إن قراءة المسار التاريخي لحركة الإخوان المسلمين تكشف عن آليّة نسقية مبكرة في تزييف الوعي الجمعي، تقوم على إحلال "السيكولوجية العاطفية" محل القراءة العقلانية والسياسية الملتزمة بقضايا الأمة. لم تكن المظلومية مجرد نتاج عارض للاصطدام مع الدولة الوطنية، بل هي استراتيجية "هندسة أيديولوجية" مبرمجة ومقصودة، تهدف إلى الحفاظ على تماسك التنظيم الداخلي وتبرير التحول نحو العنف والإرهاب ضد المجتمع. وتبدأ هذه الهندسة بعزل الأتباع عن سياق حركة التحرر الوطني العربي؛ ففي اللحظة التي كان يخوض فيها الفكر القومي التقدمي معارك الوجود ضد الاستعمار التقليدي والأحلاف العسكرية، كان التنظيم يغذّي عناصره برواية مفادها أن الدولة الوطنية وجيشها الباسل هما "العدو القريب". من هنا، يتم تحويل كل إجراء قانوني أو أمني تتخذه الدولة لحماية أمنها القومي إلى "محنة دينية"؛ وصناعة "غيتو" نفساني يُعمي العضو عن رؤية الجريمة الإرهابية ليرى بدلاً منها "جهاداً في وجه الطغيان". إن هذه السلطة الأخلاقية المزيفة هي الغطاء الأيديولوجي الذي يُشرعن ضرب بنية المجتمع العربي من الداخل، وإشغال الدولة المعاصرة بمعارك استنزاف داخلية مجانية تخدم بالضرورة القوى المتربصة بالأمة.
ومن هنا تبرز المفارقة الأكثر فجاجة وصدمة في مسيرة هذا التيار، وهي "انحراف بوصلة العداء"؛ فعلى مدار عقود من الصراع، لم تُوجَّه رصاصة واحدة من ترسانة هذا التنظيم نحو القوى الاستعمارية الكبرى، أو نحو قواعد الإمبريالية الغربية، أو في مواجهة الكيان الصهيوني المغتصب لأرض فلسطين. في المقابل، نجد أن كامل رصيدهم "الجهادي" والعملياتي جرى صبه وتوجيهه حصراً نحو الجيوش الوطنية العربية، والنخب الفكرية التقدمية، والمؤسسات التنموية والمجتمعات العربية والمسلمة. ومن منظور قومي تقدمي، لا يمكن تفسير هذا السلوك باعتباره خطأً في التقدير، بل هو تعبير عن عقيدة وظيفية جوهرها معاداة مشروع النهوض العربي. ففي حين كانت البندقية الوطنية والقومية تقاوم على خطوط المواجهة، كان الخنجر الإخواني يُطعن الدولة في الظهر عبر فتاوى التكفير والتفجير وعمليات التخريب تحت ذريعة "جاهلية المجتمع". لقد تحولت المجتمعات العربية لديهم إلى ساحة مفتوحة للاستباحة والقتل بدعوى تطبيق "الحاكمية"، بينما تحول العدو الصهيو-أمريكي في أدبياتهم وممارساتهم العملية إلى كيان مَهيب يُهادن، وتُبرر التوافقات معه تحت لافتة "المصالح والسياسة". إن توجيه السهام للداخل العربي حصراً هو الدليل القاطع على أن هذا الفكر يمثل قوة ارتداد تدميرية تمنع الأمة من تحقيق وحدتها واستقلالها الإستراتيجي.
