‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا عالمية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا عالمية. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 20 يوليو 2026

خداع ترامب الجديد... وإيران التي لقّنت واشنطن درس الردع بقلم: الناصر خشيني



مدخل

كل اتفاق وقّعته واشنطن مع طهران في العقود الأخيرة كان جسراً إلى خرق جديد، لا إلى سلام حقيقي. هذه ليست مصادفة، بل بنية متكررة في العقل الاستراتيجي الأمريكي الذي يرى في المفاوضات أداة لكسب الوقت، لا التزاماً بالكلمة. وها هي الإدارة الأمريكية، بعد أشهر من التلويح بالتفاوض، تُقدم على ما وصفه ترامب نفسه بأن إيران "ستدفع الثمن"، في تصعيد عسكري مباشر تجاوز كل الخطوط التي كانت تُرسم سابقاً كحدود للاشتباك غير المعلن.

الرد الذي لم يكن ينتظره أحد بهذا الاتساع

المعطيات الواردة من مصادر إيرانية ومقاومة تتحدث عن عملية متعددة الجبهات، طالت في وقت متزامن تقريباً قواعد ومنشآت أمريكية في سوريا والكويت والأردن والبحرين، إضافة إلى استهداف مواقع في قطر وعُمان والعراق بحسب تقارير دولية موثقة. وبحسب بيان الحرس الثوري، استُهدف 21 موقعاً أمريكياً، من بينها حظيرة لطائرات F-35 في قاعدة الأزرق الأردنية، إلى جانب ضربات صاروخية ومسيّرة طالت قاعدة "علي السالم" في الكويت والأسطول الخامس في البحرين.

هذه ليست "مناوشة" بالمعنى العسكري التقليدي. إنها رسالة ردع مركّبة، صيغت لتقول لواشنطن إن أي عدوان على الأراضي الإيرانية سيُقابَل بثمن يتوزع على كامل الخريطة التي تنتشر فيها القواعد الأمريكية في المنطقة — لا في إيران وحدها.

التنف: رمزية الأرض التي لا تُنسى

الرواية الإيرانية تتحدث عن استهداف "التنف" كرد على ما وصفته بضربة أمريكية قرب مستشفى للأطفال المصابين بالسرطان في إيران. صحيح أن القوات الأمريكية كانت قد أعلنت انسحابها الرسمي من هذه القاعدة في فبراير الماضي ضمن إعادة انتشار أوسع، لكن الرمزية هنا أهم من التفاصيل اللوجستية: التنف كانت لعقد كامل عنوان الوجود الأمريكي غير الشرعي على الأرض السورية، واستهدافها — ولو رمزياً أو جزئياً — يحمل رسالة أن "الاستكبار" لا يملك أرضاً آمنة في هذا الإقليم، حتى بعد أن أخلاها.

الخليج: حين تتحول القواعد إلى عبء أمني على مضيفيها

الأخطر في هذا التصعيد ليس فقط الخسائر المادية المزعومة في الكويت والأردن والبحرين، بل السؤال الذي بات يُطرح بإلحاح متزايد في دول الخليج نفسها: إلى متى تبقى هذه القواعد ثمناً تدفعه شعوب لا ناقة لها ولا جمل في حرب لا تخوضها؟ حين تتحول مدن مثل الدوحة والمنامة إلى ساحات تُطلق فيها صفارات الإنذار وتُغلق فيها الأجواء، يصبح السؤال عن جدوى استضافة القواعد الأمريكية سؤالاً وجودياً لا سياسياً فقط.

قراءة في الخطاب لا في الحقائق وحدها

من المهم، كصحافيين وكتّاب رأي، أن نميّز بين ما تؤكده المصادر الدولية المستقلة وما تعلنه الأطراف المتحاربة عن نفسها. الحرس الثوري يتحدث عن نجاح شبه كامل في ضرب أهدافه؛ واشنطن، في المقابل، لم تصدر حصراً رسمياً شاملاً للخسائر. هذا الغموض بالذات هو سلاح إيراني بامتياز: فحتى لو كانت الأضرار الفعلية أقل مما تصفه البيانات الإيرانية، فإن مجرد قدرة طهران على تنفيذ ضربة متعددة الجبهات، متزامنة، وصلت إلى ست دول في وقت واحد تقريباً، هي بحد ذاتها رسالة ردع تفوق قيمتها العسكرية المباشرة.

السر الذي يتكتم عليه البنتاغون: صمت يتحدث أكثر من أي بيان

في مقابل الحماس الإعلامي الإيراني بنشر تفاصيل كل ضربة ومعداتها ونتائجها، يلتزم البنتاغون بصمت مطبق يثير أكثر مما يهدئ. فمنذ الليلة الأولى للتصعيد، لم تصدر واشنطن حصيلة رسمية شاملة للخسائر البشرية أو المادية في قواعدها بالمنطقة، مكتفية ببيانات مقتضبة تتحدث عن "اعتراض ناجح" لمعظم التهديدات، دون تفاصيل تُذكر عن حجم الأضرار الفعلية أو عدد المصابين.

هذا النمط ليس جديداً على العقيدة العسكرية الأمريكية. فمنذ حرب فيتنام، ومروراً بالعراق وأفغانستان، دأب البنتاغون على تبني سياسة "التعتيم الانتقائي": الإعلان السريع عن أي نجاح عسكري، مقابل تأخير أو تجزئة أو حتى حجب الأرقام الحقيقية للخسائر، تحت ذريعة "الأمن التشغيلي" أو "عدم منح العدو معلومات استخباراتية". لكن خلف هذه الذريعة التقنية، تكمن حسابات سياسية أعمق: فالرأي العام الأمريكي، الذي أنهكته حروب الشرق الأوسط الطويلة، لا يحتمل صوراً جديدة لتوابيت ملفوفة بالعلم الأمريكي وهي تعود من قواعد لم يسمع بأسمائها أغلب الناخبين أصلاً.

أما دور الإعلام الغربي السائد في هذا المشهد فليس بريئاً بدوره. فالتغطية التي تصف الضربات الإيرانية بـ"محدودة" أو "رمزية"، دون انتظار تأكيد مستقل لحجم الأضرار، تعكس انحيازاً بنيوياً أقرب إلى الاصطفاف السياسي منه إلى الحياد المهني. حين تتحول عبارات مثل "مصادر دفاعية رفضت التعليق" إلى الصيغة الوحيدة المتاحة للجمهور الغربي، فإن الفراغ الذي يتركه هذا الصمت الرسمي والإعلامي يصبح مساحة مفتوحة للتساؤل المشروع: هل الحصيلة الحقيقية للضربات الإيرانية أكبر بكثير مما تعترف به واشنطن؟ وهل يخشى البنتاغون أن الاعتراف الكامل بحجم الأضرار سيكشف هشاشة منظومة الدفاع الجوي الأمريكية المنتشرة في المنطقة، بعد عقود من الترويج لها كدرع لا يُخترق؟

خاتمة: معادلة "الرد بالرد"

ما يجري اليوم ليس مجرد جولة تصعيد عابرة، بل اختبار حقيقي لمعادلة جديدة تحاول طهران فرضها: كل عدوان أمريكي أو إسرائيلي سيُقابَل برد يتجاوز الحدود الإيرانية نفسها ليطال شبكة الوجود العسكري الأمريكي بأكملها في المنطقة. وفي المقابل، صمت البنتاغون لا يخدم الشفافية بقدر ما يخدم سردية سياسية داخلية تحاول إدارة ترامب من خلالها تجنب الإحراج، وتأجيل لحظة الحساب أمام كونغرس وناخبين متعبين من حروب لا نهاية لها. سواء نجحت هذه المعادلة في ردع واشنطن أو لا، فإنها تعيد كتابة قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط، وتضع شعوب المنطقة — لا حكوماتها فقط — أمام سؤال الثمن الحقيقي لاستضافة حروب الآخرين على أراضيها.

الثلاثاء، 14 يوليو 2026

من صراع الإرادات إلى نيران المواجهة: ملامح العالم الجديد تولد من فوهة البنادق بقلم: الناصر خشيني

 


