التخطي إلى المحتوى الرئيسي

غزة.. عامان من الإبادة الجماعية والتدمير الممنهج لسبل الحياة بقلم: الناصر خشيني



بعد مرور قرابة ألف يوم (995 يوماً) على بدء العدوان الإسرائيلي الشامل على قطاع غزة في أعقاب عملية "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر 2023، لم تعد التطورات الميدانية مجرد عمليات عسكرية عابرة، بل تحولت إلى حرب إبادة جماعية معلنة وممنهجة. إن القراءة التقييمية والشاملة لحجم الخسائر البشرية والمادية في القطاع تكشف عن استراتيجية صهيونية واضحة تهدف إلى تحويل غزة إلى بقعة غير قابلة للحياة البشرية، عبر استهداف مقومات البقاء كافة من بشر، وحجر، وبنية تحتية.
أولاً: المحرقة البشرية والتهجير القسري
تمثّل الخسائر البشرية في هذا العدوان الكارثة الأكبر في التاريخ الفلسطيني المعاصر منذ نكبة عام 1948. فلم يعد الأمر يقتصر على استهداف المقاتلين، بل تحول المدنيون إلى الهدف المباشر للآلة العسكرية الصهيونية:
  • حرب على الأطفال والنساء: تجاوز عدد الشهداء المسجلين رسمياً 73,051 شهيداً، يضاف إليهم أكثر من 9,500 مفقود تحت الركام. وتشير الإحصاءات إلى أن النساء والأطفال يشكلون النسبة الأكبر من هؤلاء الضحايا، مما يؤكد الطبيعة الانتقامية للعدوان.
  • جيش من الجرحى وذوي الإعاقات: أسفرت الغارات والأحزمة النارية عن إصابة أكثر من 173,437 فلسطينياً، يعاني الآلاف منهم من بتر في الأطراف وإصابات بليغة تتطلب علاجاً تخصصياً يفتقده القطاع جراء الحصار.
  • التطهير العرقي عبر النزوح: أُجبر نحو 2 مليون فلسطيني (ما يعادل 90% من سكان القطاع) على النزوح القسري المتكرر. يعيش هؤلاء المهجرون في مخيمات قماشية متهالكة ومراكز إيواء تفتقر لأدنى مقومات الكرامة الإنسانية.
ثانياً: تدمير الحجر وإبادة المعالم (سياسة الأرض المحروقة)
لم تسلم البنية التحتية في غزة من الاستهداف الممنهج، حيث بلغت نسبة الدمار الإجمالية ما يقارب 90%، شملت كافة القطاعات الحيوية:
  • تدمير الحيز السكني: تعرضت ما بين 70% إلى 80% من الوحدات السكنية للتدمير الكلي أو الأضرار الجسيمة. وفي مدن مثل غزة والشمال، بلغت نسبة الدمار أكثر من 83%، مما يعكس رغبة الاحتلال في منع عودة السكان إلى أحيائهم.
  • تصفية المنظومة التعليمية والدينية: استهدف الاحتلال 90% من مباني المدارس (أكثر من 668 مدرسة تابعة للأونروا وللحكومة)، ودمر المعالم الرئيسية لجميع جامعات غزة. كما سُحقت الهوية الثقافية والدينية عبر تدمير أكثر من 600 مسجد وكنائس أثرية تدميراً كلياً.
  • شلل شبكات النقل والخدمات: دُمرت شبكات الطرق والجسور بنسبة تتراوح بين 65% و70%، مما تسبب في عزل المناطق عن بعضها وتدمير شبكات المياه والصرف الصحي الممتدة أسفلها.
ثالثاً: الحصار الخانق وسلاح التجويع.. والعجز الدولي أمام خيار الصمود والمقاومة
إلى جانب القصف الجوي والمدفعي، استخدم الكيان الصهيوني الحصار الخانق كأداة قتل صامتة وعقاب جماعي مجرم دولياً. هذا الحصار يتفاقم اليوم في ظل عجز دولي وعربي وإسلامي مريب ومخزٍ عن لجم هذه الجريمة المشهودة والموثقة صوتاً وصورة أمام مرأى العالم ومسامعه:
  • إعدام القطاع الصحي: أخرج الاحتلال 38 مستشفى عن الخدمة كلياً أو جزئياً، واستهدف 96 مركزاً صحياً و197 سيارة إسعاف، مما حرم المرضى والجرحى من الرعاية الطبية الأساسية.
  • سلاح التجويع والتعطيش: أدى منع إدخال المساعدات، والمحروقات، وغاز الطهي إلى انتشار مجاعة حقيقية وحالات سوء تغذية حادة، خاصة في شمال غزة.
  • الكارثة البيئية ونشر الأوبئة: أدى تدمير 90% من آبار المياه ومحطات الصرف الصحي إلى تدفق المياه‌ العادمة بين خيام النازحين، مما نتج عنه تسجيل أكثر من 2.1 مليون حالة إصابة بأمراض معدية (كالتهاب الكبد الوبائي والأمراض الجلدية الحادة).
  • حتمية الصمود والمقاومة: أمام هذا التواطؤ والصمت الدولي الشامل، بات قاطعاً أن الحل الوحيد والمسار الحتمي المتبقي لشعبنا الفلسطيني هو الصمود الثابت في أرضه ومواصلة المقاومة المشروعة بكل السبل والوسائل الممكنة؛ باعتبارها الخيار الوحيد القادر على لجم غطرسة الاحتلال وحماية القضية من التصفية والاندثار.
خلاصة وتقييم قانوني
إن هذه الأرقام والوقائع لا تدع مجالاً للشك في أن ما يرتكبه الكيان الصهيوني في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر يتجاوز المفاهيم التقليدية للحروب، ليقع مباشرة تحت بند "جريمة الإبادة الجماعية" (Genocide) و**"الجرائم ضد الإنسانية"** وفقاً للقانون الدولي الإنساني ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. إن استهداف مقومات الحياة وتدمير البيئة العمرانية والصحية بشكل كامل يثبت بالدليل القاطع نية الاحتلال في إهلاك المجموع السكاني الفلسطيني في غزة، وهي جريمة كبرى ستبقى وصمة عار على جبين المجتمع الدولي الذي عجز عن لجم هذا العدوان الخارق لكل المواثيق والشرائع الدولية.

📌 تهميش المقال (المراجع والمصادر):
  1. التقرير الحقوقي السنوي للمراصد الدولية، "سياق الإبادة الجماعية المستمرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة"، يناير 2025.
  2. المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، "التقرير الإحصائي الشامل لنتائج التدمير والبنية التحتية في قطاع غزة"، تحديثات منتصف عام 2026.
  3. وزارة الصحة الفلسطينية (غزة)، "التقرير اليومي التراكمي لعدد الشهداء والجرحى والمفقودين"، المؤشر الإحصائي المحدث حتى يونيو 2026.
  4. وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، "تقارير الوضع الإنساني وأعداد النازحين والأضرار في منشآت التعليم بقطاع غزة"، البيانات الدورية 2025-2026.
  5. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) ومنظمة الصحة العالمية، "تقييم أثر الدمار والوضع البيئي والصحي في قطاع غزة بعد عامين من النزاع"، مارس 2026.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...