وراء هذا الستار الكثيف لشعارات "الجهاد"، تختبئ حقيقة سياسية شديدة السواد: علاقات غرف الظل والاتصالات المشبوهة مع الدوائر الاستعمارية الغربية التي بدأت منذ التأسيس ولم تنقطع. من التمويل البريطاني الأول لشركة قناة السويس في الإسماعيلية عام 1928، وصولاً إلى التنسيق مع المخابرات الأمريكية في الخمسينات والستينيات لضرب المد القومي التقدمي الناصري، يظهر التنظيم كأداة وظيفية مفضلة لدى الإمبريالية العالمية لتقسيم المقسم وتفتيت نسيج الأمة. إن هذه المهادنة والتحالف السري يكشفان أن القوى الاستعمارية والصهيونية هما في الحقيقة "أحباب الخفاء" لهذا الفكر. فالغرب الإمبريالي أدرك مبكراً أن الفكر القومي الجامع يمثل التهديد الحقيقي لمصالحه النفطية والإستراتيجية ولأمن ربيبته إسرائيل، ولذلك وجد في تنظيم الإخوان الحليف الموضوعي؛ فالتنظيم يفتت الهوية القومية لصالح هويات أممية هلامية، ويستبدل الصراع ضد المستعمر بالصراع ضد الحاكم والجيش العربي. لم يكن غريباً إذن أن تحتضن العواصم الغربية (كلندن وميونخ وواشنطن) قيادات التنظيم الهاربة، وتوفر لهم المنصات الإعلامية والدعم المالي والسياسي، ليتحول هؤلاء إلى أدوات ضغط وتخريب تُشْهَر في وجه الأنظمة الوطنية والتقدمية المتمسكة بالسيادة وبثروات الأمة والرافضة للتطبيع والتبعية.
الهوامش والتوثيق الرقمي:
ريتشارد ميتشل، كتاب "تاريخ الإخوان المسلمين" (The Society of the Muslim Brothers)، ترجمة عبد الفتاح الميرغني، ص 180-195: يوثق التكوين البنيوي للنظام الخاص (الجهاز السري المسلح) ودوره في تسييس فكرة الضحية لتبرير الاغتيالات السياسية داخلياً كقضيتي الخازندار والنقراشي.
عبد الحليم قنديل، مؤلف "عبد الناصر والإخوان"، ص 45-60: تحليل نقدي من منظور قومي ناصري يوضح تفوق البوصلة الوطنية لعبد الناصر في مواجهة الاستعمار، مقابل ارتباك وانحراف بوصلة التنظيم نحو قمع الداخل وتكفير المجتمع.
مارك كيرتس، كتاب "الشؤون السرية: تواطؤ بريطانيا مع الإسلام الراديكالي" (Secret Affairs: Britain's Collusion with Radical Islam)، ص 72-98: يعتمد بالكامل على وثائق الخارجية البريطانية المفرج عنها، ويوثق الاتصالات السرية والتمويل والدعم الوظيفي الذي قدمته بريطانيا للتنظيم لضرب المد القومي العربي واليساري في الشرق الأوسط.
إيان جونسون، كتاب "مسجد في ميونيخ" (A Mosque in Munich)، ص 115-140: يكشف بالوثائق التاريخية والأرقام كيف قامت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) خلال الحرب الباردة برعاية وتوظيف القيادات الإخوانية الهاربة لبناء شبكات نفوذ أيديولوجي تخدم المصالح الأمريكية وتواجه الأنظمة التحررية.
الملف الرقمي للأرشيف الوطني البريطاني (The National Archives): ملف المراسلات الدبلوماسية السرية PRO FO 371/108502، حول لقاءات السفير البريطاني ومستشاريه مع قيادات الإخوان في القاهرة خلال عامي 1953 و1954، والذي يوضح طبيعة النقاشات لترتيب مرحلة ما بعد التخلص من الاتجاه القومي العروبي التحرري.
وثيقة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) المنشورة إلكترونياً رقم: CIA-RDP80R01731R003000170003-9، وتتضمن تقريراً حول "التيارات الإسلامية في مصر" يؤكد فيه المحللون الأمريكيون أن عداء التنظيم الأساسي موجه للنظام القومي واليساري التقدمي وليس للغرب.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق