مدخل من المفارقات التي لا يمكن أن يبتلعها عقل، أن يستفيق التونسي على أزمة في زجاجة ماء معدني، في بلد امتلأت سدوده بعد موسم مطري وُصف بالاستثنائي، وارتفعت فيه نسب الامتلاء إلى مستويات لم تُسجَّل منذ سنوات. المفارقة الأعمق أن هذه المياه المعدنية أصلاً لا علاقة مباشرة لها بالسدود ولا بالأمطار السطحية، فهي منابع باطنية جوفية، محمية بطبقات جيولوجية، لا يُفترض أن تتأثر بموسم جفاف أو موسم خصب. ومع ذلك، ها هي القارورة تغيب عن الرفوف تارة، وتُباع بأثمان مضاعفة تارة أخرى، فيما تتقاذف الأطراف الرسمية والمهنية الاتهامات بينها: تارة "أزمة كهرباء في المصانع"، وتارة "وسطاء غير نظاميين"، وتارة "موجة حر استثنائية". روايات متعددة، والنتيجة واحدة: مواطن يدفع أكثر مقابل أقل، وثقة تتآكل يوماً بعد يوم في كل خطاب رسمي يحاول تبرير ما لا يحتاج إلا إلى تفسير واحد بسيط: من يتحكم في الصنبور يتحكم في الرقاب. الماء الذي لم يعد صالحاً للشرب لفهم عمق الأزمة، لا بد من العودة إلى نقطة الأصل: تراجع الثقة في مياه الشبكة العمومية التي توزعها الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه. في أذهان شر...
الحرية اولا صحيفة الحرية والوحدة للامة العربية من الخليج للمحيط