قائمة المدونات الإلكترونية

الأحد، 14 يونيو 2026

الغابات التونسية: الرئة الخضراء في مواجهة الجحيم بقلم: الناصر خشيني


 مقدمة: حين كان المسافر يسير في الظل

يروي كبار السن أن تونس كانت يوماً بلاد الظل والخضرة، وأن المسافر كان يقطع مسافات طويلة بين الشمال والجنوب دون أن تلفحه الشمس، تحت أقواس من أشجار البلوط والصنوبر والفلين والزيتون البري. اليوم، تبدو تلك الصورة بعيدة، إذ تتآكل الثروة الغابية التونسية عاماً بعد عام في صمت مدوٍّ، تحت وطأة الحرائق المتكررة والاحتطاب الجائر والصيد غير القانوني وغياب الإرادة الحقيقية للحماية.
أولاً: ثروة بالأرقام
تمتد الغابات في تونس على مساحة تقارب 4.6 مليون هكتار، أي ما يعادل 34 بالمئة من مساحة التراب الوطني. ويبلغ عدد سكان الغابات 800 ألف متساكن، أي حوالي 7 بالمئة من مجموع السكان. وتُقدَّر القيمة الاقتصادية للغابات والمراعي بنحو 932 مليون دينار، كما توفر الغابات 14 بالمئة من استهلاك الطاقة.  
وثروة جندوبة وحدها تكشف حجم ما يُهدر؛ إذ توفر غابات ولاية جندوبة 55 بالمئة من المداخيل الجملية للغابات التونسية، وتوفر هذه الغابات 700 ألف يوم عمل سنوياً، وتُدرّ ثمار الصنوبر الحلبي والبحري وزيوت الريحان والإكليل والضرو التي تشهد إقبالاً متزايداً في الصناعات الصيدلية ومواد التجميل.  
غير أن عائدات الغابات سنوياً لا تناهز سوى 20 مليون دينار، من ضمنها ما بين 10 و15 مليون دينار في شكل مداخيل مباشرة إلى خزينة الدولة.   رقم هزيل قياساً بالحجم الحقيقي لهذه الثروة الطبيعية.
ثانياً: ثلاثة أوجه للنهب
الوجه الأول — الحرائق: مئات الألوف من الهكتارات في الرماد
الحريق هو أشد أعداء الغابة فتكاً وأسرعها تدميراً. تُفيد الأرقام الرسمية أن عدد الحرائق ارتفع من 400 سنة 2012 إلى 458 حريقاً سنة 2021، أما المساحات المتضررة فتوسّعت من 2400 هكتار إلى 25808 هكتارات خلال الفترة نفسها.  
وخسرت تونس خلال السنوات الممتدة من 2016 إلى 2023 قرابة 56 ألف هكتار من الغابات، تجددت منها 22 ألف هكتار طبيعياً و16 ألف هكتار تستوجب التدخل.   وما يزيد الطين بلةً أن بحلول عام 2030 من الممكن أن تتسبب الحرائق في خسارة 180,000 هكتار أو 17 بالمئة من المساحة الغابية في تونس، نظراً لأن ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض هطول الأمطار يزيدان تدريجياً من شدة الحرائق.  
والأكثر إيلاماً أن هذه الحرائق في معظمها ليست قدراً طبيعياً؛ إذ تُشير التقديرات إلى أن نسبة 95 بالمئة من حرائق الغابات في تونس مفتعلة، في حين أن 90 بالمئة من الملفات سُجِّلت ضد مجهول لعدم التوصل إلى الجناة.  
الوجه الثاني — الاحتطاب الجائر: جرح صامت في كل موسم
يأتي الاحتطاب غير القانوني في المرتبة الثانية في استنزاف الثروة الغابية. يرى المختصون أن خروج استغلال الثروات الغابية عن إطارها المنظم يمكن أن يهدد العديد من المنتوجات الغابية أهمها نبتة الحلفاء التي تمثل مورد رزق هام لآلاف سكان المناطق الجبلية، لكنها في آن واحد تحتاج إلى المراقبة مخافة تصحر أغلب المناطق التي تنبت فيها.  
والاحتطاب ليس دوماً نتيجة جشع أصحاب الشاحنات والتجار، بل هو في كثير من الأحيان صرخة جوع من سكان الغابة الذين لم تُقدِّم لهم الدولة بديلاً. فالحطب هو الوقود الوحيد في مئات القرى الجبلية المعزولة.
الوجه الثالث — الصيد غير القانوني: نزيف الحياة البرية
أوجدت ممارسات الصيد غير القانوني الاتجارَ بأصناف عدة من الحيوانات المهددة بالانقراض. ومن بين المخالفات الموثقة بيع أنواع من الحيوانات البرية في الأسواق التونسية أو تهريب بعضها عبر الحدود إلى الجزائر أو ليبيا.  
وتتمحور المخالفات بغالبيتها حول الصيد دون ترخيص أو امتلاك بندقية صيد غير مرخصة، وسط نقص ملحوظ في عدد المراقبين.   فالأنواع النادرة من الطيور والثدييات تُصطاد في وضح النهار بينما يقف الغطاء السياسي أحياناً حائلاً دون الملاحقة القضائية.
