التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حلب الشهباء.. عاصمة المجد الكنعاني وقاهرة الإرهاب بقلم الناصر خشيني



حلب ليست مجرد مدينة أثرية، بل هي سفر ضخم من أسفار الحضارة الإنسانية. هي "الشهباء" التي طالما تغنى الشعراء بجمالها وعزتها. وفي التاريخ الحديث، واجهت حلب واحدة من أخطر المؤامرات في العصر الحديث، لتثبت مجدداً أنها صخرة صلبة تتحطم عليها قوى البغاة وقطعان الإرهاب التي حاولت سلخها عن حضنها القومي السوري والعروبي.
التأسيس والعراقة: أقدم الحواضر المستمرة
تتنافس حلب مع دمشق على لقب أقدم مدينة مأهولة في العالم، حيث يعود تاريخها إلى أكثر من 8000 عام:
  • الأصل والتسمية: تعود تسمية حلب إلى العصور الأمورية والكنعانية القديمة (وتعني الحديد أو النحاس)، بينما تروي الذاكرة الشعبية أن اسم "الشهباء" يعود إلى لون بقرة كان يحلبها النبي إبراهيم عليه السلام في قلعتها لإطعام الفقراء.
  • عاصمة الحمدانيين: عاشت حلب عصرها الذهبي في العهد الحمداني (القرن الرابع الهجري) بقيادة سيف الدولة الحمداني، الذي جعل منها عاصمة سياسية وعلمية وعسكرية فذة، وضمت بلاطه عباقرة كالمتنبي وأبي الفراس الحمداني والفارابي.
 شواهد الحضارة والمعالم الأثرية
تتميز حلب القديمة بتلاصق أسواقها وعمرانها، وهي مسجلة بالكامل كإرث عالمي:
  • قلعة حلب: أعظم القلاع العسكرية في العصور الوسطى وأكثرها مناعة. تتربع على تلة دائرية تشرف على المدينة كاملة، وتضم أبواباً حديدية معقدة وممرات سرية، وظلت عبر التاريخ عصية على السقوط أمام أعتى الجيوش.
  • الجامع الأموي الكبير بحلب: صرح ديني ومعماري عريق بناه الأمويون ويضم ضريح النبي زكريا عليه السلام. اشتهر بمئذنته المربعة البديعة التي تعود للعهد السلجوقي قبل أن تطالها يد الغدر والتخريب.
  • أسواق حلب القديمة: أطول الأسواق المغطاة في العالم (تمتد لعدة كيلومترات)، وتتميز بأسقفها المعقودة ورائحة الزعتر وصابون الغار الحلبي الشهير، وتضم خانات عريقة كخان الشونة وخان الحرير.
 دورها في دحر قطعان الإرهاب والأجندات المعادية
شهدت حلب في العقد الماضي مأساة حقيقية عندما تعرضت لهجوم كاسح من جماعات وقطعان إرهابية مسلحة، مدعومة وممولة من قوى إقليمية ودولية عملت وفق أجندات معادية لتقسيم سوريا وكسر عمودها القومي:
  • ملحمة الصمود: حوصرت المدينة وعانت من القصف والتدمير الممنهج لآثارها وبنيتها التحتية واقتصادها الصناعي العريق. لكن أهلها وجيشها العربي السوري سطروا ملحمة صمود أسطورية.
  • التحرير والسيادة: في أواخر عام 2016، نجحت حلب في دحر الإرهاب وإعلان تطهيرها بالكامل، في انتصار استراتيجي أعاد كتابة توازنات القوى وصان وحدة الأراضي السورية وهويتها العروبية، مفشلاً المشاريع الاستعمارية التي أرادت تحويل حلب إلى بؤرة للتفتيت والتبعية.
 الخاتمة
تظل حلب الشهباء منارة للحضارة وعنواناً للانتصار على قوى الظلام والمؤامرات الأجنبية. إن التأمل في واقع حلب اليوم وهي تنفض عنها غبار الحرب وتبدأ مرحلة إعادة الإعمار، يؤكد أن هذه المدينة التي هزمت التتار قديماً، قادرة دائماً على قهر المعتدين. واسجل لها هذا الصمود بإجلال، متطلعاً إلى تعافي كامل الجسد السوري والعربي واستعادة السيادة والكرامة ومقاومة كل أشكال الإملاءات والاحتلالات

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...