التخطي إلى المحتوى الرئيسي

​عالمية الإسلام ودور العرب في صياغة الحضارة ​بقلم الناصر خشيني






​أولاً: التطور التاريخي للرسالات وعالمية الإسلام
​لم يكن الإسلام حدثاً معزولاً، بل جاء تتويجاً وخاتمة لمراحل متعددة مرت بها الرسالات السماوية السابقة. لقد اتبعت هذه الرسالات نسقاً تصاعدياً تطور بتطور الواقع الاجتماعي للبشرية؛ فانتقلت من تنظيم الأسرة، إلى العشيرة، فالقبيلة، وصولاً إلى الأمة، ثم المجتمع الإنساني ككل.
​وعندما بلغ التطور البشري ذروته، جاء الدين الإسلامي برسالة عالمية وإنسانية موجهة للبشرية قاطبة، ليكون الدين النهائي لكل الإنسانية.
​ثانياً: استهداف قيم العدالة وتحور "التحريض الغربي" عبر التاريخ
​بسبب هذه العالمية، كان من الطبيعي أن يواجه الإسلام عداءً مستمراً من القوى التي تسعى في الأرض فساداً، مدفوعة بجبروتها المادي وطغيان مصالحها الاقتصادية. هذه القوى ناهضت قيم الخير والعدل والمساواة، وعملت على تشويه الدعوة والقائمين عليها عبر التاريخ عبر "تهم جاهزة" تتغير شخوصها وتتحد أهدافها:
​في عهد الرسول (ص): رُمي بالدعوة بتهم السحر، الشعوذة، الكهانة، والشعر.
​في القرون الوسطى: رُفعت شعارات كراهية الإسلام والدفاع عن الصليب إبان الحروب الصليبية.
​في العصر الحديث: تحولت التهم إلى "الجهل، التخلف، والبعد عن الحضارة" لتبرير الاستعمار، ثم تطورت إلى وصم المقاومة بـ "الإرهاب ومعاداة السامية" لحماية الكيان الصهيوني.
​إن كفار قريش الذين واجهوا الرسول حمايةً لمصالحهم التجارية والمادية، لا يختلفون في الجوهر عن عتاة الصهاينة، واليمين المسيحي المتصهين، والقوى الرجعية (بمن فيهم محسوبون على المسلمين) الذين يبررون التبعية بدعاوى "العلمانية، التحضر، أو البرجماتية السياسية".
​ثالثاً: التلازم العضوي بين العروبة والإسلام
​تميزت الأمة العربية عن بقية الشعوب الإسلامية برابطة تكوينية خاصة؛ فالإسلام كان شاهداً على ميلاد الأمة العربية عندما استقرت القبائل والشعوب على الأرض العربية قبل أربعة عشر قرناً.
​ولم يكن الإسلام مجرد "إضافة" طارئة للهوية العربية (كما هو الحال بالنسبة لبعض الشعوب غير العربية التي كانت لها أمم مستقلة قبل الإسلام أو بعده)، بل هو جزء من النسيج الثقافي والوجودي للعرب.
​مفهوم الهوية الحضارية:
حتى العرب الذين يدينون بالمسيحية، فإن حضارتهم وسياقهم الثقافي هو الحضارة الإسلامية. ولذلك تجدهم تاريخياً أقرب إلى مواطنيهم المسلمين من أصحاب دينهم في الغرب. وآية ذلك مشاركتهم الفعالة في التصدي للحروب الصليبية والحملات الاستعمارية، حيث لم يعد العامل الديني الطائفي هو المحدد، بل العامل الوطني والحضاري المشترك.
​رابعاً: استراتيجية "تفتيت المفتت" ونهب الثروات
​تدرك القوى المعادية للأمة العربية مكامن قوتها، ولذلك تعمد بخبث ودهاء إلى تدمير مقومات الصمود والممانعة عبر إشعال النعرات الدينية، الطائفية، والإثنية.
​إن أي اقتتال داخلي أو احتقان مذهبي (كما شهدته وترسبت آثاره في أقطار كالعراق، لبنان، اليمن، السودان، والجزائر) يصب في مصلحة المستعمرين والصهاينة. هؤلاء يصبون الزيت على النار لإطالة أمد هيمنتهم، وتمكينهم من نهب ثروات الأمة، وتمديد عمر الكيان الصهيوني الذي تؤكد القراءات التاريخية والدراسات الاستشرافية أنه كيان طارئ لن يدوم طويلاً.
​خامساً: نماذج الصمود وبصيص الأمل
​تمتلك الأمة العربية إمكانيات بقاء وصمود استثنائية بحكم ارتباطها الوثيق بالإسلام. والتاريخ الحديث يقدم أدلة ناصعة على ذلك:
​العراق: كيف تمكن جزء محاصر من الشعب العراقي من استنزاف أعتى قوة عسكرية وإعلامية في العالم (الولايات المتحدة) وتدمير اقتصادها في بضع سنوات.
​لبنان: نجاح المقاومة في مواجهة الكيان الصهيوني رغم التآمر المفضوح.
​فلسطين (غزة): تجذر قوى الممانعة والمقاومة على الأرض، وتحقيقها لـ "توازن الرعب" مع العدو الصهيوني رغم الحصار الخانق وتواطؤ بعض الأنظمة.
​سادساً: خاتمة المقال (حتمية التاريخ وسقوط الطغاة)
​في النهاية، تنتمي الأمة العربية بكل مكوناتها لحضارة إسلامية عصية على الفناء. ويكفي أن نتذكر صلف الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن عقب أحداث 11 سبتمبر 2001 عندما أعلنها "حرباً صليبية"، كيف انتهى به المطاف في نهاية ولايته الثانية ليودع المنطقة بفردتي حذاء الصحفي منتظر الزيدي. فهل يتعظ الطغاة، 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...