ثالثاً: قانون موجود... وتطبيق غائب
تمتلك تونس منذ 1988 مجلة الغابات التي نُقِّحت عدة مرات، آخرها سنة 2005، وتتضمن أحكاماً رادعة للاحتطاب والصيد والحرائق المتعمدة. لكن تنقيح مجلة الغابات وحده لا يكفي في غياب آليات التطبيق الفعلي على أرض الواقع.  
والهشاشة أرقام لا تكذب: تعاني إدارة الغابات من نقص كبير في عدد الحراس الذي يبلغ حالياً 7500، في حين أن العدد الواجب توفيره هو 13300 حارساً، وهو ما يجعل كل عون مسؤولاً عن 2000 هكتار.  
وإعادة التشجير تراجعت هي الأخرى؛ إذ شهدت عمليات إعادة تشجير الغابات انخفاضاً حاداً بين سنتي 2009 و2017 من 11249 هكتاراً إلى 2601 هكتار فقط.  وحتى ما يُشجَّر لا يصمد دائماً، إذ تتلف قرابة 50 بالمئة من المساحات المشجرة بسبب عوامل طبيعية وبشرية متشابكة.  
رابعاً: الجذر الحقيقي للمشكلة — الإنسان المهمَّش
لا يمكن فهم نهب الغابات دون فهم البؤس الذي يحيط بها. يتركز 9 بالمئة من سكان تونس أي ما يقارب 250 ألف عائلة في تجمعات قروية وحضرية تقع في المناطق الغابية، يستوطن ثلاثة أرباعهم في منطقتي الشمال الغربي والوسط الغربي اللتين توصفان اقتصادياً بـ"الأقل حظاً من التنمية"، وحيث تتجاوز نسب البطالة ضعف معدلها الوطني.  
وتكشف البيانات الرسمية أن نسبة البطالة في الوسط الغابي تفاقمت لتبلغ حالياً 30 بالمئة، فيما ارتفعت نسبة الفقر في هذا الوسط إلى نحو 45 بالمئة.  
إنسان جائع، يسكن في غابة، لا يجد عملاً، ولا تصله خدمات الدولة — هذا هو المحرك الحقيقي لكثير من جرائم الغابة. لم تحجب كثافة الغابات الممتدة بؤس الوضع الاجتماعي لمن سكنوا فجواتها، ولم يؤدِّ اعتبار الغابة ثروة اقتصادية إلى تغيير معتبر في هذا الواقع  
خامساً: السبيل لتعود تونس خضراء
تعود تونس خضراء لا بالشعارات ولا بشجرة واحدة في عيد الشجرة، بل بمقاربة متكاملة تقوم على خمسة محاور:
أولاً — إشراك السكان لا محاربتهم: التسريع بالتعويضات وإيجاد منوال تنمية يخص سكان الغابات والمنفرجات والمناطق المتاخمة لها يُساعد بشكل كبير في تشجيع المتساكنين على اليقظة وحماية غاباتهم، كما أن تشريكهم في حماية مجالهم الحيوي من شأنه أن يعزز روح المواطنة لديهم.  سكان الغابة هم أفضل حارس لها حين يشعرون أنها لهم لا عليهم.
ثانياً — مضاعفة طاقم الحراسة: لا معنى لقانون بلا إنسان يطبقه. يجب الرفع الفوري من عدد حراس الغابات من 7500 إلى العدد المطلوب 13300، مع تزويدهم بالتجهيزات الحديثة وصلاحيات تنفيذية حقيقية.
ثالثاً — التشجير الذكي بأصناف مقاومة: إعادة التشجير يجب أن تتجاوز حصة الصنوبر السريعة الاشتعال، نحو أصناف أصيلة مقاومة للجفاف كالبلوط والعرعار والفلين، التي تعيد للغابة طابعها الطبيعي وتجعلها أقل قابلية للاشتعال.
رابعاً — تحديث مجلة الغابات بما يجرّم الحرق المتعمد: يجب أن تُطبَّق عقوبات رادعة حقيقية على مرتكبي الحرائق المتعمدة، مع توفير الإثبات الجنائي عبر الصور الجوية والأقمار الاصطناعية. لا يمكن أن تبقى 90 بالمئة من ملفات الحرائق مصنفة "ضد مجهول".
خامساً — تحويل الغابة إلى اقتصاد مستدام: إنتاج الفلين والزيوت العطرية والعسل الغابي وسياحة الطبيعة — كلها موارد يمكن أن تجعل من الغابة مصدر رزق قانونياً للسكان المحيطين بها، بدلاً من أن تكون مصدر خوف أو إغراء للنهب.                                                 سادساً: الإدارة الذكية — الغابة في عصر التكنولوجيا
لا يكفي الحارس الراجل وحده في مواجهة آلاف الهكتارات من الغطاء الغابي المتناثر بين الجبال والوديان. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: لماذا لا تستثمر تونس في التكنولوجيا الحديثة لحماية ثروتها الغابية؟
أبراج المراقبة الذكية المرتبطة بالأقمار الاصطناعية
