قائمة المدونات الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا اسلامية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا اسلامية. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 21 يوليو 2026

صرخة تنويرية في مهب التحولات: عندما تسبق السياسةُ الوعيَ الاجتماعي بقلم: الناصر خشيني



الأجيال العربية القادمة بحاجة إلى معرفة الحقيقة كما هي، دون تجميل أو تزييف. والتاريخ لا يرحم الذين صمتوا، كما أنه لا ينسى الذين خاضوا معارك التنوير عندما كان الفكر المتشدد والتيارات المؤدلجة في أوج سطوتها.
منذ خمسة عشر عاماً خلت، أخذت على عاتقي —من واقع تخصصي في الشريعة الإسلامية وفهمي لمقاصدها الحقيقية— مهمة تفكيك وتخطئة الأفكار الوهابية المتشددة وخطاب تيارات الإسلام السياسي. أسستُ رفقة الدكتور رياض الصيداوي "صحيفة التقدمية" في سويسرا، وجعلناها منبراً لفضح الفتاوى التي اعتبرناها ضالة ومشوهة لجوهر الدين. انتقدنا بشدة النظرة الدونية للمرأة، وسيادة الرجل المطلقة عليها، والفتاوى الممعنة في الغرابة والتي وصلت إلى حد تحريم استخدام المرأة للإنترنت إلا بوجود مَحرم (كما نُسب للشيخ سعد الغامدي)، أو تحريم قيادة السيارة، وصولاً إلى فتاوى تحريم كرة القدم، والتصوير، والفنون التشكيلية.
ولم يتوقف نقدنا عند الفتاوى الاجتماعية والاجتهادات الخاطئة، بل امتد ليفضح الانحراف الأخلاقي والسياسي في فتاوى النوازل والحروب. ولقد وقفتُ بقلمي شاهداً وناقداً ومندداً بتلك المحطة التاريخية الخطيرة عام 2013، حين اجتمع في القاهرة —إبان عهد محمد مرسي— أكثر من 500 عالم وممثل لـ 70 جمعية ومنظمة إسلامية في مؤتمر جرى فيه توجيه الأمة نحو اقتتال داخلي مدمر.
لقد انتقدتُ بشدة مخرجات ذلك الاجتماع الذي أعلن "وجوب الجهاد في سوريا" بالنفس والمال والسلاح، في وقت كانت فيه بوصلة فلسطين تُنسى وتُهمش. كان هذا التوجه انسجاماً مع الفتاوى والخطابات التحريضية الصادرة عن الشيخ يوسف القرضاوي، الذي لم يكتفِ بشرعنة الاقتتال الداخلي، بل دعا علانية إلى اغتيال القادة (مثل القذافي وبشار الأسد) وشرعن التدخلات العسكرية وقصف العواصم العربية كطرابلس ودمشق. لقد تسببت تلك الفتاوى في "أفغنة" الصراعات العربية، وسالت بسببها دماء مئات الآلاف من الأبرياء، ودُمرت أوطان بأكملها تحت غطاء ديني زائف برر الاستقواء بالخارج لتدمير الداخل.
كنا نبحث —عبر صحيفتنا وكتاباتنا— عن "إصلاح ديني وجذري" يعيد للمجتمع توازنه، ويصون دماء المسلمين، وينصف المرأة، ويصوب بوصلة الأمة نحو قضاياها الوجودية العادلة كقضية فلسطين، ويفتح الباب أمام الفنون والعلوم لمواكبة العصر ضمن إطار اجتهادي تنويري أصيل. وضغطنا بكل ما نملك من قوة الكلمة والحجة الشرعية، وانتظرنا أن تثمر هذه الجهود عن نهضة فكرية وعقلانية يقودها المثقفون المتنورون.
لكن المفارقة التاريخية المريرة، هي أن التغيير في المنطقة عندما جاء، لم يأتِ نتيجة نضج مجتمعي أو حراك فكري تقوده النخب التنويرية، بل جاء بقرار سياسي فوقي تحول بموجبه المشهد من أقصى اليمين المتشدد إلى النقيض الآخر تماماً. وبدلاً من الانفتاح العقلاني المدروس، شهدنا تحولات اتسمت بالسطحية، حيث فُتحت الأبواب لما وُصف بمهرجانات العري، وتجاوزت التنازلات الثوابت السياسية والقومية لتصل إلى التطبيع مع الكيان المحتل.
إن المرارة التي أستشعرها اليوم —والتي وثقتها في كتابي "فتاوى التقدمية" المنشور رقمياً— تنبع من رؤية التوجه الغالب وهو ينقاد لإرادة الحكام والتقلبات السياسية، لا لإرادة وفكر المثقفين المتنورين.
أكتب هذا للأجيال القادمة ليعلموا أن تحرير العقل وبناء الأوطان لا يحدث بالقفز من التشدد الأعمى والفتن المذهبية إلى الانفتاح السطحي والتطبيع، بل بالوعي، والتعليم، والاجتهاد المقاصدي الحقيقي الذي يحقن الدماء ويحفظ الهوية. ستبقى مواقفنا شهادة على مرحلة صعبة، ولن يتوقف قلم المثقف عن النقد، لأن معركة التنوير الحقيقية هي معركة بناء الإنسان وحماية الأوطان، لا معركة ترفيه عابر أو مصالح سياسية متقلبة.

الاثنين، 20 يوليو 2026

معادلات الاستكبار وكلفة الحماقة الأمريكية-السعودية بقلم الناصر خشيني

خداع ترامب الجديد... وإيران التي لقّنت واشنطن درس الردع بقلم: الناصر خشيني



مدخل

كل اتفاق وقّعته واشنطن مع طهران في العقود الأخيرة كان جسراً إلى خرق جديد، لا إلى سلام حقيقي. هذه ليست مصادفة، بل بنية متكررة في العقل الاستراتيجي الأمريكي الذي يرى في المفاوضات أداة لكسب الوقت، لا التزاماً بالكلمة. وها هي الإدارة الأمريكية، بعد أشهر من التلويح بالتفاوض، تُقدم على ما وصفه ترامب نفسه بأن إيران "ستدفع الثمن"، في تصعيد عسكري مباشر تجاوز كل الخطوط التي كانت تُرسم سابقاً كحدود للاشتباك غير المعلن.

الرد الذي لم يكن ينتظره أحد بهذا الاتساع

المعطيات الواردة من مصادر إيرانية ومقاومة تتحدث عن عملية متعددة الجبهات، طالت في وقت متزامن تقريباً قواعد ومنشآت أمريكية في سوريا والكويت والأردن والبحرين، إضافة إلى استهداف مواقع في قطر وعُمان والعراق بحسب تقارير دولية موثقة. وبحسب بيان الحرس الثوري، استُهدف 21 موقعاً أمريكياً، من بينها حظيرة لطائرات F-35 في قاعدة الأزرق الأردنية، إلى جانب ضربات صاروخية ومسيّرة طالت قاعدة "علي السالم" في الكويت والأسطول الخامس في البحرين.

هذه ليست "مناوشة" بالمعنى العسكري التقليدي. إنها رسالة ردع مركّبة، صيغت لتقول لواشنطن إن أي عدوان على الأراضي الإيرانية سيُقابَل بثمن يتوزع على كامل الخريطة التي تنتشر فيها القواعد الأمريكية في المنطقة — لا في إيران وحدها.

التنف: رمزية الأرض التي لا تُنسى

الرواية الإيرانية تتحدث عن استهداف "التنف" كرد على ما وصفته بضربة أمريكية قرب مستشفى للأطفال المصابين بالسرطان في إيران. صحيح أن القوات الأمريكية كانت قد أعلنت انسحابها الرسمي من هذه القاعدة في فبراير الماضي ضمن إعادة انتشار أوسع، لكن الرمزية هنا أهم من التفاصيل اللوجستية: التنف كانت لعقد كامل عنوان الوجود الأمريكي غير الشرعي على الأرض السورية، واستهدافها — ولو رمزياً أو جزئياً — يحمل رسالة أن "الاستكبار" لا يملك أرضاً آمنة في هذا الإقليم، حتى بعد أن أخلاها.

الخليج: حين تتحول القواعد إلى عبء أمني على مضيفيها

الأخطر في هذا التصعيد ليس فقط الخسائر المادية المزعومة في الكويت والأردن والبحرين، بل السؤال الذي بات يُطرح بإلحاح متزايد في دول الخليج نفسها: إلى متى تبقى هذه القواعد ثمناً تدفعه شعوب لا ناقة لها ولا جمل في حرب لا تخوضها؟ حين تتحول مدن مثل الدوحة والمنامة إلى ساحات تُطلق فيها صفارات الإنذار وتُغلق فيها الأجواء، يصبح السؤال عن جدوى استضافة القواعد الأمريكية سؤالاً وجودياً لا سياسياً فقط.

قراءة في الخطاب لا في الحقائق وحدها

من المهم، كصحافيين وكتّاب رأي، أن نميّز بين ما تؤكده المصادر الدولية المستقلة وما تعلنه الأطراف المتحاربة عن نفسها. الحرس الثوري يتحدث عن نجاح شبه كامل في ضرب أهدافه؛ واشنطن، في المقابل، لم تصدر حصراً رسمياً شاملاً للخسائر. هذا الغموض بالذات هو سلاح إيراني بامتياز: فحتى لو كانت الأضرار الفعلية أقل مما تصفه البيانات الإيرانية، فإن مجرد قدرة طهران على تنفيذ ضربة متعددة الجبهات، متزامنة، وصلت إلى ست دول في وقت واحد تقريباً، هي بحد ذاتها رسالة ردع تفوق قيمتها العسكرية المباشرة.

