التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من يونيو 21, 2026

دلالات الاعتراف بالدولة الفلسطينية: بين الأوهام الدبلوماسية وحقائق الميدان بعد "طوفان الأقصى" ​بقلم: الناصر خشيني (نابل - تونس)

   مقدمة: سراب الاعترافات الدبلوماسية مقابل واقع الاحتلال ​تتوالى موجات الاعتراف الدولي والدبلوماسي بالدولة الفلسطينية من قِبل قوى صاعدة في أمريكا اللاتينية وأوروبا، وهو ما يراه البعض مكسباً سياسياً كبيراً وانتصاراً ناجزاً على الكيان الصهيوني. غير أن القراءة الواقعية للميدان تكشف أن هذه الاعترافات -على أهميتها الرمزية- لا تغير من الحقائق المأساوية على الأرض شيئاً؛ ففلسطين التاريخية ما زالت ترزح تحت وطأة احتلال عسكري مباشر، يمارس أبشع سياسات التنكيل، والاعتقال، والتهجير، والتجريف، في ظل تواطؤ دولي وعربي يساهم -من حيث يشعر أو لا يشعر- في إطالة أمد هذا الاحتلال ومنحه شرعية زائفة على حساب الحق العربي التاريخي. إن تضخيم هذه المكاسب الدبلوماسية الهامشية يمثّل حالة من الوهم السياسي الذي يغطي على عمق المعاناة الإنسانية غير المسبوقة في التاريخ البشري [1]. ​ثانياً: حدود التعاطف الدولي وجدلية "الحق الكامل" ​إننا إذ نتوجه بالشكر والتقدير لكل الدول الصديقة والشعوب الحرة التي انتصرت لعدالة قضيتنا، فإنه من واجبنا المصارحة وطرح الأسئلة الجوهرية: هل يترجم هذا الاعتراف الدبلوماسي إقراراً بالحق...

الثروات المنهوبة: قطاع النقل بين تفريط الدولة وتغوّل الخواص بقلم: الناصر خشيني

مقدمة يُعدّ قطاع النقل، بكل تفرعاته البرية والجوية والبحرية والسككية، الشريان الذي تتنفّس من خلاله الدولة الحديثة، فهو المرفق الذي يصل التلميذ بمدرسته والعامل بمصنعه والمريض بمستشفاه والمنتج بسوقه. ومن هذا الموقع الحسّاس بالذات اختار رأس المال الخاص أن ينصب خيامه، مستغلا تقادم أسطول المؤسسات العمومية وتفاقم ديونها وعجزها عن الاستجابة لحاجيات المواطنين. وما كان لهذا التغوّل أن يتحقق لولا سياسات ممنهجة أفقرت الشركات الوطنية عمدا، تمهيدا لتسليم مرفق استراتيجي لمن لا يحكمه إلا منطق الربح. ولا يخفى أن من سنن الكون أن المال العام إذا غاب عنه الحارس أصابه الفساد، يقول تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) (البقرة: 188)، وهي آية تختصر مأساة المرفق العمومي التونسي في عمومه، وقطاع النقل في خصوصه. أولا: النقل الجوي.. من "تونيسار" المفخرة إلى عبء يتجاوز ملياري دينار كانت الخطوط التونسية "تونيسار" تحقق أرباحا صافية في العقد الأول من القرن الحالي، بلغت نحو 60 مليون دينار سنة 2009 وحدها[1]. غير أن السنوات التالية كشفت تدهورا متفاقما، حتى أصبحت الشركة، بحسب تقرير محكمة المحاسبا...

الصحة في تونس: حين يتحوّل حق المواطن في العلاج إلى سلعة في سوق المصالح الخاصة بقلم: الناصر خشيني