تعتمد دول رائدة في حماية الغابات كالبرتغال وكندا والبرازيل منظومة متكاملة من أبراج المراقبة المجهزة بكاميرات حرارية وأجهزة استشعار للدخان ودرجات الحرارة، مرتبطة مباشرة بمراكز عمليات تتلقى صور الأقمار الاصطناعية في الوقت الفعلي. هذه المنظومة تُمكِّن من الكشف عن بداية الحريق في دقائق لا ساعات، وهو الفارق الذي يحدد بين إنقاذ غابة أو رمادها. وتونس، بانخراطها في برامج الاتحاد الأوروبي للمراقبة البيئية عبر منظومة كوبيرنيكوس Copernicus، تملك نظرياً النافذة التقنية اللازمة — لكن الاستثمار في البنية التحتية الأرضية المكملة لهذه النافذة لا يزال دون المستوى المطلوب.
طائرات الدرون: العيون الطائرة فوق الغابة
تُشكِّل الطائرات المسيَّرة (الدرون) ثورة حقيقية في مراقبة الغابات. فهي قادرة على تغطية مئات الهكتارات في وقت قصير، ورصد الدخان قبل أن يتحول إلى حريق جامح، وتتبع المحتطبين وصائدي الحيوانات المهددة بالانقراض في عمق الغابة حيث لا تصل السيارات. ويمكن للدرون المجهزة بكاميرات الأشعة تحت الحمراء اكتشاف النيران في الليل ومنذ شرارتها الأولى. بعض الدول ذهبت أبعد من ذلك بتطوير درون لإعادة التشجير، إذ تُطلق آلاف بذور الأشجار في المناطق المحترقة بدقة جغرافية متناهية.
منظومة الإنذار المبكر المتكاملة
الحل الأمثل يجمع بين الثلاثة: أبراج مراقبة ثابتة + درون متحركة + صور الأقمار الاصطناعية، كلها مرتبطة بمركز قيادة وطني واحد للغابات يعمل على مدار الساعة طوال أشهر الجفاف. هذه المنظومة لا تكتفي بالاستجابة للحريق بل تتنبأ به عبر رسم خرائط الخطر بناءً على درجات الحرارة وسرعة الرياح ومؤشرات الجفاف — وهو ما بدأت تونس بخطوات أولية متواضعة نحوه، لكنه يحتاج إلى قرار سياسي واضح وتمويل مستدام.
ما تكلفته؟
الاستثمار في هذه المنظومة ليس ترفاً. إذا كان احتراق الهكتار الواحد يُكلِّف بين 20 و50 ألف دينار، وإذا كانت تونس تخسر آلاف الهكتارات سنوياً، فإن درون مراقبة بعشرات الآلاف من الدنانير ستوفر على خزينة الدولة مئات الملايين. المعادلة مربحة بكل المقاييس — لكن يبدو أن منطق الطوارئ لا يزال يتغلب على منطق الوقاية في قرارات الدولة التونسية.
خلاصة: الغابة مرآة الدولة
حال الغابة التونسية هي حال الدولة بالضبط: قوانين موجودة دون تطبيق، ثروات حقيقية دون حماية، وإنسان مهمَّش يُدفع قسراً إلى الاستنزاف. تُكلِّف تكلفة احتراق الهكتار الواحد بين 20 و50 ألف دينار، فيما يتكلف إعادة تشجير الغابة حوالي 9 آلاف دينار — مع العلم أن الأشجار تتطلب سنوات طويلة لتعود إلى حجمها الطبيعي.  
تونس التي كان المسافر يسير فيها في الظل لم تمت، لكنها تنتظر دولة تقرر أن الغابة ليست ديكوراً للمناسبات الوطنية، بل ثروة استراتيجية تستحق الدفاع عنها كما يُدافَع عن الحدود.
المراجع
نواة — "الغابات في تونس ثروة متفحمة"، جويلية 2024: https://nawaat.org
المفكرة القانونية — "حرائق الغابات في تونس: التحوّل المناخي وضعف الدولة"، أوت 2024: https://legal-agenda.com
المفكرة القانونية — "الفجوات الغابية في تونس: واقع صعب وأفق واعد"، جانفي 2021: https://legal-agenda.com
بابنت — "حرائق الغابات تتراجع في صائفة 2024 إلى 246 حريقاً"، نوفمبر 2024: https://www.babnet.net
العربي الجديد — "الصيد البري: هواية تحت المراقبة في تونس"، أكتوبر 2021: https://www.alaraby.co.uk
عروبة22 — "كابوس حرائق الغابات في تونس: ليست الحرارة وحدها السبب"، أوت 2024: https://ourouba22.com
إنكفاضة — "بيانات مصورة: الحرائق ونيران الغابات في تونس"، أوت 2024: https://inkyfada.com
الصباح نيوز — "من تأثير المناخ إلى تنامي الحرائق والجرائم البيئية: الثروة الغابية مهددة"، 2024: https://www.assabahnews.tn
نواة — "نساء الجبال والغابات: منسيات من الدولة"، ديسمبر 2024: https://nawaat.org
مجلة الغابات التونسية — قانون عدد 20 لسنة 1988 وتعديلاته: http://www.legislation.tn


