قائمة المدونات الإلكترونية

الأربعاء، 17 يونيو 2026

​قرأت لكم: قراءة في كتاب "جناية البخاري" وموجات نقد الموروث بقلم: الناصر خشيني



​لا يزال الموروث الديني والتاريخي يشكل المادة الأكثر خصوبة للجدل في الفكر العربي المعاصر، خاصة حين يقترب البحث من منطقة "الثوابت والمقدسات" التي استقرت في الوجدان الجمعي لقرون. وضمن هذا السياق، يأتي كتاب "جناية البخاري: إنقاذ الدين من إمام المحدثين" للباحث السوري زكريا أوزون، ليمثل نموذجاً صارخاً للقراءات الصدامية التي حاولت تفكيك منهجية تدوين السنة النبوية، وما تلا ذلك من ردود أفعال وحملات مضادة.

​أولاً: المحاور الأساسية وأطروحة الكتاب

​ينطلق زكريا أوزون في كتابه من رؤية عقلانية تدعو إلى إعادة فحص الروايات التاريخية وعرضها على محكم القرآن الكريم والعقل الحصيف. ويمكن تلخيص جوهر أطروحته في نقاط محددة:

  • ​بشرية الجهد المعرفي: يرى المؤلف أن كتاب "صحيح البخاري" حظي عبر التاريخ بهالة من التقديس رفعت مكانته إلى مرتبة قريبة من القرآن، وهو ما يعتبره خطأً تشريعياً ومعرفياً؛ مؤكداً أن نقده لا يستهدف شخص الإمام البخاري كعالم مجتهد في عصره، بل يستهدف الروايات المنسوبة للرسول ﷺ والتي تراها القراءة العقلية متعارضة مع جوهر الدين.
  • ​نقد المتن مقابل نقد السند: يجادل أوزون بأن علماء الحديث ركزوا جهدهم الأكبر على "نقد السند" (الرجال وسلاسل الرواة) وأغفلوا "نقد المتن" (نص الحديث ومضمونه)، معتبراً أن وثاقة الراوي وصلاحه لا تضمن عصمته من السهو أو النقل بالمعنى الذي قد يغير الدلالة.
  • ​تصنيف الأحاديث المنتقدة: يقسم الكتاب الروايات التي يراها مشكلة إلى فئات: أحاديث يراها متعارضة مع ظاهر القرآن (مثل بعض صيغ أحاديث الشفاعة أو حد الردة)، وأحاديث يرى أنها تمس بالعصمة النبوية والمقام الأخلاقي (كأحاديث السحر)، وأحاديث تخالف المنطق والعلم التجريبي (كحديث الذباب).
  • ​التداعيات الفكرية: يربط الكاتب بين الاعتماد المطلق على هذه الروايات وحالة الجمود الفقهي، معتبراً أن إغلاق باب الاجتهاد العقلي ساهم في نشوء قراءات متشددة تعتمد على ظاهر النص وتغفل المقاصد الكلية للشريعة.

​ثانياً: الحملات والمواجهات الفكرية والقضائية

​فور صدوره، لم يمر الكتاب مرور الكرام، بل تعرض لعواصف عاتية من الرفض والمواجهة في الأوساط الدينية والفكرية، تمثلت في مستويات عدة:

  • ​الرفض المؤسساتي والفتاوى: واجه الكتاب صدوداً قاطعاً من المؤسسات الدينية الرسمية كالأزهر الشريف وهيئات كبار العلماء، حيث صدرت فتاوى تحذر من قراءته، وصُنِّف كـمحاولة للتشكيك في السنة النبوية ككل باعتبارها المصدر الثاني للتشريع.
  • ​المصنفات المضادة (كتب الردود): سارع علماء الحديث والمفكرون إلى تأليف كتب كاملة لتفنيد أطروحة أوزون، ومن أشهرها كتاب "جناية زكريا أوزون على البخاري"، و*"جناية أوزون"*. وتركزت هذه الردود على اتهام الكاتب بـ "الجهل الفاضح" بعلوم الحديث، وقواعد الجرح والتعديل، وآليات الرواية.
  • ​الاتهام بالسطحية والسرقة الأدبية: اعتبر نقاد الكتاب أن أوزون لم يقدّم جديداً يذكر، بل قام بإعادة تدوير وتبسيط "شبهات" قديمة أثارها المستشرقون وتيار "القرآنيين" سابقاً، دون أن يمتلك الأدوات العلمية واللغوية اللازمة لخوض هذا الغمار.
  • ​الإجراءات الإدارية والقضائية: تعرض الكتاب للمنع والمصادرة في العديد من معارض الكتب العربية والمكتبات الوطنية بدعوى الحفاظ على السلم المجتمعي والثوابت الدينية. كما شُنّت حملات إعلامية حادة ضد المؤلف وصلت إلى أروقة المحاكم عبر دعاوى تتهمه بازدراء الأديان وتشويه الرموز التاريخية.

​خلاصة واستنتاج

​يظل كتاب "جناية البخاري" حلقة من حلقات الصراع الفكري المستمر بين تيار يرى في الموروث الحديثي كلاً متكاملاً حُسمت صحته بأدوات المتقدمين ولا يجوز العبث به، وتيار يرى ضرورة إخضاع كل ما هو بشري وتاريخي للنقد والمراجعة المستمرة.

​إن غـربـلـة الموروث—في نظر الداعين إليها—هي محاولة لإنقاذ جوهر الدين، بينما يراها حراس التراث هدماً لأركان الهوية التشريعية؛ وبينهما يبقى العقل العربي في مواجهة مفتوحة مع أسئلة التجديد والتراث.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

منهجية الإمام مالك بين إكراهات السياسة وسلطة المأثور بقلم الناصر خشيني

    قراءة نقدية تفكيكية في بنية المذهب النَّقلي وتوطنه المغاربي إن إشكالية التعامل مع التراث المعرفي والفقهي الإسلامي تفرض علينا اليوم، أكثر...