التخطي إلى المحتوى الرئيسي

من "طوفان الأقصى" إلى الحرب على إيران: قراءة في تحولات الصراع في المنطقة بقلم الناصر خشيني - نابل، تونس

 



أولاً: لحظة السابع من أكتوبر ومساراتها
في السابع من أكتوبر 2023، نفّذت كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، عملية عسكرية واسعة أطلقت عليها اسم "طوفان الأقصى"، عبرت خلالها مجموعات مقاتلة الحدود مع مستوطنات غلاف غزة. وقد حدّدت قيادة حماس حينها أهداف العملية في جملة من النقاط: الرد على اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى والاعتداءات المتواصلة في الضفة الغربية، ورفع الحصار المفروض على غزة منذ سنوات، وإعادة القضية الفلسطينية إلى الواجهة الدولية بعد أن كادت تُطوى في ملفات التطبيع الإقليمي.
الحرب التي تلت العملية استمرت عامين كاملين، وخلّفت خسائر بشرية وعمرانية هائلة في قطاع غزة، ووثّقت هيئات أممية ما وصفته بجرائم إبادة جماعية بحق السكان المدنيين. وفي المقابل، فإن حصيلة العملية من الناحية العملية تبقى موضع جدل حتى بين المحللين المتعاطفين مع القضية الفلسطينية: فقد فشلت في "تفريغ السجون" الإسرائيلية كما كان معلناً، ولم تحقق سوى صفقتي تبادل محدودتين، بينما ارتفع عدد المعتقلين الفلسطينيين بشكل كبير نتيجة حملات الاعتقال الواسعة التي تلتها في الضفة الغربية والقدس وغزة.
بالمقابل، يُسجَّل للعملية أنها أعادت فرض القضية الفلسطينية على الأجندة الدولية، وأسهمت -بحسب كثير من المراقبين- في موجة اعترافات دولية متتالية بدولة فلسطين، دفعت إليها بالأساس الاحتجاجات الشعبية العالمية الرافضة للحرب على غزة أكثر مما دفعت إليها العملية نفسها.
ثانياً: اتفاق وقف إطلاق النار في غزة.. هدنة هشة
بعد عامين من الحرب، دخل اتفاق لوقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في العاشر من أكتوبر 2025، ضمن خطة رعتها الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب، شملت انسحاباً جزئياً إسرائيلياً، وتبادلاً للأسرى والرهائن، وتشكيل "مجلس سلام" لإدارة المرحلة الانتقالية في غزة، إلى جانب لجنة تكنوقراط فلسطينية من المفترض أن تتولى الشأن المدني في القطاع.
غير أن الوقائع الميدانية منذ ذلك الحين تكشف هشاشة هذا الاتفاق. فبعد ستة أشهر من دخوله حيّز التنفيذ، وثّقت مصادر طبية وحقوقية في غزة أكثر من ألفي خرق إسرائيلي للاتفاق، أسفرت عن مقتل مئات الفلسطينيين وإصابة آلاف آخرين، فضلاً عن استمرار سياسات تقييد دخول المساعدات والوقود ومواد إعادة الإعمار. كما أبقت إسرائيل على سيطرتها على ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، وهي مناطق واسعة داخل القطاع رفضت الانسحاب منها، معتبرة إياها "منطقة عازلة" أمنية، بينما ترى منظمات إنسانية دولية، من بينها أطباء بلا حدود، أن وقف إطلاق النار "الهش وغير الفعّال" لم ينه فعلياً حالة الحرب على السكان المدنيين.
ثالثاً: الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران
في فبراير 2026، وبعد أشهر من مفاوضات نووية غير مباشرة بين طهران وواشنطن لم تفضِ إلى نتيجة، شنّت إسرائيل والولايات المتحدة حرباً واسعة على إيران، بدأت بضربات جوية استهدفت مواقع في طهران ومدن إيرانية أخرى. طالبت واشنطن إيران بثلاثة شروط رئيسية: إنهاء دائم لتخصيب اليورانيوم، وقيود صارمة على برنامج الصواريخ الباليستية، ووقف كامل لدعم الجماعات الحليفة في المنطقة كحماس وحزب الله والحوثيين.
توسعت رقعة المواجهة لتشمل حزب الله في لبنان، الذي استأنف القتال مع إسرائيل بعد اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي خلال الحرب، معتبراً ذلك "عملاً دفاعياً" لإجبار إسرائيل على وقف عدوانها والانسحاب من الأراضي اللبنانية التي كانت لا تزال تحتلها رغم الهدنة السابقة.
وبعد أسابيع من التصعيد المتبادل، وتوقف مؤقت للمفاوضات إثر هجوم استهدف الضاحية الجنوبية لبيروت، تم توقيع مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران في 18 يونيو 2026، نصّت على وقف فوري ودائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات بما فيها لبنان، وإعادة فتح مضيق هرمز، ورفع الحصار البحري عن إيران. عُقدت لاحقاً محادثات رفيعة المستوى في منتجع بورغنستوك بسويسرا بمشاركة قطرية وباكستانية لبحث تفاصيل الاتفاق النهائي، وسط تصريحات متضاربة من الرئيس الأمريكي حول مدى التزامه بإطار الستين يوماً المتفق عليه، واستمرار الخلاف بين واشنطن وتل أبيب بخصوص الملف اللبناني، حيث واصلت إسرائيل ضرباتها هناك رغم نص مذكرة التفاهم.
رابعاً: ماذا تغيّر في المشهد الإقليمي؟
اتساع دائرة المواجهة: انتقل الصراع من كونه فلسطينياً-إسرائيلياً محصوراً إلى صراع إقليمي متعدد الأطراف يشمل إيران ولبنان واليمن، بما يعكس تشابك الملفات وصعوبة عزل أي جبهة عن الأخرى.
تراجع الأولوية الأمريكية لملف غزة: أفاد مسؤولون أمريكيون سابقون بأن انشغال واشنطن بالحرب الإيرانية أضعف متابعتها لتنفيذ اتفاق غزة، وتركّز اهتمامها بدلاً من ذلك على مسار نزع سلاح حماس والترتيبات الأمنية الإقليمية.
هشاشة الحلول المرحلية: سواء في غزة أو مع إيران، تكشف الوقائع أن التوقيع على اتفاقيات وقف إطلاق النار لا يعني بالضرورة توقف العمليات العسكرية الفعلية على الأرض، بل غالباً ما يستمر التصعيد ضمن هوامش تكتيكية.
دور الوساطات الإقليمية: برزت قطر وباكستان ومصر كوسطاء رئيسيين في الملفين، في وقت تراجع فيه الدور الأوروبي المباشر لصالح حضور أمريكي كثيف ومباشر في إدارة تفاصيل التفاوض.
خامساً: خلاصة
ما تكشفه هذه المحطات مجتمعة أن المنطقة تعيش حالة من عدم الاستقرار البنيوي، حيث تتوالى الحروب والهدنات دون أن تفضي إلى تسويات سياسية جذرية تعالج جوهر القضايا: الاحتلال، وحق الفلسطينيين في دولة مستقلة، والصراع على النفوذ الإقليمي بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى. الاتفاقيات الموقعة -سواء في غزة أو بين واشنطن وطهران- تبقى بمثابة هدن تكتيكية أكثر منها حلولاً استراتيجية، وما لم تُترجم بنودها الإنسانية والسياسية إلى واقع ملموس على الأرض، فإنها ستظل عرضة للانهيار في أي لحظة، تاركة السكان المدنيين -في غزة ولبنان وإيران على حد سواء- يدفعون الثمن الأكبر لصراعات لم يختاروها.

 




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...