عن الدكتور عصمت سيف الدولة في ذكرى رحيله بقلم د عقيل البكوش


 


 

" لست أشك لحظة واحدة في أننا حين نحصد حصادنا ذات يوم لنلتمس بين سنابله وأعواده فلسفة عربية، سيكون الدكتور عصمت سيف الدولة في كتابه "أسس الاشتراكية العربية" بين الطلائع القوية التي أسهمت في تكوين الفلسفة العربية المعاصرة"

                                                                 الدكتور زكي نجيب محمود

فمن هو الدكتور عصمت سيف الدولة؟

ولد عصمت سيف الدولة عباس محمد إسماعيل جوده في قرية الهمامية، وهي قرية صغيرة بمركز البداري بمحافظة أسيوط في 20 أوت 1923، أكمل تعليمه الأساسي في قريته ثم انتقل إلى القاهرة ليكمل تعليمه الجامعي فحصل على الإجازة في الحقوق عام 1946 ثم على دبلوم الدراسات العليا في الاقتصاد السياسي عام 1951 ودبلوم الدراسات العليا في القانون العام سنة 1952 ثم انتقل إلى باريس فحصل من جامعتها على دبلوم الدراسات العليا في القانون عام 1955 والدكتوراه في القانون عام 1957.

انتمى إلى الحزب الوطني، الحزب الذي تبنّى خيار الثورة والمقاومة المسلحة للاستعمار البريطاني وناضل في صفوفه وهو شاب واثقا أنّ خيار الثورة ومقاومة الاستعمار واسترداد الوطن بالقوة هو أقصر الطرق وأنجعها للوصول إلى شاطئ الحرية.

شارك في الكفاح المسلح وقاد كتيبة محمد فريد في العباسية، وقد كان يُعرف عن هذه الكتيبة أنها بقدر ما تحمل من سلاح بقدر ما تحمل من كتب.

