التخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس: زهرة المدائن ومهد الأنبياء وعنوان الصمود العربي بقلم الناصر خشيني



ليست القدس مجرد مدينة من حجر وأسوار، بل هي عقيدة، وتاريخ، وهوية تختزل في جنباتها قضية الأمة العربية بأسرها. هي "زهرة المدائن" التي تلاقت فوق أرضها السماء بالأرض، فكانت مهد الأنبياء ومحط رحال الفاتحين. تقف القدس اليوم شامخة برغم كل محاولات التهويد، لتبث في روح الأمة معاني الصمود والتمسك بالحق التاريخي والوجودي.
 التأسيس والعراقة: الجذور الكنعانية الراسخة
يمتد تاريخ القدس إلى أكثر من 5000 عام، وهي واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم، وتؤكد الشواهد الأثرية على هويتها الأصلية:
  • اليبوسيون الكنعانيون: هم أول من بنى المدينة وأسسها في الألف الثالث قبل الميلاد، واختاروا لها موقعاً حصيناً يُعرف اليوم بـ "تلة الظهور" أو "مدينة داود"، وأطلقوا عليها اسم "أورساليم" (وتعني مدينة السلام أو إله السلام الكنعاني)، مما يقطع دابر الأكاذيب الصهيونية حول أصل المدينة.
  • الفتح الإسلامي العظيم: في عام 15 هجرية (636 ميلادي)، دخلها الخليفة عمر بن الخطاب صلحاً، وكتب لأهلها "العهدة العمرية" التي أمنتهم على كنائسهم وأموالهم، لتبدأ القدس عصرها العربي الإسلامي الممتد.
 شواهد الحضارة: معالم التآخي الروحي والعمارة الخالدة
تضم القدس العتيقة داخل أسوارها العالية، التي أعاد بناءها السلطان العثماني سليمان القانوني، أقدس المعالم الإنسانية والروحية:
  • المسجد الأقصى المبارك: أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ومسرى الرسول محمد ﷺ في رحلة الإسراء والمعراج. يمتد على مساحة واسعة تضم الجامع القِبلي ذو القبة الرصاصية، ومصلى مروان، والساحات والمدارس التاريخية.
  • قبة الصخرة المشرفة: الدرة المعمارية الأموية البديعة التي بناها الخليفة عبد الملك بن مروان. تمتاز بقبتها الذهبية الشامخة وثمانيتها الهندسية، وكسوتها من الفسيفساء والقاشاني الأزرق، وهي قلب المسجد الأقصى.
  • كنيسة القيامة: أقدس الكنائس المسيحية في العالم، تقع في حارة النصارى بالبلدة القديمة، وتضم القبر المقدس، وتعتبر شاهداً حياً على عمق العيش المشترك والتآخي العربي الإسلامي المسيحي عبر القرون.
  • حارة المغاربة وأسواق القدس: أسواق عريقة تفوح منها رائحة التوابل والزعتر والقهوة العربية مثل سوق القطانين وسوق خان الزيت، والتي تعكس صمود التجار المقدسيين أمام التضييق الاقتصادي الصهيوني.
 القيمة الحضارية والإنسانية للقدس
شكلت القدس عبر العصور مركزاً إشعاعياً وروحياً وفكرياً، فبُنيت فيها المدارس التراثية (كالمدارس الأيوبية والمملوكية) والرباطات والتكايا التي كانت تأوي الحجاج والعلماء من كل حدب وصوب (مثل تكية خاصكي سلطان). ظلت المدينة دائماً رمزاً للعدالة الإنسانية عندما كانت تحت السيادة العربية، وملاذاً آمناً لجميع أصحاب الشرائع.
 خاتمة المقال: القضية النابضة والرفض المطلق للتهويد
تبقى القدس زهرة المدائن، وقبلة الأحرار، وعاصمة فلسطين الأبدية التي لا تقبل القسمة ولا التزوير. إن المتأمل في واقعها اليوم، يشهد حجم الهجمة الصهيونية الشرسة والممنهجة لعزل المدينة، وقضم أراضيها، واقتحام مقدساتها، ومحاولة طمس معالمها الكنعانية والعربية من خلال الاستيطان والتهجير القسري لأهلها المرابطين.
واني على ثقة تامة أن كل هذه المحاولات ستتحطم على صخرة صمود المقدسيين الشجعان. إن القدس كانت وستبقى الرافعة لمعنويات الأمة والبوصلة التي لا تخطئ نحو الحرية والكرامة والسيادة الكاملة؛ فلا سلم ولا سلام دون تحرير كامل لزهرة المدائن وإعادتها لحضنها العربي الطبيعي، لتظل منارة للسلام الحق، مطهرة من دنس الاحتلال والعدوان

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...