السر الذي يتكتم عليه البنتاغون: صمت يتحدث أكثر من أي بيان

في مقابل الحماس الإعلامي الإيراني بنشر تفاصيل كل ضربة ومعداتها ونتائجها، يلتزم البنتاغون بصمت مطبق يثير أكثر مما يهدئ. فمنذ الليلة الأولى للتصعيد، لم تصدر واشنطن حصيلة رسمية شاملة للخسائر البشرية أو المادية في قواعدها بالمنطقة، مكتفية ببيانات مقتضبة تتحدث عن "اعتراض ناجح" لمعظم التهديدات، دون تفاصيل تُذكر عن حجم الأضرار الفعلية أو عدد المصابين.

هذا النمط ليس جديداً على العقيدة العسكرية الأمريكية. فمنذ حرب فيتنام، ومروراً بالعراق وأفغانستان، دأب البنتاغون على تبني سياسة "التعتيم الانتقائي": الإعلان السريع عن أي نجاح عسكري، مقابل تأخير أو تجزئة أو حتى حجب الأرقام الحقيقية للخسائر، تحت ذريعة "الأمن التشغيلي" أو "عدم منح العدو معلومات استخباراتية". لكن خلف هذه الذريعة التقنية، تكمن حسابات سياسية أعمق: فالرأي العام الأمريكي، الذي أنهكته حروب الشرق الأوسط الطويلة، لا يحتمل صوراً جديدة لتوابيت ملفوفة بالعلم الأمريكي وهي تعود من قواعد لم يسمع بأسمائها أغلب الناخبين أصلاً.

أما دور الإعلام الغربي السائد في هذا المشهد فليس بريئاً بدوره. فالتغطية التي تصف الضربات الإيرانية بـ"محدودة" أو "رمزية"، دون انتظار تأكيد مستقل لحجم الأضرار، تعكس انحيازاً بنيوياً أقرب إلى الاصطفاف السياسي منه إلى الحياد المهني. حين تتحول عبارات مثل "مصادر دفاعية رفضت التعليق" إلى الصيغة الوحيدة المتاحة للجمهور الغربي، فإن الفراغ الذي يتركه هذا الصمت الرسمي والإعلامي يصبح مساحة مفتوحة للتساؤل المشروع: هل الحصيلة الحقيقية للضربات الإيرانية أكبر بكثير مما تعترف به واشنطن؟ وهل يخشى البنتاغون أن الاعتراف الكامل بحجم الأضرار سيكشف هشاشة منظومة الدفاع الجوي الأمريكية المنتشرة في المنطقة، بعد عقود من الترويج لها كدرع لا يُخترق؟

خاتمة: معادلة "الرد بالرد"

ما يجري اليوم ليس مجرد جولة تصعيد عابرة، بل اختبار حقيقي لمعادلة جديدة تحاول طهران فرضها: كل عدوان أمريكي أو إسرائيلي سيُقابَل برد يتجاوز الحدود الإيرانية نفسها ليطال شبكة الوجود العسكري الأمريكي بأكملها في المنطقة. وفي المقابل، صمت البنتاغون لا يخدم الشفافية بقدر ما يخدم سردية سياسية داخلية تحاول إدارة ترامب من خلالها تجنب الإحراج، وتأجيل لحظة الحساب أمام كونغرس وناخبين متعبين من حروب لا نهاية لها. سواء نجحت هذه المعادلة في ردع واشنطن أو لا، فإنها تعيد كتابة قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط، وتضع شعوب المنطقة — لا حكوماتها فقط — أمام سؤال الثمن الحقيقي لاستضافة حروب الآخرين على أراضيها.

الثلاثاء، 14 يوليو 2026

من صراع الإرادات إلى نيران المواجهة: ملامح العالم الجديد تولد من فوهة البنادق بقلم: الناصر خشيني

 


لم تعد منطقة الشرق الأوسط مجرد مسرح لحرب باردة بين قوى إقليمية ودولية؛ بل تحولت إلى بركان عسكري منفجر يغلي بالمواجهات المباشرة. المشهد الراهن لم يعد يحتمل قراءة التراجعات الدبلوماسية التكتيكية، فالتصعيد العسكري الأخير والضربات المتبادلة بين واشنطن وطهران، جنباً إلى جنب مع تجدد اشتعال الجبهة بين السعودية والحوثيين، يدشنان مرحلة كسر عظم حقيقية تعيد رسم الخارطة الجيوستراتيجية للعالم بأسره.
صدام الأصلاء: أمريكا وإيران في حافة الهاوية
إن لجوء الولايات المتحدة إلى خيار القصف العسكري المباشر لمواقع في الداخل الإيراني، والرد الفوري من قبل طهران باستهداف القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة وممرات الملاحة، يؤكد أن سياسة "الردع" الأمريكية التقليدية وصلت إلى طريق مسدود. لم يعد المحور الإيراني يكتفي بالصبر الاستراتيجي؛ بل يواجه التهديدات الأمريكية بندية ميدانية غير مسبوقة تفرض معادلات اشتباك جديدة في مضيق هرمز ومحيطه. هذا التصعيد يبرز انحسار القدرة الأمريكية على فرض إرادتها المنفردة، ويثبت أن "الغطرسة القطبية" لواشنطن تصطدم اليوم بجدار صلب من التحدي الردعي.
جبهة اليمن وجنوب المملكة: تجدد حروب الوكالة واستنزاف التحالفات
على التوازي، جاء قصف مطار صنعاء والرد الحوثي السريع بإطلاق الصواريخ الباليستية نحو جنوب السعودية ليعلن انهيار سنوات الهدوء النسبي في الملف اليمني. إن هذا الاشتعال المتزامن ليس معزولاً عن المعركة الكبرى؛ فالجماعة اليمنية، كجزء من محور المقاومة، تسعى إلى شلّ حلفاء واشنطن والضغط على العصب الحيوي للطاقة العالمية. تجد السعودية نفسها اليوم مستنزفة بين محاولات حماية عمقها الاستراتيجي، وبين ارتدادات صراع أمريكي-إيراني لم تختر توقيته، مما يضع الشراكات الدفاعية التقليدية تحت اختبار الوجود.
تصدع "عرش الدولار" والتحول نحو الشرق
هذا الانفجار العسكري يتغذى على زلزال اقتصادي لا يقل خطورة؛ وهو التآكل المتسارع لسلاح العقوبات المالية الأمريكية. لقد نجحت طهران، مدعومة بمحور صاعد يضم الصين وروسيا، في تحويل حرب العملات لصالحها من خلال إدارة تجارتها البينية بالعملات المحلية (الريال، الروبل، واليوان)، متجاوزة نظام "سويفت" الاحتكاري ومسقطة لسطوة "البترودولار" في الشرق الأوسط. كل صاروخ يسقط في ممرات الطاقة، يسحب معه غطاء الأمان عن الاقتصاد الأمريكي القائم على الديون، مانعاً واشنطن من تصدير تضخمها، ومعززاً مشروع "إلغاء الدولرة" (De-dollarization) الذي تقوده دول البريكس دولياً.
ملء الفراغ الدولي وانكفاء مشروع "إسرائيل"
بينما تنشغل أمريكا بحروب الاستنزاف المباشرة وبحصار بحري مكلف، تبرز الصين وروسيا كقوى مستفيدة تملأ الفراغ الاستراتيجي؛ فالصين تتقدم كضامن سياسي وعملاق اقتصادي، وروسيا كلاعب عسكري فاعل. هذا التراجع في المكانة الأمريكية يترك مشروع "إسرائيل" في مأزق وجودي حقيقي؛ فالكيان الصهيوني، الذي يراقب بتوجس شديد حدود الاشتباك الأمريكي-الإيراني، يعلم أن انشغال واشنطن بأزماتها وتراجع سطوتها الردعية والمالية يعني حتماً عزلة الكيان جغرافياً وسياسياً، وبداية مسار لانكفائه التاريخي التام مع تغير موازين القوى في المنطقة.
خلاصة القول
نحن لا نشهد مجرد جولة قتال عابرة، بل زلزالاً جيوستراتيجيًا يعيد كتابة التاريخ من مياه الخليج إلى جبال اليمن. إن فجر النظام متعدد الأقطاب يولد اليوم من وسط النيران؛ نظام ينتهي فيه عصر "البلطجة المالية" والأحادية القطبية، وتتحول فيه أمريكا تدريجياً إلى دور المتفرج المربك، بعد أن كانت لقرن كامل المخرج والمنتج الأوحد لأزمات العالم.

الجمعة، 10 يوليو 2026

تركيا والأمن القومي العربي: أطماع التمدد، التعطيش الممنهج، والتخادم مع مشاريع التفتيت بقلم: الناصر خشيني

 


    ​في إطار قراءتنا القومية التقدمية للصراع المحتدم حول الأمة العربية، ندرك أن جبهات الاستهداف لا تأتي فقط من العدو الصهيوني المباشر، بل تتقاطع مع أدوار إقليمية لجوار جغرافي طالما وظّف شعارات مخادعة لإخفاء نزعاته التوسعية وإرثه الاستعماري. وتبرز تركيا اليوم كأحد أبرز هذه الأطراف الإقليمية التي مارست، وما تزال، أدواراً عدوانية ألحقت أبلغ الأضرار بالأمن القومي العربي، متمثلة في انتهاك السيادة، ورعاية الإرهاب التفتيتي، والتعطيش الممنهج لبلاد الرافدين والشام، فضلاً عن ارتماء نظامها في أحضان علاقات استراتيجية متطورة مع الكيان الصهيوني على حساب دماء شعبنا العربي في فلسطين.

