قائمة المدونات الإلكترونية

الأحد، 12 يوليو 2026

​خنجر في خاصرة الأمة: المظلومية الوظيفية وانحراف البوصلة عند الإخوان ​بقلم: الناصر خشيني



​إن قراءة المسار التاريخي لحركة الإخوان المسلمين تكشف عن آليّة نسقية مبكرة في تزييف الوعي الجمعي، تقوم على إحلال "السيكولوجية العاطفية" محل القراءة العقلانية والسياسية الملتزمة بقضايا الأمة. لم تكن المظلومية مجرد نتاج عارض للاصطدام مع الدولة الوطنية، بل هي استراتيجية "هندسة أيديولوجية" مبرمجة ومقصودة، تهدف إلى الحفاظ على تماسك التنظيم الداخلي وتبرير التحول نحو العنف والإرهاب ضد المجتمع. وتبدأ هذه الهندسة بعزل الأتباع عن سياق حركة التحرر الوطني العربي؛ ففي اللحظة التي كان يخوض فيها الفكر القومي التقدمي معارك الوجود ضد الاستعمار التقليدي والأحلاف العسكرية، كان التنظيم يغذّي عناصره برواية مفادها أن الدولة الوطنية وجيشها الباسل هما "العدو القريب". من هنا، يتم تحويل كل إجراء قانوني أو أمني تتخذه الدولة لحماية أمنها القومي إلى "محنة دينية"؛ وصناعة "غيتو" نفساني يُعمي العضو عن رؤية الجريمة الإرهابية ليرى بدلاً منها "جهاداً في وجه الطغيان". إن هذه السلطة الأخلاقية المزيفة هي الغطاء الأيديولوجي الذي يُشرعن ضرب بنية المجتمع العربي من الداخل، وإشغال الدولة المعاصرة بمعارك استنزاف داخلية مجانية تخدم بالضرورة القوى المتربصة بالأمة.

​ومن هنا تبرز المفارقة الأكثر فجاجة وصدمة في مسيرة هذا التيار، وهي "انحراف بوصلة العداء"؛ فعلى مدار عقود من الصراع، لم تُوجَّه رصاصة واحدة من ترسانة هذا التنظيم نحو القوى الاستعمارية الكبرى، أو نحو قواعد الإمبريالية الغربية، أو في مواجهة الكيان الصهيوني المغتصب لأرض فلسطين. في المقابل، نجد أن كامل رصيدهم "الجهادي" والعملياتي جرى صبه وتوجيهه حصراً نحو الجيوش الوطنية العربية، والنخب الفكرية التقدمية، والمؤسسات التنموية والمجتمعات العربية والمسلمة. ومن منظور قومي تقدمي، لا يمكن تفسير هذا السلوك باعتباره خطأً في التقدير، بل هو تعبير عن عقيدة وظيفية جوهرها معاداة مشروع النهوض العربي. ففي حين كانت البندقية الوطنية والقومية تقاوم على خطوط المواجهة، كان الخنجر الإخواني يُطعن الدولة في الظهر عبر فتاوى التكفير والتفجير وعمليات التخريب تحت ذريعة "جاهلية المجتمع". لقد تحولت المجتمعات العربية لديهم إلى ساحة مفتوحة للاستباحة والقتل بدعوى تطبيق "الحاكمية"، بينما تحول العدو الصهيو-أمريكي في أدبياتهم وممارساتهم العملية إلى كيان مَهيب يُهادن، وتُبرر التوافقات معه تحت لافتة "المصالح والسياسة". إن توجيه السهام للداخل العربي حصراً هو الدليل القاطع على أن هذا الفكر يمثل قوة ارتداد تدميرية تمنع الأمة من تحقيق وحدتها واستقلالها الإستراتيجي.