شارك في الدفاع عن ثورة يوليو 1952 دون أن ينتمي إلى أي من أجهزتها، فقد احتفظ باستقلاليّته الفكريّة وبحرية التفكير والحركة إلى درجة أثارت انتباه البعض ممن يدّعون ولاءهم للثورة فلم يحفل بذلك وواصل دعوته الجماهير العربية لكي تلتقي بقائدها.

فُجع كما بقية الشعب العربي برحيل القائد جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970 وتجاوز تفكيره الفجيعة في المفقود إلى الفجيعة في المنشود أي مستقبل النضال العربي.

اتهمته الأجهزة الأمنية في بداية المرحلة الساداتية بالتخطيط لتشكيل تنظيم قومي يهدف إلى إسقاط الأنظمة العربية وبناء دولة الوحدة وأُودِع السجن في 15 فيفري 1972 ليخرج منه سنة 1973 ثم أُودِع السجن مرة ثانية سنة 1981 مع مجموعة كبيرة من المثقفين والسياسيين ليخرج منه إثر مقتل أنور السادات في عملية المنصة الشهيرة.

وباعتباره محاميا فقد تصدى للدفاع عن سجناء الرأي من طلبة وعمال وقادة وكوادر أحزاب سياسية ومنظمات اجتماعية وحقوقية.

له مرافعات مشهورة، مرافعة عن المتهمين في انتفاضة 1977 التي نعتها أنور السادات ب  : " انتفاضة الحرامية" ضمنها كتابه :" دفاع عن الشعب" وكذلك مرافعة عن اليساريين نشرت تحت عنوان :" دفاع عن الوطن" ، وأيضا مرافعة ذائعة الصيت عن تنظيم ثورة مصر الناصرية بقيادة خالد جمال عبد الناصر والمجاهد البطل محمود نور الدين السيد، وكان هذا التنظيم قد اتهم بقتل صهاينة وأمريكيين في قلب القاهرة، وقد نشرت المرافعة تحت عنوان :    " دفاعا عن ثورة مصر العربية". وقد أرفق مرافعته بوثيقة صهيونية تتضمن مخططا صهيونيا لمزيد تقسيم الوطن العربي وتفتيته ومنه مصر.

كان في شبابه مقاتلا في صفوف المقاومة المسلحة، فلما امتد به العمر وداهمته الكهولة امتشق سلاح الكتابة وأخذ يكتب ويكتب ويدخل معارك قومية وإقليمية يدافع فيها عن حرية الإنسان وحرية الأمة العربية، يدافع عن هويتها وعن قيمها وعن مستقبلها المنشود ويدعو الشعب العربي في كل مناسبة إلى الثورة على الظلم، على الاستبداد، على الحيف الاجتماعي، على القهر، على الإقليمية، على الصهيونية، على الامبريالية، من أجل الحرية، من أجل الوحدة، من أجل العدل، من أجل الكرامة، من أجل استرداد الحقوق.

كان يواجه الضخ الإعلامي الرهيب الذي يستهدف توجيه الرأي العام العربي واغتصاب عقله، وبدأ عملا منهجيا يكشف فيه نقاط قوة هذا المخطط ونقاط ضعفه من أجل أن تركز عليها القوى الثورية وتحولها من اغتصاب للعقول إلى تحصين لها ومدها بآليات المقاومة الفكرية والعلمية منعا للاختراق الذي يؤدي إلى الاحتراق ومن ثمة تهاوي جبهة المقاومة.

لقد كان طاقة جبّارة بكل المقاييس، عندما تقرأ كتاباته تحسّ أنّ ذاكرة الرجل تُخزن كل ما كُتِب عبر التاريخ وفي كل المجتمعات، فهو مطّلع على ما كتبه أساطين الفلسفة والقانون والاقتصاد السياسي والأدب والعلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية والإنسانية، مطلع على خبايا النفوس، ينهل من علم النفس كأنه أحد علمائه.

وعندما تقرأ المنهج الذي أبدعه سنة 1965 " جدل الإنسان" ثم تقرأ النتائج التي توصل إليها علم النفس العرفاني في السنوات الأخيرة تكتشف ألاّ تناقض بينهما وأنّ هذا العلم يثبت في كل نتيجة من نتائجه ما ذهب إليه مفكرنا وفيلسوفنا. ثم تستغرب أكثر عندما تعرف أنه أبدع ذلك المنهج في وقت كانت المدرسة السلوكية في علم النفس في أوج تألقها خاصة في ميدان التربية والتعليم، وهي مدرسة لا تحفل بما يجري داخل الأذهان من عمليات معالجة إنسانية للمعلومة وحل للمشكل وما يصاحب ذلك من استرجاع وتذكر وإدراك وتصور وعمليات تقييم وتعديل وانفعالات وعواطف وحاجات ... فهذه المدرسة تهتم فقط بالسلوك الظاهر من خلال التركيز على براديغم "مثير – استجابة – تعزيز".

