التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من أغسطس 9, 2026

أزمة المياه المعدنية في تونس: عطش مُصنّع في بلاد الوفرة بقلم: الناصر خشيني

 مدخل من المفارقات التي لا يمكن أن يبتلعها عقل، أن يستفيق التونسي على أزمة في زجاجة ماء معدني، في بلد امتلأت سدوده بعد موسم مطري وُصف بالاستثنائي، وارتفعت فيه نسب الامتلاء إلى مستويات لم تُسجَّل منذ سنوات. المفارقة الأعمق أن هذه المياه المعدنية أصلاً لا علاقة مباشرة لها بالسدود ولا بالأمطار السطحية، فهي منابع باطنية جوفية، محمية بطبقات جيولوجية، لا يُفترض أن تتأثر بموسم جفاف أو موسم خصب. ومع ذلك، ها هي القارورة تغيب عن الرفوف تارة، وتُباع بأثمان مضاعفة تارة أخرى، فيما تتقاذف الأطراف الرسمية والمهنية الاتهامات بينها: تارة "أزمة كهرباء في المصانع"، وتارة "وسطاء غير نظاميين"، وتارة "موجة حر استثنائية". روايات متعددة، والنتيجة واحدة: مواطن يدفع أكثر مقابل أقل، وثقة تتآكل يوماً بعد يوم في كل خطاب رسمي يحاول تبرير ما لا يحتاج إلا إلى تفسير واحد بسيط: من يتحكم في الصنبور يتحكم في الرقاب. الماء الذي لم يعد صالحاً للشرب لفهم عمق الأزمة، لا بد من العودة إلى نقطة الأصل: تراجع الثقة في مياه الشبكة العمومية التي توزعها الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه. في أذهان شر...

الدكتور يحيى المشد.. شهيد العلم السيادي ومهندس الحلم النووي العربي المجهض بقلم: الناصر خشيني 

   يمثل عالم الذرة الفذ البروفيسور يحيى المشد (1932 - 1980) طليعة العبقرية العلمية التقدمية التي أدركت مبكراً أن السيادة التكنولوجية والعلمية هي جوهر الاستقلال الوطني الحقيقي . لم يكن المشد أكاديمياً منغلقاً في مختبره، بل كان مقاتلاً استراتيجياً سخر علمه الخارق لبناء القوة الردعية للأمة العربية، مما جعله في المرمى المباشر لأجهزة المخابرات الإمبريالية والصهيونية التي لا تسمح للعقل العربي بكسر طوق التخلف المفروض كولونيالياً. أبعاد الفكر التقدمي والقومي في مسيرة المشد: تأسيس العقل العلمي العربي : تخرج المشد من جامعة الإسكندرية وسافر في بعثة إلى الاتحاد السوفيتي حيث نال الدكتوراه في الهندسة النووية عام 1963 بامتياز وتخصص نادر. وعقب عودته، ساهم بقوة في بناء "هيئة الطاقة الذرية المصرية" في عهد جمال عبد الناصر، مؤمناً بأن الاشتراكية والنهضة الاقتصادية بحاجة إلى طاقة نووية سيادية تقود قاطرة الصناعات الثقيلة والتقدم العلمي الشامل [1، 2]. الانتقال إلى العراق وقيادة البرنامج النووي العروبي : عقب نكسة 1967 ومناخ الركود الذي أصاب المشروع النووي المصري في السبعينيات، بادر المشد مدفوعاً ...

الدكتور عصمت سيف الدولة.. فيلسوف القومية العربية ومنظر جدلية الحرية والوحدة بقلم: الناصر خشيني 