​وراء هذا الستار الكثيف لشعارات "الجهاد"، تختبئ حقيقة سياسية شديدة السواد: علاقات غرف الظل والاتصالات المشبوهة مع الدوائر الاستعمارية الغربية التي بدأت منذ التأسيس ولم تنقطع. من التمويل البريطاني الأول لشركة قناة السويس في الإسماعيلية عام 1928، وصولاً إلى التنسيق مع المخابرات الأمريكية في الخمسينات والستينيات لضرب المد القومي التقدمي الناصري، يظهر التنظيم كأداة وظيفية مفضلة لدى الإمبريالية العالمية لتقسيم المقسم وتفتيت نسيج الأمة. إن هذه المهادنة والتحالف السري يكشفان أن القوى الاستعمارية والصهيونية هما في الحقيقة "أحباب الخفاء" لهذا الفكر. فالغرب الإمبريالي أدرك مبكراً أن الفكر القومي الجامع يمثل التهديد الحقيقي لمصالحه النفطية والإستراتيجية ولأمن ربيبته إسرائيل، ولذلك وجد في تنظيم الإخوان الحليف الموضوعي؛ فالتنظيم يفتت الهوية القومية لصالح هويات أممية هلامية، ويستبدل الصراع ضد المستعمر بالصراع ضد الحاكم والجيش العربي. لم يكن غريباً إذن أن تحتضن العواصم الغربية (كلندن وميونخ وواشنطن) قيادات التنظيم الهاربة، وتوفر لهم المنصات الإعلامية والدعم المالي والسياسي، ليتحول هؤلاء إلى أدوات ضغط وتخريب تُشْهَر في وجه الأنظمة الوطنية والتقدمية المتمسكة بالسيادة وبثروات الأمة والرافضة للتطبيع والتبعية.

​الهوامش والتوثيق الرقمي:

​ريتشارد ميتشل، كتاب "تاريخ الإخوان المسلمين" (The Society of the Muslim Brothers)، ترجمة عبد الفتاح الميرغني، ص 180-195: يوثق التكوين البنيوي للنظام الخاص (الجهاز السري المسلح) ودوره في تسييس فكرة الضحية لتبرير الاغتيالات السياسية داخلياً كقضيتي الخازندار والنقراشي.

​عبد الحليم قنديل، مؤلف "عبد الناصر والإخوان"، ص 45-60: تحليل نقدي من منظور قومي ناصري يوضح تفوق البوصلة الوطنية لعبد الناصر في مواجهة الاستعمار، مقابل ارتباك وانحراف بوصلة التنظيم نحو قمع الداخل وتكفير المجتمع.  

​مارك كيرتس، كتاب "الشؤون السرية: تواطؤ بريطانيا مع الإسلام الراديكالي" (Secret Affairs: Britain's Collusion with Radical Islam)، ص 72-98: يعتمد بالكامل على وثائق الخارجية البريطانية المفرج عنها، ويوثق الاتصالات السرية والتمويل والدعم الوظيفي الذي قدمته بريطانيا للتنظيم لضرب المد القومي العربي واليساري في الشرق الأوسط.

​إيان جونسون، كتاب "مسجد في ميونيخ" (A Mosque in Munich)، ص 115-140: يكشف بالوثائق التاريخية والأرقام كيف قامت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) خلال الحرب الباردة برعاية وتوظيف القيادات الإخوانية الهاربة لبناء شبكات نفوذ أيديولوجي تخدم المصالح الأمريكية وتواجه الأنظمة التحررية.

​الملف الرقمي للأرشيف الوطني البريطاني (The National Archives): ملف المراسلات الدبلوماسية السرية PRO FO 371/108502، حول لقاءات السفير البريطاني ومستشاريه مع قيادات الإخوان في القاهرة خلال عامي 1953 و1954، والذي يوضح طبيعة النقاشات لترتيب مرحلة ما بعد التخلص من الاتجاه القومي العروبي التحرري.

​وثيقة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) المنشورة إلكترونياً رقم: CIA-RDP80R01731R003000170003-9، وتتضمن تقريراً حول "التيارات الإسلامية في مصر" يؤكد فيه المحللون الأمريكيون أن عداء التنظيم الأساسي موجه للنظام القومي واليساري التقدمي وليس للغرب.


أيام من الكذب: زينب الغزالي وأسطورة "المظلومية النسوية" في خدمة الإرهاب ​بقلم: الناصر خشيني



​في هندسة البروباغندا الإخوانية، لا يقتصر بناء "الرمز الأسطوري" على الرجال؛ بل يتم جلب المرأة وتوظيفها لتأدية دور عاطفي محكم يستدر دموع الأتباع ويغسل جرائم التنظيم السرية. وإذا كان سيد قطب قد مُنح "رمزية المشنقة" للتغطية على تنظيره التكفيري، فإن زينب الغزالي قد صُنعت لها هالة "المجاهدة المعذبة" عبر كتابها الشهير "أيام من حياتي"، لتغطية مسار طويل من العمل السري المسلح والاعتداء الممنهج على أمن الدولة الوطنية.

​في القراءة السطحية التي يروّجها تنظيم الإخوان، تُقدَّم زينب الغزالي كضحية لاعتقالات عام 1965، وكرمز للصمود النسائي في وجه الدولة التقدمية. غير أن القراءة الوطنية والتقدمية تفكك هذه المسرحية العاطفية لتكشف حقيقة دورها: لم تكن الغزالي مجرد داعية أو صاحبة رأي، بل كانت بمثابة "الدينامو المالي واللوجيستي" والأب الروحي الحركي لإعادة بناء تنظيم 1965 المسلح.

​إن الحقائق التاريخية واعترافات قادة ذلك التنظيم السري تكشف بوضوح الآتي:

​حلقة الوصل والتمويل: كانت زينب الغزالي هي همزة الوصل الرئيسية بين سيد قطب داخل سجنه، وبين القواعد الشابة للتنظيم في الخارج. ومن خلال بيتها، كانت تُمرر الرسائل، وتُدار الأموال، وتُحاك خطط تسليح الخلايا التي كانت تستهدف تفجير القناطر، ومحطات الكهرباء، واغتيال القيادات الوطنية.

​تأسيس تيار العنف المستقبلي: لم يتوقف دورها عند تنظيم 65؛ بل إن التحقيقات وشهادات رفاقها أكدت تورطها اللاحق في دعم وتوجيه تنظيمات العنف والتكفير التي خرجت من عباءتها، مثل التنسيق مع صالح سرية وقادة عملية "الفنية العسكرية" عام 1974 للاعتداء على الجيش المصري ومؤسسات الدولة.

​استغلال المرأة في العمل السري: وظفت الجماعة زينب الغزالي وشقيقات سيد قطب (مثل حميدة وأمينة) لنقل أدبيات التكفير (مثل كتاب "معالم في الطريق") وتجنيد الخلايا، في استغلال رخيص وممنهج للمرأة لخدمة أجندة تدميرية ترفض في الأصل الاعتراف بالحقوق المدنية والتقدمية للمرأة نفسها.

​لقد صاغت زينب الغزالي في كتابها روايات تعذيب أسطورية وخيالية (كشفت التحقيقات والشهادات التاريخية زيفها ومبالغاتها الفجة)، ليس لتوثيق الحقيقة، بل لصناعة مظلومية مقدسة تحجب الرؤية عن الجريمة الأصلية. فالهدف من هذه السردية العاطفية هو جعل القارئ يتعاطف مع "الضحية المفترضة" وينسى تماماً أن هذه "الضحية" كانت تدير بيوتاً آمنة لإخفاء السلاح والمتفجرات وتخطط لنسف استقرار المجتمع وإسقاط الدولة لصالح وهم "التمكين والحاكمية".

​إن الفكر القومي والتقدمي يرى في هذه الممارسات دليلاً دامغاً على تهافت المشروع الإخواني؛ فهو مشروع لا يتورع عن استخدام الدين، وعواطف الناس، وتوظيف النساء، لضرب صمام أمان الشعوب وهو الدولة الوطنية. إن كشف حقيقة زينب الغزالي هو نزع لآخر أقنعة المظلومية التي يتستر خلفها تنظيم وظّف العنف والتفجيرات كأدوات ثابتة في عقيدته السياسية.

مشنقة سيد قطب: كيف تُصنع أسطورة "المظلومية" للتغطية على الإرهاب؟ ​بقلم: الناصر خشيني