لم تعد منطقة الشرق الأوسط مجرد مسرح لحرب باردة بين قوى إقليمية ودولية؛ بل تحولت إلى بركان عسكري منفجر يغلي بالمواجهات المباشرة. المشهد الراهن لم يعد يحتمل قراءة التراجعات الدبلوماسية التكتيكية، فالتصعيد العسكري الأخير والضربات المتبادلة بين واشنطن وطهران، جنباً إلى جنب مع تجدد اشتعال الجبهة بين السعودية والحوثيين، يدشنان مرحلة كسر عظم حقيقية تعيد رسم الخارطة الجيوستراتيجية للعالم بأسره.
صدام الأصلاء: أمريكا وإيران في حافة الهاوية
إن لجوء الولايات المتحدة إلى خيار القصف العسكري المباشر لمواقع في الداخل الإيراني، والرد الفوري من قبل طهران باستهداف القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة وممرات الملاحة، يؤكد أن سياسة "الردع" الأمريكية التقليدية وصلت إلى طريق مسدود. لم يعد المحور الإيراني يكتفي بالصبر الاستراتيجي؛ بل يواجه التهديدات الأمريكية بندية ميدانية غير مسبوقة تفرض معادلات اشتباك جديدة في مضيق هرمز ومحيطه. هذا التصعيد يبرز انحسار القدرة الأمريكية على فرض إرادتها المنفردة، ويثبت أن "الغطرسة القطبية" لواشنطن تصطدم اليوم بجدار صلب من التحدي الردعي.
جبهة اليمن وجنوب المملكة: تجدد حروب الوكالة واستنزاف التحالفات
على التوازي، جاء قصف مطار صنعاء والرد الحوثي السريع بإطلاق الصواريخ الباليستية نحو جنوب السعودية ليعلن انهيار سنوات الهدوء النسبي في الملف اليمني. إن هذا الاشتعال المتزامن ليس معزولاً عن المعركة الكبرى؛ فالجماعة اليمنية، كجزء من محور المقاومة، تسعى إلى شلّ حلفاء واشنطن والضغط على العصب الحيوي للطاقة العالمية. تجد السعودية نفسها اليوم مستنزفة بين محاولات حماية عمقها الاستراتيجي، وبين ارتدادات صراع أمريكي-إيراني لم تختر توقيته، مما يضع الشراكات الدفاعية التقليدية تحت اختبار الوجود.
تصدع "عرش الدولار" والتحول نحو الشرق
هذا الانفجار العسكري يتغذى على زلزال اقتصادي لا يقل خطورة؛ وهو التآكل المتسارع لسلاح العقوبات المالية الأمريكية. لقد نجحت طهران، مدعومة بمحور صاعد يضم الصين وروسيا، في تحويل حرب العملات لصالحها من خلال إدارة تجارتها البينية بالعملات المحلية (الريال، الروبل، واليوان)، متجاوزة نظام "سويفت" الاحتكاري ومسقطة لسطوة "البترودولار" في الشرق الأوسط. كل صاروخ يسقط في ممرات الطاقة، يسحب معه غطاء الأمان عن الاقتصاد الأمريكي القائم على الديون، مانعاً واشنطن من تصدير تضخمها، ومعززاً مشروع "إلغاء الدولرة" (De-dollarization) الذي تقوده دول البريكس دولياً.
ملء الفراغ الدولي وانكفاء مشروع "إسرائيل"
بينما تنشغل أمريكا بحروب الاستنزاف المباشرة وبحصار بحري مكلف، تبرز الصين وروسيا كقوى مستفيدة تملأ الفراغ الاستراتيجي؛ فالصين تتقدم كضامن سياسي وعملاق اقتصادي، وروسيا كلاعب عسكري فاعل. هذا التراجع في المكانة الأمريكية يترك مشروع "إسرائيل" في مأزق وجودي حقيقي؛ فالكيان الصهيوني، الذي يراقب بتوجس شديد حدود الاشتباك الأمريكي-الإيراني، يعلم أن انشغال واشنطن بأزماتها وتراجع سطوتها الردعية والمالية يعني حتماً عزلة الكيان جغرافياً وسياسياً، وبداية مسار لانكفائه التاريخي التام مع تغير موازين القوى في المنطقة.
خلاصة القول
نحن لا نشهد مجرد جولة قتال عابرة، بل زلزالاً جيوستراتيجيًا يعيد كتابة التاريخ من مياه الخليج إلى جبال اليمن. إن فجر النظام متعدد الأقطاب يولد اليوم من وسط النيران؛ نظام ينتهي فيه عصر "البلطجة المالية" والأحادية القطبية، وتتحول فيه أمريكا تدريجياً إلى دور المتفرج المربك، بعد أن كانت لقرن كامل المخرج والمنتج الأوحد لأزمات العالم.

السبت، 4 يوليو 2026

حادثة صنعاء وجنازة خامنئي: مؤشرات تصعيد أم إعادة ترتيب لموازين قائمة؟ بقلم الناصر خشيني


 أولاً: الوقائع كما جرت

فجر الجمعة 3 يوليو 2026، حطّت طائرة تابعة لشركة "ماهان الإيرانية" (رحلة IRM1199) في مطار صنعاء الدولي، في أول رحلة معلنة من طهران إلى العاصمة اليمنية منذ سنوات الحرب. الطائرة كانت تنقل، حسب بيان الحوثيين، أكثر من 200 يمني عالق ومريض، إلى جانب وفد لحضور جنازة المرشد الإيراني علي خامنئي، الذي اغتيل في ضربة أمريكية-إسرائيلية مشتركة بتاريخ 28 فبراير 2026.

أعلنت القوات المسلحة اليمنية (الحوثيون) أن تشكيلاً من الطيران الحربي السعودي حاول عند الساعة 5:20 فجراً منع هبوط الطائرة، وأنها ردت باستخدام صواريخ دفاع جوي أجبرت المقاتلات على مغادرة المجال الجوي. المتحدث العسكري يحيى سريع هدد بـ"رد شامل" يستهدف مطارات ومصالح سعودية حيوية في البر والبحر إذا تكرر أي "خرق" مماثل. هذه هي أول مواجهة جوية مباشرة منذ هدنة أبريل 2022 التي بقيت هشة لكنها صمدت نسبياً حتى الآن.

بالتوازي، تشهد طهران وبغداد والنجف وكربلاء ومشهد مراسم جنازة تمتد من 4 إلى 9 يوليو، وصفتها تقارير غربية بأنها "رسالة تحدٍ" لواشنطن، مع توقعات إيرانية رسمية بحضور ملايين المشيعين ومشاركة وفود من نحو 90 دولة.

ثانياً: كيف تقرأ إيران والحوثيون هذا المشهد

من زاوية طهران وصنعاء، حادثة صنعاء تمثل اختباراً للهيبة: طائرة مدنية إيرانية تهبط رغم اعتراض سعودي، والحوثيون يقدّمون ذلك كدليل على أن "الحصار" لم يعد مطلقاً، وأن الجهة التي تتحكم بالمجال الجوي اليمني هي صنعاء لا الرياض. تصريحات مسؤولين إيرانيين سابقة، مثل حديث علي أكبر ولايتي عن قدرة "المقاومة" على التأثير في مضيقي هرمز وباب المندب، تندرج في نفس المنطق: تحويل ممرات الطاقة والتجارة إلى أداة ردع لا تتطلب مواجهة عسكرية مباشرة مع القوى الكبرى.

ثانياً (ب): لكن الصورة أكثر تعقيداً من "انتصار كامل"

الحذر هنا ضروري، لأن السردية القائلة بأن "محور المقاومة" أصبح "مسيطراً على المضائق" و"فرض أجندته" وأن أمريكا وإسرائيل "خابت وذهبت قوتهما" تتجاوز ما تدعمه الوقائع المتاحة حتى الآن، لأسباب عدة:

حادثة واحدة لا تعني سيطرة: هبوط طائرة واحدة تحت حماية دفاع جوي، وسط تهديد بالتصعيد، هو حدث رمزي مهم لكنه ليس إغلاقاً فعلياً لباب المندب ولا لمضيق هرمز. التحليلات المتخصصة تصف "الورقة" الحوثية بأنها أداة ردع قائمة على التهديد أكثر منها إغلاقاً منفذاً بالفعل، وأن حتى التلويح بها يكفي لإرباك أسواق التأمين والشحن دون تنفيذ كامل.

كلفة إيران وحلفائها باهظة: خامنئي نفسه اغتيل، وإيران خسرت، بحسب تقديرات محللين عسكريين، بنية عسكرية وأمنية كبيرة في الحرب التي بدأت أواخر فبراير. هذا لا يتوافق مع صورة "قوة أمريكية وإسرائيلية ذهبت بالكامل".

رد الفعل السعودي لم يُحسم: "التحالف" توعّد برد "حازم وغير مسبوق" على أي تهديد لسيادته، وهذا يعني أن المواجهة لا تزال مفتوحة على التصعيد المتبادل، لا أنها انتهت لصالح طرف واحد.

قرارات دولية قائمة: مجلس الأمن سبق أن أدان أي تهديد لحرية الملاحة في هرمز أو باب المندب بأغلبية كبيرة (135 دولة راعية)، ما يعني أن أي إغلاق فعلي سيقابل بضغط دولي واسع، لا فقط أمريكي-إسرائيلي.

جنازة خامنئي نفسها تعكس هشاشة لا قوة مطلقة: التقارير تشير إلى تأجيلات متكررة لأسباب أمنية، وقلق من تكرار سابقة اغتيال إسماعيل هنية في ظروف مشابهة، وتردد وفود حزب الله والحوثيين في الحضور خوفاً من استهدافها. هذا مؤشر على أن الطرف الإيراني وحلفاءه ما زالوا يتصرفون من موقع حذر أمني شديد، لا من موقع تفوق ساحق.

ثالثاً: قراءات متعددة للمشهد الإقليمي

يمكن رؤية ما يجري من زاويتين متنافستين على الأقل، وكل واحدة لها من يدافع عنها:

الزاوية الأولى (رواية "محور المقاومة"): كل حادثة – هبوط طائرة، تهديد بإغلاق مضيق، ضربة صاروخية – تُراكم "معادلة ردع" جديدة تُقيّد حرية حركة السعودية وإسرائيل وأمريكا في المنطقة، وتُظهر أن التفوق التكنولوجي الغربي لا يترجم بالضرورة إلى حسم سياسي أو عسكري كامل.

الزاوية الثانية (رواية "التصعيد المحدود والمكلف"): هذه أحداث تصعيد تكتيكي ورمزي في صراع أطول وأكثر استنزافاً لجميع الأطراف، بما فيها إيران وحلفاؤها، الذين خسروا قيادات كبرى (خامنئي، سليماني سابقاً، وقادة آخرون) وبنية عسكرية مهمة. "التهديد" بإغلاق المضائق أداة ضغط تفاوضي أكثر من كونه إعلان سيطرة فعلية، ووجود حاملات طائرات أمريكية وحشد عسكري في المنطقة يعني أن موازين القوة التقليدية لم تُقلب.

الأرجح، بحسب متابعين للملف، أن الحقيقة تقع بين الروايتين: صنعاء وطهران تمكنتا من فرض تكلفة وحضور رمزي لا يمكن تجاهله، بينما لا تزال واشنطن والرياض وتل أبيب تحتفظ بقدرات عسكرية واقتصادية وازنة، والمواجهة أقرب إلى حرب استنزاف متعددة الجبهات مفتوحة النتائج، لا إلى معركة محسومة لأي طرف.

رابعاً: ما يستحق المتابعة القادمة

هل تتكرر الرحلات الإيرانية إلى صنعاء؟ الحوثيون أعلنوا أنهم سيواصلونها "مهما كانت النتائج"، وهذا سيحدد إن كانت الحادثة استثناءً أم بداية نمط.

رد السعودية العملي: هل يقتصر على تصريحات التهديد أم يتطور إلى إجراءات عسكرية أو دبلوماسية فعلية؟

مآل خلافة خامنئي: التسريبات تشير إلى مجتبى خامنئي كخيار مرجّح، وهذا سيؤثر على منهج إيران القادم في التعامل مع الملفات الإقليمية.

