التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من يوليو 12, 2026

العلاقات العربية الإسبانية: بين الإرث الأندلسي والبراغماتية الاستعمارية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​أولاً: الموقف من القضية الفلسطينية (بين الوجدان التاريخي والتحول الدبلوماسي) ​تميزت السياسة الخارجية الإسبانية تاريخياً بنوع من "الخصوصية الاستثنائية" تجاه الصراع العربي الصهيوني؛ وتجلى ذلك في تأخر مدريد الطويل في الاعتراف بالكيان الصهيوني حتى عام 1986 [1]. ويعود هذا التمايز جزئياً إلى محاولة إسبانيا – لا سيما في عهد نظام فرانكو – كسر العزلة الدولية المفروضة عليها عبر البوابة الدبلوماسية العربية، مستغلةً "الإرث الأندلسي المشترك" كجسر عاطفي وثقافي لتسويق نفسها كصديق تاريخي للعرب. ​وفي السنوات الأخيرة، وتتويجاً لهذا المسار الاستقلالي النسبي داخل الاتحاد الأوروبي، اتخذت مدريد مواقف متقدمة تمثلت في الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين في ماي 2024 [2]، مدفوعةً بضغط حثيث من القوى التقدمية في الحكومة والشارع الإسباني الذي شهد مسيرات تضامنية غير مسبوقة. ومع ذلك، يرى التحليل التقدمي والنقدي أن هذا الموقف، رغم أبعاده الرمزية الإيجابية ودعمه للحق الفلسطيني في المحافل الدولية، يصطدم بسقف الموقف الأوروبي العام الملتزم بالخطوط الحمر الأمريكية، ولا يصل إلى حد اتخاذ إجراءات عقابية صارمة...

الإقليمية والتطبيع... وجهان لمشروع تفكيك الأمة بقلم: الناصر خشيني

مدخل حين نتأمل خارطة الوطن العربي الممزقة إلى اثنتين وعشرين دويلة، لا نقف أمام تنوع طبيعي في أشكال الحكم، بل أمام جريمة تاريخية مكتملة الأركان، صيغت بنودها في اتفاقية سايكس-بيكو، وأُحكم تنفيذها عبر أنظمة وُلدت من رحم الاستعمار وترعرعت في كنف الرضا الغربي. الإقليمية ليست ظاهرة سياسية بريئة، ولا هي تعبير عن "خصوصيات" وطنية كما يروّج دعاتها؛ إنها، في جوهرها، الوظيفة التي يقوم بها كل نظام عربي قطري، وهي ذاتها الوظيفة التي يقوم بها الكيان الصهيوني: اقتطاع جزء من الجسد العربي الواحد، وتسييجه بحدود مصطنعة، ومنع الأمة من استعادة وحدتها الطبيعية. أولاً: الإقليمية كأداة سياسية للتفتيت الحدود التي تُرسم اليوم على الخرائط لم تُرسم لحماية الشعوب، بل لحماية الأنظمة من شعوبها ومن محيطها العربي في آن واحد. كل "دولة قطرية" أنشأت جهازاً أمنياً ضخماً، لا لحراسة حدود خارجية حقيقية، بل لضبط الحدود الداخلية بين الوطن العربي ونفسه. هذه الأنظمة، التي وصل أغلبها إلى الحكم برضا غربي أو بتواطؤ معه، حوّلت السيادة إلى قناع تُمارس تحته الوصاية الأجنبية، فيما يُلهى الشعب بشعارات "الاستقلال ا...

محمد عابد الجابري.. ونقد العقل العربي في سبيل النهضة التقدمية بقلم: الناصر خشيني

  يمثل المفكر والمشرح الفلسفي المغربي محمد عابد الجابري (1935-2010) أحد أهم أعمدة الفكر القومي التقدمي المعاصر؛ إذ أحدث ثورة ابستمولوجية في كيفية تعاملنا مع التراث العربي الإسلامي [1] . لم يكن الجابري يرى في القومية مجرد شعار عاطفي، بل مشروعاً تاريخياً ومستقبلياً يتطلب "ثورة ثقافية داخلية" تعيد بناء العقل العربي، وتخلصه من آليات الركود، لتمكينه من الانخراط في الحداثة من موقع الفاعل والأصيل [2] . النشأة والتكوين: من النضال الحزبي إلى التأسيس المعرفي ولد الجابري عام 1935 في مدينة فكيك بالشرق المغربي. عايش في شبابه معارك الاستقلال، وانخرط مبكراً في صفوف الحركة الوطنية المغربية وتحديداً في "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" (ثم الاتحاد الاشتراكي) ذي التوجه التقدمي والعروبي [3] . حصل على الدبلوم العالي في الفلسفة ثم الدكتوراه من جامعة محمد الخامس بالرباط، ليتحول من النضال الحزبي المباشر إلى نضال فكري أكثر عمقاً، مدفوعاً بوعي حاد بأن أزمة العمل السياسي العربي ناتجة بالأساس عن أزمة في بنية العقل نفسه [4] . مشروع "نقد العقل العربي": تفكيك البنية التراثية يعد مشروع ...

