التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الناصر خشيني: قراءة في كتاب “إعدام السجّان” للدكتور عصمت سيف الدولة

 


   يعد هذا الكتاب وثيقة إنسانية وفكرية نادرة، سطرها المناضل العروبي الدكتور عصمت سيف الدولة من داخل “الزنزانة”، وهي تعبر عن انتصار الإرادة الإنسانية على قهر السجون.

  1. فلسفة الكاتب في التحرر من الأقنعة: يبدأ المؤلف كتابه بموقف فكري لافت، حيث يعبر عن ضيقه بالمقدمات وأسماء المؤلفين، معتبراً إياها حواجز تحول دون لقاء القارئ بالحقيقة المجردة للكتاب. ويرى أن الأسماء “الكبيرة” قد تروج لفكر تافه، بينما يُظلم المبدعون الناشئون لأن أسماءهم لم “تكبر” بعد في سوق النشر. إن دعوته لتجريد الكتاب من اسم مؤلفه هي صرخة للتحرر من “عبودية الثقافة الغربية” التي تجعلنا نقدس الاسم الأعجمي لمجرد كونه أجنبياً.

  1. إهداء إلى طليعة الأمة: لم يكتب سيف الدولة هذا الكتاب ليكون مجرد سيرة ذاتية، بل أهداه إلى الشباب العربي المؤمن بوحدة أمته، والذين يعملون على صهر الطليعة القومية في تنظيم واحد لإقامة دولة “الوحدة الاشتراكية الديمقراطية”. كما قدم اعتذاراً فلسفياً للوجوديين، مؤكداً أنه اختبر تجربة “العدم” في سجنه، ووجد أن الإنسان بصلابته قادر على “إعدام” السجن والسجّان معاً.

  1. السجن كجامعة للحياة والإبداع: يؤكد المؤلف أن السجن لم يوقف نشاطه الفكري، بل زاده ثراءً ومضاءً، فخرج منه بحصيلة فكرية أغنى مما لو كان في أرقى الجامعات. وفي عتمة الزنزانة، تفجرت لديه ملكات فنية لم يعهدها من قبل، فشمل الكتاب رسائل، ومسرحاً، وشعراً، ورسماً، ونحتاً، كدليل على أن قوى الإنسان الكامنة تتفجر حين يحدق الخطر بإنسانيته.

  1. “الرسائل” وتهريب الفكر: يتناول الكتاب قصة “الرسائل” التي كان يكتبها على أوراق رقيقة يلفها داخل السجائر لتهريبها أثناء الزيارات. ويروي بمرارة وسخرية كيف احترقت بعض هذه الرسائل عندما تودد لأحد الحراس (الرقيب) وأعطاه “سيجارة ملغومة بالورق” ليتمكن من تمرير البقية. هذه الرسائل لم تكن مجرد كلمات، بل كانت “ومضة ضوء في جوف الظلمة” وتفنيداً لتهم كاذبة لُفقت له في تجربة قذرة خاض فيها المحققون والشرطة في أوحال الكذب.

  1. محتوى الكتاب (أفكار الزنزانة): رفض المؤلف تعديل أو تصحيح ما كتبه في السجن، حفاظاً على “قدسية أفكار الزنزانة” وثمارها الغريبة. وتوزع محتوى الكتاب بين:

رسائل إنسانية: تكشف زيف التهم السياسية وتؤكد على قيم الثقة والصداقة.

نماذج بشرية من السجن: مثل “عباس” الذي صار سجاناً بعد أن كان سجيناً جائعاً، والشيخ عبد الوهاب، وغيرهم من الشخصيات التي تعكس انكسارات المجتمع العربي.

رؤى قومية: تساؤلات حول “لماذا يركع الإنسان” في الوطن العربي، وحلم الوحدة الذي لا ينتهي.

خاتمة: إن “إعدام السجّان” ليس مجرد كتاب، بل هو بيان ثوري يؤكد أن القيد لا يحبس الفكر، وأن السجّان مهما بلغت قوته، يظل عاجزاً أمام إنسان قرر أن يحرر روحه وعقله أولاً. إنها دعوة لكل شاب عربي ليقرأ بعيداً عن “هالات الأسماء” ويقترب من جوهر الحرية



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...