  مقدمة لا يَعدو قطاع الصحة في تونس أن يكون حلقة جديدة من حلقات النهب المنظم للثروة الوطنية والحق الاجتماعي للمواطن، إذ تحوّل الحق الدستوري في العلاج، تدريجيا وبصمت رسمي، إلى سلعة تخضع لمنطق العرض والطلب، يحتكرها من يملك المال ويُستبعَد منها من لا يملكه. فبين تغوّل القطاع الخاص على البنية الصحية الوطنية، وانهيار منظومة التزوّد بالدواء، وتفشّي ظاهرة الاتجار بالأعضاء البشرية، وغلاء التحاليل والفحوصات إلى حدود الابتزاز، وعجز الصناديق الاجتماعية عن الوفاء بدورها الحمائي، يتشكّل مشهد متكامل لمنظومة صحية مأزومة، تتقاسم أطرافها المتعدّدة المسؤولية عن تفريط الدولة في أحد أخطر مرافقها الاجتماعية. المحور الأول: تغوّل القطاع الخاص وانحسار القطاع العمومي شهد القطاع الصحي الخاص في تونس انتعاشة لافتة على حساب القطاع العمومي خلال العقد الأخير، إذ تطوّر عدد المصحات الخاصة بين سنتي 2014 و2021 من 90 إلى 109 مصحة، بينما ارتفع عدد العيادات الخاصة في الفترة نفسها من 7283 إلى 8760 عيادة، في وقت يستحوذ فيه القطاع الخاص على 55% من إجمالي الأطباء العاملين في البلاد [1]. وفي المقابل، لم تشهد البلاد طوال الع...

مشكلات قطاع التعليم في تونس: من إفلاس المدرسة العمومية إلى هيمنة السوق الخاصة بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة تشكّل المدرسة في كل المجتمعات الحديثة الرافعة الأساسية للتنمية والعدالة الاجتماعية، وقد راهنت تونس منذ استقلالها على التعليم المجاني والإلزامي بصفته أداة لتحقيق الترقي الاجتماعي وتكافؤ الفرص بين أبنائها. إلا أن المنظومة التربوية التونسية تعيش اليوم أزمة بنيوية متعددة الأبعاد، تتقاطع فيها تردّي البنية التحتية، وتفاقم الاكتظاظ والانقطاع المدرسي، وتراجع جودة التعلّم، واتساع الهوة بين مخرجات المدرسة وحاجيات سوق الشغل، في وقت تتقلّص فيه الموارد العمومية المخصصة للقطاع لصالح توسّع متسارع لمنظومة تعليم خاصة موجّهة أساساً للفئات الميسورة. وتسعى هذه المقالة، في إطار سلسلة تتناول القطاعات الحيوية في تونس، إلى تفكيك أبرز مظاهر هذه الأزمة بالاعتماد على أحدث المعطيات الرسمية والميدانية المتاحة. المحور الأول: تهالك البنية التحتية وشح الموارد المدرسية يعاني عدد كبير من المؤسسات التربوية العمومية، وخاصة في المناطق الداخلية والريفية، من قدم البنايات وتدهورها، إضافة إلى ضعف التجهيزات الأساسية كالمختبرات وقاعات الإعلامية ووسائل النقل المدرسي. وتكشف بيانات وزارة التربية أن عدد الم...

الصحيفة في المدينة أول دستور تعاقدي في تاريخ الإنسانية بعد الهجرة النبوية بقلم: الناصر خشيني

  مقدمة ينفرد الإسلام بقيم جديدة على الساحة العالمية في رفضه للظلم والدعوة إلى تغيير المنكر مهما كانت الصعوبات، فلا استكانة ولا هوان أمام الطغاة والمستبدين؛ إذ الأفراد والجماعات، مهما كانت الظروف والتحديات التي يواجهونها، مسؤولون أمام الله تعالى عن رفع الظلم عن أنفسهم، ولا ينتظرون حتى تأتي معجزة من السماء تغير ما بهم، فقد ولّى ذلك العهد إلى غير رجعة بهذه الرسالة الخاتمة. وهذا هو السر الحقيقي وراء انتصارات المسلمين أثناء الفتوحات الكبرى، بالرغم من عدم توازن القوى بينهم وبين أعدائهم، وذلك أنهم فهموا أن لهم دورا رساليا في هذه الحياة لا بد من أدائه على أكمل الوجوه. ومن أبرز تجليات هذا الفهم الثوري للدين، إقامةُ الرسول صلى الله عليه وسلم أول دولة عربية إسلامية في المدينة على أسس تعاقدية لم تكن مألوفة في تاريخ البشرية، وهو ما يستعرضه هذا المقال. المحور الأول: مسؤولية الإنسان أمام الله في رفع الظلم عن نفسه من أعظم ما جاءت به الرسالة المحمدية الخاتمة، أنها نقلت العلاقة بين الإنسان والظلم من علاقة انتظار وترقب إلى علاقة مسؤولية ومبادرة. فالأمم السابقة كانت تنتظر معجزة إلهية تنتصر لها من ظال...