مسار المضائق: أي حادثة استهداف فعلي لسفن أو ناقلات في باب المندب أو هرمز، بخلاف التهديدات اللفظية، ستكون نقطة تحول اقتصادية عالمية حقيقية،

الخميس، 2 يوليو 2026

من "طوفان الأقصى" إلى الحرب على إيران: قراءة في تحولات الصراع في المنطقة بقلم الناصر خشيني - نابل، تونس

 



أولاً: لحظة السابع من أكتوبر ومساراتها
في السابع من أكتوبر 2023، نفّذت كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، عملية عسكرية واسعة أطلقت عليها اسم "طوفان الأقصى"، عبرت خلالها مجموعات مقاتلة الحدود مع مستوطنات غلاف غزة. وقد حدّدت قيادة حماس حينها أهداف العملية في جملة من النقاط: الرد على اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى والاعتداءات المتواصلة في الضفة الغربية، ورفع الحصار المفروض على غزة منذ سنوات، وإعادة القضية الفلسطينية إلى الواجهة الدولية بعد أن كادت تُطوى في ملفات التطبيع الإقليمي.
الحرب التي تلت العملية استمرت عامين كاملين، وخلّفت خسائر بشرية وعمرانية هائلة في قطاع غزة، ووثّقت هيئات أممية ما وصفته بجرائم إبادة جماعية بحق السكان المدنيين. وفي المقابل، فإن حصيلة العملية من الناحية العملية تبقى موضع جدل حتى بين المحللين المتعاطفين مع القضية الفلسطينية: فقد فشلت في "تفريغ السجون" الإسرائيلية كما كان معلناً، ولم تحقق سوى صفقتي تبادل محدودتين، بينما ارتفع عدد المعتقلين الفلسطينيين بشكل كبير نتيجة حملات الاعتقال الواسعة التي تلتها في الضفة الغربية والقدس وغزة.
بالمقابل، يُسجَّل للعملية أنها أعادت فرض القضية الفلسطينية على الأجندة الدولية، وأسهمت -بحسب كثير من المراقبين- في موجة اعترافات دولية متتالية بدولة فلسطين، دفعت إليها بالأساس الاحتجاجات الشعبية العالمية الرافضة للحرب على غزة أكثر مما دفعت إليها العملية نفسها.
ثانياً: اتفاق وقف إطلاق النار في غزة.. هدنة هشة
بعد عامين من الحرب، دخل اتفاق لوقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في العاشر من أكتوبر 2025، ضمن خطة رعتها الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب، شملت انسحاباً جزئياً إسرائيلياً، وتبادلاً للأسرى والرهائن، وتشكيل "مجلس سلام" لإدارة المرحلة الانتقالية في غزة، إلى جانب لجنة تكنوقراط فلسطينية من المفترض أن تتولى الشأن المدني في القطاع.
غير أن الوقائع الميدانية منذ ذلك الحين تكشف هشاشة هذا الاتفاق. فبعد ستة أشهر من دخوله حيّز التنفيذ، وثّقت مصادر طبية وحقوقية في غزة أكثر من ألفي خرق إسرائيلي للاتفاق، أسفرت عن مقتل مئات الفلسطينيين وإصابة آلاف آخرين، فضلاً عن استمرار سياسات تقييد دخول المساعدات والوقود ومواد إعادة الإعمار. كما أبقت إسرائيل على سيطرتها على ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، وهي مناطق واسعة داخل القطاع رفضت الانسحاب منها، معتبرة إياها "منطقة عازلة" أمنية، بينما ترى منظمات إنسانية دولية، من بينها أطباء بلا حدود، أن وقف إطلاق النار "الهش وغير الفعّال" لم ينه فعلياً حالة الحرب على السكان المدنيين.
ثالثاً: الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران
في فبراير 2026، وبعد أشهر من مفاوضات نووية غير مباشرة بين طهران وواشنطن لم تفضِ إلى نتيجة، شنّت إسرائيل والولايات المتحدة حرباً واسعة على إيران، بدأت بضربات جوية استهدفت مواقع في طهران ومدن إيرانية أخرى. طالبت واشنطن إيران بثلاثة شروط رئيسية: إنهاء دائم لتخصيب اليورانيوم، وقيود صارمة على برنامج الصواريخ الباليستية، ووقف كامل لدعم الجماعات الحليفة في المنطقة كحماس وحزب الله والحوثيين.
توسعت رقعة المواجهة لتشمل حزب الله في لبنان، الذي استأنف القتال مع إسرائيل بعد اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي خلال الحرب، معتبراً ذلك "عملاً دفاعياً" لإجبار إسرائيل على وقف عدوانها والانسحاب من الأراضي اللبنانية التي كانت لا تزال تحتلها رغم الهدنة السابقة.
وبعد أسابيع من التصعيد المتبادل، وتوقف مؤقت للمفاوضات إثر هجوم استهدف الضاحية الجنوبية لبيروت، تم توقيع مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران في 18 يونيو 2026، نصّت على وقف فوري ودائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات بما فيها لبنان، وإعادة فتح مضيق هرمز، ورفع الحصار البحري عن إيران. عُقدت لاحقاً محادثات رفيعة المستوى في منتجع بورغنستوك بسويسرا بمشاركة قطرية وباكستانية لبحث تفاصيل الاتفاق النهائي، وسط تصريحات متضاربة من الرئيس الأمريكي حول مدى التزامه بإطار الستين يوماً المتفق عليه، واستمرار الخلاف بين واشنطن وتل أبيب بخصوص الملف اللبناني، حيث واصلت إسرائيل ضرباتها هناك رغم نص مذكرة التفاهم.
رابعاً: ماذا تغيّر في المشهد الإقليمي؟
اتساع دائرة المواجهة: انتقل الصراع من كونه فلسطينياً-إسرائيلياً محصوراً إلى صراع إقليمي متعدد الأطراف يشمل إيران ولبنان واليمن، بما يعكس تشابك الملفات وصعوبة عزل أي جبهة عن الأخرى.
تراجع الأولوية الأمريكية لملف غزة: أفاد مسؤولون أمريكيون سابقون بأن انشغال واشنطن بالحرب الإيرانية أضعف متابعتها لتنفيذ اتفاق غزة، وتركّز اهتمامها بدلاً من ذلك على مسار نزع سلاح حماس والترتيبات الأمنية الإقليمية.
هشاشة الحلول المرحلية: سواء في غزة أو مع إيران، تكشف الوقائع أن التوقيع على اتفاقيات وقف إطلاق النار لا يعني بالضرورة توقف العمليات العسكرية الفعلية على الأرض، بل غالباً ما يستمر التصعيد ضمن هوامش تكتيكية.
دور الوساطات الإقليمية: برزت قطر وباكستان ومصر كوسطاء رئيسيين في الملفين، في وقت تراجع فيه الدور الأوروبي المباشر لصالح حضور أمريكي كثيف ومباشر في إدارة تفاصيل التفاوض.
خامساً: خلاصة
ما تكشفه هذه المحطات مجتمعة أن المنطقة تعيش حالة من عدم الاستقرار البنيوي، حيث تتوالى الحروب والهدنات دون أن تفضي إلى تسويات سياسية جذرية تعالج جوهر القضايا: الاحتلال، وحق الفلسطينيين في دولة مستقلة، والصراع على النفوذ الإقليمي بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى. الاتفاقيات الموقعة -سواء في غزة أو بين واشنطن وطهران- تبقى بمثابة هدن تكتيكية أكثر منها حلولاً استراتيجية، وما لم تُترجم بنودها الإنسانية والسياسية إلى واقع ملموس على الأرض، فإنها ستظل عرضة للانهيار في أي لحظة، تاركة السكان المدنيين -في غزة ولبنان وإيران على حد سواء- يدفعون الثمن الأكبر لصراعات لم يختاروها.

 




الأربعاء، 1 يوليو 2026

آفة المخدرات في تونس: خطر يتهدد مستقبل الشباب ويقوّض الأمن والاقتصاد بقلم: الناصر خشيني

 


