التخطي إلى المحتوى الرئيسي

​قرأت لكم : قراءة نقدية في كتاب "جناية سيبويه" لزكريا أوزون ​بقلم: الناصر خشيني


تأتي قراءتنا لكتاب الباحث السوري زكريا أوزون "جناية سيبويه: الرفض المعرفي والبديل النحوي" كحلقة اخرى في سلسلتنا (قرأت لكم)، لنقارب من خلالها قضية فكرية ولغوية وتاريخية بالغة الأهمية. إن هذا الكتاب لا يستهدف النيل من شخص "سيبويه" كقيمة تاريخية، بل يسعى إلى تفكيك "الظاهرة السيبويهية" التي تحولت بمرور الزمن إلى سلطة معرفية مطلقة أدت إلى جمود اللسان وتحنيط الفكر.

​أولاً: اللغة كائن حي.. عبقرية النشأة وضريبة التحنيط

​إن المنطلق الأساسي الذي نؤمن به ونؤكد عليه منذ عقود، هو أن "اللغة كائن حي يتطور، ولا يمكن تحنيطه في قوالب وقواعد أُعدت منذ أكثر من ألف سنة".

​لقد نطق العربي الفصيح لغته بسليقته وفطرته المرنة، وجاءت القواعد لاحقاً لخدمة هذه اللغة وضبط التواصل بها. لكن "غلاة التقليد" حوّلوا النحو من وسيلة للتعبير والفهم إلى غاية في حد ذاتها، مما خلق فجوة معرفية بين واقع الحياة المتجدد وبين القوالب المثالية المهجورة في بطون الكتب. هذا التصلب النحوي أنتج ظاهرتين خطيرتين في مسيرتنا الحضارية:

​تخويف الأجيال: تحول النحو إلى "حقل ألغام" يخشى المبدع اقتحامه خوفاً من اللحن والتخطئة.

​الانفصام اللغوي: اتساع الفجوة بين لغة الحياة والإنتاج العلمي المعاصر، ولغة القواعد القديمة الجامدة.

​ثانياً: سياق التقعيد وأثره في ركود الحضارة

​لكي نفهم الأبعاد العميقة للأزمة، لا بد من وضع "ظهور سيبويه" في سياقه التاريخي؛ فقد ظهر في ذروة "عصر التدوين والتقعيد الشامل" (لغة، وفقهاً، وتفسيراً، وحديثاً).

​لقد كان دافع ذلك العصر هو "هاجس الخوف من الضياع واللحن" بعد اتساع رقعة الدولة، وهو دافع مشروع بوقته، لكنه أدى لاحقاً إلى نتائج عكسية:

​مرحلة التشبع: عندما اعتقدت الثقافة أنها صاغت لكل شيء قاعدة نهائية، دخلت في حالة اكتفاء ذاتي وتوقف العقل التوليدي عن الإبداع، ليحل محله عقل الاجترار والشروح والحواشي.

​الظروف السياسية والاجتماعية: مع انكسار المشهد السياسي العربي وتوالي الغزوات الخارجية، مال المجتمع غريزياً إلى "المحافظة والتقديس" خوفاً من الاندثار، فتحالفت السلطة السياسية مع التيار التقليدي لإخماد السؤال النقدي الحر.

​ثالثاً: نحو تعامل نقدي لا إقصائي مع التراث

​إن رسالتنا المعرفية التي خططناها في العديد من المقالات على مدار أكثر من عقدين، تتلخص في أن التراث ليس كله سيئاً؛ بل يتضمن جوانب إيجابية وإبداعية عظيمة لا شك فيها، تمثل جذور هويتنا (كالعقلانية عند المعتزلة، وإبداعات ابن رشد وابن خلدون، والمنهج التأسيسي الأولي للنحاة).

​ولكنه في الوقت نفسه يتضمن جوانب سلبية جامدة لا يمكن الإبقاء عليها في عصرنا الحالي. إن البديل الحقيقي والمنهجي يتلخص في الآتي:

​الرفض المعرفي للإقصاء التام: الإقصاء يبتر الأمة عن تاريخها ويصنع مسخاً بلا هوية.

​التبني الكامل للمنهج النقدي (الغربلة): نتعامل مع التراث كـ "منتج بشري" خاضع لسياقه التاريخي، فنستبقى جوهره الإبداعي ونتجاوز بجرأة قوالبه المعطلة للفكر.

​رابعاً: الفكر العربي في عصر الرقمنة والتقدم العلمي

​نعيش اليوم في ظل تقدم علمي رهيب، تميزه الرقمنة ويسر أدوات المعرفة والاتصالات التي اخترقت كل مناحي الحياة. هذا الواقع الرقمي الجديد يمنح العقل العربي المعاصر أدوات نقدية ومقارنات لسانية ميسرة لم تكن تملكها الأجيال السابقة.

​لم يعد ممكناً، ولا مقبولاً، إقناع الأجيال الجديدة بقوالب معرفية جافة لا تواكب منطق العصر السريع والعملي. إن إحياء الحضارة العربية يتطلب إخراج أدواتها المعرفية ولغتها من "غرفة التحنيط" إلى فضاء الحياة الرقمية والتوليد الإبداعي المستمر.

​خاتمة:

إن كتاب "جناية سيبويه" لزكريا أوزون، ومن خلال قراءتنا النقدية المتزنة له، يمثل نموذجاً حياً على أن العرب أمة ذات حضارة راقية ومتطورة، تملك شجاعة النقد الذاتي وتفكيك موروثها بمسؤولية. نحن لا نهدم موروثنا، بل نغربله بأدوات العصر الرقمي لنعبر به نحو المستقبل كأمة حية، قادرة على العطاء المعرفي المتجدد كما كانت في عصورها الزاهرة.




 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...