المتاجرون بالدين تخلوا عن فريضة العلم والقرآن بقلم محمد الحبيب الاسود

  أدعياء الإسلام المتاجرون بالدين تخلوا عن فريضة العلم والقرآن  وفعلوا في الإسلام ما لم يستطع اليهود فعله لتحريف القرآن  وأثخنوا في أمة الإسلام هدما وإرهابا تحت شعار "الإسلام في خطر" ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ رغم محاولاتهم المتكررة والمستمرّة عبر التاريخ فقد عجز اليهود عن تحريف القرآن الكريم كما حرّفوا من قبل التوراة والإنجيل، ولكنهم تسللوا بالوضع والكذب والتحريف إلى سيرة النبي عليه صلاتي وسلامي، فكذبوا على الرسول ونسبوا إليه أقوالا من بني إسرائيل، وزيادة على الإسرائيليات فأسباب وضع الأحاديث كذبا على الرسول عديدة ومنها: إرادة البطش باسم الدين، أو تفضيل مذهب على مذهب... ولم يتم الاهتمام بتدوين الأحاديث النبوية إلا بعد قرنين من زمن الهجرة، حيث أكبر مخرجي الأحاديث سنا وهو البخاري ولد سنة 194ه في بخارى بأوزباكستان وكان كفيفا حسب أغلب المصادر، ونسبوا إليه أساطير منها جمع 600 ألف حديث على مدار 16 سنة أي بمقدار 103 أحاديث في اليوم مع الدقة والتحري، ولم يعثر الباحثون إلى اليوم عن كتاب مخطوط باسم محمد إسماعيل البخاري... وكما نرى لا نجد عربيا وا...

خرافة "السلام العادل" وحتمية التحرير بقلم: الناصر خشيني.

    قراءة في طبيعة الصراع العربي الصهيوني وحصاد العدوان بالأرقام   مقدمة كثيرا ما تُطرح مسألة "السلام العادل والدائم" في منطقة الشرق الأوسط، وهي في معظمها أطروحات مخادعة ومخاتلة، لا ترقى إلى الحل النهائي والشامل لمعضلة الشرق الأوسط، ولا يمكن أن تُنهي نزاعا قائما منذ نحو قرن من الزمان؛ وذلك لأن الحلول المقدَّمة جميعها في خدمة الكيان الصهيوني الغاصب للأرض والمعتدي على الحقوق. ونحن نعلم علم اليقين أن لكل مشكل حلا صحيحا واحدا موضوعيا، وأنه بنفس اليقين لا يمكن حله بغير ذلك الحل. وبناء عليه، إذا فهمنا قضية فلسطين فهما موضوعيا حقيقيا وبدون خداع، أمكن حينئذ وفقط السير نحو الحل الموضوعي الصحيح. وهذا المقال محاولة لتفنيد ذلك الخداع، واستعراض طبيعة الصراع الحقيقية، وتبيان الطريق الوحيد إلى التحرير، مع توثيق إحصائي لحصاد العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني عبر عقدين من الزمن. المحور الأول: في تفنيد خرافة "السلام العادل" المطروحة على الأمة أشرتُ في مقال سابق بعنوان "الصراع العربي الصهيوني وطبيعته" إلى أنه صراع وجود لا صراع حدود؛ فالصهاينة الذين يحتلون أرض فلسطين بالق...