مقدمة
لم تعد ظاهرة المخدرات في تونس مجرد قضية أمنية عابرة، بل تحوّلت إلى أزمة مجتمعية شاملة تنخر في جسد الدولة والمجتمع معًا. فمن بلد كان يُعتبر تقليديًا محطة عبور للمواد المخدرة نحو أوروبا، أصبحت تونس اليوم، بحسب تحذيرات أممية حديثة، سوقًا استهلاكية متنامية بذاتها، يطال خطرها الشباب في المدارس والجامعات والأحياء الشعبية على حد سواء.
الظاهرة بالأرقام: تصاعد مقلق
تكشف بيانات وزارة الداخلية التونسية، التي عُرضت خلال جلسة استماع بلجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب في جوان 2026، عن حجم الظاهرة وتفاقمها:
سُجّلت خلال سنة 2025 وحدها نحو 15,253 قضية مخدرات، تورّط فيها ما يقارب 27,338 شخصًا، من بينهم أكثر من 10 آلاف مروّج.
الفئة العمرية بين 19 و40 سنة تمثل حوالي 89% من مجموع المتورطين، وهو ما يعني أن الظاهرة تستهدف بامتياز شريحة الشباب والقوى المنتجة في المجتمع.
على مدى العشرية الأخيرة، بلغ عدد قضايا المخدرات في تونس نحو 86,599 قضية، شملت أكثر من 156 ألف متورط و104 آلاف مستهلك.
في مجال الحجوزات، تم ضبط أكثر من 2.5 مليون قرص مخدر خلال سنة 2025 وحدها، إضافة إلى نحو 132 كيلوغرامًا من الكوكايين، و408 أطنان من القنب الهندي، وكميات من الهيروين.
جغرافيًا، تتركز الظاهرة في تونس الكبرى والشريط الساحلي وبعض مناطق الشمال الغربي، فيما يبقى الشريط الحدودي الغربي بؤرة رئيسية لعمليات التهريب.
هذه الأرقام لا تعكس فقط اتساع رقعة الاستهلاك، بل تشير أيضًا إلى تحوّل نوعي خطير: فتونس التي كانت "بلد عبور" أصبحت، وفق تصريحات مسؤولين أمنيين وجمركيين، "مركزًا للاستهلاك" بحد ذاته. كما يحذّر التقرير العالمي للمخدرات لسنة 2026 الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة من اختراق الكوكايين لأسواق البيع بالتجزئة في شمال إفريقيا بما فيها تونس، وظهور مؤشرات على تصنيع مادة الكبتاغون إقليميًا بعد تفكيك مختبراته في سوريا أواخر 2024.
الانعكاسات على مستقبل الشباب
استهداف الفئة العمرية الشابة ليس صدفة، بل نتيجة استراتيجية ممنهجة تعتمدها شبكات الترويج التي تستغل:
الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية: البطالة، خاصة بين حاملي الشهادات، والفقر في المناطق الداخلية والأحياء الشعبية، يخلقان بيئة خصبة للانجذاب نحو الترويج كمصدر رزق أو نحو الاستهلاك كهروب من الواقع.
التفكك الأسري والانقطاع المبكر عن الدراسة: يشير مختصون في علم الاجتماع إلى أن غياب الرقابة الأسرية والمدرسية يزيد من قابلية الوقوع في دائرة الإدمان.
وسائل التواصل الاجتماعي: أصبحت منصة رئيسية للاستقطاب وإبرام صفقات البيع بعيدًا عن الرقابة التقليدية.
الفضاءات الترفيهية الصيفية: تتحول الشواطئ والمنتجعات خلال الموسم السياحي إلى فضاءات تستغلها الشبكات نظرًا لكثافة الحضور وصعوبة المراقبة.
النتيجة هي جيل كامل مهدد في صحته النفسية والجسدية، وطاقاته العلمية والمهنية، ما ينذر بخسارة استراتيجية على المدى البعيد لرأس المال البشري الذي تحتاجه تونس لنهوضها الاقتصادي.
الدور التخريبي على المجتمع والاقتصاد
لا تقتصر أضرار المخدرات على الأفراد المتعاطين، بل تمتد لتشمل:
تصاعد الجريمة المصاحبة: من سرقات وعنف وجرائم مالية مرتبطة بتمويل شبكات الترويج.
تآكل النسيج الاجتماعي: انتشار ثقافة "الزطلة" كـ"منشط" مقبول اجتماعيًا لدى بعض فئات الشباب، ما يصعّب جهود التوعية.
الكلفة الاقتصادية غير المباشرة: تكاليف العلاج والإدماج الاجتماعي، وتراجع الإنتاجية، وأعباء إضافية على المنظومة الأمنية والقضائية والصحية.
تسييل الاقتصاد الموازي: ارتباط تجارة المخدرات بشبكات تهريب أوسع تشمل السلاح والعملة، ما يغذي اقتصادًا غير رسمي يوازي الاقتصاد الوطني ويستنزف موارده.
كما تحذر تقارير دولية، منها مؤشر الجريمة المنظمة العالمي، من أن التقاء "ثلاثية المال والمخدرات والإرهاب" يشكل خطرًا مركّبًا يهدد استقرار الدول ويفكك مجتمعاتها من الداخل.
جهود الدولة: أمنية، قضائية، وتشريعية
على الجبهة الأمنية، تسجل وحدات الحرس الوطني والأمن الوطني والديوانة إنجازات ملموسة تتمثل في تفكيك شبكات ترويج وحجز كميات كبيرة من المواد المخدرة سنويًا، إلى جانب حملات أمنية واسعة تستهدف محيط المؤسسات التربوية والجامعية ومحطات النقل العمومي.
أما على الصعيد التشريعي، فتشهد تونس حاليًا نقاشًا جوهريًا حول مراجعة شاملة للقانون عدد 52 لسنة 1992 المتعلق بمكافحة المخدرات، وقد أحدثت لجنة تضم ممثلين عن مختلف الوزارات لإعداد نص قانوني جديد يواكب التحولات التي تشهدها الظاهرة، خاصة أن القانون الحالي طالما وُصف بالصرامة المفرطة تجاه المستهلك دون تمييز كافٍ بينه وبين المروّج، وهو ما أثار جدلاً مجتمعيًا وحقوقيًا واسعًا على مدى سنوات.
كما تنظم السلطات الصحية حملات توعية موسمية، خاصة خلال فصل الصيف، تستهدف الشباب عبر أنشطة تثقيفية وورشات تعبيرية، لكن مختصين يرون أن هذه الجهود تبقى غير كافية في غياب خطة وطنية شاملة ومندمجة لمكافحة الظاهرة تجمع بين البعد الأمني والوقائي والعلاجي والتربوي.
دور اللوبيات والعصابات في تقزيم دور الدولة
رغم الجهود الأمنية، تواجه الدولة تحديات بنيوية تحد من فعالية تدخلها:
الطابع العابر للحدود للجريمة المنظمة: الموقع الاستراتيجي لتونس يجعلها معبرًا مفضلاً لشبكات دولية، ما يصعّب المراقبة الكاملة للحدود البرية والبحرية.
تطور أساليب الشبكات: تحوّلت العصابات إلى بنى تنظيمية معقدة تعتمد وسائل تشفير واتصال متطورة، ما يفرض على أجهزة الدولة مواكبة تقنية مستمرة.
إغراق السوق بمواد مستوردة: كشفت مصادر أمنية عن تدفق أقراص مخدرة (مثل مادة البريغابالين) مصنّعة خصيصًا لشبكات التهريب، حتى أن أسعارها تُطبع بالدينار التونسي أو الجزائري مباشرة من بلد المنشأ، وهو مؤشر على درجة التنظيم التي بلغتها هذه الشبكات.
الفساد وتقاطع المصالح: يربط عدد من المحللين بين اقتصاد المخدرات وشبكات فساد أوسع، حيث تشكل الأرباح الطائلة أداة نفوذ يمكن أن تخترق مفاصل إدارية أو تُستخدم للضغط والإفلات من العقاب، ما "يقزّم" أحيانًا قدرة الدولة على المواجهة الحاسمة.
هذا التشابك بين المال والجريمة المنظمة يجعل من معركة مكافحة المخدرات معركة مركبة، تتجاوز الجانب الأمني الصرف لتشمل الحوكمة، والشفافية، والتعاون الدولي.
خاتمة: نحو مقاربة شاملة
إن مواجهة آفة المخدرات في تونس تستدعي مقاربة متكاملة لا تكتفي بالحل الأمني والزجري، بل تشمل:
تسريع مراجعة الإطار التشريعي (القانون عدد 52) بما يوازن بين الردع والحماية الاجتماعية للمستهلك.
تعزيز برامج الوقاية والتوعية في المؤسسات التربوية بشكل دائم لا موسمي.
توفير فرص اقتصادية واجتماعية حقيقية للشباب في المناطق الأكثر هشاشة.
تكثيف التعاون الدولي والإقليمي لمواجهة الطابع العابر للحدود لهذه الجريمة.
الحزم في مواجهة أي تقاطع بين شبكات المخدرات ومنظومات الفساد.
فالمعركة ضد المخدرات ليست معركة أمنية فحسب، بل معركة وجود تتعلق بمستقبل جيل كامل وباستقرار الدولة والمجتمع في آن واحد.
المصادر: بيانات وزارة الداخلية التونسية المعروضة أمام لجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب (جوان 2026)، التقرير العالمي للمخدرات 2026 الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، مؤشر الجريمة المنظمة العالمي، وتصريحات مسؤولين أمنيين وجمركيين تونسيين.

 


الأحد، 28 يونيو 2026

التهريب في تونس: نزيف اقتصادي مزدوج وتهديد للسيادة والأمن المجتمعي بقلم: الناصر خشيني

  1.  

              مقدمة

لم يعد التهريب في تونس ظاهرة هامشية تتم في الخفاء على أطراف الحدود، بل تحوّل إلى منظومة اقتصادية موازية متكاملة تتقاسم السوق الداخلية مع الاقتصاد الرسمي، وتنازعه السيادة على الموارد والمداخيل والقرار. فبين تهريب الوقود والمواد الغذائية المدعمة من جهة، وتهريب المخدرات والأسلحة والذهب والعملة من جهة أخرى، يجد المواطن التونسي نفسه أمام اقتصاد مزدوج: اقتصاد رسمي تنهكه الديون وعجز الميزانية، واقتصاد موازٍ يكاد يوازيه حجمًا ويتجاوزه في بعض القطاعات حيوية. هذا المقال يحاول رصد أبعاد هذه الظاهرة بمحاورها المختلفة: حجمها الاقتصادي، خريطتها الجغرافية، أنواع البضائع المتداولة فيها من السلع الاستهلاكية إلى المواد الخطرة، أثرها على الأمن الغذائي وجيب المستهلك، ثم المنظومة التشريعية التي تحاول الدولة من خلالها لجم هذا النزيف.

أولًا: حجم الاقتصاد الموازي وكلفته المالية

تشير التقديرات الرسمية وشبه الرسمية إلى أن الاقتصاد الموازي في تونس تضخم بشكل غير مسبوق منذ 2011، حيث كان لا يتجاوز 30% من الناتج المحلي الخام قبل الثورة، ليرتفع إلى نحو 53% بعدها، وتشير بعض التقديرات الأحدث إلى أنه بلغ اليوم ما يقارب 60% [1].  (Assabah News) وفي مقابل ذلك، تورد تقديرات حكومية أحدث نسبة أكثر تحفظًا تقدّر الاقتصاد الموازي بنحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي [5]،  (Essahafa) وهو تباين في الأرقام يعكس في ذاته صعوبة ضبط هذه الظاهرة إحصائيًا وتضارب المصادر الرسمية حولها.

أما على مستوى الكلفة المالية المباشرة، فقد كشف تقرير للبنك الدولي أن حجم التجارة الموازية والتهريب على الحدود التونسية الليبية والجزائرية يصل إلى نحو 1.13 مليار دولار سنويًا [2]،  (Kapitalis) في حين تقدّر مصادر صحفية أخرى الخسائر السنوية المباشرة للدولة من التجارة الموازية بنحو 1.2 مليار دينار، منها 500 مليون دينار معاليم ديوانية ضائعة [3].  (Essahafa) وتشير دراسات أكاديمية إلى أن التجارة غير الرسمية شكلت في فترة 2011-2015 نحو 10% من إجمالي الواردات التونسية، وأن سوق الوقود غير المشروع وحده يستحوذ على 30% من مبيعات الوقود في تونس، بمشاركة ما يقارب 20 ألف فاعل بين مهربين وناقلين ومخزنين وبائعين [4].  (Futureuae) هذه الأرقام، على تباينها، تتقاطع جميعها عند نتيجة واحدة: أن الدولة التونسية تخسر سنويًا ما يعادل نسبة معتبرة من ميزانيتها العامة (التي قُدّرت لسنة 2025 بـ78.2 مليار دينار) [5]  (Essahafa) في شكل موارد جبائية وديوانية مهرّبة من دائرة الرقابة الرسمية.