كل هذا يجعلك تُدهش لسبقه العلمي دون أن يكون مختصا في علم النفس أو مهتما بقضاياه الأكاديمية، فتعرف أنه إلى جانب معرفته الموسوعية التي نهلت من معارف الشرق والغرب، القديم والحديث، أنه كان صاحب رأي ولم يكن مجرد ناقل للمعرفة أو مترجم لها، فقد بين أهمية العامل الاجتماعي في تملك المعرفة قبل أن تظهر أعمال فيقوتسكي.

وتقرأ تعريفه للأمة فتدرك أنه في تعريفه هذا قد تجاوز كل ما هو معروف ومتداول وأنه قد أبدع تعريفا غير مسبوق حيث أضاف عنصر الحضارة.

وتعلم أنه يمتلك فكرا نسقيا شيده تشييدا غاية في الدقة والوجاهة، كيف لا والتعريف في حد ذاته يحل مشكلة العلاقة بين العروبة والإسلام، فلا هو ينحاز إلى فكرة العروبة المنعزلة عن إسلامها ولا هو ينحاز إلى فكرة الإسلام المستغني عن العروبة. بل هو يقول عن فكرة العروبة المعادية للإسلام إنّها فكرة منافقة، ويقول عن فكرة الإسلام المستغني عن العروبة إنّها فكرة ظالمة وإنّ الفكرتين تنمان عن جهل بالعروبة والإسلام كليهما، وإنّهما تثيران عاصفة غبراء من الجدل العقيم تكاد تلهي الشعب العربي عن غاياته القويمة، فالعروبة والإسلام بالنسبة إليه سبيكة واحدة، وإنّه لا ينكر العروبة إلا من ينكر الثورة الحضارية للإسلام، وإنّه لا ينكر الثورة الحضارية للإسلام إلا منكر لوجود الأمة العربية ذاتها، غير واع بالسياق الزمني للأمة باعتبارها تالية لمراحل سبقتها هي مراحل القبائل والشعوب وسابقة لمراحل ستليها : تكوينات اجتماعيّة أكبر من الأمة.

ثم يبني على كل ذلك أن الوجود الموضوعي للأمة العربية الواحدة يقتضي وحدة مصيرها وأن مصير الأمة العربية الواحدة لا يكون إلا في ظل الدولة العربية الواحدة، وأن هذه الدولة، إذ ترفع الاعتداء الخارجي عن الشعب العربي فيسيطر على أرضه وثرواته ويتطور بما هو متاح له أن يتطور به، لابد أن تجسد حرية الإنسان فردا كان أو جماعة وأن الديمقراطية هي التجسيد السياسي لحرية المواطن العربي، وأن الاشتراكية هي التجسيد الاجتماعي لهذه الحرية.

ثم يؤكد أن لا خلاص من الاستعمار والاستبداد والتجزئة والتخلف إلا بمواجهة المعتدين والثورة عليهم في المكان والزمان المناسبين.

ولعلّك إذ تقرأ نظرية الثورة العربية تدرك الإضافة المهمة التي أضافها الدكتور عصمت سيف الدولة في نظرية الأسلوب بالذات، ذلك أنه على خلاف كل المفكرين القوميين من سابقيه أو ممن عاصروه أو حتى ممن جاؤوا بعده، لم يقف عند حدود التبشير بدولة الوحدة الديمقراطية الاشتراكية بل تجاوز ذلك إلى وضع معالم على الطريق إليها، فبين أن الوحدة لا يبنيها إلا الوحدويون وأن الثورة لا يصنعها إلاّ الثوار.

وقد بين بكل طريقة ممكنة أن الطريق الإقليمي إلى الوحدة طريق مضلل ومسدود، وأن طريق الثورة على صعوبته هو الطريق الوحيد الممكن علميا، ذلك أن أعداء الأمة العربية ذوي المصلحة في تخلفها وتجزئتها لن يهدونا الحرية والوحدة والاشتراكية على طبق من ذهب، وأن مهمة الثوريين العرب إفهامهم بالطريقة التي يفهمونها أننا لن نساوم على حريتنا ووحدة أمتنا، وهو هنا يذكرنا، دون أن يصرح، بما قاله الزعيم خالد الذكر جمال عبد الناصر:" ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة".