​ليست المشنقة في التاريخ السياسي مجرد أداة عقاب، بل كثيراً ما تحاول التنظيمات الأيديولوجية تحويلها إلى آلة رمزية، تعيد تشكيل الوعي الجمعي، وتمنح المهزوم سلطة أخلاقية مزيفة تتجاوز لحظة السقوط نفسها. هكذا جرى التعامل مع إعدام سيد قطب سنة 1966، حيث عُزل الحدث عمداً عن سياقه الجنائي والوطني، ليُفتح على مصراعيه داخل الذاكرة الإخوانية الحركية كـ "مظلومية تأسيسية" تخفي وراءها حقيقة المخطط الدموي.
​في البروباغندا الإخوانية البسيطة، يُقدَّم الإعدام بوصفه ذروة الظلم الناصري واستبداد الدولة. غير أن القراءة التقدمية والقومية الأعمق تكشف أن هذه اللحظة جرى انتزاعها عمداً من سياقها الحقيقي، وإعادة إنتاجها كرمز مقدّس يُراد منه إغلاق ملف إدانة التنظيم، والتغطية على حقيقة صادمة يتناساها الكثيرون: أن هذا الإعدام جاء بعد كشف مخطط إرهابي كامل الأركان كان يستهدف تفجير ركائز الدولة الوطنية والاعتداء على أمنها وسيادتها.
​منذ الأيام الأولى بعد الإعدام، بدأت تتشكّل رواية واحدة، شبه رسمية داخل التنظيمات: رواية الثبات، والابتسامة، والانتصار الأخلاقي. لا تعدد في الزوايا، ولا نقاش في الوقائع. وهذا أول مؤشر على الانتقال من الحدث الجنائي والتاريخي إلى النص الأسطوري، لتعطيل العقول عن السؤال الجوهري: ماذا كان يفعل تنظيم 1965 السري؟ ولماذا كانت مخازن السلاح والمتفجرات تُعد لاستهداف المنشآت الحيوية وقادة الدولة؟
​في هذه النقطة تحديداً، أخرج الفكر الإخواني هذا الإعدام من كونه نهاية قانونية مستحقة لصراع أمني وعنيف أشعله التنظيم، ليدخله مجال “التقديس الرمزي”. لم يعد سيد قطب متهماً بالتنظير لتفجير الدولة والمجتمع، بل أصبح شهيد فكرة، وكل فكرة للشهيد تكتسب -في عرفهم- حصانة تلقائية من النقد أو المساءلة.
​الخطير في هذه العملية ليس مجرد التعاطف، بل إلغاء المسافة بين الفكر التدميري والرمز. فحين يتحوّل صاحب الفكر التكفيري إلى أيقونة، تُجمَّد نصوصه الاستئصالية، وتُرفع فوق التاريخ، وكأنها وحي سياسي عابر للقوانين والدول.
​لقد كُتبت أفكار قطب الأكثر خطورة تحت شعار "المفاصلة وعزلة المجتمع"، ونتج عنها تنظيم سري مسلح لم يكن يرى في الدولة الوطنية إلا "جاهلية" يجب تقويضها بالتفجيرات والاغتيالات. وهنا يبرز التناقض الصارخ: كيف يُطلب من الدولة التقدمية أن تقف عاجزة أمام تنظيم يخطط لنسف كيانها من الداخل، ثم يُتباكى على القانون حين يُطبق العدل؟
​غير أن الأسطورة الإخوانية لا تحب هذه الحقائق. فهي تحتاج إلى يقين صافٍ، وإلى نهاية مأساوية تُغلق باب المراجعة، لكي لا يُساءل أحد مفاهيم مثل “الحاكمية” أو “تكفير المجتمع”، أو يُحاسب التنظيم على توظيفه الفظيع للعنف والقتل.
​هنا بالضبط، بدأت المشنقة تؤدي وظيفتها الأخطر في الأدبيات الحركية: منح الفكر الإرهابي سلطة الدم. وباسم هذا الدم، جرى تعليق العقل، وتأجيل السياسة، وتحويل الاعتداء على أمن الدولة من جريمة إرهابية موصوفة إلى اصطفاف مطلق وانقسام وجودي بين "إيمان وكفر".
​إن الإعدام القانوني المبرر لحماية الوطن لا يحوّل الأفكار التكفيرية إلى حقائق، ولا يمنح التنظيم صك براءة. فالقضاء أدان تنظيماً خطط للتفجير والقتل والاعتداء على السيادة الوطنية، ولم يكن الأمر مجرد خصومة فكرية. الفرق اليوم يكمن في ضرورة كشف هذا التزييف، وإعادة الاعتبار للدولة الوطنية في مواجهة مشروع إخواني وظّف المظلومية لصناعة السرديات، بينما كانت يداه تخطط لتدمير الوطن.

​خنجر في خاصرة الأمة: المظلومية الوظيفية وانحراف البوصلة عند الإخوان ​بقلم: الناصر خشيني

​إن قراءة المسار التاريخي لحركة الإخوان المسلمين تكشف عن آليّة نسقية مبكرة في تزييف الوعي الجمعي، تقوم على إحلال "السيكولوجية العاطفية...