​أولاً: لواء الإسكندرونة والتوغلات في العراق.. عقيدة قضم الأرض وانتهاك السيادة
​إن السلوك التركي تجاه الجغرافيا العربية يستند إلى عقلية توسعية تاريخية لم تتخلَّ يوماً عن أطماعها. ويتجلى ذلك تاريخياً في استمرار احتلال لواء الإسكندرونة السوري منذ عقود، في صفقة استعمارية جرت بتواطؤ مع القوى الغربية لسلخ جزء أصيل من الجسد العربي [1].
​ولم تقف هذه النزعة عند حدود التاريخ؛ بل تتجسد دورياً في الانتهاكات الصارخة والتوغلات العسكرية المتكررة شمال العراق. فتحت ذريعة ملاحقة الانفصاليين الأكراد (حزب العمال الكردستاني)، تستبيح القوات التركية السيادة العراقية، مخلّفة دماراً هائلاً في القرى والبنى التحتية، وقاتلة للمواطنين العراقيين الأبرياء، في تجسيد لسياسة فرض الأمر الواقع العسكري والاستخفاف بالدول الوطنية العربية [2].
​ثانياً: تدمير سوريا ورعاية الإرهاب.. طعن ركائز المقاومة لصالح التفتيت
​لقد مثلت الحرب على سوريا خلال العقدين الماضيين الذروة في السلوك التركي المعادي للأمن القومي. فتحت إدارة نظام العدالة والتنمية، تحولت تركيا إلى الممر الرئيسي والخزان اللوجستي لضخ عشرات الآلاف من الإرهابيين والتكفيريين نحو الأراضي السورية [3]. وشمل هذا الدور تقديم الدعم العسكري، والتدريب، والتسليح، والغطاء الاستخباراتي، وصولاً إلى التدخل العسكري المباشر واحتلال أجزاء واسعة من الشمال السوري.
​إن الهدف الاستراتيجي من هذا التدخل لم يكن سوى تدمير الدولة الوطنية السورية وإسقاط نظامها، الذي لطالما شكّل ركيزة أساسية من ركائز محور المقاومة وجدار الصد العربي في وجه الأطماع الإمبريالية والصهيونية. وبفعل هذا العدوان، جرى تدمير القدرات العسكرية والصناعية والعلمية لسوريا وتحت نظر القوات التركية المحتلة، مما أدى في المحصلة الجيوسياسية الراهنة إلى استنزاف سوريا وتقديم جنوبها وفضائها لقمة سائغة للاعتداءات الصهيونية المتواصلة [4].
​ثالثاً: سلاح "الإرهاب المائي".. مشروع "GAP" وتجفيف نهري دجلة والفرات
​لا يقتصر العدوان التركي على السلاح والبارود، بل يمتد إلى توظيف الطبيعة كأداة للحروب الوجودية وخنق الشعوب العربية. لقد عمدت أنقرة عبر عقود إلى تنفيذ مشروع جنوب شرق الأناضول (GAP)، وقامت بإنشاء أكثر من عشرين سداً (وفي مقدمتها سد أتاتورك وسد إيليصو) على مجريي نهري دجلة والفرات [5].
​هذا الحجز الممنهج للمياه وحرمان دول المصب التاريخية (سوريا والعراق) من حصصها العادلة والمكتسبة، يمثل جريمة تعطيش ممنهجة تسببت في جفاف مساحات زراعية شاسعة، وتدمير البيئة الحيوية، وتصحر الرافدين. إن تحويل المياه إلى ورقة ابتزاز سياسي يعكس رغبة تركية في إخضاع الإرادة السياسية العربية عبر التهديد بالتعطيش والجوع.
​رابعاً: العلاقات مع الكيان الصهيوني وخيانة قضية غزة
​رغم الخطابات الرنانة والشعارات العاطفية التي يدغدغ بها النظام التركي مشاعر الشارع الإسلامي والعربي، إلا أن التفكيك التقدمي للمواقف يكشف زيف هذه الادعاءات. ترتبط تركيا بعلاقات بنيوية ومتطورة مع الكيان الصهيوني، تشمل اتفاقيات تجارية وعسكرية واستخباراتية ضخمة لم تنقطع خلف الكواليس حتى في أوج الأزمات [6].
​ويتضح هذا التناقض الصارخ في العجز الميداني والسياسي التركي عن إنقاذ أهلنا في قطاع غزة من حرب الإبادة والبطش الصهيوني؛ حيث اكتفت أنقرة ببيانات الإدانة وظلت عاجزة ــ أو غير راغبة ــ في اتخاذ مواقف استراتيجية حاسمة تقطع شريان العلاقات مع العدو أو تفرض ضغطاً حقيقياً يوقف المجازر، مما يؤكد أن المصالح والتحالفات الإقليمية لتركيا تتقدم دائماً على نصرة القضايا العادلة للأمة العربية.
​خلاصة وموقف قومي:
​إن استقراء الحالة التركية يضعنا أمام حقيقة لا لبس فيها: إن أي مشروع إقليمي يقوم على قضم الأرض العربية، أو تدمير دولها الوطنية، أو حبس مياهها، هو مشروع معادٍ للأمن القومي بالضرورة. إن الفكر القومي التقدمي يملي علينا كشف هذه السياسات وتعرية خطاباتها المخادعة، والتأكيد على ضرورة بناء كتلة عربية متماسكة وقوية قادرة على حماية سيادتها ومواردها، والدفاع عن فضاءاتها الجغرافية والتاريخية ضد أطماع الجوار ومخططات التفتيت الإمبريالية والصهيونية.
​المراجع والمصادر:
​[1] لواء الإسكندرونة: دراسات في اقتطاع الأراضي السورية والتوازنات الدولية الاستعمارية، مركز دراسات الوحدة العربية.
[2] تقارير وزارة الخارجية العراقية حول انتهاكات السيادة والعمليات العسكرية التركية في شمال العراق (دهوك وأربيل).
[3] تقارير مراكز الدراسات الاستراتيجية الدولية حول "طرق تدفق المقاتلين الأجانب عبر الحدود التركية إلى سوريا".
[4] المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات: تحولات المشهد السوري وتأثير التدخلات الإقليمية على القدرات الدفاعية والصناعية للدولة.
[5] مشروع جنوب شرق الأناضول (GAP) وأثره على الأمن المائي والبيئي في سوريا والعراق، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.
[6] العلاقات التركية الإسرائيلية: دراسة في الجيوسياسية والتجارة البينية والتحالفات الأمنية، معهد الدراسات الإقليمية.

 

الأربعاء، 8 يوليو 2026

​السودان الجريح: الحرب المنسية ومؤامرة الحصار والتفتيت ​بقلم: الناصر خشيني

 

