التخطي إلى المحتوى الرئيسي

جنين.. قاطرة المقاومة وعاصمة الصمود الفلسطيني بقلم الناصر خشيني

 


لا يمكن ذكر مدينة جنين دون أن يتبادر إلى الأذهان العنفوان، والإباء، والفزعة التي لا تلين. جنين ليست مجرد نقطة على خريطة فلسطين الشمالية، بل هي قلعة نضالية استثنائية امتزج تاريخها الكنعاني القديم بالدم والشهادة، لتصبح عبر العصور الكابوس الأكبر لكل المحتلين، وعاصمة الصمود والتحدي في وجه آلة الحرب الصهيونية.
 التأسيس والعراقة التاريخية
تعتبر جنين من المدن الموغلة في القدم، ولها عمق تاريخي وجغرافي متميز:
  • الجذور الكنعانية: أسسها الكنعانيون في الألف الثاني قبل الميلاد، وعُرِفت تاريخياً باسم "عين جنيم" (وتعني عين الجنان أو البساتين)، نظراً لوفرة مياهها وينابيعها وخضرتها الدائمة.
  • الموقع الاستراتيجي: تقع المدينة على مرتع القوافل التجارية والعسكرية، حيث تربط بين مرج ابن عامر (أخصب أراضي فلسطين) وجبال نابلس، مما جعلها تاريخياً محط أنظار الغزاة وبوابة الدفاع عن عمق فلسطين.
 شواهد الحضارة والمعالم الأثرية
رغم ما تعرضت له من تدمير، تضم جنين ومحيطها معالم حضارية بارزة:
  • كنيسة برقين: رابع أقدم كنيسة في العالم، وتُعرف باسم كنيسة العشراء، حيث يُعتقد أن المسيح عليه السلام مرّ بها وشفى المقعدين العشرة، وهي شاهدة على تجذر المسيحية العربية في هذه الأرض.
  • نفق بلعمة الأثري: نفق مائي كنعاني منحوت في الصخر يُعد من أطول الأنفاق المائية الأثرية في العالم، واستُخدم قديماً لتأمين المياه للمدينة المحصنة أثناء الحصار.
  • الجامع الكبير (مسجد فاطمة خاتون): صرح معماري عثماني بارز بني في القرن السادس عشر على يد السيدة فاطمة خاتون، ويمتاز بقبته الضخمة ومئذنته الشامخة، ويمثل مركز الحركة الدينية والثقافية في المدينة القديمة.
  • مقبرة شهداء الجيش العراقي: تضم رفات الجنود العراقيين الأبطال الذين استُشهدوا عام 1948 على أرض جنين دفاعاً عن عروبتها، وهي وثيقة دم خالدة على اللحمة القومية.
 التاريخ النضالي: معقل الثورة والشهادة
ارتبط اسم جنين بالثورة منذ فجر الصراع العربي الصهيوني، وجسدت مفهوم المقاومة في أبهى صوره:
  • ثورة عز الدين القسام: في جبال وأحراش يعبد التابعة لجنين، أعلن الشيخ المجاهد عز الدين القسام ثورته المسلحة ضد الانتداب البريطاني والصهيونية، واستُشهد هناك عام 1935، لتصبح جنين منبع الكفاح المسلح.
  • معركة 1948: نجح أهالي جنين بالتعاون مع الجيش العراقي الباسل في دحر العصابات الصهيونية وتحرير المدينة بعد أن احتلوها لأيام، في ملحمة قومية خالدة.
  • ملحمة مخيم جنين وحاضرها المقاوم: في عام 2002، سطر مخيم جنين أسطورة صمود بطولية شهد لها العالم ضد الاجتياح الصهيوني. وظلت جنين ومخيمها وقراها (مثل قباطية وبارقين) حتى يومنا هذا، خزان الثورة المتدفق، وعاصمة "كتائب المقاومة" التي تقهر أعتى الترسانات العسكرية، مقدمةً قوافل من الشهداء الأبرار دون المساومة على ذرة تراب.
 الخاتمة
تبقى جنين شوكة حادة في حلق المشروع الصهيوني، وراية خفاقة تذكر الأمة بأن الحق المنتزع لا يُسترد إلا بالمقاومة. إن قلم ابن الأمة ينظر إلى جنين وفلسطين بكل فخر واعتزاز، مؤكداً أن هذه الحاضرة المناضلة ستبقى منارة للأحرار، وقاطرة للتحرير الكامل، حتى تندحر قوى البغي والاحتلال، وتعود فلسطين عربية من نهرها إلى بحرها

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...