التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حمص.. مدينة ابن الوليد وعنفوان التاريخ الشامخ في قلب الشام بقلم الناصر خشيني



 المدينة
تتربع مدينة حمص في منتصف الجمهورية العربية السورية كواحدة من أقدم المدن التاريخية في بلاد الشام والعالم، حيث تمتد جذورها إلى العهد الإيميسي والروماني عندما كانت مركزاً حضارياً ودينياً عظيماً أنجب أباطرة لروما. ومع الفتح الإسلامي بقيادة خالد بن الوليد، دخلت المدينة عهداً جديداً من المجد، وتوالت عليها العصور الأموية والعباسية والمملوكية، وظلت دائماً حجر الزاوية في الدفاع عن قلب الشام وعقدة المواصلات الاستراتيجية والتجارية التي تربط أطراف العالم العربي.
أهم معالمها
يأتي "جامع خالد بن الوليد" بمآذنه الشامخة وقبابه البيضاء وتصميمه المملوكي الفريد ليمثل الرمز والقلب النابض للمدينة، حيث يضم ضريح القائد الإسلامي الفذ. وتكتمل معالم حمص بـ "البلدة القديمة" وأسواقها التراثية المسقوفة مثل سوق القيصرية، و"كنيسة أم الزنار" الأثرية التي تعد من أقدم كنائس العالم، بالإضافة إلى "قلعة حمص" التاريخية الشاهدة على تعاقب الحضارات وصد الهجمات عبر القرون.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
سطرت حمص ملاحم بطولية في مواجهة الغزاة والمستعمرين عبر تاريخها الطويل؛ وتجلى دورها النضالي الحديث في مواجهة الاستعمار الفرنسي، حيث شارك أبناؤها ببسالة في الثورة السورية الكبرى، وقدمت المدينة قوافل من الشهداء دفاعاً عن استقلال وسورية وحريتها أولاً. وتاريخ حمص القديم والحديث مبني على عقيدة الثبات؛ فمثلما صمدت أمام حصارات التتار والمغول قديماً، بقيت في الوجدان العربي رمزاً للمدينة التي تمتلك قدرة أسطورية على التحدي، والحفاظ على هويتها العربية والإسلامية بوجه كل محاولات الطمس والكسر.
خاتمة
تبقى حمص "مدينة ابن الوليد" عنواناً للإقدام والأصالة التي لا تشيخ؛ فمآذنها العتيقة التي تعانق كنائسها تروي حكاية مدينة ترفض الانحناء، وتؤكد للأجيال أن حمص كانت وستبقى حصناً منيعاً من حصون الكرامة والعروبة في بلاد الشام.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...