ثانيًا: تهريب الوقود والبضائع الاستهلاكية على الحدود البرية

تتركز الجغرافيا الأكبر للتهريب التقليدي على محورين حدوديين: الحدود مع ليبيا جنوبًا، والحدود مع الجزائر غربًا. فعلى الحدود الليبية، وتحديدًا في منطقة بنقردان ورأس اجدير، تفيد دراسة للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بأن نحو 25 إلى 30 ألف شخص يعيشون من تجارة التهريب في تلك المنطقة وحدها، برأسمال يقارب 300 ألف دينار لكل تاجر جملة، ويُهرَّب يوميًا نحو 300 ألف لتر من الوقود من ليبيا إلى تونس، أي ما يعادل 110 مليون لتر سنويًا، بحجم تبادل تجاري يومي يتراوح بين مليون و3 ملايين دينار [1].  (Assabah News) ويذهب تقرير البنك الدولي إلى أن التهريب يمثل أكثر من نصف المعاملات التجارية لتونس مع ليبيا [2].  (Kapitalis)

على الجانب الجزائري، يكشف التقرير نفسه أن نحو 15% من البنزين المستهلك في تونس يأتي من واردات غير رسمية من الجزائر، وأن تجارة الوقود والعجلات المطاطية هي الأكثر رواجًا، بمشاركة أكثر من 60% من الشاحنات العاملة في هذا النشاط، إضافة إلى نشاط مكثف في تهريب السجائر [2].  (Kapitalis) وتاريخيًا، تطورت هذه الأنشطة من خدمات هامشية للمسافرين على قارعة الطريق إلى شبكات تهريب محترفة مرتبطة بعلاقات تنسيقية مع مسؤولين في تونس ودول الجوار، استفادت في طورها الأول من الحاضنة السياسية والأمنية التي نمت في عهد نظام بن علي قبل أن تتوسع توسعًا غير مسبوق بعد 2011 مع تصاعد المخاطر الأمنية في الجوار الليبي [4].  (Futureuae) وتؤكد البيانات الديوانية الحديثة استمرار هذا النزف، حيث جرى في الأشهر الأخيرة تكثيف الحملات على تهريب مواد استهلاكية موسمية كالقهوة والموز، فحُجز في شهر جانفي 2026 وحده نحو 10.5 طن من الموز وأكثر من 5 أطنان من القهوة المهربة [11].

ثالثًا: تهريب المخدرات: من السوق المحلية إلى محطة عبور إقليمية

تكشف بيانات الديوانة التونسية عن تصاعد حاد في حجم المخدرات المحجوزة خلال سنة 2025 مقارنة بالسنوات السابقة، إلى درجة وصفها الناطق الرسمي باسم الإدارة العامة للديوانة بأنها "أرقام مخيفة ومفرحة في الوقت ذاته" [6].  (Africanmanager) فقد جرى حجز أكثر من 670 كيلوغرامًا من القنب الهندي، وأكثر من 13 مليون حبة مخدرة، وأكثر من 80 كيلوغرامًا من الكوكايين، وأكثر من 2700 طابع من نوع "LSD"، في تضاعف لافت مقارنة بسنة 2024 التي شهدت حجز 33 كيلوغرامًا فقط من الكوكايين ومليون و100 ألف حبة مخدرة و250 كيلوغرامًا من القنب الهندي [6].  (Africanmanager) وبحلول أكتوبر 2025، كانت الكمية المحجوزة من الكوكايين قد بلغت بمفردها 73 كيلوغرامًا والقنب الهندي 726 كيلوغرامًا [10]، وهو رقم تضخم لاحقًا حتى بلغ بنهاية السنة قرابة 94 كيلوغرامًا من المواد المخدرة وأكثر من 64 ألف حبة دواء مخدر ضمن إجمالي محجوزات بلغت قيمتها 580.5 مليون دينار [8].  (Assabah News)

ويشير الناطق الرسمي للديوانة إلى تمايز في مسالك التهريب بحسب نوع المادة: فالكوكايين يُهرَّب أساسًا عبر المعابر البحرية والجوية، بينما يدخل القنب الهندي عبر المعابر البرية والبحرية، في حين تنشط الحبوب المخدرة عبر المعابر البرية أساسًا [10]. ومن أبرز العمليات النوعية المسجلة، إحباط محاولة تهريب 572.5 كيلوغرام من القنب الهندي مخبأة داخل مجرورة بميناء رادس [8]،  (Assabah News) وضبط أكثر من 43 كيلوغرامًا من الكوكايين في عملية بصفاقس [9]. هذا التطور يضع تونس في موقع متزايد الخطورة كمحطة عبور إقليمية للمخدرات الصلبة، لا كسوق استهلاك محلي فحسب، وهو تحول نوعي يستدعي مساءلة جدية حول كفاية الترسانة الأمنية والقضائية في مواجهته.

رابعًا: تهريب الأسلحة والذهب والمعادن: تمويل الإرهاب وتبييض الأموال

منذ سقوط نظام القذافي سنة 2011، تحوّلت ليبيا إلى سوق رائجة لتجارة السلاح تديرها شبكات معقدة ينتفع منها ملايين الأشخاص [13]، وأصبحت الحدود التونسية الليبية، خاصة في محيط بنقردان، الممر الأبرز لتهريب الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، التي تشمل بنادق الكلاشينكوف وقذائف "آربيجي" والذخيرة والمتفجرات والألغام الأرضية [13].  (Raseef22) وقد نشطت أيضًا تجارة الأسلحة عبر صفحات فيسبوك المتخصصة، التي يديرها وسطاء ليبيون يستهدفون زبائن من تونس والجزائر ودول الجوار الإفريقي [12]، فيما كشفت تحقيقات أن بعض شحنات الأسلحة المهرَّبة عبر تونس لها صلة بخروقات لحظر التسليح الأممي على ليبيا، شاركت فيها أطراف إقليمية ودولية، وهو ملف حساس بلغ من خطورته أن أدى إلى توقيف خبير أممي تونسي كان يحقق فيه [13].  (Raseef22)

وفي السياق ذاته، يشكل تهريب الذهب والمعادن النفيسة بابًا موازيًا لتبييض الأموال وربما تمويل الإرهاب، إذ كشفت لجنة التحاليل المالية التونسية أن أكثر من 19 طنًا من الذهب جرى تهريبها من تركيا إلى تونس بين 2012 و2014 فقط، بينما بلغت قيمة الذهب الذي حجزته الديوانة سنتي 2016 و2017 أكثر من 29 مليار مليم [14].  (Assabah News) ويُستخدم التراب التونسي، حسب خبراء اقتصاديين، كبلد عبور لكميات من الذهب باتجاه دول آسيوية لتصنيعها وإعادة تصديرها إلى دول الجوار، وذلك في بلد لا يتجاوز احتياطه الرسمي من الذهب 6.8 أطنان فقط [15]  (Alaraby) — أي أن المهرَّب من هذا المعدن النفيس يفوق أحيانًا احتياطي البلاد المعلن منه. ولم يقف الأمر عند الذهب، بل امتد إلى معادن صناعية كالنحاس، حيث فككت السلطات شبكة كانت تموّل عبر فواتير وهمية وشركات واجهة، أسفرت عن حجز أكثر من 700 طن من النحاس المهرب [16].  (Tunisnow) وتؤكد الحصيلة الديوانية للثلاثي الأول من سنة 2026 استمرار هذا النشاط، بحجز نحو 3 كيلوغرامات من الذهب وأكثر من 700 ألف يورو وأكثر من 80 ألف خرطوشة في فترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر [17].  (Webmanagercenter)

خامسًا: الأثر على الأمن الغذائي وجيب المستهلك

لا يقتصر أثر التهريب على خسارة الموارد الجبائية، بل يمتد إلى الإخلال المباشر بتوازن السوق الداخلية وتوفر السلع الأساسية. فمن مفارقات الحالة التونسية أن التهريب يسير في اتجاهين متعاكسين: تهريب الوقود والمواد الاستهلاكية من الخارج إلى الداخل من جهة، وتهريب المواد الغذائية المدعمة والأدوية من الداخل إلى الخارج من جهة أخرى، حيث تُهرَّب المواد المدعمة من الدولة التونسية باتجاه دول الجوار التي تفتقر إليها أو ترتفع فيها أسعارها [18].  (Nan) وقد سجلت الجمارك التونسية، خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة واحدة فقط، محجوزات بقيمة نحو 130 مليون دولار من هذا النوع من النشاط المزدوج [18].  (Nan)

وتنعكس هذه الازدواجية مباشرة على المستهلك التونسي في شكل اختفاء متكرر لمواد أساسية من الأسواق الرسمية، كالقهوة والموز والمواد المطحونة، إذ تكثف الديوانة حملاتها على هذه المواد في المواسم الاستهلاكية الكبرى كرمضان [11]،  (Africanmanager) بينما تُحجز في موازاة ذلك كميات ضخمة من الملابس الجاهزة (بقيمة تفوق 9 ملايين دينار) والمواد الغذائية المهربة من الخارج (أكثر من 800 طن بقيمة 17 مليون دينار) والهواتف الجوالة (بقيمة تقارب 15 مليون دينار) ضمن حصيلة سنة واحدة [9].  (Ultra Tunisia) هذا التذبذب المزدوج في تدفق السلع عبر القنوات غير الرسمية يجعل من السوق التونسية رهينة لتقلبات لا تخضع لأي تخطيط اقتصادي رسمي، ويُفرغ السياسات الحكومية للدعم والتسعير من جزء كبير من فعاليتها، إذ تذهب المادة المدعمة بأموال الخزينة العامة إلى استهلاك خارج الحدود بدل أن تصل إلى مستحقيها من المواطنين التونسيين.