  مقدمة: ​بينما تتجه أنظار الإعلام العالمي والمحلي بشكل مكثف وصاخب نحو بؤر مشتعلة في الشرق الأوسط مثل غزة ولبنان، أو تتابع ارتدادات الحرب في اليمن، تقبع في الزاوية المعتمة من المشهد الدولي مأساة إنسانية وجيوسياسية تفوق في فظاعتها المادية والاجتماعية الكثير مما رصدته الكاميرات؛ إنها الحرب الأهلية في السودان. هذا الصراع المستمر لا يمثل مجرد نزاع داخلي على السلطة، بل هو مخطط ممنهج لحصار السودان، تفتيت بنيته الدولة، ومصّ مقدراته وثرواته لصالح أجندات إقليمية ودولية [1].
​فظاعة الجرائم: حرب أرقام مرعبة خلف جدار الصمت
​منذ اندلاع المواجهات، ارتكبت ميليشيات الدعم السريع، بقيادة محمد جانب دقلو (حميدتي)، فظائع ترقى إلى جرائم الحرب والتطهير العرقي. وتشير التقديرات الدولية المحدثة لعام 2026 إلى أن الحصيلة الحقيقية للضحايا قد تجاوزت 150,000 قتيل يشملون ضحايا المعارك المباشرة، والمجاعة والأوبئة الناتجة عن الحصار [2]، في حين وثقت نقابات الأطباء والمنظمات الميدانية أكثر من 40,000 جريح سقطوا بأسلحة الحرب والمقذوفات [3]. أما المفقودين والمحتجزين قسرياً فلا توجد إحصائية رسمية دقيقة تحصيهم بسبب انهيار المنظومة الأمنية، وسط توثيق آلاف الحالات من الإخفاء القسري والاختطاف [2].
​الأمر الأكثر مأساوية يتجلى في أزمة النزوح؛ حيث بات السودان يمثل أكبر أزمة نزوح داخلي وخارجي في العالم اليوم، بنزوح وتهجير ما يقرب من 14 مليون إنسان (منهم حوالي 11.5 مليون نازح داخلياً وأكثر من 3 ملايين لاجئ عبروا الحدود إلى دول الجوار) [4].
​الفاتورة التدميرية: سحق البنية التحتية والخدمية
​لم تكتفِ الميليشيات باستهداف الإنسان، بل شنت حرباً ممنهجة لتدمير مقومات الحياة، وهو ما تؤكده الأرقام والتقارير الأممية لعام 2026:
​المستشفيات والقطاع الصحي: تعرض القطاع الصحي لانهيار شبه كامل؛ حيث خرجت أكثر من 70% من مستشفيات السودان عن الخدمة نتيجة التدمير المباشر، أو القصف، أو النهب المحتوم من قبل ميليشيا الدعم السريع [5]. ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، تم رصد المئات من الهجمات المباشرة والمسلحة على المنشآت الطبية والعاملين فيها، مما جعل السودان يتصدر عالمياً المؤشر الجنائي لنسبة الوفيات الناتجة عن استهداف الرعاية الصحية [3].
​المدارس والتعليم: تحولت أروقة العلم إلى ساحات حرب أو ملاجئ بائسة؛ حيث تشير تقارير منظمة اليونيسف لعام 2026 إلى أن أكثر من ثلث مدارس السودان مغلقة تماماً، بينما تُستخدم 11% من المنشآت التعليمية المتبقية كمراكز إيواء مؤقتة للنازحين أو ثكنات عسكرية محتلة من قبل أطراف النزاع، مما حرم أكثر من 8 ملايين طفل سوداني من حقهم الأساسي في التعليم [6].
​المساكن والمرافق المدنية: تعرضت مدن كبرى بأكملها مثل الخرطوم، والـجنينة، والفاشر لدمار واسع جعل بعض أحيائها السكنية "غير صالحة للحياة" جراء القصف الجوي والمدفعي، واستهداف شبكات المياه ومحطات الكهرباء والأسواق المركزية كأداة لتجويع وتركيع السكان [6].
​المحور الإقليمي والدور الإماراتي: تحالف الحصار والمصّ
​لا يمكن فهم استمرارية وقوة ميليشيات الدعم السريع دون النظر إلى خطوط الإمداد والدعم اللوجستي والمالي والعسكري والسياسي المتدفقة إليها. تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة في هذا السياق كلاعب رئيسي ومحرك أساسي خلف الكواليس؛ حيث تشير التقارير الدولية والتحقيقات الاستقصائية إلى دور أبوظبي في تزويد هذه الميليشيات بالأسلحة والعتاد المتطور (مثل المسيرات التي باتت تتسبب في 60% إلى 80% من قتلى الأطفال المدنيين مؤخراً) تحت غطاء المساعدات الإنسانية [6] [7]. الهدف من هذا الدعم يتجاوز النفوذ السياسي المباشر إلى الرغبة في السيطرة على موانئ السودان الاستراتيجية على البحر الأحمر، والاستيلاء على ثرواته الهائلة من الذهب والأراضي الزراعية الخصبة [7].
​تشاد وإثيوبيا: أدوات الاختراق الجغرافي
​لتمرير هذا المخطط، كان لا بد من وجود ممرات جغرافية وأدوات إقليمية مساعدة:
​تشاد: تحولت الأراضي التشادية، وبتواطؤ أو ضغوط على النخبة الحاكمة هناك، إلى الممر اللوجستي الأساسي والمطار الخلفي لتدفق الأسلحة الإمارتية المتجهة إلى دارفور لدعم ميليشيات حميدتي، مما جعل الحدود الغربية للسودان ثغرة برية تنزف منها سيادة الدولة [8].
​إثيوبيا: يتقاطع الموقف الإثيوبي مع أجندة إضعاف الدولة المركزية في السودان، مستغلاً الأزمة لتثبيت واقع جديد في ملفات الحدود (مثل منطقة الفشقة) وضمان تحييد السودان في ملف سد النهضة، فضلاً عن تقديم تسهيلات سياسية ودبلوماسية لقيادات الميليشيا [9].
​هذا التحالف الإقليمي يهدف بالدرجة الأولى إلى حصار السودان جغرافياً وسياسياً، ومنع قيام دولة قوية ومستقرة قادرة على حماية أمنها القومي وثرواتها، وبالتالي تسهيل عملية "مصّ" مقدرات هذا البلد العربي الأفريقي العريق [1].
​خاتمة
​إن الصمت الإعلامي والدولي المطبق تجاه ما يحدث في السودان يمثل تواطؤاً غير معلن يمنح القتلة والممولين مزيداً من الوقت لإتمام مخططهم. إن استعادة السودان لسلامته واستقراره تتطلب أولاً كسر حلقة الحصار الإقليمي، وفضح الأدوار التدميرية للقوى الخارجية التي تجعل من دماء الشعب السوداني وقوداً لأطماعها التوسعية والاقتصادية.
​الهوامش والمراجع:
​[1] المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات: تقارير تحليلية حول الأبعاد الجيوسياسية للصراع الممتد في السودان وأثر التدخلات الإقليمية على سيادة الدولة.
[2] صحيفة نيويورك تايمز (The New York Times) / شبكة بي بي سي (BBC): تقارير استقصائية وأممية محدثة تتبع الحصيلة الكلية التقديرية للوفيات الناتجة عن الصراع المباشر والمجاعة والأوبئة المصاحبة للحرب في السودان.
[3] منظمة الصحة العالمية (WHO): التقرير التحليلي للوضع الصحي العام في السودان (Public Health Situation Analysis - 2026)؛ توثيق الإصابات واستهداف الكوادر والمنشآت الطبية عبر نظام (SSA).
[4] المنظمة الدولية للهجرة (IOM) / شبكة الجزيرة الإعلامية: مرصد الحريات العامة وحقوق الإنسان - تقرير أرقام الأزمة الإنسانية للسودان (تحديثات 2026).
[5] لجنة الإنقاذ الدولية (IRC): تقرير "الأزمة في السودان: ماذا يحدث وكيف نساعد"، توثيق نسب دمار وانهيار المستشفيات والقطاع الصحي بنسبة تتخطى 70%.
[6] منظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF): البيانات الصحفية الصادرة في (أبريل ويوليو 2026) حول أعداد الأطفال الضحايا، ونسب استخدام الطائرات المسيرة، وإحصائيات إغلاق المدارس وخروجها عن الخدمة التعليمية.
[7] صحيفة وول ستريت جورنال (The Wall Street Journal): تحقيقات استقصائية موسعة كشفت بالخرائط والوثائق الدعم التسليحي الإماراتي السري لحميدتي ومسارات التهريب وشبكات الذهب.
[8] صحيفة لوموند الفرنسية (Le Monde): تقارير استقصائية ميدانية حول استخدام المطارات والحدود التشادية كممرات إمداد عسكري بدعم مالي إقليمي لصالح قوات الدعم السريع.
[9] مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية: دراسات مستفيضة حول الموقف الإثيوبي وتقاطع المصالح الإقليمية في ملفات الحدود والمياه وأثرها على تعميق الأزمة السودانية.

 

السبت، 4 يوليو 2026

حادثة صنعاء وجنازة خامنئي: مؤشرات تصعيد أم إعادة ترتيب لموازين قائمة؟ بقلم الناصر خشيني


 أولاً: الوقائع كما جرت

فجر الجمعة 3 يوليو 2026، حطّت طائرة تابعة لشركة "ماهان الإيرانية" (رحلة IRM1199) في مطار صنعاء الدولي، في أول رحلة معلنة من طهران إلى العاصمة اليمنية منذ سنوات الحرب. الطائرة كانت تنقل، حسب بيان الحوثيين، أكثر من 200 يمني عالق ومريض، إلى جانب وفد لحضور جنازة المرشد الإيراني علي خامنئي، الذي اغتيل في ضربة أمريكية-إسرائيلية مشتركة بتاريخ 28 فبراير 2026.

أعلنت القوات المسلحة اليمنية (الحوثيون) أن تشكيلاً من الطيران الحربي السعودي حاول عند الساعة 5:20 فجراً منع هبوط الطائرة، وأنها ردت باستخدام صواريخ دفاع جوي أجبرت المقاتلات على مغادرة المجال الجوي. المتحدث العسكري يحيى سريع هدد بـ"رد شامل" يستهدف مطارات ومصالح سعودية حيوية في البر والبحر إذا تكرر أي "خرق" مماثل. هذه هي أول مواجهة جوية مباشرة منذ هدنة أبريل 2022 التي بقيت هشة لكنها صمدت نسبياً حتى الآن.

بالتوازي، تشهد طهران وبغداد والنجف وكربلاء ومشهد مراسم جنازة تمتد من 4 إلى 9 يوليو، وصفتها تقارير غربية بأنها "رسالة تحدٍ" لواشنطن، مع توقعات إيرانية رسمية بحضور ملايين المشيعين ومشاركة وفود من نحو 90 دولة.

ثانياً: كيف تقرأ إيران والحوثيون هذا المشهد

من زاوية طهران وصنعاء، حادثة صنعاء تمثل اختباراً للهيبة: طائرة مدنية إيرانية تهبط رغم اعتراض سعودي، والحوثيون يقدّمون ذلك كدليل على أن "الحصار" لم يعد مطلقاً، وأن الجهة التي تتحكم بالمجال الجوي اليمني هي صنعاء لا الرياض. تصريحات مسؤولين إيرانيين سابقة، مثل حديث علي أكبر ولايتي عن قدرة "المقاومة" على التأثير في مضيقي هرمز وباب المندب، تندرج في نفس المنطق: تحويل ممرات الطاقة والتجارة إلى أداة ردع لا تتطلب مواجهة عسكرية مباشرة مع القوى الكبرى.

ثانياً (ب): لكن الصورة أكثر تعقيداً من "انتصار كامل"

الحذر هنا ضروري، لأن السردية القائلة بأن "محور المقاومة" أصبح "مسيطراً على المضائق" و"فرض أجندته" وأن أمريكا وإسرائيل "خابت وذهبت قوتهما" تتجاوز ما تدعمه الوقائع المتاحة حتى الآن، لأسباب عدة:

حادثة واحدة لا تعني سيطرة: هبوط طائرة واحدة تحت حماية دفاع جوي، وسط تهديد بالتصعيد، هو حدث رمزي مهم لكنه ليس إغلاقاً فعلياً لباب المندب ولا لمضيق هرمز. التحليلات المتخصصة تصف "الورقة" الحوثية بأنها أداة ردع قائمة على التهديد أكثر منها إغلاقاً منفذاً بالفعل، وأن حتى التلويح بها يكفي لإرباك أسواق التأمين والشحن دون تنفيذ كامل.

كلفة إيران وحلفائها باهظة: خامنئي نفسه اغتيل، وإيران خسرت، بحسب تقديرات محللين عسكريين، بنية عسكرية وأمنية كبيرة في الحرب التي بدأت أواخر فبراير. هذا لا يتوافق مع صورة "قوة أمريكية وإسرائيلية ذهبت بالكامل".

رد الفعل السعودي لم يُحسم: "التحالف" توعّد برد "حازم وغير مسبوق" على أي تهديد لسيادته، وهذا يعني أن المواجهة لا تزال مفتوحة على التصعيد المتبادل، لا أنها انتهت لصالح طرف واحد.