  لم يكن الفيلسوف والمفكر القانوني الكبير الدكتور عصمت سيف الدولة (1923 - 1996) مجرد شارح أيديولوجي للناصرية، بل كان العقل الفلسفي الأعمق الذي صاغ للمرة الأولى نظرية علمية متكاملة للفكر القومي التقدمي. ومن خلال مشروعه المعرفي الفذ "نظرية الثورة العربية" ، نقل سيف الدولة الفكر العروبي من حيز الشعارات الوجدانية والرومانسية إلى مدار التحليل الجدلي العلمي، مبرهناً على التلازم العضوي بين تحرر الإنسان وتحرر الأوطان [1، 2]. أبعاد الفكر التقدمي والقومي في مسيرة سيف الدولة: تأصيل "نظرية الثورة العربية" : أحدث سيف الدولة ثورة في مناهج الفكر القومي بكتابه الموسوعي "نظرية الثورة العربية" بأجزائه المتعددة؛ حيث فكك البنى الاجتماعية والاقتصادية للوطن العربي مستخدماً المنهج الجدلي، وأثبت أن الاشتراكية والوحدة والحرية ليست أهدافاً منفصلة بل هي أقانيم لثورة اجتماعية واحدة لا تتجزأ، معتبراً أن حرية المواطن العربي هي حجر الزاوية لبناء أمة مهابة الجانب [1، 3]. الدفاع عن الحريات ونقد الاستبداد : تميز سيف الدولة بنزاهته وشجاعته الفكرية التقدمية؛ فرغم إيمانه المطلق بالتجربة ...

نظام "الطيبات": حين يُستعار النص المقدّس لتغليف نظرية بشرية بقلم الناصر خشيني

    تقديم في زمن يبحث فيه كثيرون عن "الحل السحري" لأمراض العصر، برز في الساحة العربية نظام غذائي حمل اسمًا مشحونًا دينيًا: "نظام الطيبات"، الذي وضعه الدكتور ضياء العوضي رحمه الله، مستندًا في تسميته إلى قوله تعالى "كلوا من طيبات ما رزقناكم" و"أُحل لكم الطيبات". غير أن التدقيق في هذا النظام يكشف عن مفارقة منهجية خطيرة: استعارة مفهوم قرآني عام ذي طبيعة تشريعية-أخلاقية، وتحويله قسرًا إلى قائمة إجرائية من المسموحات والممنوعات لا سند علمي مستقل لها. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يجوز أصلاً استنباط "نظام غذائي" بالمعنى الفسيولوجي الدقيق من نص قرآني لم يُوضع لهذه الغاية؟ أولًا: الفارق بين "الطيبات" القرآنية والطيبات الإجرائية مصطلح "الطيبات" في القرآن مفهوم فقهي-أخلاقي جامع، يشمل كل ما هو حلال طاهر نافع غير مستقذر، في مقابل "الخبائث" المحرّمة كالميتة والدم ولحم الخنزير. هو خطاب يقرر مبدأ الحِلّ الشرعي، لا مواصفات بيوكيميائية دقيقة. أما نظام العوضي فهو تصنيف إجرائي مبني على نظرية شخصية عن الالتهابات، ينتمي إلى مستوى معرف...

عروبة القرآن وعالمية الإسلام: الفطرة السليمة أساسًا لنظام إنساني شامل بقلم الناصر خشيني

 ت قديم                                                                                                                                           حين ننظر إلى العلاقة بين عروبة القرآن وعالمية الرسالة المحمدية، لا نقف أمام تناقض بحاجة إلى تسوية، بل أمام معادلة متكاملة: العروبة هنا ليست عصبية جاهلية ولا انتماء عرقيًا ضيقًا، بل هي الوعاء اللغوي والفطري الذي اختاره الوحي ليخاطب به الإنسانية جمعاء¹. فحين ينزل القرآن "بلسان عربي مبين"²، فإن ذلك لا يحصر الرسالة في قوم دون آخرين، بل يجعل من العربية أداة تعبير عن معانٍ فطرية صافية، قابلة لأن تُترجم إلى كل لسان وتخاطب كل إنسان. العروبة كفطرة لا كعصبية العروبة، في جوهرها القرآني، ليست هوية دموية مغل...