القرآن وحده الآية: نقد حشد الخرافة الحسية في "دلائل النبوة" عند ابن كثير بقلم الناصر خشيني

   مقدمة يطرح هذا المقال مفارقة جوهرية في التراث السردي الإسلامي: فبينما يُقرّ كبار المصنفين، ومن بينهم ابن كثير في "البداية والنهاية"، بأن القرآن هو المعجزة الوحيدة التي تحدى بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم قومه، وأنه معجزة عقلية مستمرة لا تنقضي بانقضاء صاحبها، إلا أن هؤلاء المصنفين أنفسهم يعمدون إلى حشد عشرات بل مئات الروايات الحسية المادية بوصفها "دلائل نبوة" موازية أو مكمّلة. وسنحاول في هذه المحاور تفكيك هذه المفارقة، بدءًا من تأصيل فكرة التحدي القرآني، ومرورًا بنظرية تطور الأديان تبعًا لتطور المجتمعات، وانتهاءً بنماذج من حشد ابن كثير في الجزء السادس من "البداية والنهاية"، وقراءة في دلالة هذا الحشد التاريخية. المحور الأول: القرآن آية التحدي العقلي الوحيدة إنزال القرآن على الرسول هو أعظم المعجزات وأبين الحجج، لما اشتمل عليه من تركيب معجز تحدى به الإنس والجن: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} (الإسراء: 88)، وفي سورة الطور: {أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون * فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين}...

منهجية الإمام مالك بين إكراهات السياسة وسلطة المأثور بقلم الناصر خشيني

    قراءة نقدية تفكيكية في بنية المذهب النَّقلي وتوطنه المغاربي إن إشكالية التعامل مع التراث المعرفي والفقهي الإسلامي تفرض علينا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، التسلح بأدوات النقد البنّاء والقراءة التحليلية التفكيكية؛ لتجاوز منطق التمجيد الوعظي أو الهدم العبثي. ومن هذا المنطلق المعرفي، نقارب شخصية الإمام مالك بن أنس ومنهجه الفقهي المتمثل في كتاب "الموطأ". لم يكن منهج مالك مجرد استجابة باردة لمقتضيات النقل الشرعي، بل كان بنية فكرية معقدة تشكلت في محرق الصراع بين النص والواقع، وضمن إحداثيات سياسية واجتماعية بالغة التعقيد عاشتها الحواضر الإسلامية إبان الانتقال من الدولة الأموية إلى الدولة العباسية، وهو ما يفسر لاحقاً سر امتداده وتوطنه في الفضاء المغاربي والتونسي (1). أولاً: الموطأ وبنية المنهج: جدلية النقل وعمل أهل المدينة عند تشريحنا لمنهج الإمام مالك، نجد أن التميز الجوهري لمدرسته لا يكمن في مجرد جمع الأحاديث، بل في تقديمه "عمل أهل المدينة" كآلية تواترية تفوق في نظره رواية الآحاد. إن النقد العنيف الذي وُجّه للموطأ قديماً وحديثاً، وخاصة من مدارس أهل الحديث المتأخرة، نبع م...

مأزق الفكر الإسلامي المعاصر: من النصوصية الحنبلية إلى "حاكمية" الدمار الذاتي بقلم: الناصر خشيني

  مقدمة تمهيدية تعيش الأمة العربية والإسلامية في الراهن السياسي والحضاري مأزقاً إبستمولوجياً (معرفياً) فادحاً، يتجلى في ارتهان العقل الجمعي لمنظومات تراثية صُنعت في مناخات الصراع السلطوي القروسطي. إن تفكيك هذا الانسداد الحضاري يتطلب شجاعة نقدية تضع اليد على الجرح التاريخي؛ حيث تحولت "النصوصية الحرفية" من مجرد اختيار فقهي فرعي إلى أيديولوجيا شاملة صادرت الروح التحريرية للقرآن، وأفرزت في طياتها معالم العنف والتكفير والدمار الذاتي الذي يمزق أوطاننا اليوم، مستبعداً قضايا الأمة الجوهرية وعلى رأسها مجابهة التمدد الصهيونية الاستعمارية. أولاً: "مسند أحمد" وتحوير السلف إلى سلطة تشريعية يتجلى المأزق الفكري الأول في بنية الأثر الروائي نفسه؛ حيث يمثل "مسند أحمد" أضخم مستودع جامع للروايات [1]، دون الاكتراث بشروط الصحة الصارمة. إن تراكم الأحاديث الضعيفة والموضوعة في تضاعيف هذا السفر التاريخي [2]، شرع الأبواب لولوج الخرافة والإسرائيليات التي تصطدم صِدَاماً صارخاً مع قيم القرآن المحكمة ومبادئ العدل والتوحيد والتنـزيه. ومن تداعيات هذا الفكر النصوصي، جرى تحوير مفهوم "ا...