قرارات دولية قائمة: مجلس الأمن سبق أن أدان أي تهديد لحرية الملاحة في هرمز أو باب المندب بأغلبية كبيرة (135 دولة راعية)، ما يعني أن أي إغلاق فعلي سيقابل بضغط دولي واسع، لا فقط أمريكي-إسرائيلي.

جنازة خامنئي نفسها تعكس هشاشة لا قوة مطلقة: التقارير تشير إلى تأجيلات متكررة لأسباب أمنية، وقلق من تكرار سابقة اغتيال إسماعيل هنية في ظروف مشابهة، وتردد وفود حزب الله والحوثيين في الحضور خوفاً من استهدافها. هذا مؤشر على أن الطرف الإيراني وحلفاءه ما زالوا يتصرفون من موقع حذر أمني شديد، لا من موقع تفوق ساحق.

ثالثاً: قراءات متعددة للمشهد الإقليمي

يمكن رؤية ما يجري من زاويتين متنافستين على الأقل، وكل واحدة لها من يدافع عنها:

الزاوية الأولى (رواية "محور المقاومة"): كل حادثة – هبوط طائرة، تهديد بإغلاق مضيق، ضربة صاروخية – تُراكم "معادلة ردع" جديدة تُقيّد حرية حركة السعودية وإسرائيل وأمريكا في المنطقة، وتُظهر أن التفوق التكنولوجي الغربي لا يترجم بالضرورة إلى حسم سياسي أو عسكري كامل.

الزاوية الثانية (رواية "التصعيد المحدود والمكلف"): هذه أحداث تصعيد تكتيكي ورمزي في صراع أطول وأكثر استنزافاً لجميع الأطراف، بما فيها إيران وحلفاؤها، الذين خسروا قيادات كبرى (خامنئي، سليماني سابقاً، وقادة آخرون) وبنية عسكرية مهمة. "التهديد" بإغلاق المضائق أداة ضغط تفاوضي أكثر من كونه إعلان سيطرة فعلية، ووجود حاملات طائرات أمريكية وحشد عسكري في المنطقة يعني أن موازين القوة التقليدية لم تُقلب.

الأرجح، بحسب متابعين للملف، أن الحقيقة تقع بين الروايتين: صنعاء وطهران تمكنتا من فرض تكلفة وحضور رمزي لا يمكن تجاهله، بينما لا تزال واشنطن والرياض وتل أبيب تحتفظ بقدرات عسكرية واقتصادية وازنة، والمواجهة أقرب إلى حرب استنزاف متعددة الجبهات مفتوحة النتائج، لا إلى معركة محسومة لأي طرف.

رابعاً: ما يستحق المتابعة القادمة

هل تتكرر الرحلات الإيرانية إلى صنعاء؟ الحوثيون أعلنوا أنهم سيواصلونها "مهما كانت النتائج"، وهذا سيحدد إن كانت الحادثة استثناءً أم بداية نمط.

رد السعودية العملي: هل يقتصر على تصريحات التهديد أم يتطور إلى إجراءات عسكرية أو دبلوماسية فعلية؟

مآل خلافة خامنئي: التسريبات تشير إلى مجتبى خامنئي كخيار مرجّح، وهذا سيؤثر على منهج إيران القادم في التعامل مع الملفات الإقليمية.

مسار المضائق: أي حادثة استهداف فعلي لسفن أو ناقلات في باب المندب أو هرمز، بخلاف التهديدات اللفظية، ستكون نقطة تحول اقتصادية عالمية حقيقية،

الإسلام والدولة المدنية بقلم الناصر خشيني



أولاً: حوار الأديان — تطور الرسالات تبعًا لتطور المجتمع
تشير الأديان السماوية، في نشأتها وتتابعها، إلى تطور مواكب للتطور الاجتماعي للإنسان: من الأسرة إلى العشيرة فالقبيلة فالأمة، وصولًا إلى المجتمع الإنساني الجامع كآخر أطوار هذا التطور. لذلك جاءت الديانات السابقة على الإسلام محكومة بحدود اجتماعية ضيقة، إذ كانت خطابات قبلية أو عشائرية تناسب البنية الاجتماعية السائدة آنذاك. ويؤكد القرآن الكريم هذه الحقيقة حين يخاطب كل قوم برسولهم منهم: «ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحًا» (النمل: 45)، و«وإلى مدين أخاهم شعيبًا» (هود: 81)، و«وإلى عاد أخاهم هودًا» (الأعراف: 65). وكانت معجزات هؤلاء الرسل، تبعًا لذلك، معجزات مادية ملموسة تناسب المستوى الفكري البسيط لأقوامهم، كما كانت معالجاتهم لمشكلات مجتمعاتهم محدودة النطاق. فلم تكن دعوات الرسل قبل الإسلام عامة شاملة، بل محدودة زمانًا ومكانًا وهدفًا، في إطار تدرج إلهي يساير تطور المجتمعات.
وقد مثّل موسى عليه السلام طورًا وسيطًا بين النزعة القبلية القديمة والتكليف الإلهي بالتوجه إلى غير قومه، فطلب من ربه أن يؤازره بأخيه هارون، مصداقًا لقوله تعالى: «سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانًا» (القصص: 35)، وقوله: «اذهبا إلى فرعون إنه طغى» (طه: 43). وبذلك دشّن موسى عهدًا جديدًا بالخروج عن النطاق القبلي الضيق.
ثم جاءت رسالة عيسى عليه السلام لتفتح بعدًا أكثر شمولًا قوامه الرحمة والتسامح، تمهيدًا للدور الأعظم المنوط بخاتم الرسالات: رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وهي رسالة عامة لكافة الناس، لا تخص جنسًا أو أمة أو قبيلة، مصداقًا لقوله تعالى: «وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرًا ونذيرًا» (سبأ: 28).
ويتميز الإسلام كذلك بشموله لجوانب الحياة الدنيوية والأخروية معًا: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا» (المائدة: 3)، فلا يفصل بين الدين والدنيا، بل يجعل العمل عبادة، والبحث العلمي عبادة. وهو أيضًا دين اليسر لا العسر: «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي» (البقرة: 256).
وقد فهم السلف هذه الحقيقة القائمة على الحرية، فانطلقوا فاتحين لا مستعمرين، مجتهدين لا متعسفين، فاختلفوا في العقيدة والشريعة اجتهادًا بشريًا دون خروج عن قاعدة الاحتكام إلى القرآن وصحيح السنة، وبنوا حضارة لا تزال آثارها قائمة.
ثانيًا: الدين الخاتم
جاء الإسلام في مرحلة بلغت فيها الإنسانية نضجها العقلي. ومثّلت الهجرة النبوية منعطفًا حاسمًا: ففي حين كان الله يتدخل مباشرة في العصور السابقة لنصرة رسله، جاءت الرسالة المحمدية لتقرر أن يتحمل المؤمنون مسؤولية التغيير بأنفسهم: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» (الرعد: 11). ووُصفت هذه الأمة بأنها خير الأمم لقيمها لا لعرقها: «كنتم خير أمة أخرجت للناس» (آل عمران: 110).
ثالثًا: الهجرة النبوية — فعل إنساني بامتياز
لم تكن الهجرة نتاج معجزة مادية، بل إعدادًا بشريًا عقلانيًا محكمًا رغم ضعف الإمكانيات المادية للمسلمين. سبقتها سنوات الدعوة المكية الثلاث عشرة، ثم بيعتا العقبة الأولى والثانية. ويُلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغامر بأصحابه، وأن القيادة النبوية لم تنسحب قبل أتباعها بل ظلت معهم حتى آخر لحظة.
رابعًا: قيام دولة المدينة
من أبرز منجزات الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة تأسيس أول كيان سياسي عربي إسلامي قائم على التعاقد، عبر وثيقة عُرفت باسم «الصحيفة». ينقل ابن هشام عن ابن إسحاق أن رسول الله كتب كتابًا (1) بين المهاجرين والأنصار، ووادع فيه يهود المدينة وعاهدهم على دينهم وأموالهم.
أبرز بنود الصحيفة (بتصرف، مع مواضع الهوامش الأصلية):
إنهم أمة واحدة من دون الناس، وكل طائفة من المهاجرين والأنصار على ربعتهم (2) تتعاقل وتفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
لا يترك المؤمنون مُفرَحًا (3) بينهم دون إعانته بالمعروف في فداء أو عقل (4).
المؤمنون المتقون يد واحدة على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة (5) ظلم، ولو كان على ولد أحدهم.
لا يقتل مؤمن مؤمنًا بسبب كافر، ولا ينصر مؤمن كافرًا على مؤمن، والمؤمنون يُـبيء (6) بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله.
من اعتبط (7) مؤمنًا قتلًا عن بيّنة فعليه القِصاص إلا أن يرضى ولي المقتول.
لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ (8) إلا نفسه وأهل بيته — وينسحب هذا على سائر القبائل اليهودية المذكورة.
ما اختلف فيه أهل هذا العهد فمردّه إلى الله وإلى محمد، ويثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة.
من خرج آمنًا ومن قعد آمنًا بالمدينة إلا من ظلم أو أثم، والله جار لمن برّ واتقى، ومحمد رسول الله.
خامسًا: دلالة الصحيفة وأركان الدولة في المدينة
يرى أغلب الباحثين، قدامى ومحدثين، أن الصحيفة كما وصلتنا وحدة مجمّعة من أقسام صدر كل منها في وقت مختلف: فالأقسام المتعلقة بتنظيم العرب المسلمين تُرجَّح عند بدر، والمتعلقة بتنظيم القتال عند الخندق أو بعده بقليل. وقد أشار القرآن إلى وجوب الوفاء بالعهود: «وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولًا» (الإسراء: 34)، و«الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق» (الرعد: 20)، في مقابل الذم الشديد لناقضي العهود في آيات آل عمران والبقرة.
وبالنظر إلى الفقه القانوني المعاصر، استوفت دولة المدينة أركان الدولة الثلاثة:
الشعب — تؤكده الصحيفة الصادرة عن جميع سكان المدينة وضواحيها.
الإقليم — وإن لم تكن للدول حينها حدود دولية بالمعنى الحديث.
السلطة — أي ممارسة السيادة على الأرض دون تسلط أجنبي.
واخلص نهاية  أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤسس "دولة دينية" بالمعنى الذي يتصوره من يحلم بدولة تحكم بحق إلهي مقدس.
خاتمة: الترابط الاستراتيجي
ارى الربط بين حماية يثرب وإسقاط الشرك في مكة، وبين حماية الجزيرة وتحرير الشام من الروم، وبين استقرار الشام وإزاحة النفوذ الروماني عن مصر، ثم شمال إفريقيا — وهو ترابط اراه تعبيرًا عن فهم استراتيجي مبكر لما يُعرف اليوم بالجغرافيا السياسية.
قائمة الهوامش والمراجع
(1) اختُلف في تسمية هذا النص بين الوثيقة والدستور والصحيفة والكتاب، وقد ناقش د. جاسم محمد راشد العيساوي هذه المسألة بإسهاب في بحثه «الوثيقة النبوية»، ص27 وما بعدها.
(2) أي حالهم وشأنهم الذي كانوا عليه. انظر: ابن الأثير، النهاية، 2/189.
(3) المُفرَح: من أثقله الدَّين والغُرم (النهاية، 3/424).
(4) العَقل: الدية. انظر: النهاية، 2/117.
(5) الدسيعة: العطية، والمراد طلب عطية على سبيل الظلم. انظر: النهاية، 2/117.
(6) يُبيء: يلتزم. انظر: النهاية، 1/159.
(7) اعتبط: قتله بغير جناية ولا جريرة. انظر: النهاية، 3/172.
(8) يوتغ: يُهلك. انظر: النهاية، 5/149.
(9) المصدر الأصلي لنص الصحيفة كاملًا: ابن هشام، السيرة النبوية، 3/31-35.