مالك بن نبي.. فيلسوف الحضارة ومشرح شروط النهضة العربية بقلم: الناصر خشيني

       في سياق الفكر التقدمي الباحث عن شروط الانعتاق الحقيقي للأمة العربية ومواجهة رواسب الاستعمار، يبرز المفكر الجزائري مالك بن نبي (1905-1973) كواحد من أعمق فلاسفة الحضارة في القرن العشرين [1] . لم يكن بن نبي مجرد منظر ديني، بل كان عالم اجتماع ومفكراً استراتيجياً انشغل بتشريح أسباب الأفول الحضاري، مقدماً رؤية تقدمية تربط التحرر السياسي والوطني بالتحرر النفسي والفكري للأمة [2] . النشأة والمسار المعرفي: بين القصبة وباريس ولد مالك بن نبي عام 1905 في قسنطينة بالشرق الجزائري، ونشأ في بيئة عانت من وطأة الاستعمار الاستيطاني الفرنسي ومحاولاته الدؤوبة لطمس الهوية العربية [3] . سافر إلى فرنسا لمتابعة دراسته، ورغم رغبته في دراسة الحقوق والشرق ليفهم واقع أمته، إلا أن التضييق الاستعماري دفعه إلى دراسة الهندسة الكهربائية، مما منحه عقلاً منظماً يميل إلى التحليل الرياضي والبنيوي لظواهر المجتمع [4] . في باريس، عايش بن نبي عن قرب أزمة الحضارة الغربية وازدواجية معاييرها، وتفاعل مع الحركات الطلابيّة والمغاربية، وبدأ في صياغة مشروعه الفكري المتمحور حول سؤال جوهري: لماذا تخلف المس...

العربي بن مهيدي: حكيم الثورة ومهندس الاستراتيجية التقدمية للتحرر العربي بقلم: الناصر خشيني

     إن قراءة تاريخ الثورة التحريرية الجزائرية من منظور قومي تقدمي تفرض علينا التوقف طويلاً أمام العبقرية التنظيمية والفكرية للشهيد العربي بن مهيدي . فلم يكن بن مهيدي مجرد قائد عسكري عابر، بل كان طليعة ثورية واعية، ومفكراً استراتيجياً صاغ مع رفاقه فلسفة التحرر الشامل، واضعاً المصلحة العليا للجماهير الشعبية فوق كل اعتبار حزبي أو ضيق، ليتحول إلى أيقونة كونية في التضحية والصلابة الفكرية. النشأة والتكوين: الوعي المبكر وجذور الانتماء ولد العربي بن مهيدي عام 1923 في دوار الكواهي بضواحي عين مليلة (شرق الجزائر)، لأسرة فلاحية متمسكة بهويتها العربية الإسلامية في مواجهة سياسات الطمس الاستعماري. تلقى تعليمه الابتدائي في مسقط رأسه، ثم انتقل إلى باتنة وقسنطينة لمتابعة دراسته. في قسنطينة، تفتح وعيه القومي والسياسي عبر الانخراط في "الكشافة الإسلامية الجزائرية"، التي كانت بمثابة المدرسة الأولى لتخريج الطلائع الثورية وتعميق أواصر الانتماء المغاربي والعربي. ومنذ شبابه الباكر، تميز بن مهيدي بهدوء رصين، وثقافة واسعة، وقدرة فائقة على التحليل السياسي، مما جعل رفاقه يلقبونه لاحقاً بـ "الحكيم...

إبراهيم الحمدي: شهيد المشروع التحديثي ورائد الدولة القومية المستقلة بقلم: الناصر خشيني ضمن سلسلة أعلام الأمة

  إن قراءة تاريخ اليمن المعاصر من منظور قومي تقدمي تفرض علينا التوقف ملياً أمام تجربة الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي. فهذا الرجل لم يكن مجرد ضابط عسكري قاد انقلاباً تقليدياً، بل كان مثقفاً ومناضلاً طليعياً استلهم مبادئ الثورة الناصرية ليقود ثورة بيضاء غيرت وجه اليمن. لقد سعى الحمدي لبناء دولة النظام والقانون، وتحرير القرار الوطني من الهيمنة الرجعية الإقليمية والدولية [1، 2]. أولاً: حركة يونيو التصحيحية.. مخاض الانتقال من الفوضى إلى الدولة تولى إبراهيم الحمدي السلطة في 13 يونيو 1974 عبر حركة تصحيحية سلمية، جاءت لإنقاذ اليمن من أزمة خانقة هددت كيانه الوطني [1، 2]. وفق المنهج التحليلي، أدرك الحمدي أن بقاء اليمن أسيراً للولاءات القبلية المموَلة من الخارج يحرم الشعب من طاقته التحريرية، ويجعل من استقلال البلاد مجرد شعار أجوف [1، 2]. قاد الحمدي معركة شرسة لتفكيك دولة "المراكز القبلية" والإقطاعية عبر تجميد "مجلس الشورى" الذي كان يسيطر عليه شيوخ القبائل، وإلغاء "وزارة شؤون القبائل". حوّل الحمدي بوصلة الدولة نحو الفئات الشعبية الكادحة، فأسس "هيئات التطوير التعاون...