ثم هو لا يفوته أن ينبهك أنه لا يستطيع أن يسلك هذا الطريق الصعب إلا الصادقون الشجعان الذين يختزنون في أنفسهم كل القيم العربية الإسلامية النبيلة، الذين هم على استعداد أن يقدموا أرواحهم فداء لأمتهم، لحريتها ووحدتها. وهو إذ ينبه إلى ذلك يشترط في كل ثوريّ وحدويّ مناضل من أجل بناء دولة الوحدة الديمقراطية الاشتراكية صلابة الخلق كحجر زاوية تبنى فوقه وحدوية الغاية وتقدمية الاتجاه وقومية الفكر وتكون تلك الصلابة أساس كل البناء، لا كينونة له بدونها، أما وحدوية الغاية وتقدمية الاتجاه وقومية الفكر فهي الفانوس الذي ينير ما أعتم من الطريق.

هذا الفكر الممنهج علميا هو فكر مبني بناء متماسكا لا ينفع معه أن تختار أو تنتقي ما يناسبك وأن تستبعد ما لا يناسبك، فإمّا أن تقبله جملة وإمّا أن ترفضه جملة، فإن أنت استبعدت بعضه انتقض البناء كله، فأوله يؤدي إلى آخره وآخره يحيلك إلى أوله، فلا هو بالترف الفكري ولا هو تمارين ذهنية يُختبر فيها الذكاء والفهم والذاكرة. فهو ليس موجّها إلى المثقفين يتداولونه في الصالونات الثقافية وهم يحتسون القهوة ويدخنون السيجار. بل هو دليل عمل ثوري عميق يبدأ من الأخلاق ويمر بالفكر لينتهي بالالتزام النضالي في الميادين الممكنة أو التي يجب أن تكون، يبدأ من صلابة الخلق (الصدق والشجاعة والتواضع والتضحية والتفاني والإخلاص والأمانة والاحترام والأخذ بأيدي الآخرين وتفهم مشاكلهم وبذل الجهد لحلها). فالقومي التقدمي، في رأي فيلسوفنا، مدرسة في صلابة الخلق ومدرسة للوعي، والقومي التقدمي ليس مجترّا لمقولات فكرية يلوكها إرضاء لرغبة نفسية في التفوق وإثبات الذات، بل مناضل في الميادين بين صفوف شعبه، فهو النقيض التقدمي لنموذج الإنسان الذي شكله أسلوب الحياة الليبرالي وحددت ملامحه الهجينة سوق المنافسة الرأسمالية، ذلك النموذج الذي يكذب ويخون ويغدر ويقوم بكل ما من شأنه أن يعزّز فرديته ويجلب له الربح ومزيدا من الربح والنفع الشخصي، القومي التقدمي هو النقيض الذي يعطي بدون حساب إلا حساب ربح أمته وشعبه وتحقيق مبادئه في الواقع. وهو بهذا تجسيد للأخلاق التي بشرت بها الأديان وخاصة ديننا الإسلامي الحنيف.

هنا تلتقي عند القومي التقدمي الأخلاق كما تلقاها من الإسلام والأخلاق كما عرفها من العلم (جدل الإنسان) فيكون أغنى خلقا من الذين تأثروا بالدين وحده وأغنى خلقا من الذين اتبعوا العقل وحده.

وقد كان فيلسوفنا صلب الخلق بشهادة خصومه الذين رافع عنهم في المحاكم ورفض مهاجمتهم حتى لا يكون شريكا للمستبدين في الإجهاز عليهم وسكت عنهم رغم اختلافه معهم حتى يتجاوزوا محنتهم، ويمتلكون الأداة التي يردون من خلالها.

ومن آيات تواضع فيلسوفنا أنه لم يكتب سيرته الذاتية رغم إلحاح الملحين وآثر أن يكتب سيرة قريته في" مذكرات قرية" و" مشايخ جبل البداري" التزاما منه بأن الإنسان المفرد لا وجود له وأن الإطار الاجتماعي والتاريخي الذي ينتمي إليه هو حقيقته ومردّ أمره وجماع شخصيته، وقد تفهم بعد ذلك أنه موجود في تفاصيل كل شخصية من شخصيات روايته وأن ما يجمعه بهم وما يجمع هذه الشخصيات جميعا هو شخصية العربي من المحيط إلى الخليج بعيدا عن التشويهات التي نثرتها جرثومة الليبرالية على النسيج الخارجي على هذه الشخصية.