سادسًا: المنظومة التشريعية ومحدودية فعاليتها

تحرّكت السلطة التشريعية التونسية في السنوات الأخيرة لتشديد العقوبات المتعلقة بجرائم التهريب، حيث صادق البرلمان على تعديل يرفع عقوبة السجن في الجنح من فترة تتراوح بين 3 أشهر وسنة إلى ما بين سنتين وثلاث سنوات، مع تشديد إضافي في حال تورط مجموعة تتكون من 3 إلى 6 أشخاص [18].  (Nan) كما تضمن قانون المالية لسنة 2025 في فصله 72 مراجعة شاملة للعقوبات الديوانية الزاجرة للتهريب [19]، وهو ما أكده المجلس الوطني للجهات والأقاليم بالمصادقة على هذا التشديد [20]. وتنص الترسانة الجمركية التونسية على عقوبات تصل إلى الحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة تعادل خمس مرات قيمة البضاعة المصادرة في جرائم تهريب المحروقات والحبوب والمواد الغذائية والماشية والأدوية والمتفجرات.

غير أن هذا التشديد التشريعي المتكرر يطرح سؤالًا جوهريًا حول فعاليته الفعلية في مواجهة ظاهرة تتجاوز البعد الجزائي المحض إلى أبعاد اجتماعية واقتصادية وجيوسياسية عميقة. فالحكومات المتعاقبة تعهدت منذ سنوات بإنشاء منطقة حرة على الحدود مع ليبيا كحل بنيوي لاستيعاب النشاط الاقتصادي للمناطق الحدودية ضمن الاقتصاد الرسمي، لكن هذا المشروع لم يخرج إلى حد الآن إلى حيز التنفيذ [18].  (Nan) وما دامت آلاف العائلات في المناطق الحدودية تعيش بشكل مباشر أو غير مباشر من عائدات التهريب، في غياب فرص عمل رسمية بديلة، فإن تشديد العقوبات وحده، دون معالجة بنيوية تشمل التنمية الجهوية والتشغيل وتقليص الفوارق السعرية بين تونس ومحيطها الإقليمي، يظل علاجًا للأعراض دون الجذور.

خاتمة تحليلية

إن ظاهرة التهريب في تونس ليست مجرد خرق قانوني فردي يمكن تطويقه بمزيد من العقوبات الزجرية، بل هي عرَض بنيوي لأزمة الدولة التونسية ذاتها: دولة عاجزة عن ضبط حدودها بشكل كامل، تعاني من تفكك أدواتها الرقابية في الأقاليم الحدودية، وتواجه محيطًا إقليميًا مضطربًا أمنيًا (ليبيا ما بعد 2011) واقتصاديًا (فوارق الدعم مع الجزائر). وحين يبلغ الاقتصاد الموازي حدًّا يقارب نصف الناتج المحلي أو يتجاوزه، فإن السؤال لا يعود سؤال "مكافحة التهريب" بالمعنى الأمني الضيق، بل سؤال السيادة الاقتصادية للدولة على مواردها وأسواقها وحدودها. فمعالجة هذا الملف تستدعي رؤية تنموية سيادية متكاملة تُدمج المناطق الحدودية في الاقتصاد الرسمي، وتعيد التوازن إلى منظومة الدعم الإقليمية، بدل الاستمرار في سياسة الترقيع الزجري التي ثبت محدودية أثرها طيلة العقد ونصف الماضي.

ثبت المراجع

[1] جريدة الصباح نيوز، "يشغل مليونا و600 تونسي.. الاقتصاد الموازي يكلف الدولة خسائر سنوية في الضرائب بأكثر من 5 مليار دينار"، assabahnews.tn

[2] "أزمة التهريب والتجارة الموازية في تونس"، أنباء تونس/كابيتاليس، kapitalis.com

[3] "التجارة الموازية تواصل الاضرار بالاقتصاد التونسي: 1.2 مليار دينار خسائر سنوية"، الصحافة اليوم، essahafa.tn

[4] مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، "لماذا تنشط اقتصادات التهريب في الأزمات التونسية؟"، futureuae.com

[5] "الاقتصاد التونسي وأهم تحديات سنة 2025"، الصحافة اليوم، essahafa.tn

[6] "كميات وأنواع المخدرات المحجوزة خلال سنة 2025"، أفريكان مانجر، ar.africanmanager.com

[7] "محجوزات المواد المخدرة خلال نوفمبر وديسمبر 2025"، الموقع الرسمي للديوانة التونسية، douane.gov.tn

[8] "من بينها المخدرات والذهب.. 580 مليارا ونصف قيمة محجوزات الديوانة من التهريب"، الصباح نيوز، assabahnews.tn

[9] "حصيلة 2025.. الديوانة التونسية تحجز بضائع مهربة تفوق قيمتها 580 مليون دينار"، Ultra Tunisia، ultratunisia.ultrasawt.com

[10] "عاجل/ بالأرقام: الديوانة تحجز كميات مهولة من المخدّرات"، webmanagercenter، ar.webmanagercenter.com

[11] "الناطق باسم الديوانة: محجوزات شهر جانفي تتجاوز 19 مليون دينار"، أفريكان مانجر، ar.africanmanager.com

[12] "كيف تحوّل فيسبوك إلى سوق للمتاجرة بالأسلحة في ليبيا؟"، CNN Arabic، arabic.cnn.com

[13] "ذهب ليحقق في تهريب الأسلحة بين تونس وليبيا فاعتقلته السلطات"، رصيف22، raseef22.net

[14] "انخرطت فيها شبكات دولية.. تهريب الذهب تجارة محرمة"، الصباح نيوز، assabahnews.tn

[15] "تونس: مهربون يغسلون أموالهم عبر تجارة الذهب"، العربي الجديد، alaraby.co.uk

[16] "تفكيك شبكة لتهريب النحاس وتجميد حسابات شركة كبرى"، تونس الآن، tunisnow.tn

[17] "بالأرقام/ زلزال في عالم التهريب: حصيلة قياسية للديوانة"، webmanagercenter، ar.webmanagercenter.com

[18] "تشديد العقوبات على المهربين في تونس في خطوة لمكافحة التهريب"، أخبار شمال إفريقيا، nan.media

[19] "مراجعة العقوبات الديوانية المتعلقة بزجر التهريب"، قانون المالية 2025، jurisitetunisie.com

[20] "مجلس الجهات والأقاليم يقرّ تشديد العقوبات على جرائم التهريب"، Mosaique FM، mosaiquefm.net

الأربعاء، 17 يونيو 2026

نص الاتفاقية المزمع توقيعها بين ايران والولايات المتحدة الامريكية

 


متداول || نص اتفاق الـ14 نقطة بين طهران وواشنطن المزمع توقيعه بين يومين 


✔️تعلن جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة، مع حلفائهما في الحرب الحالية، بتوقيع مذكرة التفاهم هذه، إنهاءً فوريًا ودائمًا للحرب على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، وتتعهدان بعدم شن أي عمل عدائي ضد بعضهما البعض، والامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد أي منهما. وسيؤكد الاتفاق النهائي أحكام هذه المادة والمواد المتبقية.

✔️ تتعهد جمهورية إيران الإسلامية والولا٠يات المتحدة باحترام سيادة كل منهما وسلامة أراضيها، والامتناع عن التدخل في شؤونها الداخلية.

✔️ تتعهد جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة بالتفاوض والتوصل إلى اتفاق نهائي في غضون مدة أقصاها 60 يومًا، قابلة للتمديد بالتراضي.

 ✔️ فور توقيع مذكرة التفاهم هذه، ترفع الولايات المتحدة الحصار البحري وتمنع أي تدخل أو عرقلة ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتعيد حركة الملاحة البحرية إلى طاقتها الكاملة في غضون 30 يومًا كحد أقصى؛ على أن تكون حركة السفن متناسبة مع حجم حركة الملاحة قبل الحرب من جانب الجمهورية الإسلامية الإيرانية. كما تتعهد الولايات المتحدة بسحب قواتها من المناطق المحيطة في غضون 30 يومًا من تاريخ الاتفاق النهائي.

✔️ فور توقيع مذكرة التفاهم هذه، تتخذ الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الفور خطوات لضمان استئناف حركة السفن التجارية من الخليج العربي إلى بحر عُمان وبالعكس في غضون 30 يومًا إلى حجمها قبل الحرب، مع مراعاة ضرورة إزالة العوائق التقنية وتحييد الألغام من جانب إيران.

✔️تتعهد الولايات المتحدة، بالتعاون مع شركائها الإقليميين، بوضع خطة شاملة متفق عليها من الطرفين لإعادة تأهيل الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتنميتها الاقتصادية، مع ضمان تمويل لا يقل عن 300 مليار دولار أمريكي.  سيتم وضع آلية تنفيذ هذه الخطة، كجزء من الاتفاق النهائي، في غضون 60 يومًا.

✔️ تلتزم الولايات المتحدة بإنهاء جميع أنواع العقوبات المفروضة حاليًا على جمهورية إيران الإسلامية، وفقًا لجدول زمني يُتفق عليه كجزء من الاتفاق النهائي، بما في ذلك قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ومجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وجميع العقوبات الأمريكية الأحادية، سواءً كانت أساسية أو ثانوية.

✔️ تؤكد جمهورية إيران الإسلامية مجددًا أنها لن تنتج أسلحة نووية أبدًا. وقد اتفقت جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة على أن مصير المواد المخصبة ومصير جميع القضايا الأخرى المتفق عليها بشأن البرنامج النووي، بما في ذلك احتياجات إيران النووية، سيتم تناولها بشكل وافٍ في اتفاق نهائي؛ وسيؤكد الاتفاق النهائي أحكام هذه المادة.

✔️تتفق جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة، ريثما يتم التوصل إلى اتفاق نهائي، على الحفاظ على الوضع الراهن: ستحافظ إيران على الوضع الراهن لبرنامجها النووي، ولن تفرض الولايات المتحدة عقوبات جديدة على إيران أو تعزز قواتها في المنطقة.  ١٠- تتعهد الولايات المتحدة الأمريكية بأنه فور توقيع مذكرة التفاهم هذه، وحتى تاريخ رفع العقوبات، ستصدر وزارة الخزانة الأمريكية إعفاءات لصادرات النفط الخام الإيراني، والمنتجات البتروكيماوية ومشتقاتها، وجميع الخدمات ذات الصلة، بما في ذلك الخدمات المصرفية والتأمين والنقل وما شابهها.