الجمعة، 26 يونيو 2026

الصحيفة في المدينة أول دستور تعاقدي في تاريخ الإنسانية بعد الهجرة النبوية بقلم: الناصر خشيني

 


مقدمة

ينفرد الإسلام بقيم جديدة على الساحة العالمية في رفضه للظلم والدعوة إلى تغيير المنكر مهما كانت الصعوبات، فلا استكانة ولا هوان أمام الطغاة والمستبدين؛ إذ الأفراد والجماعات، مهما كانت الظروف والتحديات التي يواجهونها، مسؤولون أمام الله تعالى عن رفع الظلم عن أنفسهم، ولا ينتظرون حتى تأتي معجزة من السماء تغير ما بهم، فقد ولّى ذلك العهد إلى غير رجعة بهذه الرسالة الخاتمة. وهذا هو السر الحقيقي وراء انتصارات المسلمين أثناء الفتوحات الكبرى، بالرغم من عدم توازن القوى بينهم وبين أعدائهم، وذلك أنهم فهموا أن لهم دورا رساليا في هذه الحياة لا بد من أدائه على أكمل الوجوه. ومن أبرز تجليات هذا الفهم الثوري للدين، إقامةُ الرسول صلى الله عليه وسلم أول دولة عربية إسلامية في المدينة على أسس تعاقدية لم تكن مألوفة في تاريخ البشرية، وهو ما يستعرضه هذا المقال.

المحور الأول: مسؤولية الإنسان أمام الله في رفع الظلم عن نفسه

من أعظم ما جاءت به الرسالة المحمدية الخاتمة، أنها نقلت العلاقة بين الإنسان والظلم من علاقة انتظار وترقب إلى علاقة مسؤولية ومبادرة. فالأمم السابقة كانت تنتظر معجزة إلهية تنتصر لها من ظالميها، كما حدث مع موسى عليه السلام وفرعون، وكما حدث مع أمم بادت بعذاب من السماء استجابة لدعوة أنبيائها. أما بهذه الرسالة الخاتمة، فقد ولّى عهد انتظار المعجزة إلى غير رجعة، وصار الفرد والجماعة مسؤولين بأنفسهم، أمام الله تعالى، عن رفع الظلم عن أنفسهم بسعيهم وجهدهم، لا بانتظار خارق يغيّر واقعهم. ومن لم يقم بهذا الواجب الرسالي، فإن العقاب الإلهي ينتظره يوم القيامة، إضافة إلى بقاء حاله في الدنيا على ما هو عليه دون تغيير؛ فالتغيير مرهون بالفعل البشري لا بالانتظار السلبي.

وهذا هو الأصل القرآني الذي تنبني عليه كل دعوة لتغيير المنكر مهما كانت الصعوبات: فلا استكانة للظالم ولا هوان أمام الطغاة والمستبدين، بل مبادرة دائمة لرفع الظلم، فردا كان الفاعل أو جماعة، وهو أصل يتجاوز في عمومه وإطلاقه ما عرفته الأمم والحضارات السابقة من فلسفات الخلاص الفردي أو الانتظار الغيبي للمخلّص.

المحور الثاني: التغيير الرسالي سر انتصارات الفتوحات الإسلامية

إن هذا الفهم العميق للمسؤولية الفردية والجماعية أمام الله هو ما يفسر انتصارات المسلمين في الفتوحات الكبرى، بالرغم من عدم توازن القوى الواضح بينهم وبين أعدائهم من الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية، أعتى قوتين عسكريتين في زمانهما. فالمسلمون الأوائل لم يخرجوا للقتال طلبا لغنيمة عابرة أو توسعا دنيويا محضا، بل فهموا أن لهم دورا رساليا في هذه الحياة، لا بد من أدائه على أكمل الوجوه، وأن التقصير فيه يستوجب الحساب الإلهي. هذا الإحساس بالمسؤولية الرسالية، المتجاوز لحسابات القوة المادية البحتة، هو ما صنع التفوق المعنوي الذي قلب موازين القوى التقليدية، وجعل جيوشا قليلة العدد والعدة تُلحق الهزيمة بإمبراطوريات عريقة.

المحور الثالث: الصحيفة المدنية — أول دستور تعاقدي مكتوب في تاريخ الإنسانية

من أبرز معالم العمل الثوري الذي أنجزه الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، إقامة أول دولة عربية إسلامية على أسس جديدة لم تكن مألوفة في تاريخ البشرية؛ فقد قامت هذه الدولة على أساس التعاقد، على خلاف الدول التي سبقتها أو لحقتها، والتي قامت في معظمها على أساس القوة المسلحة والغلبة. وما أنجزه الرسول صلى الله عليه وسلم بمعية الصحابة يُعدّ إنجازا تاريخيا غير مسبوق، إذ تمّ على أساس تعاقدي عبر تلك الوثيقة التاريخية الهامة، وهي "الصحيفة"، التي تُعتبر أول دستور مدني تعاقدي مكتوب بين مواطني دولة مدنية واحدة، بقطع النظر عن الدين والعرق والمكانة الاجتماعية [1].

فهذه الوثيقة لم تقم على الإكراه أو الغزو، بل على اتفاق طوعي صريح بين مكونات المدينة المختلفة: المهاجرون والأنصار من المسلمين، وبطون يهود المدينة، وبقية القبائل المقيمة فيها، فاجتمعوا جميعا تحت سقف تعاقدي واحد، نظّم العلاقة بينهم على أساس المواطنة في الدولة الجديدة لا على أساس الانتساب القبلي أو العرقي أو الديني الضيق [2]. وبهذا تكون المدينة قد سبقت العالم بقرون طويلة إلى فكرة "الدولة المدنية" بمفهومها التعاقدي الحديث، وإلى مبدأ المساواة في المواطنة بين مكونات مختلفة العقيدة والعرق، في زمن كانت تقوم فيه كل الدول المحيطة على أساس القوة العسكرية والغلبة القبلية أو الإمبراطورية الصرفة.

المحور الرابع: الدلالة الحضارية لهذا الإنجاز في الفكر السياسي المعاصر

إن هذا السبق التاريخي للصحيفة المدنية يحمل دلالات بالغة الأهمية في سياق النقاش المعاصر حول طبيعة الدولة والمواطنة والتعايش بين المكونات المختلفة. فهي تُثبت أن الإسلام، في أصل تجربته السياسية التأسيسية، لم يكن دين إكراه أو إلغاء للآخر المختلف دينا أو عرقا، بل كان دين تعاقد وتعايش ضمن إطار دولة واحدة تحكمها وثيقة مكتوبة، يُحدّد فيها حقوق كل طرف وواجباته، وهو ما يُقارَب اليوم بمفهوم "العقد الاجتماعي" في الفكر السياسي الحديث، مع تقدم الصحيفة عليه بقرون طويلة. وهذا يفنّد كل محاولة لتصوير التجربة السياسية الإسلامية المؤسِّسة على أنها قامت على القهر والغلبة، إذ إن أول دولة إسلامية في التاريخ إنما قامت، في وثيقتها التأسيسية، على التعاقد الطوعي بين مختلف مكونات المجتمع.

خاتمة

إن هذين المعلمين — مسؤولية الإنسان أمام الله عن رفع الظلم عن نفسه دون انتظار معجزة، وإقامة أول دولة تعاقدية مدنية في التاريخ — يكشفان عن طبيعة الثورة الحقيقية التي جاء بها الإسلام: ثورة في فهم العلاقة بين الإنسان والظلم، وثورة في فهم العلاقة بين الحاكم والمحكوم وبين مكونات المجتمع المختلفة. وهي قيم لا تزال، إلى اليوم، تحمل في داخلها طاقة تغييرية كامنة، متى ما أحسنت الأمة استثمارها في مواجهة ظلمها الداخلي والخارجي على السواء.