ولعل كل الذي ذكرنا هو الذي دعاه إلى أن ينادي في كل سطر مما كتبه إلى استبعاد الشخصنة والزعاماتية وعبادة الذوات واستبدال كل ذلك بزعامة الفكرة والمبدإ، أي الاحتكام إلى المبادئ والأفكار عوض الاحتكام إلى ذكاء الأشخاص أو حكمتهم أو مقدرتهم ولو كانوا قوميين تقدميين ولو كان منهم عصمت سيف الدولة نفسه، فإن الأسماء الكبيرة تؤدي إلى المهالك الكثيرة مادامت ذواتها هي المقياس لا المبدأ والفكرة والعلم وما دامت هي عنوان الوحدة الفكرية لا الوحدة الفكرية هي عنوانها أو هي التي تقودها.

ولعلنا لا نجانب الصواب إذا قلنا إنّه لو كان يعيش بيننا وقرأ ما نكتب لاستشاط غضبا ولاتهمنا بأننا غير قوميين وأن عبادة الفرد قد سيطرت علينا فنسينا سلطان الفكرة، وأننا لم نفهم ما كتب أو فهمنا ولم نعمل به، فليس أبغض إلى قلبه من عبادة الأشخاص إذ هو يعتبر ذلك مرض الليبرالية البغيض، وقد علمنا أنه عند زيارته لتونس قد ضاق أشد الضيق بتعبير " العصمتيين" الذي سمعه يتردد وصفا للقوميين الذين يتبنون نظرية الثورة العربية، فهو يريدهم أن ينتسبوا إلى أمتهم وشعبهم لا أن ينتسبوا إلى أي فرد فيها ولو كان هو نفسه.

غير أن ما يشفع لنا أننا نكتب ما نكتب بعد وفاته بِسِتَّ عَشْرةَ سنةً، فلسنا نكتب ما نكتب نفاقا أو تزلفا وإنما نكتبه لنعطي لمفكر عبقري الحق الذي يستحق، والذي غمطه فيه رواد فكره قبل خصومه.

كما نكتب ما نكتب لا ابتغاء تشييد صنم له وإنما لنذكّر بالطريق إلى الحرية والوحدة والاشتراكية في وقت تتكالب علينا الأمم، ويعلن أعداؤنا دون إخفاء وفي وضح النهار أنهم يريدون الإجهاز على هذه الأمة المثخنة بالجراح يبغون مزيد تفتيتها وتفكيكها، وتزداد الهجمة على العقل العربي استعارا ونشاهد اليوم بأمّ أعيننا ونسمع بآذاننا ونكاد لا نصدق انقياد العقول للآلة الاستعمارية الرهيبة، انقيادا غبيا كأنّ هذه العقول مبرمجة لتنفذ ما يريد أعداء الأمة وأعداء الحرية وأعداء الإنسان فنفتقد العقول الحصينة الثائرة، نفتقد الدكتور عصمت سيف الدولة الذي رحل عنا يوم 30 مارس 1996 وترك لنا خير الزاد نواجه به المستقبل. رحمه الله رحمة واسعة وجازاه عن أمتنا العربية كل الخير.

                                                                                  عقيل البكوش

                                                                       13 مارس 2012



--

 

الأستاذ نزار الفجاري - بيان ما فات مشروع قانون المساواة في الإرث - محاضرة

 الأستاذ نزار الفجاري - بيان ما فات مشروع قانون المساواة في الإرث - محاضرة.                                                         الأستاذ نزار الفجاري باحث في الفقه و تاريخ الفقه ويشغل منصب قاض من الرتبة الثالثة بمحكمة الاستئناف بالقيروان.     تقديم الدكتورة منية العلمي من جامعة الزيتونة      


الغابات التونسية: الرئة الخضراء في مواجهة الجحيم بقلم: الناصر خشيني

 مقدمة: حين كان المسافر يسير في الظل يروي كبار السن أن تونس كانت يوماً بلاد الظل والخضرة، وأن المسافر كان يقطع مسافات طويلة بين الشمال والجن...