✔️ تتعهد الولايات المتحدة الأمريكية، في ضوء التقدم المحرز في المفاوضات نحو التوصل إلى اتفاق نهائي، بالإفراج عن الأموال والأصول المجمدة أو المقيدة لجمهورية إيران الإسلامية وإتاحتها بالكامل. وستُستخدم هذه الأموال، سواء كانت مودعة في الحساب الرئيسي أو محولة، لأي دفعة نهائية للمستفيد يحددها البنك المركزي لجمهورية إيران الإسلامية، وستكون متاحة للاستخدام بالكامل. وتتعهد الولايات المتحدة بإصدار جميع التصاريح والتراخيص اللازمة على هذا الأساس.

✔️ تتفق جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة الأمريكية على إنشاء آلية تنفيذ للإشراف على التنفيذ الناجح للاتفاق النهائي والالتزام به مستقبلاً.

 ✔️ بعد توقيع مذكرة التفاهم هذه، وتلقي ضمانات بشأن بدء تنفيذ المواد ٤ و٥ و١٠ و١١ منها، واستمرار تنفيذ هذه الخطوات، ستدخل جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة في مفاوضات للتوصل إلى اتفاق نهائي يقتصر على المواد المتبقية.

✔️سيتم اعتماد الاتفاق النهائي بقرار ملزم من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

الثلاثاء، 16 يونيو 2026

الاتفاق الإيراني - الأمريكي: ملامح نظام إقليمي جديد وانكسار الهيمنة الأحادية ​بقلم: الناصر خشيني



​شهدت الساحة الدولية تحولاً استراتيجياً بارزاً بالإعلان عن ملامح الاتفاق (مذكرة التفاهم) بين إيران والولايات المتحدة لإيقاف جولة الصراع الأخيرة وإعادة ترتيب الأوراق في الشرق الأوسط. هذا الاتفاق لا يمثل مجرد تهدئة مؤقتة، بل يؤسس لواقع جيوسياسي جديد يُكرس صمود محور المقاومة ويضع حداً لقرن من الهيمنة الأحادية المطلقة في المنطقة.

​1. محور المقاومة وقبر حلم "إسرائيل الكبرى"

​أثبتت التطورات الأخيرة الميدانية والسياسية أن "محور المقاومة" نجح في فرض معادلة ردع غير مسبوقة. من أبرز نتائج هذا الصمود:

  • ​تراجع التمدد الصهيوني: تبددت الأوهام الإسرائيلية حول فرض خارطة جديدة للمنطقة أو التمدد جغرافياً، وتلقى مشروع "إسرائيل الكبرى" ضربة قاصمة وقُبر الحلم رسمياً تحت وطأة تماسك الجبهات.
  • ​بداية الانحسار: يعيش المشروع الصهيوني اليوم أزمة وجودية داخلية وخارجية، حيث كشفت الحرب حدود القوة العسكرية الإسرائيلية وعجزها عن حسم الصراع بدون غطاء أمريكي كامل.

​2. الزلزال السياسي والاجتماعي داخل الكيان الصهيوني

​النزول عند شروط الاتفاق وتراجع الغطاء الأمريكي المطلق فجّر الأوضاع داخل إسرائيل بشكل غير مسبوق، ويمكن رصد ملامح هذا الاندثار الداخلي في النقاط التالية:

  • ​تآكل العقيدة الأمنية: سقطت نظرية "الردع الحاسم" والحروب السريعة الخاطفة. وجد المجتمع الصهيوني نفسه لأول مرة تحت رحمة استنزاف طويل الأمد عجز الجيش عن إنهائه، مما أدى إلى فقدان الثقة بالمنظومتين العسكرية والسياسية.
  • ​الانقسام العمودي الحاد: تعيش إسرائيل هزة سياسية عنيفة بين تيار اليمين المتطرف الذي يرى في الاتفاق "استسلاماً ومذلة"، والتيارات الأخرى التي تطالب بإنقاذ ما يمكن إنقاذه. هذا الصراع يتعدى كونه سياسياً ليصبح انقساماً مجتمعياً واجتماعياً يهدد بتفكك النسيج الداخلي للكيان.
  • ​الهجرة العكسية والانهيار الاقتصادي: أدى استمرار التهديد إلى هجرة مئات الآلاف من المستوطنين (خاصة أصحاب الكفاءات ورؤوس الأموال) إلى الخارج دون رغبة في العودة، بالتوازي مع انهيار قطاعات التكنولوجيا الحيوية والاستثمارات الأجنبية، مما جعل الكيان عبئاً اقتصادياً وأمنياً حتى على حلفائه.

​3. صعود التعددية القطبية: الصين وروسيا كلاعبيْن أساسييْن

​لم يكن لهذا الاتفاق أن يرى النور بصيغته الحالية لولا الغطاء الدولي الذي وفرته القوى الصاعدة، وتحديداً روسيا والصين، اللتان استغلتا انكشاف العورات التكنولوجية والعسكرية لأمريكا لفرض نظام متعدد الأقطاب:

  • ​الدور الروسي الميداني والاستراتيجي: شكل التعاون العسكري والتكنولوجي بين موسكو وطهران جداراً مانعاً أمام الضغوط الغربية. نجاح روسيا في استنزاف الناتو في جبهات أخرى أعاق قدرة واشنطن على فتح حرب شاملة في الشرق الأوسط، ووفر لإيران عمقاً استراتيجياً في مجالات التسليح وتبادل الخبرات الدفاعية.
  • ​الدبلوماسية والاقتصاد الصيني: لعبت بكين دور المهندس المالي والسياسي عبر تأمين شريان الحياة الاقتصادي لإيران خلال فترة العقوبات، والآن يبرز التنين الصيني كضامن وشريك أساسي في "الصندوق الاستثماري الـ 300 مليار"، حيث تهدف الصين إلى ربط المنطقة بمشروع "الحزام والطريق" وتحويل الشرق الأوسط من بحيرة نفوذ أمريكية إلى منطقة تبادل حر ومتعددة الأقطاب.

​4. تراجع النفوذ الأمريكي وانكشاف العورة التكنولوجية

​على الجانب الآخر، تلوح في الأفق ملامح انحسار تاريخي للنفوذ الأمريكي في المنطقة:

  • ​تضرر القواعد العسكرية: تعرضت القواعد الأمريكية لضربات مستمرة هزت هيبتها الردعية، وفتحت الباب للتفكير الجدي في تقليص الوجود العسكري الأمريكي أو الخروج التدريجي تحت ضربات المقاومة.
  • ​انكشاف التكنولوجيا الدفاعية: عجزت المنظومات الدفاعية الغربية المتطورة عن تأمين حماية مطلقة أمام كثافة وتكتيكات المسيرات والصواريخ، مما أثبت عملياً أن التفوق التكنولوجي الغربي لم يعد مطلقاً.

​5. إيران المستفيد الأكبر: الصواريخ والاستثمار

​تخرج الجمهورية الإسلامية كأكبر الرابحين من هذه المواجهة بفضل أوراق القوة التي فرضتها على طاولة المفاوضات:

  • ​حصانة الترسانة العسكرية: بقيت القوة الصاروخية وسلاح المسيرات الإيراني خارج أي شروط للحد منهما، كأمر واقع لا يمكن تجاوزه.
  • ​السيطرة على مضيق هرمز: أكدت الأحداث أن الممر المائي الحيوي يخضع للإرادة الإيرانية، مما دفع واشنطن لطلب إعادة فتحه كأولوية لضمان تدفق الطاقة العالمي.
  • ​العوائد الاقتصادية والصندوق الاستثماري: يشمل الإطار الاقتصادي للاتفاق رفع التجميد عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية (بدءاً بـ 25 مليار دولار كخطوة أولى بالتزامن مع توقيع الاتفاق في سويسرا)، بالإضافة إلى الحوافز المرتبطة بـ صندوق استثماري ضخم تصل قيمته إلى 300 مليار دولار.
  • ​ملاحظة تحليلية: وفقاً لأحدث المعطيات، فإن هذا الصندوق (300 مليار) لن يُدار أو يُمول مباشرة من الخزانة الأمريكية، بل يمثل ضوءاً أخضر دولياً للشركات العملاقة (الروسية، الصينية، الأوروبية، والآسيوية) للاستثمار في البنية التحتية وقطاع الطاقة الإيراني فور رفع العقوبات تدريجياً، مما يعني دمج اقتصاد إيران بالنظام العالمي كقوة إقليمية معترف بها.


    ​6. الملف النووي: ترحيل المؤجل

    ​في خطوة تعكس ذكاء الدبلوماسية الإيرانية، تم الفصل بين وقف الحرب والملف النووي:

    • ​تثبيت الوضع الحالي: وافقت إيران على تجميد مستويات التخصيب الحالية دون التنازل عن بنيتها التحتية أو نقل يورانيوم للخارج خلال فترة الهدنة (60 يوماً).
    • ​التفاوض اللاحق: تُرِكت التفاصيل المعقدة للملف النووي لتبحث في جولات تفاوضية مستقبلية، مما يعطي طهران فرصة المناورة السياسية والاستفادة من المزايا الاقتصادية الفورية مع الحفاظ على قدراتها التكنولوجية النووية ككارت ضغط مستمر.

    ​خاتمة

    ​إن الاتفاق الإيراني الأمريكي يمثل اعترافاً أمريكياً صريحاً بفشل سياسة "الضغط الأقصى" وبعجز الآلة العسكرية الصهيونية التي بدأت مسار الانكماش والعد التنازلي بفعل أزماتها الداخلية. في المقابل، يتشكل عالم جديد متعدد الأقطاب تلعب فيه بكين وموسكو أدواراً قيادية، وتثبّت فيه طهران ومحورها مكانتهم كرقام صعب وقوة أساسية لا يمكن تجاوزها في صياغة مستقبل الشرق الأوسط.