ثبت المراجع

[1] ابن هشام، "السيرة النبوية"؛ نص الصحيفة (دستور المدينة) كما رواه ابن إسحاق.

[2] محمد حميد الله، "الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة"؛ دراسات تاريخية حول وثيقة المدينة وبنودها المتعلقة بالمسلمين ويهود المدينة وسائر القبائل.2

المتاجرون بالدين تخلوا عن فريضة العلم والقرآن بقلم محمد الحبيب الاسود


  أدعياء الإسلام المتاجرون بالدين تخلوا عن فريضة العلم والقرآن 

وفعلوا في الإسلام ما لم يستطع اليهود فعله لتحريف القرآن 

وأثخنوا في أمة الإسلام هدما وإرهابا تحت شعار "الإسلام في خطر"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رغم محاولاتهم المتكررة والمستمرّة عبر التاريخ فقد عجز اليهود عن تحريف القرآن الكريم كما حرّفوا من قبل التوراة والإنجيل، ولكنهم تسللوا بالوضع والكذب والتحريف إلى سيرة النبي عليه صلاتي وسلامي، فكذبوا على الرسول ونسبوا إليه أقوالا من بني إسرائيل، وزيادة على الإسرائيليات فأسباب وضع الأحاديث كذبا على الرسول عديدة ومنها: إرادة البطش باسم الدين، أو تفضيل مذهب على مذهب... ولم يتم الاهتمام بتدوين الأحاديث النبوية إلا بعد قرنين من زمن الهجرة، حيث أكبر مخرجي الأحاديث سنا وهو البخاري ولد سنة 194ه في بخارى بأوزباكستان وكان كفيفا حسب أغلب المصادر، ونسبوا إليه أساطير منها جمع 600 ألف حديث على مدار 16 سنة أي بمقدار 103 أحاديث في اليوم مع الدقة والتحري، ولم يعثر الباحثون إلى اليوم عن كتاب مخطوط باسم محمد إسماعيل البخاري... وكما نرى لا نجد عربيا واحدا ضمن أصحاب كتب الحديث التي وصفوها بالصحاح الست رغم البعد الشاسع الزماني والمكاني لهؤلاء الرواة عن حياة الرسول صلاتي وسلامي عليه، وأما كتاب الموطأ فقد أمر به الخليفة "أبو جعفر المنصور" مالك بن أنس (ت. 179ه) ووصّاه بتجنب شدائد ابن عمر وتراخيص ابن عباس وشوارد ابن مسعود وأن يوطئه للناس توطئة، فسماه الموطأ... وأما ابن تيمية الذي يعتمد فتواه الغلاة لإباحة القتل بين المسلمين فقد ولد بعد 7 قرون من هجرة الرسول (661ه) ... ويبقى القرآن هو المصدر الأساسي في فهم الإسلام وانسجامه مع فترة الإنسان... لقد عاش المسلمون قرنين من الزمن بلا الصحاح الست فهل كان إسلامهم ناقصا... في عصر ازدهار البحث العلمي وتطور العقول وفي عصر يقرّ فيه العلماء في شتى الإختصاصات بأن الإسلام دين عقل وعلم إلا أن ثمة أناس من أدعياء الإسلام احترفوا التجارة بالدين فتخلوا عن فريضة العلم والقرآن واتبعوا المرويات الموضوعة كذبا على الله ورسوله، فخسّت عقولهم وانحرفوا بالدين من العلم والحضارة إلى الجهل والتخلف والإرهاب... ونصّبوا أنفسهم متكلمين باسم الله وفعلوا في الإسلام ما لم يستطع اليهود فعله لتحريف القرآن، وأثخنوا في أمة الإسلام هدما وإرهابا تحت شعار "الإسلام في خطر"... أكفر أم إيمان أن تجعل قول البشر من مثل ابن تيمية فوق قول الله، والله إذا قال فلا معقب لكلماته... رحم الله أبا حنيفة حين قال للخوارج: أقول لكم قال الله وتقولون لي قال شيخنا... ثم تركهم في جهلهم يعمهون... فأي بلية أصيبت بها الأمة بمثل هؤلاء 

-محمد الحبيب الأسود-

الخميس، 25 يونيو 2026

القرآن وحده الآية: نقد حشد الخرافة الحسية في "دلائل النبوة" عند ابن كثير بقلم الناصر خشيني

 

