوده بعد موسم مطري وُصف بالاستثنائي، وارتفعت فيه نسب الامتلاء إلى مستويات لم تُسجَّل منذ سنوات. المفارقة الأعمق أن هذه المياه المعدنية أصلاً لا علاقة مباشرة لها بالسدود ولا بالأمطار السطحية، فهي منابع باطنية جوفية، محمية بطبقات جيولوجية، لا يُفترض أن تتأثر بموسم جفاف أو موسم خصب. ومع ذلك، ها هي القارورة تغيب عن الرفوف تارة، وتُباع بأثمان مضاعفة تارة أخرى، فيما تتقاذف الأطراف الرسمية والمهنية الاتهامات بينها: تارة "أزمة كهرباء في المصانع"، وتارة "وسطاء غير نظاميين"، وتارة "موجة حر استثنائية". روايات متعددة، والنتيجة واحدة: مواطن يدفع أكثر مقابل أقل، وثقة تتآكل يوماً بعد يوم في كل خطاب رسمي يحاول تبرير ما لا يحتاج إلا إلى تفسير واحد بسيط: من يتحكم في الصنبور يتحكم في الرقاب. الماء الذي لم يعد صالحاً للشرب لفهم عمق الأزمة، لا بد من العودة إلى نقطة الأصل: تراجع الثقة في مياه الشبكة العمومية التي توزعها الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه. في أذهان شر...

جدلية الفكر والواقع: كيف مثّلت "نظرية الثورة العربية" السلاح المعرفي المتفوق للطلبة العرب التقدميين بقلم: الناصر خشيني (من جيل التأسيس لفصيل الطلبة العرب التقدميين الوحدويين)

مدخل بصفتي واحداً من جيل التأسيس الذي عايش إرهاصات ولادة فصيل "الطلبة العرب التقدميون الوحدويون" في الساحة الجامعية التونسية، لا يمكنني النظر إلى المنجز الفكري لهذا التيار بمعزل عن التدافع النضالي اليومي. إن تاريخ فصيلنا قد كُتب بمداد الحبر ودماء التضحيات، وهو ما يتراءى بوضوح عند تصفح "الثلاثية التاريخية" التي وثّقت مسيرتنا: كتاب د. سالم لبيض ود. محمد ضيف الله (2017)، وشهادة الأخ بلقاسم الثليجاني (2018)، والدراسة الأعمق للدكتور الناصر المدوري (2023). حين يُعاد النظر اليوم في هذا المسار، لا يكفي وصفه بأنه مجرد تيار طلابي ثالث إلى جانب اليسار الماركسي والتيار الإسلامي. الأدق أن يُقرأ بوصفه تفوقاً معرفياً قائماً على امتلاك أداة نظرية متكاملة، هي "جدلية الفكر والواقع" التي صاغها المفكر القومي العربي الدكتور عصمت سيف الدولة تحت مسمى "نظرية الثورة العربية". أولاً: التأسيس النظري — لماذا كانت الأداة السيفية متفوقة على أدوات المنافسين؟ خاض فصيلنا معركته الفكرية في بيئة استقطبتها أداتان جاهزتان: الماركسية بحتميتها المادية وصراعها الطبقي المستورد، والإسلام...

شركة فوسفاط قفصة: من عمود الاقتصاد الوطني إلى عبء يهدد استقراره بقلم: الناصر خشيني

   مدخل قلّما توجد في تونس مؤسسة تختزل في مسارها كل مفارقات الدولة التونسية بعد الاستقلال كما تختزلها شركة فوسفاط قفصة. فهي المؤسسة التي جعلت من الجنوب الغربي التونسي، ولا سيما الحوض المنجمي بولاية قفصة، مصدر عملة صعبة ورافدا استراتيجيا للخزينة العمومية، حين كانت تونس تحتل مراتب متقدمة عالميا في إنتاج وتصدير الفوسفاط ومشتقاته. غير أن العقدين الأخيرين، وتحديدا ما تلا سنة 2011، حوّلا هذه المؤسسة العريقة من رافعة اقتصادية إلى ملف مثقل بشبهات الفساد المالي والإداري، وبات اسمها اليوم مقترنا بالخسائر المتراكمة والمحاكمات القضائية أكثر من اقترانه بالإنتاج والتصدير. هذا المقال محاولة لتفكيك أوجه الفساد التي نخرت جسم الشركة، وتبيّن كلفتها على الاقتصاد الوطني، ثم اقتراح مداخل ممكنة للإصلاح. أولا: من الريادة إلى الانحدار.. أرقام تكشف حجم الكارثة بلغ إنتاج شركة فوسفاط قفصة في سنة 2010 نحو 8.1 ملايين طن [1]، وهو رقم جعل تونس في مصاف كبار المنتجين عالميا. لكن هذا المسار انقلب بشكل حاد بعد ثورة جانفي 2011، إذ تراجع الإنتاج تدريجيا حتى وصل إلى 3.5 ملايين طن سنة 2022، ثم إلى نحو 2.9 مليون طن س...

غرف مغلقة... وصنابير أكثر إغلاقاً: مأزق تونس الصيفي بقلم: الناصر خشيني

مدخل في كل صيف تونسي، يتكرر المشهد ذاته: انقطاع الكهرباء يضرب حياً بعد حي، صنابير المياه تلهث جفافاً في ساعات الذروة، وألسنة النيران تلتهم ما تبقى من الغطاء الغابي في الشمال الغربي [1][2][3]. ومع تكرار هذا المشهد، يتكرر أيضاً خطاب سياسي جاهز يريد اختزال أزمة بنيوية معقدة في "مؤامرة" تُحاك في الخفاء، أو في العكس تماماً: تبرئة كاملة للمنظومة من أي مسؤولية. الحقيقة لا تكمن في طرف واحد، بل في تقاطع مركّب بين إهمال هيكلي متراكم منذ عقد ونصف، وبين توظيف سياسي انتهازي يحاول أن يصطاد في الماء العكر. أولاً: الكهرباء بين العطب الهيكلي والاستنزاف الخارجي لا يمكن لأي متابع منصف أن يُحمّل انقطاعات الكهرباء المتكررة لـ"مؤامرة معارضة" ببساطة، لأن جذر المشكلة إداري وتقني بامتياز. فقد سجّل هذا الصيف طلباً على الطاقة بلغ نحو 6000 ميغاواط في مقابل قدرة إنتاجية لا تتجاوز 4400 ميغاواط فقط [4]، وهو ما دفع الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى اللجوء المتكرر إلى "التخفيف الدوري للأحمال" في مختلف الجهات [5][6]، وصل الأمر إلى حد فتح النيابة العمومية أبحاثاً عدلية بخصوص ملابسات بعض ا...