التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قرات لكم كتاب عن العروبة والإسلام: تفكيك الثنائية الزائفة واستعادة سؤال النهضة بقلم: الناصر خشيني – تونس


 لا يُطرح سؤال العلاقة بين العروبة والإسلام في الفكر العربي المعاصر بوصفه سؤالًا معرفيًا بريئًا، بل غالبًا ما يُستعمل كسلاح أيديولوجي في صراعٍ زائف، استُهلكت فيه طاقات الأمة، بينما ظلّ التناقض الحقيقي بعيدًا عن المساءلة.

في هذا السياق، يكتسب كتاب «عن العروبة والإسلام» لعصمت سيف الدولة أهميته، لا لأنه يقدّم صيغة توفيقية بين مفهومين، بل لأنه يُفكّك السؤال نفسه، ويعيد وضعه في سياقه التاريخي والسياسي.

العروبة: من الانتماء العِرقي إلى الوظيفة التاريخية

لا يتعامل عصمت سيف الدولة مع العروبة بوصفها رابطة دم أو هوية إثنية مغلقة، بل يجرّدها من هذا الفهم الاختزالي ليعيد تعريفها كـوظيفة تاريخية حضارية.
فالعروبة التي يدافع عنها ليست نسبًا يُورَّث، بل دورًا يُنجَز؛ ليست قبيلة موسَّعة، بل إطارًا ثقافيًا تشكّلت داخله أمة قادرة على إنتاج معنى ورسالة.

بهذا المعنى، لم يكن الإسلام طارئًا على العروبة، ولا كانت العروبة قيدًا عليه، بل شكّلت اللغة العربية والثقافة العربية الشرط التاريخي لتحوّل الإسلام من دعوة روحية إلى مشروع حضاري عالمي.
العروبة التي لم تُنجب الإسلام كانت عصبية،
والعروبة التي احتضنته صارت أمة.

ومن هنا، لا معنى للحديث عن تعارضٍ بين العروبة والإسلام إلا إذا جرى تجريد الأولى من بعدها القيمي، أو فصل الثاني عن سياقه التاريخي والاجتماعي.

الإسلام: من رسالة تحرّر إلى أداة توظيف

ينطلق سيف الدولة من فهمٍ للإسلام باعتباره رسالة تحرّر وعدالة قبل أن يكون منظومة شعائر أو نصوص عقابية.
فالإسلام في لحظة ظهوره كان انحيازًا للمستضعفين، وتمرّدًا على بنية الظلم والاستغلال، لا غطاءً للسلطة ولا خطابًا لتكريس الواقع.

غير أن الانحراف الجوهري – كما يبيّن – لم يحدث بفعل التدين، بل بفعل تديين الاستبداد.
حين تحوّل الإسلام من معيار لمحاسبة الحاكم إلى أداة لتبرير حكمه، بدأ انفصاله عن وظيفته التاريخية.

وهنا يميّز بوضوح بين:

  • إسلام القيم: العدل، الكرامة، المساواة.

  • وإسلام التوظيف: فقه الطاعة، تجريم المعارضة، وتبرير القمع.

في الحالتين المتناقضتين ظاهريًا – الإسلام الرسمي والإسلام الغاضب – جرى إفراغ الدين من بعده العقلاني التحرّري، وتحويله إمّا إلى طقس منزوع السياسة، أو إلى غضب بلا أفق.

الصراع الحقيقي: ضد الاستعمار لا بين الهويات

يؤكد سيف الدولة أن الصراع المركزي في التاريخ العربي الحديث لم يكن يومًا بين العروبة والإسلام، بل بين مشروع تحرّر جامع وبين مشروع استعماريّ عمل على تفكيكه.
فالاستعمار أدرك مبكرًا أن التقاء العروبة بالإسلام يُنتج ذاتًا تاريخية مقاومة، فسعى إلى الفصل بينهما: قومية بلا عدالة، ودين بلا سياسة.

ومن هنا جاءت التجزئة القطرية لا كحلّ إداري، بل كأداة استراتيجية لتفكيك الأمة، ودفع التيارات القومية والإسلامية إلى صراع داخلي يستهلك طاقتها، ويُعفي العدو الحقيقي من المواجهة.

كلما احتدم النزاع بين “القومي” و“الإسلامي”،
تراجع سؤال التحرّر،
وغاب سؤال الوحدة،
وتحوّل الصراع من مواجهة الهيمنة إلى جدلٍ حول تأويل الماضي.

الدولة والنهضة المؤجَّلة

في تشخيصه لأزمة الدولة العربية، يرى سيف الدولة أن الدولة القطرية لم تفشل لأنها ضعيفة، بل لأنها قامت على نفي الأمة.
دولة سبقت مجتمعها، وانفصلت عن تاريخه، واستمدّت شرعيتها من الاستقرار القسري لا من مشروع تحرّري.

بهذا الانفصال، جرى:

  • تفريغ العروبة من بعدها السياسي،

  • وتحييد الإسلام اجتماعيًا،

  • وتعطيل النهضة بوصفها مشروعًا شاملًا للعدالة والتقدّم.

فالنهضة ليست أزمة أفكار، بل أزمة سلطة بلا أفق، ومجتمع بلا مشروع.
ولا تُبنى بقرارات فوقية، ولا بنماذج مستوردة، بل بوعيٍ تاريخي يرى في العروبة والإسلام أداتي تحرّر لا شعاري تعبئة.

خاتمة

لا يدافع عصمت سيف الدولة عن هوية ضدّ أخرى، بل عن مشروع تحرّر ضدّ التفكيك.
فالعروبة التي تُخاصم الإسلام تُخاصم تاريخها،
والإسلام الذي ينفصل عن قضايا الأمة يفقد روحه.

أما حين يُعاد وصل ما فُصل قسرًا،
وحين يُستعاد سؤال التحرّر بوصفه مركز الصراع،
تتوقّف الهويات عن التقاتل،
وتبدأ الأمة 



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...