أولاً: لحظة السابع من أكتوبر ومساراتها
في السابع من أكتوبر 2023، نفّذت كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، عملية عسكرية واسعة أطلقت عليها اسم "طوفان الأقصى"، عبرت خلالها مجموعات مقاتلة الحدود مع مستوطنات غلاف غزة. وقد حدّدت قيادة حماس حينها أهداف العملية في جملة من النقاط: الرد على اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى والاعتداءات المتواصلة في الضفة الغربية، ورفع الحصار المفروض على غزة منذ سنوات، وإعادة القضية الفلسطينية إلى الواجهة الدولية بعد أن كادت تُطوى في ملفات التطبيع الإقليمي.
الحرب التي تلت العملية استمرت عامين كاملين، وخلّفت خسائر بشرية وعمرانية هائلة في قطاع غزة، ووثّقت هيئات أممية ما وصفته بجرائم إبادة جماعية بحق السكان المدنيين. وفي المقابل، فإن حصيلة العملية من الناحية العملية تبقى موضع جدل حتى بين المحللين المتعاطفين مع القضية الفلسطينية: فقد فشلت في "تفريغ السجون" الإسرائيلية كما كان معلناً، ولم تحقق سوى صفقتي تبادل محدودتين، بينما ارتفع عدد المعتقلين الفلسطينيين بشكل كبير نتيجة حملات الاعتقال الواسعة التي تلتها في الضفة الغربية والقدس وغزة.
بالمقابل، يُسجَّل للعملية أنها أعادت فرض القضية الفلسطينية على الأجندة الدولية، وأسهمت -بحسب كثير من المراقبين- في موجة اعترافات دولية متتالية بدولة فلسطين، دفعت إليها بالأساس الاحتجاجات الشعبية العالمية الرافضة للحرب على غزة أكثر مما دفعت إليها العملية نفسها.
ثانياً: اتفاق وقف إطلاق النار في غزة.. هدنة هشة
بعد عامين من الحرب، دخل اتفاق لوقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في العاشر من أكتوبر 2025، ضمن خطة رعتها الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب، شملت انسحاباً جزئياً إسرائيلياً، وتبادلاً للأسرى والرهائن، وتشكيل "مجلس سلام" لإدارة المرحلة الانتقالية في غزة، إلى جانب لجنة تكنوقراط فلسطينية من المفترض أن تتولى الشأن المدني في القطاع.
غير أن الوقائع الميدانية منذ ذلك الحين تكشف هشاشة هذا الاتفاق. فبعد ستة أشهر من دخوله حيّز التنفيذ، وثّقت مصادر طبية وحقوقية في غزة أكثر من ألفي خرق إسرائيلي للاتفاق، أسفرت عن مقتل مئات الفلسطينيين وإصابة آلاف آخرين، فضلاً عن استمرار سياسات تقييد دخول المساعدات والوقود ومواد إعادة الإعمار. كما أبقت إسرائيل على سيطرتها على ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، وهي مناطق واسعة داخل القطاع رفضت الانسحاب منها، معتبرة إياها "منطقة عازلة" أمنية، بينما ترى منظمات إنسانية دولية، من بينها أطباء بلا حدود، أن وقف إطلاق النار "الهش وغير الفعّال" لم ينه فعلياً حالة الحرب على السكان المدنيين.
ثالثاً: الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران
في فبراير 2026، وبعد أشهر من مفاوضات نووية غير مباشرة بين طهران وواشنطن لم تفضِ إلى نتيجة، شنّت إسرائيل والولايات المتحدة حرباً واسعة على إيران، بدأت بضربات جوية استهدفت مواقع في طهران ومدن إيرانية أخرى. طالبت واشنطن إيران بثلاثة شروط رئيسية: إنهاء دائم لتخصيب اليورانيوم، وقيود صارمة على برنامج الصواريخ الباليستية، ووقف كامل لدعم الجماعات الحليفة في المنطقة كحماس وحزب الله والحوثيين.
توسعت رقعة المواجهة لتشمل حزب الله في لبنان، الذي استأنف القتال مع إسرائيل بعد اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي خلال الحرب، معتبراً ذلك "عملاً دفاعياً" لإجبار إسرائيل على وقف عدوانها والانسحاب من الأراضي اللبنانية التي كانت لا تزال تحتلها رغم الهدنة السابقة.
وبعد أسابيع من التصعيد المتبادل، وتوقف مؤقت للمفاوضات إثر هجوم استهدف الضاحية الجنوبية لبيروت، تم توقيع مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران في 18 يونيو 2026، نصّت على وقف فوري ودائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات بما فيها لبنان، وإعادة فتح مضيق هرمز، ورفع الحصار البحري عن إيران. عُقدت لاحقاً محادثات رفيعة المستوى في منتجع بورغنستوك بسويسرا بمشاركة قطرية وباكستانية لبحث تفاصيل الاتفاق النهائي، وسط تصريحات متضاربة من الرئيس الأمريكي حول مدى التزامه بإطار الستين يوماً المتفق عليه، واستمرار الخلاف بين واشنطن وتل أبيب بخصوص الملف اللبناني، حيث واصلت إسرائيل ضرباتها هناك رغم نص مذكرة التفاهم.
رابعاً: ماذا تغيّر في المشهد الإقليمي؟
اتساع دائرة المواجهة: انتقل الصراع من كونه فلسطينياً-إسرائيلياً محصوراً إلى صراع إقليمي متعدد الأطراف يشمل إيران ولبنان واليمن، بما يعكس تشابك الملفات وصعوبة عزل أي جبهة عن الأخرى.
تراجع الأولوية الأمريكية لملف غزة: أفاد مسؤولون أمريكيون سابقون بأن انشغال واشنطن بالحرب الإيرانية أضعف متابعتها لتنفيذ اتفاق غزة، وتركّز اهتمامها بدلاً من ذلك على مسار نزع سلاح حماس والترتيبات الأمنية الإقليمية.
هشاشة الحلول المرحلية: سواء في غزة أو مع إيران، تكشف الوقائع أن التوقيع على اتفاقيات وقف إطلاق النار لا يعني بالضرورة توقف العمليات العسكرية الفعلية على الأرض، بل غالباً ما يستمر التصعيد ضمن هوامش تكتيكية.
دور الوساطات الإقليمية: برزت قطر وباكستان ومصر كوسطاء رئيسيين في الملفين، في وقت تراجع فيه الدور الأوروبي المباشر لصالح حضور أمريكي كثيف ومباشر في إدارة تفاصيل التفاوض.
خامساً: خلاصة
ما تكشفه هذه المحطات مجتمعة أن المنطقة تعيش حالة من عدم الاستقرار البنيوي، حيث تتوالى الحروب والهدنات دون أن تفضي إلى تسويات سياسية جذرية تعالج جوهر القضايا: الاحتلال، وحق الفلسطينيين في دولة مستقلة، والصراع على النفوذ الإقليمي بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى. الاتفاقيات الموقعة -سواء في غزة أو بين واشنطن وطهران- تبقى بمثابة هدن تكتيكية أكثر منها حلولاً استراتيجية، وما لم تُترجم بنودها الإنسانية والسياسية إلى واقع ملموس على الأرض، فإنها ستظل عرضة للانهيار في أي لحظة، تاركة السكان المدنيين -في غزة ولبنان وإيران على حد سواء- يدفعون الثمن الأكبر لصراعات لم يختاروها.








