التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف قضا عربية

القيروان: حاضرة المغرب العربي ومشكاة الحضارة الإسلامية بقلم الناصر خشيني

تحتل مدينة القيروان التونسية مكانة استثنائية في الوجدان العربي والإسلامي؛ فهي لم تكن مجرد مدينة عابرة في جغرافيا المغرب العربي، بل كانت منطلقاً لقرون من الإشعاع الفكري، والديني، والعسكري الذي غير وجه المنطقة. تأسست القيروان لتكون "معسكر الأمة" الحصين، وتحولت سريعاً إلى عاصمة علمية وحضارية نافست بغداد وقرطبة.   التأسيس والنشأة: درع العروبة والإسلام أُسست القيروان عام 50 للهجرة (670 ميلادي) على يد القائد الأموي عقبة بن نافع . واختار لها موقعاً استراتيجياً في قلب السهول التونسية بعيداً عن السواحل لحمايتها من غارات البيزنطيين البحرية. [ 1 , 2 , 3 ] الاسم والدلالة: اشتق اسم المدينة من المعنى الفارسي "كاروان" (المعسكر أو محط الرحال)، لتكون قاعدة انطلاق للفتوحات الإسلامية في شمال إفريقيا والأندلس.   عاصمة الأغالبة: بلغت المدينة أوج ازدهارها السياسي والمعماري في عهد الدولة الأغلبية (القرن الثالث الهجري)، حيث أصبحت العاصمة السياسية للمغرب الإسلامي بأكمله.    شواهد الحضارة: أبرز المعالم التاريخية في القيروان تزخر المدينة العتيقة، المصنفة كإرث عالمي من طرف اليونسكو، بمعا...

«ابن تيمية في قفص الاتهام المعاصر: هل شرعنت فتاوى الغزو التتاري وحشية الإرهاب الحديث؟» بقلم الناصر خشيني.

           تُعد إشكالية التراث الفقهي وعلاقته بظاهرة العنف المعاصر من أدق المباحث الفكرية التي تستدعي تفكيكاً بنيوياً هادئاً، بعيداً عن الانحياز الأيديولوجي أو الدفاع الاعتذاري. ويقع تراث الشيخ أحمد بن تيمية (ت 728هـ) في قلب هذا السجال، لا سيما الفتاوى التي عُرفت تاريخياً بـ "يستتاب وإلا قُتل". يسعى هذا المقال إلى قراءة هذه الفتاوى ضمن سياقها التاريخي المحكوم بالحروب الصليبية والغزو المغولي، مع رصد طبيعة تأثر حركات العنف المعاصر بها، وعرض الرؤى النقدية والتحليلية التي قدمها الفقهاء المعاصرون لتفكيك هذه المعضلة الفكرية. أولاً: بنية الفتاوى الحَدّية وسياق "فقه النوازل" التاريخي يكشف الاستقراء الإحصائي لمدونات ابن تيمية الفقهية، ولا سيما "مجموع الفتاوى"، عن وجود مساحة واسعة للأحكام المشروطة بصيغة الحسم القضائي: "يستتاب فإن تاب وإلا قُتل" [1]. وتشير الدراسات الاستقصائية المعاصرة إلى أن هذه الصيغة تكررت في سياقات مختلفة تتراوح ما بين 428 إلى أكثر من 460 موضعاً [2]، وشملت مسائل عقائدية فرعية، وعبادات عملية (كالمجاهرة بلفظ النية)، ومخالفات للمشهور من ال...

الحدود والتجزئة: جذور التخلف العربي ومسالك الخلاص بقلم الناصر خشيني — باحث ومحلل سياسي، نابل، تونس

مقدمة حين رسم الضابطان البريطاني مارك سايكس والفرنسي فرانسوا جورج بيكو خطوطهما الشهيرة عام 1916 على خريطة المشرق العربي، لم يكونا يرسمان حدوداً بين دول متجاورة، بل كانا يشقّان في جسد أمة واحدة شرايين النزيف التي لم تُقفل حتى اليوم.(1) في تلك اللحظة الاستعمارية الفارقة، تقرّر مصير مئات الملايين من البشر لعقود قادمة؛ فالخريطة التي أُنجزت لتقسيم المغانم بين لندن وباريس باتت شرطاً للوجود السياسي لكيانات هشّة، أُريد لها أن تتقاتل فيما بينها وتتبعثر طاقاتها في رسم حدود خيالية بدلاً من بناء مستقبل مشترك. فالحدود الوهمية التي زرعها المستعمر في جغرافيا العرب لم تكن أبداً إجراءً إدارياً بريئاً، بل كانت مشروع تخلف ممنهج أُريد به أن يكون دائماً. تسعى هذه الدراسة إلى كشف الترابط العضوي بين هذه التجزئة المفروضة والتخلف الشامل الذي يعانيه الوطن العربي على الأصعدة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، كما تسعى إلى التدليل على أن لا خروج من هذا المأزق الحضاري دون إعادة بناء الوحدة العربية على أسس ديمقراطية اشتراكية، وذلك هو الطريق الوحيد نحو التحرر الفعلي، بما في ذلك استعادة فلسطين والأراضي العرب...