أحمد بن بلة: من الخندق التحريري إلى الريادة القومية الاشتراكية بقلم: الناصر خشيني ضمن سلسلة أعلام الأمة

    إن قراءة مسار الثورة الجزائرية من منظور قومي تقدمي تلزمنا بالوقوف عند الشخصيات الكاريزمية التي لم تكتفِ بقيادة الكفاح المسلح، بل صاغت للثورة هويتها الأيديولوجية وأبعادها الأممية. يبرز أحمد بن بلة كعنوان للمناضل الصلب الذي جسد تلاحم الهوية العربية الرافضة للاستعمار مع التوجهات الاشتراكية الساعية للعدالة الاجتماعية، مشكّلاً حلقة وصل متينة بين ثورة الأول من نوفمبر والمد القومي العروبي. أولاً: تشكّل الوعي الثوري ومرحلة التنظيم الطليعي لم يكن وعي بن بلة وليد صدفة تاريخية، بل كان نتاجاً لمعاينة مباشرة لبنية القهر الكولونيالي الفرنسي. إن انخراطه المبكر في "حزب الشعب الجزائري" ثم "حركة انتصار الحريات الديمقراطية"، قاده لتأسيس "المنظمة الخاصة" عام 1947، والتي كانت بمثابة الجناح العسكري السري الطليعي لضرب الوجود الاستعماري [1]. وفق المنهج التحليلي، أدرك بن بلة مبكراً أن العمل السياسي السلمي المنضبط تحت سقف القوانين الفرنسية قد وصل إلى أفق مسدود. هذا الخيار الاستراتيجي أثمر لاحقاً، بعد فراره من سجن البليدة ورحلته إلى القاهرة، عن تأسيس "جبهة التحرير الوطني...

ليلى خالد: السنديانة التحررية وأيقونة الكفاح المسلح العابر للحدود بقلم: الناصر خشيني (ضمن سلسلة أعلام الأمة  )

  أولاً: جدلية اللجوء والمقاومة.. مخاض الوعي الثوري لم تولد ليلى خالد في غرف السياسة الفارهة، بل ولدت في عكا/حيفا وعاشت طفولة اقتلعت فيها من برتقال حيفا وجذورها التاريخية عام 1948. هذا الاغتصاب المادي للأرض شكّل صدمة وجودية مبكرة تعمقت في مخيمات صيدا بلبنان.  وفق المنهج التحليلي، فإن انخراطها المبكر وهي في الخامسة عشرة من عمرها في "حركة القوميين العرب" لم يكن ترفاً حزبياً، بل كان استجابة حتمية لحاجة الأمة لاسترداد ذاتها الحضارية. ومع ولادة "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" بقيادة الحكيم جورج حبش، تحوّل هذا الوعي النظري إلى ممارسة كفاحية ملتزمة بأيديولوجيا يسارية تقدمية تدرك أن تحرير فلسطين يمر حتماً عبر تفكيك المنظومة الإمبريالية العالمية الداعمة للكيان الصهيوني.  ثانياً: بؤرة الصدمة الثورية.. أبعاد وأهداف اختطاف الطائرات حينما نفذت ليلى خالد، كأول امرأة في التاريخ، عملية اختطاف طائرة الركاب الأمريكية (TWA) عام 1969، ثم محاولة اختطاف طائرة "العال" الإسرائيلية عام 1970، لم يكن الهدف ممارسة العنف الارتجالي أو الإرهاب بالمفهوم الغربي المضلل. إن تفكيك المقاصد الس...

جميلة بوحيرد: أيقونة الثورة الجزائرية ومنارة التحرر القومي العربي بقلم: الناصر خشيني

  تظل الثورة التحريرية الجزائرية (1954-1962) واحدة من أعظم الملاحم الإنسانية في التاريخ الحديث؛ إذ لم تكن مجرد كفاح مسلح لطرد مستعمر استيطاني، بل كانت مدرسة لبعث الهوية العربية وتكريس الفكر التقدمي الرافض لجميع أشكال العبودية والاضطهاد [1] . وفي قلب هذه الملحمة، تلألأ اسم جميلة بوحيرد كرمز خالد للمرأة العربية المقاوِمة، وأيقونة ألهمت حركات التحرر في الوطن العربي والعالم أجمع [2] .                النشأة والتكوين: جذور الرفض.                 ولدت جميلة بوحيرد عام 1935 في حي القصبة العتيق بالعاصمة الجزائر، لأب جزائري مثقف وأم تونسية، مما منحها عمقاً مغاربياً وقومياً مبكراً [3] . وفي بيئة طغت عليها محاولات "الفرنسة" الممنهجة، تلقت تعليمها في المدارس الاستعمارية التي كانت تجبر التلاميذ على ترديد نشيد "فرنسا أمنا" [4] . وهنا تجلت بوادر التمرد التقدمي لدى الفتاة الصغيرة؛ إذ كانت تصرخ في الطابور المدرسي: "الجزائر أمنا" ، متحديةً بطش الإدارة الاستعمارية [5] . غرس والدها فيها حب الأرض والدفاع عن الكرامة، و...