التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من مايو 24, 2026

الملح التونسي: "الذهب الأبيض" المنهوب.. من قيد التبعية إلى رهان السيادة والتنمية الجهوية بقلم: الناصر خشيني

  لا يمكن قراءة ملف الثروات الطبيعية في تونس، وعلى رأسها "الملح"، إلا بوصفه جرحاً مفتوحاً في جسد السيادة الوطنية. إن هذا "الذهب الأبيض" ليس مجرد سلعة تُصدّر، بل هو شاهد عيان على عقود من النهب المشرعن والتبعية الهيكلية التي صُممت لتبقى تونس مجرد خزان للمواد الخام لفائدة المركز الاستعماري القديم. خطيئة 1949: جذور الاستنزاف إن السبب الحقيقي وراء ضياع هذه الثروة يكمن في اتفاقية 3 أكتوبر 1949. تلك الاتفاقية التي وُقعت في ظلام الحقبة الاستعمارية، ومنحت شركة "كوتوزال" الفرنسية حق استباحة مساحات شاسعة من سواحلنا ومن حيزنا الجغرافي الوطني مقابل معاليم رمزية تكرس الإذلال الاقتصادي. إن استمرار هذه العقود لعقود بعد الاستقلال يعكس "هشاشة هيكلية" في المعالجة السياسية والتشريعية، حيث غابت الإرادة الحقيقية لفك الارتباط مع موروث الاستعمار، وبقيت الإدارة أسيرة نصوص قانونية تجاوزها الزمن والمنطق الوطني. غياب التصنيع وهشاشة البناء التشريعي رغم الشعارات، ظلت الدولة تتعامل مع الملح كقطاع منجمي ثانوي، فغاب التوجه نحو "التصنيع الوطني" للملح، وبقينا نُصدّر المل...

البحر المنهوب: تونس وثرواتها البحرية بين الاحتكار الداخلي والنهب الخارجي بقلم الناصر خشيني

i m age صورة مدخل: الفارق المفضوح بين الإمكان والواقع ثمة مفارقة صارخة تطرح نفسها على كل تونسي يقف أمام رفّ السمك في السوق: كيف يكون السردين — الذي كان يُعرَّف بـ"سمك الفقراء" — بعيد المنال عن شريحة واسعة من المواطنين، في بلد تمتد سواحله على أكثر من 1300 كيلومتر، وتحتضن مياهه الإقليمية ثروة سمكية تُقدَّر بعشرات الآلاف من الأطنان سنوياً؟ هذا التناقض لا يُفسَّر بشحّ الطبيعة، بل بفداحة سوء الحوكمة وضراوة النهب، من الداخل والخارج معاً. تونس ليست دولة فقيرة بحرياً. هي دولة أُفقِرت من بحرها. أولاً: ثروة بحرية حقيقية تُقاس بأرقام لا بأوهام قبل تشريح جراحات القطاع، لا بد من تثبيت حجم ما يُنهَب. تبلغ الطاقة الإنتاجية السنوية لقطاع الصيد البحري في تونس نحو 147 ألف طن، غير أن الإنتاج الفعلي لا يتجاوز 138 ألف طن وفق أرقام 2024، وهو رقم يخفي تذبذباً واضحاً وتراجعاً ملموساً في أنشطة الصيد الساحلي التقليدي الذي يعتمد عليه صغار البحارة (1). والأشد دلالة مما تقوله الأرقام هو ما يرويه أصحاب الشبك أنفسهم؛ إذ يؤكد رئيس الاتحاد الجهوي للفلاحة والصيد البحري بالمهدية أن الإنتاج السمكي تراجع بأكثر م...

هندسة الخنق الاقتصادي والتطبيع بالوكالة: كيف سحقت "دليس" منافسيها واعتلت عرش الغذاء والمياه في تونس؟ بقلم: الناصر خشيني

هندسة الخنق الاقتصادي والتطبيع بالوكالة: كيف سحقت "دليس" منافسيها واعتلت عرش الغذاء والمياه في تونس؟ بقلم: الناصر خشيني تتحول منظومة الأمن الغذائي والمائي في تونس تدريجياً من ركيزة سيادية تضمن كرامة المواطن وديمومة الفلاح، إلى حلبة مغلقة تديرها كارتلات مالية نجحت على مدار عقود في فرض معادلة احتكارية صارمة. لم يكن تربع مجموعة "دليس" على عرش قطاع الحليب ومشتقاته -ثم توسعها لاحقاً لفرض نفوذها في قطاع المياه المعلبة- وليد صدفة اقتصادية، بل هو نتاج استراتيجية توسع هجومية شرسة اعتمدت على آليات "تجفيف المنابع"، و"الإغراق السعري"، وتوظيف القوة المالية والآلة الإعلامية لفرض منتجات عادية غصباً في الأسواق وسحق النسيج الإنتاجي المحلي. يضاف إلى هذا المشهد الاحتكاري بعدٌ آخر غاية في الحساسية يتعلق بالتبعية الرأسمالية لشركات عالمية متورطة في دعم منظومة الاحتلال الصهيوني. يبحث هذا التحقيق الاستقصائي الشامل في "الهندسة الخفية" التي اتبعتها المجموعة لإفلاس المعامل الجهوية والمؤسسات الحكومية، مع تشريح البنية الرقمية الراهنة التي تحكم خريطة النفوذ، والوقوف...

توابيت تسير على العجلات: كيف تحولت مافيا "الشنطري" ولوبيات السيارات إلى مهدد للأمن القومي التونسي؟ تونس ــ الناصر خشيني

لم يعد شراء سيارة في تونس مجرد خطوة لتحسين جودة الحياة، بل تحول إلى رحلة محفوفة بالمخاطر المادية والجسدية، يواجه فيها المواطن التونسي شبكات معقدة بدأت من احتكارات الوكلاء المعتمدين والمضاربة التشريعية، وصولاً إلى مافيات الورشات العشوائية (الشنطري) وسماسرة قطع الغيار المتآكلة في أسواق "الفراي". هذا التحقيق الاستقصائي يزيح الستار عن أساليب التحيل الأكثر بشاعة، مدعومة بالأرقام الرسمية الصادمة لحوادث الطرقات، ويفكك الثغرات القانونية التي يستغلها الجناة للإفلات من العقاب. أولاً: من الوصل إلى "البلاك".. الاحتكار المؤسساتي وقهر الطبقة الوسطى تبدأ رحلة المعاناة من قمة الهرم، حيث تتحكم لوبيات وكلاء السيارات في حصص الاستيراد (Quotas) الممنوحة من الدولة. هذه المنظومة أنشأت سوقاً سوداء موازية لـ "السيارات الشعبية"، الملاذ الأخير للمواطن محدود الدخل. وتشير البيانات الميدانية إلى أن طوابير الانتظار الرسمية للحصول على سيارة شعبية تجاوزت حاجز الـ 5 سنوات لدى بعض الوكلاء. هذا البطء المتعمد فتح الباب لشبكات السماسرة المتواطئين مع أطراف داخلية لإنشاء ما يُعرف بـ "مافيا ...