الملح التونسي: "الذهب الأبيض" المنهوب.. من قيد التبعية إلى رهان السيادة والتنمية الجهوية بقلم: الناصر خشيني
لا يمكن قراءة ملف الثروات الطبيعية في تونس، وعلى رأسها "الملح"، إلا بوصفه جرحاً مفتوحاً في جسد السيادة الوطنية. إن هذا "الذهب الأبيض" ليس مجرد سلعة تُصدّر، بل هو شاهد عيان على عقود من النهب المشرعن والتبعية الهيكلية التي صُممت لتبقى تونس مجرد خزان للمواد الخام لفائدة المركز الاستعماري القديم. خطيئة 1949: جذور الاستنزاف إن السبب الحقيقي وراء ضياع هذه الثروة يكمن في اتفاقية 3 أكتوبر 1949. تلك الاتفاقية التي وُقعت في ظلام الحقبة الاستعمارية، ومنحت شركة "كوتوزال" الفرنسية حق استباحة مساحات شاسعة من سواحلنا ومن حيزنا الجغرافي الوطني مقابل معاليم رمزية تكرس الإذلال الاقتصادي. إن استمرار هذه العقود لعقود بعد الاستقلال يعكس "هشاشة هيكلية" في المعالجة السياسية والتشريعية، حيث غابت الإرادة الحقيقية لفك الارتباط مع موروث الاستعمار، وبقيت الإدارة أسيرة نصوص قانونية تجاوزها الزمن والمنطق الوطني. غياب التصنيع وهشاشة البناء التشريعي رغم الشعارات، ظلت الدولة تتعامل مع الملح كقطاع منجمي ثانوي، فغاب التوجه نحو "التصنيع الوطني" للملح، وبقينا نُصدّر المل...