اتفاق مكة الهش... ومن أين يستمد الحوثيون هذه الجرأة؟ بقلم الناصر خشيني

    مدخل بالكاد جفّ حبر التوقيع على اتفاق مكة الدفاعي الذي جمع الرياض وأنقرة وإسلام آباد في السابع من آب الجاري، حتى كانت طائرة حوثية مسيّرة تخترق سماء جازان لتصيب مصفاة أرامكو في قلب المنشآت النفطية السعودية. لم تمرّ سوى ساعات معدودة بين احتفالية "التحالف الدفاعي الجماعي" وبين رسالة عسكرية واضحة من صنعاء مفادها: هذا الاتفاق، مهما كانت ضخامة الأسماء الموقعة عليه، لا يردعنا ولا يخيفنا. والمفارقة هنا ليست شكلية، بل هي جوهر الأزمة التي يرفض الخطاب الرسمي العربي مواجهتها: ثالوث سنّي موصوف بالولاء لواشنطن، لا يمانع طرفاه التركي والسعودي، كل بحساباته الخاصة، في مدّ جسور التطبيع مع الكيان الصهيوني أو التعايش معه إقليميًا، يخرج من قاعة التوقيع ليجد نفسه عاجزًا عن حماية مصفاة نفط واحدة من طائرة صغيرة انطلقت من أفقر بلد عربي. السؤال الذي يتهرب منه الجميع من أين يستمد الحوثيون كل هذه الجرأة؟ هذا هو السؤال الذي يتفادى الإعلام الرسمي الخليجي طرحه بصراحة، لأن الإجابة عنه تفكك سردية "التحالفات الرادعة" من أساسها. فحركة نشأت في جبال صعدة، محاصرة دوليًا، مصنّفة إرهابية من عواصم عدة،...

التفسير التجريدي للقرآن: تحرير النص من أسر "أسباب النزول" التاريخية بقلم الناصر خشيني

  أولاً: مدخل في عالمية النص وإقليمية الرواية جاء القرآن الكريم كرسالة خاتمة، كافية، ومخاطبة للفطرة الإنسانية في كل زمان ومكان. ومع ذلك، عانى الفكر الإسلامي طويلاً من محاولات "تقييد" هذا النص الإلهي المطلق، وحبسه داخل زجاجة التاريخ الضيقة عبر ما سُمي بـ"أسباب النزول". إن التعامل مع أسباب النزول كشرط شارح أو حاكم لفهم القرآن يمثل جناية معرفية تحول الكتاب الكونى إلى مجرد "سجل يوميات" لبيئة يثرب ومكة في القرن السابع الميلادي. ثانياً: تهافت البناء الروائي لأسباب النزول تعتمد المدرسة التجديدية المعاصرة على تفكيك مقولة "أسباب النزول" بناءً على الحجج التالية: صناعة بشرية متأخرة: أسباب النزول ليست وحياً توقيفياً، بل هي جُملة من مرويات الآحاد والقصص التي جمعها الرواة والمفسرون بعد عقود من وفاة النبي. كان الراوي المتأخر يرى واقعة تاريخية تشبه حكماً قرآنياً، فيقول باجتهاده: "نزلت هذه الآية في كذا"، فظن العقل التراثي اللاحق أن الحادثة هي العلة الحتمية لوجود الآية. الاضطراب والتمزق الروائي: عند فتح كتب التفسير بالمأثور، نجد للآية الواحدة أحياناً ر...

قراءة في صحيح البخاري بقلم الناصر خشيني

الفهرس تمهيد عام الكتاب الأول: في منهج البخاري وحجية الكتاب التنافس المفترض بين القرآن والسنة قصة جمع الصحيح وشهادة الفِرَبْري إشكالية الرواة المجروحين إحصاء الأحاديث ومكرراتها الكتاب الثاني: كتاب الإيمان وكتاب العلم كتاب الإيمان بين العبادة والقيم الكبرى كتاب العلم ونصوصه الكتاب الثالث: أبو هريرة وإشكالية الرواية الكثيفة الكتاب الرابع: في المتن — تعارض روايات بدء الوحي الكتاب الخامس: جهد البخاري بين الإعجاز والواقع الكتاب السادس: كتاب الطهارة كتاب الوضوء كتاب الحيض كتاب الغسل الكتاب السابع: كتاب التيمم الكتاب الثامن: كتاب الصلاة كيف فُرضت الصلاة — الإسراء والمعراج تعارض روايتي عائشة في نزول فرض الصلاة مواقيت الصلاة وحديث وليمة أبي بكر لباس الصلاة — حديث كشف الفخذ وقصة صفية البصاق والنخامة في المسجد تمهيد عام التعريف بالكتاب: المؤلف: محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، المتوفى سنة 256هـ المحقق: محمد زهير بن ناصر الناصر الناشر: دار طوق النجاة الطبعة: الأولى، 1422هـ عدد الأجزاء: 9 بنظرة عابرة على عناوين الكتب والأبواب الواردة في صحيح البخاري، واسمه الرسمي هو "الجامع المسند ...