 


السبت، 13 يونيو 2026

الاتفاق الأمريكي-الإيراني المحتمل: تفكيك "التفاهم الإجرائي" ومناورات حافة الهاوية في الشرق الأوسط بقلم: الناصر خشيني (كاتب ومحلل سياسي تونسي)

 



تعيش منطقة الشرق الأوسط على وقع تحول دبلوماسي متسارع بعد جولة من التصعيد العسكري العنيف كادت تعصف بالبنية التحتية الإقليمية. فبعد أسابيع من التهديد والوعيد والتلويح بضربة أمريكية وشيكة تستهدف المنشآت النفطية والحيوية الإيرانية، أطل علينا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليعلن بصورة دراماتيكية أن "اتفاقاً مبدئياً" قد تم التوصل إليه، وأن وثيقة التفاهم سيتم توقيعها يوم الأحد (14 يونيو 2026) [1.1.1، 1.1.5]. هذا التحول اللامتوقع يفرض علينا تفكيكاً عميقاً للخلفيات، والبنود المسربة، وحقيقة الأرقام المالية المتداولة، لمعرفة ما إذا كنا أمام سلام دائم أم مجرد "تأجيل" مواجهة حتمية في ظل اختلال موازين القوى الإقليمية.
أولاً: دبلوماسية "حافة الهاوية" والوساطة الإقليمية
لم يكن إعلان ترامب وليد رغبة أمريكية مفاجئة في السلام، بل جاء نتاج حسابات استراتيجية معقدة ومخاوف جادة من تداعيات إغلاق مضيق هرمز على الاقتصاد العالمي وخطوط إمداد الطاقة [1.1.4، 1.1.5]. لقد نجحت الوساطة الدبلوماسية المكثفة التي قادتها أطراف إقليمية (أبرزها قطر، باكستان، والإمارات) في نزع فتيل الانفجار الشامل [1.1.1، 1.1.2].
ومع ذلك، فإن هذا الاندفاع البراغماتي الأمريكي قوبل بـ "تحفظ حذر" في طهران؛ حيث تحرص القيادة الإيرانية على عدم إظهار التراجع، معتبرة أن أي اتفاق يجب ألا يمس خطوطها الحمراء المتعلقة بالسيادة الوطنية، وهو ما تجلى في تصريحات الخارجية الإيرانية التي حاولت التخفيف من حدة الاستعجال الأمريكي لتأكيد أن المفاوضات تجري من موقع الندية الإقليمية.
ثانياً: البُعد الجيوسياسي لثروات الطاقة والممرات المائية
لا يمكن قراءة هذا التراجع الأمريكي النسبي بمعزل عن "جيوسياسية النفط والغاز" وحرب الممرات المائية؛ فمضيق هرمز يمثل الشريان الأبهر للاقتصاد الرأسمالي العالمي، حيث يتدفق عبره نحو خمس الاستهلاك العالمي من النفط. إن أي مغامرة عسكرية أمريكية لتدمير المنشآت الإيرانية كانت ستقابل بحظر نفطي واقعي ورد متبادل يشل الملاحة في الخليج وباب المندب، مما يرفع أسعار برميل النفط إلى مستويات قياسية غير مسبوقة تضرب الأسواق الغربية في مقتل وتعمق أزمة التضخم العالمية. طهران تدرك جيداً وزن "سلاح الطاقة" وخطوط الإمداد كأوراق ضغط استراتيجية، ونجحت في استخدام جغرافيتها السياسية لفرض التراجع على إدارة ترامب التي ترفع شعار "أمريكا أولاً" وتخشى الانهيارات الاقتصادية الداخلية.
ثالثاً: فرية الـ 300 مليار دولار وسياق التعويضات
ارتبط الإعلان عن الاتفاق بضجيج إعلامي حول بند مالي ضخم يتحدث عن دفع الولايات المتحدة مبلغ 300 مليار دولار لإيران. ومن خلال القراءة المتأنية لمسارات التفاوض، يمكننا تفكيك هذا اللبس وفق الآتي:
  1. النفي الاستعراضي لترامب: سارع ترامب عبر منصته "تروث سوشيال" إلى نفي دفع أي أموال سائلة من خزينة واشنطن، محاولاً المزايدة على الإدارات الديمقراطية السابقة ومؤكداً أن عهد "الشيكات المفتوحة" قد ولى.
  2. أصل الرقم وسياق إعمار الحرب: إن مبلغ الـ 300 مليار دولار ورد في المسودات المسربة من الجانب الإيراني كـ "سقف تفاوضي" ومطالبة قانونية بالتعويض عن الأضرار الناجمة عن الحصار والعمليات العسكرية [1.1.6، 1.1.11].
  3. مخرج "الصندوق الدولي" والاستثمارات: القراءة الواقعية تشير إلى أن التسوية لن تشمل نقل أموال مباشرة، بل تتمحور حول تأسيس "صندوق استثماري دولي" لإعادة الإعمار، إلى جانب تسييل تدريجي للأصول الإيرانية المجمدة أصلاً في الخارج (والبدء بالإفراج عن 24 مليار دولار) لتوظيفها في ملفات إنسانية واقتصادية عبر قنوات وسيطة [1.1.10، 1.1.11].
رابعاً: قراءة في البنود الـ 14 المسربة (مذكرة التفاهم الإجرائية)
رغم محاولات الإدارة الأمريكية التشكيك في دقة التفاصيل المسربة لوسائل الإعلام الإيرانية، إلا أن الخطوط العريضة المنشورة تكشف عن ملامح "صفقة إجرائية موقتة" تهدف بالأساس إلى شراء الوقت (هدنة مدتها 60 يوماً) [1.1.1، 1.1.11]. ويمكن تبويب أهم هذه البنود المسربة في أربعة محاور دلالية:
  • المحور العسكري والأمني: وقف شامل لكافة العمليات القتالية على مختلف الجبهات (بما فيها الجبهة اللبنانية)، وإعادة فتح مضيق هرمز فورا للملاحة الدولية، مقابل رفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية خلال 30 يوماً [1.1.4، 1.1.5، 1.1.11].
  • محور السيادة والتموضع الإقليمي: تعهد الولايات المتحدة بالحد من تدخلها في الشؤون الداخلية الإيرانية وتخفيف الحشد العسكري المحيط بالبلاد، وهو ما تعتبره طهران اعترافاً ضمنياً بنفوذها.
  • المحور المالي والاقتصادي: تعليق العقوبات المفروضة على تصدير النفط والبتروكيماويات، والبدء بآلية الإفراج عن الأموال المجمدة على مراحل زمنية مرتبطة بمدى الالتزام بالاتفاق [1.1.5، 1.1.11].
  • الملف النووي وحظر الاستبعاد: الاتفاق أقر هدنة تفاوضية فنية لمدة 60 يوماً للتعامل مع معضلة اليورانيوم عالي التخصيب وآليات الرقابة، مع تأكيد إيران على سلمية برنامجها [1.1.1، 1.1.3]. واللافت هنا هو نجاح طهران في استبعاد برامجها الصاروخية الدفاعية وملفات حلفائها الإقليميين من جدول الأعمال الحالي، مما يعد انتصاراً تكتيكياً لمنطق المقاومة والممانعة الدبلوماسية.
خامساً: الموقف الصهيوني المأزوم ومحاولات التخريب
في المقابل، يتضح للمراقب حجم المأزق الذي يعيشه الكيان الصهيوني؛ حيث ينظر قادة الاحتلال إلى هذا التقارب الأمريكي-الإيراني المفاجئ باعتباره "طعنة في الظهر" وخروجاً عن سيناريو المواجهة الشاملة الذي طالما سعوا لجر واشنطن إليه لتدمير المشروع النووي الإيراني. إن حكومة الاحتلال، التي تجد نفسها اليوم معزولة وتواجه استنزافاً على جبهات متعددة، ترى في تجميد العقوبات النفطية الإيرانية والاعتراف بنفوذ طهران الإقليمي خطراً وجودياً يُنهي أسطورة "الردع الصهيوني". لذلك، تشير التقارير الأمنية إلى أن تل أبيب قد تلجأ خلال فترة الـ 60 يوماً القادمة إلى تنفيذ عمليات اغتيال نوعية، أو هجمات سيبرانية تخريبية داخل إيران، في محاولة يائسة لخلط الأوراق وإفشال توقيع الاتفاق النهائي.
خاتمة واستشراف
إن توقيع هذه المذكرة الإجرائية يوم الأحد لا يعني بأي حال من الأحوال نهاية الصراع الأمريكي-الإيراني، بل هو انتقال من المواجهة الخشنة إلى "المواجهة الناعمة" فوق طاولات التفاوض. إن الـ 60 يوماً القادمة ستكون محفوفة بالمخاطر؛ فالشيطان كامن في التفاصيل التقنية لتفكيك الترسانة النووية وبقايا الغبار الذري [1.1.3، 1.1.5]، فضلاً عن تحركات الكيان الصهيوني الساعية بكل ثقلها لإجهاض هذا المسار الاستراتيجي. ستبقى الأيام القادمة كفيلة بكشف مدى قدرة الأطراف على الالتزام بتعهداتها، في منطقة لا تحتمل مغامرات جديدة غير محسوبة العواقب.

الهوامش والمرجعيات:
  1. تقارير ومراسلات القنوات الدبلوماسية القطرية والباكستانية حول "الاتفاق المبدئي" لعام 2026، وكالة أكسيوس الإخبارية، يونيو 2026.
  2. مسودة مذكرة التفاهم المشتركة والبنود الـ 14 المسربة، نشرة وكالة "مهر" للأنباء (طهران)، يونيو 2026.
  3. دونالد ترامب، تصريحات وتدوينات على منصة "Truth Social" حول تفاصيل الاتفاق وإعادة إعمار إيران، واشنطن، يونيو 2026 [1.1.1، 1.1.10].
  4. عباس عراقجي (وزير الخارجية الإيراني)، مؤتمر صحفي حول الخطوط الحمراء الإيرانية ومستقبل العقوبات، طهران، يونيو 2026 [1.1.3، 1.1.4].
  5. تقرير مركز دراسات الطاقة الدولي (CIES) حول أمن الممرات المائية وجيوسياسية مضيق هرمز، لندن، مايو 2026.
  6. تقديرات الموقف الصادر عن معهد دراسات الأمن القومي الصهيوني (INSS) حول "الخيار العسكري المنفرد ضد إيران وعزلة تل أبيب"، حزيران/يونيو 2026.
  7. الناصر خشيني، التصعيد الأمريكي-الإيراني ومعضلة الشرق الأوسط، دراسة تحليلة منشورة، مركز الدراسات والبحاث، مايو/يونيو 2026 [1.2.3، 1.3.3].

سلسلة دعاة على ابواب جهنم :المتشدد عائض القرني.. سارق الكتاب وصانع الغلو بقلم الناصر خشيني

    يتصدر المشهد في قراءة تفكيكية لرموز الفكر الظلامي، الداعية السعودي عائض القرني؛ كنموذج صارخ يجمع بين الغلو الفكري والزيف الأخلاقي والقي...