التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدكتور عصمت سيف الدولة.. فيلسوف القومية العربية ومنظر جدلية الحرية والوحدة بقلم: الناصر خشيني 


 لم يكن الفيلسوف والمفكر القانوني الكبير الدكتور عصمت سيف الدولة (1923 - 1996) مجرد شارح أيديولوجي للناصرية، بل كان العقل الفلسفي الأعمق الذي صاغ للمرة الأولى نظرية علمية متكاملة للفكر القومي التقدمي. ومن خلال مشروعه المعرفي الفذ "نظرية الثورة العربية"، نقل سيف الدولة الفكر العروبي من حيز الشعارات الوجدانية والرومانسية إلى مدار التحليل الجدلي العلمي، مبرهناً على التلازم العضوي بين تحرر الإنسان وتحرر الأوطان [1، 2].

أبعاد الفكر التقدمي والقومي في مسيرة سيف الدولة:
  • تأصيل "نظرية الثورة العربية": أحدث سيف الدولة ثورة في مناهج الفكر القومي بكتابه الموسوعي "نظرية الثورة العربية" بأجزائه المتعددة؛ حيث فكك البنى الاجتماعية والاقتصادية للوطن العربي مستخدماً المنهج الجدلي، وأثبت أن الاشتراكية والوحدة والحرية ليست أهدافاً منفصلة بل هي أقانيم لثورة اجتماعية واحدة لا تتجزأ، معتبراً أن حرية المواطن العربي هي حجر الزاوية لبناء أمة مهابة الجانب [1، 3].
  • الدفاع عن الحريات ونقد الاستبداد: تميز سيف الدولة بنزاهته وشجاعته الفكرية التقدمية؛ فرغم إيمانه المطلق بالتجربة الناصرية ووفائه للقائد جمال عبد الناصر، إلا أنه لم يتردد في توجيه نقد موضوعي صارم لأخطاء النظام في ملف الحريات والديمقراطية السياسية، مؤكداً في أطروحته التأسيسية "الديمقراطية المستحيلة" أن حجب الحرية عن الشعب يضعف الحاضنة الاجتماعية للمشروع القومي ويفتح الباب أمام قوى الردة والتبعية للاستقواء بالخارج [2، 4].
  • مواجهة التطبيع والردة الساداتية: وقف الدكتور عصمت بصلابة قانونية وفكرية مرعبة ضد اتفاقيات "كامب ديفيد" ومسار الانفتاح الاقتصادي؛ فأسس مع رفاقه "التيار القومي الناصري" وحوّل قاعات المحاكم والندوات إلى جبهات لمقاومة التطبيع وفضح الاختراق الصهيوني للإرادة المصرية، مؤصلاً لحق الأمة التاريخي والشرعي في المقاومة المسلحة والشاملة لانتزاع كامل تراب فلسطين من النهر إلى البحر.
هوامش ومراجع المقال :
  1. سيف الدولة، عصمت (1971). نظرية الثورة العربية (المنطلق، المفهوم، الأداة)، بيروت: دار المسيرة للنشر.
  2. سيف الدولة، عصمت (1975). الطريق إلى الديمقراطية المستحيلة، القاهرة: مطبعة مدبولي، ص 89-97.
  3. ياسين، السيد (1998). الفكر القومي العربي في الميزان الفلسفي: دراسة في أطروحات عصمت سيف الدولة، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ص 142-150.
  4. شرف، عبد العزيز (1992). رواد التغيير والجدل الجيوسياسي في مصر الحديثة، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص 210-216.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...