 مقدمة
يطرح هذا المقال مفارقة جوهرية في التراث السردي الإسلامي: فبينما يُقرّ كبار المصنفين، ومن بينهم ابن كثير في "البداية والنهاية"، بأن القرآن هو المعجزة الوحيدة التي تحدى بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم قومه، وأنه معجزة عقلية مستمرة لا تنقضي بانقضاء صاحبها، إلا أن هؤلاء المصنفين أنفسهم يعمدون إلى حشد عشرات بل مئات الروايات الحسية المادية بوصفها "دلائل نبوة" موازية أو مكمّلة. وسنحاول في هذه المحاور تفكيك هذه المفارقة، بدءًا من تأصيل فكرة التحدي القرآني، ومرورًا بنظرية تطور الأديان تبعًا لتطور المجتمعات، وانتهاءً بنماذج من حشد ابن كثير في الجزء السادس من "البداية والنهاية"، وقراءة في دلالة هذا الحشد التاريخية.
المحور الأول: القرآن آية التحدي العقلي الوحيدة
إنزال القرآن على الرسول هو أعظم المعجزات وأبين الحجج، لما اشتمل عليه من تركيب معجز تحدى به الإنس والجن: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} (الإسراء: 88)، وفي سورة الطور: {أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون * فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين} (الطور: 33-34).
ولما عجز المعارضون عن ذلك مع توافر دواعي العداوة والفصاحة، تنازل التحدي إلى عشر سور: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات} (هود: 13)، ثم إلى سورة واحدة، حتى أصغر سورة وهي الكوثر: {فأتوا بسورة من مثله} (البقرة: 23-24). وقد ربط القرآن هذا العجز بدعوى الافتراء والسحر: {وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا} (الفرقان: 5)، فجاء الرد: {قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض} (الفرقان: 6).
والدلالة المنهجية لهذا التدرج أن المعجزة الوحيدة التي ارتضاها الله لإقناع البشرية برسالة خاتم الأنبياء هي القرآن لا غيره، لأن الإنسانية بلغت من النضج العقلي ما لم يعد يقنعها بالوسائل الحسية التي اعتمدها الرسل السابقون.
المحور الثاني: التطور الاجتماعي للأديان وتدرج المعجزات
تتطور الأديان السماوية تبعًا للتطور الاجتماعي للبشرية، من الأسرة فالعشيرة فالقبيلة فالأمة فالمجتمع الإنساني ككل. ولذلك كانت الديانات السابقة على الإسلام محدودة بحدودها القبلية والعشائرية، ومعجزاتها مادية حسية تناسب العقل الطفولي لتلك الأطوار، كما في قوله تعالى: {ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا} (النمل: 45)، و{وإلى مدين أخاهم شعيبا} (هود: 84)، و{وإلى عاد أخاهم هودا} (الأعراف: 65). وكانت دعواتهم محدودة زمانًا ومكانًا وأهدافًا، كالنهي عن تطفيف الكيل عند مدين أو الفواحش عند قوم لوط.
ويمثّل موسى عليه السلام طورًا وسطًا بين القبلية القديمة والتكليف بالتوجه إلى غير قومه، فهو يطلب من ربه أن يشدّ أزره بأخيه هارون تناسقًا مع المنحى القبلي الذي لا يزال بنو إسرائيل يعيشونه حتى اليوم، كما تؤكده ممارسات الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة: {سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا} (القصص: 35)، ثم يكلَّف بتبليغ دعوته إلى شعب مصر في شخص فرعون: {اذهبا إلى فرعون إنه طغى} (طه: 43)، فيكون قد دشّن عهدًا جديدًا بالخروج عن النطاق القبلي الضيق.
ثم يأتي طور أعمّ بدعوة عيسى عليه السلام رمز الرحمة والتسامح، إذ يدعو إلى أن "يدير الخد الأيسر لمن ضرب الخد الأيمن"، ففتح بعدًا إنسانيًا أوسع تهيئة للدور المناط بخاتم الرسالات. وبرسالة محمد صلى الله عليه وسلم يكتمل هذا التطور الجدلي، فتصبح الرسالة عامة لكافة الناس: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا} (سبأ: 28)، ملكية مشتركة للبشرية جمعاء، تناهض العصبية والقبلية والعنصرية التي وصفها الرسول بأنها "منتنة"، بخلاف الديانات السابقة التي ظلت موجهة لأقوام رسلها وقبائلهم وعشائرهم دون سائر الناس.
المحور الثالث: التعريف بـ"البداية والنهاية" ومنهجه
"البداية والنهاية" لابن كثير، أبي الفداء إسماعيل بن عمر القرشي الدمشقي (ت 774هـ)، تحقيق علي شيري، طبعة دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى 1408هـ/1988م[1]، عمل موسوعي ضخم في 14 جزءًا، يستعرض التاريخ من بدء الخلق إلى نهايته: من خلق السماوات والأرض والملائكة، إلى خلق آدم، فقصص الأنبياء مختصرة، فالتفصيل في الأحداث منذ مبعث النبي حتى سنة 767هـ بطريقة التبويب السنوي (ثم دخلت سنة...)، يتلوها ذكر أبرز من توفي فيها. أما جزء "النهاية" فيتناول علامات الساعة إلى يوم الحساب.
والمحور الذي يهمّنا هنا هو الجزء الثامن، عند الحديث عن السنة الحادية عشرة للهجرة، حيث يورد ابن كثير "شمائل ودلائل النبوة الحسية والأخلاقية"، وقبله الجزء السادس الذي يضمّ 54 بابًا في دلائل النبوة، وفيها من التهويل والتضخيم ما يصعب تصديقه.
المحور الرابع: ابن كثير بين الإقرار بإعجاز القرآن وحشد الدلائل الحسية
اللافت أن ابن كثير نفسه يفتتح باب "البينة" بالتأكيد على أن معجزات النبي مماثلة لمعجزات من قبله من الأنبياء، بل أعلى منها، خارجة عما اختُصّ به من معجزات عظيمة، وفي مقدمتها القرآن العظيم الذي "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه"، فهو معجزة مستمرة على الآباد، تحدى به الثقلين، وقد عجزوا. ويستشهد بالحديث المتفق على إخراجه في الصحيحين: "ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة"[2]، ويعلّق بأن القرآن لا يبيد ولا يذهب كما ذهبت معجزات الأنبياء بانقضاء أيامهم، بخلاف معجزته هو، فهي متواترة مسموعة لكل من ألقى السمع.
وبالرغم من هذا الإقرار الصريح بأن القرآن هو الإعجاز الجامع الكافي، يعمد ابن كثير إلى حشد عشرات الروايات في 54 بابًا، يضاف إليها معجزات نوح وهود وصالح وإبراهيم وموسى وإدريس وداود وسليمان وعيسى عليهم السلام، في مفارقة منهجية بين التنظير لكفاية القرآن والممارسة السردية التي تكدّس الحسي إلى جانبه.
المحور الخامس: نموذج شق القمر بين الرواية والتشكيك
من أبرز هذه الدلائل رواية انشقاق القمر في عهد النبي، وفيها عن ابن عباس، عن الطبراني بسنده: "كُسف القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: سحر القمر، فنزلت: {اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر}"[3]. واللافت أن ابن كثير نفسه لا يسلّم بهذه الرواية تسليمًا تامًا، بل يستدرك قائلًا إن هذا "سياق غريب"، وإنه قد يكون حصل للقمر مع انشقاقه كسوف، فيدلّ ذلك على أن الانشقاق كان في ليالي إبداره. وهذا التشكيك الداخلي من المصنف نفسه يكشف عن وعي بضعف بعض الروايات حتى وهو يوردها.
المحور السادس: نماذج تكثير الماء واللبن
يورد ابن كثير في باب المعجزات الأرضية المتعلقة بالجمادات، ص 102 من الجزء السادس، حديث أنس بن مالك: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحانت صلاة العصر والتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأُتي رسول الله بوضوء فوضع رسول الله يده في ذلك الإناء فأمر الناس أن يتوضأوا منه فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه فتوضأ الناس حتى توضأوا من عند آخرهم"، رواه البخاري، ورواه مسلم والترمذي والنسائي من طرق عن مالك، وقال الترمذي: حسن صحيح[4].
كما يورد في باب تكثير الأطعمة حديث أبي هريرة الطويل عن تكثير اللبن، حيث يصف جوعه الشديد وعجزه عن الاستتباع من أبي بكر وعمر، حتى يلقاه النبي فيدعوه ويأمره بدعوة أهل الصفّة، فيشرب الجميع من قدح واحد حتى يرويهم، ثم يبقى هو وأبو هريرة، رواه الإمام أحمد[5]. وتتكرر هذه البنية الروائية في عدة مواطن: حاجة ملحّة، تدخل نبوي، ووفرة معجزة تتجاوز المنطق المادي.
المحور السابع: نماذج كلام الحيوانات وانقيادها
يذكر ابن كثير، ص 149 من الجزء السادس، رواية أنس بن مالك عن جمل استصعب على أهله، فجاءوا إلى النبي شاكين، فدخل الحائط نحو الجمل، فحذّرته الأنصار من صولته، فقال: "ليس عليّ منه بأس"، فلما نظر الجمل إليه "خرّ ساجدًا بين يديه"، فعلّق النبي: "لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها"، رواه الإمام أحمد[6].
ويضيف رواية ثانية عن عبد الله بن جعفر، أن جملًا أتى النبي "فجرجر وذرفت عيناه"، فمسح النبي سراته وذفراه فسكن، وسأل عن صاحبه، فإذا هو فتى من الأنصار، فقال له النبي: "أما تتقي الله في هذه البهيمة... إنه شكا إليّ أنك تُجيعه وتُدئبه"، رواه أيضًا الإمام أحمد[7]. ويضيف ابن كثير إلى هذه السلسلة قصص الغزالة المرضعة، وحمار النبي يعفور، وانقياد الشجر والجذع، وتسبيح الحصى، وتكلّم الرضّع شهادة برسالته، فضلًا عن الإخبار بالمستقبل كمقتل الحسين وموقعة الحرّة، مع تعليقه أحيانًا بالتضعيف على بعضها.
المحور الثامن: في دلالة الحشد التاريخي لزمن ابن كثير
إن حشد ابن كثير لهذا الكم الهائل من الروايات الحسية، في القرن الثامن الهجري، لا ينفصل عن سياقه التاريخي: فهو يكتب بعد نكسات متتالية ألحقتها بالأمة حروبها مع الصليبيين والتتار والمغول، وفي ظل ابتلائها بحكام ظلمة. وفي هذا السياق، يمكن قراءة هذا الحشد السردي بوصفه آلية تعويضية، تستعيض بها الأمة عن واقعها المنكسر باستعادة أمجاد متخيَّلة، حتى لو كان ذلك على حساب الدقة والصدق في النسبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.
خاتمة
يكشف هذا العرض عن مفارقة بنيوية في التراث السردي: إقرار نظري بكفاية القرآن وحده آية وتحديًا عقليًا مستمرًا، يقابله حشد سردي حسي يتضخم مع تراكم الأزمات التاريخية للأمة. وهذا التضخّم، وإن كان مفهومًا من زاوية علم النفس الجماعي للأمم المنكسرة، إلا أنه يظل عبئًا منهجيًا على القراءة العقلانية للتراث، يستدعي إعادة تمحيص هذه الروايات بمعايير نقد السند والمتن، وردّها إلى الميزان القرآني الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ثبت المراجع
[1] ابن كثير، إسماعيل بن عمر القرشي الدمشقي، البداية والنهاية، تحقيق علي شيري، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى، 1408هـ/1988م، الجزء السادس والجزء الثامن.
[2] حديث "ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات..."، متفق عليه في الصحيحين، من طريق الليث بن سعد عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة.
[3] رواية انشقاق القمر عن ابن عباس، أخرجها الطبراني بسنده عن أحمد بن عمرو البزار عن محمد بن يحيى القطيعي عن محمد بن بكير عن ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس.
[4] حديث تكثير الماء، عن أنس بن مالك، رواه البخاري عن عبد الله بن مسلمة عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ورواه مسلم والترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حسن صحيح.
[5] حديث تكثير اللبن، عن أبي هريرة، رواه الإمام أحمد عن روح عن عمر بن ذر عن مجاهد.
[6] حديث سجود الجمل، عن أنس بن مالك، رواه الإمام أحمد عن حسين بن محمد عن خلف بن خليفة عن حفص بن عمر عن عمه أنس بن مالك.
[7] حديث الجمل الشاكي، عن عبد الله بن جعفر، رواه الإمام أحمد عن يزيد، وعن بهز وعفان، عن مهدي بن ميمون عن محمد بن أبي يعقوب عن الحسن بن سعد.

 

الأربعاء، 24 يونيو 2026

منهجية الإمام مالك بين إكراهات السياسة وسلطة المأثور بقلم الناصر خشيني


   قراءة نقدية تفكيكية في بنية المذهب النَّقلي وتوطنه المغاربي

إن إشكالية التعامل مع التراث المعرفي والفقهي الإسلامي تفرض علينا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، التسلح بأدوات النقد البنّاء والقراءة التحليلية التفكيكية؛ لتجاوز منطق التمجيد الوعظي أو الهدم العبثي. ومن هذا المنطلق المعرفي، نقارب شخصية الإمام مالك بن أنس ومنهجه الفقهي المتمثل في كتاب "الموطأ". لم يكن منهج مالك مجرد استجابة باردة لمقتضيات النقل الشرعي، بل كان بنية فكرية معقدة تشكلت في محرق الصراع بين النص والواقع، وضمن إحداثيات سياسية واجتماعية بالغة التعقيد عاشتها الحواضر الإسلامية إبان الانتقال من الدولة الأموية إلى الدولة العباسية، وهو ما يفسر لاحقاً سر امتداده وتوطنه في الفضاء المغاربي والتونسي (1).
أولاً: الموطأ وبنية المنهج: جدلية النقل وعمل أهل المدينة
عند تشريحنا لمنهج الإمام مالك، نجد أن التميز الجوهري لمدرسته لا يكمن في مجرد جمع الأحاديث، بل في تقديمه "عمل أهل المدينة" كآلية تواترية تفوق في نظره رواية الآحاد. إن النقد العنيف الذي وُجّه للموطأ قديماً وحديثاً، وخاصة من مدارس أهل الحديث المتأخرة، نبع من هذا التقديم الذي اعتبره البعض تقليصاً من سلطة النص النبوي الفردي لحساب ممارسة مجتمعية جغرافية (2).
لكن من منظور نقد التراث، نرى أن مالكاً كان يحاول إيجاد مرجعية تطبيقية حية—وهي العمل المتوارث جيلًا عن جيل في مهد الوحي—لضبط سيولة النصوص وتفادي الاختراقات والوضع التي شاعت في الحواضر الأخرى كالعراق. ومع ذلك، وسّع مالك أصوله لتشمل أدوات مرنة كـ"المصالح المرسلة" و"سد الذرائع"، مما جعل مذهبه مزيجاً فريداً بين النقل الصارم والنزعة المقاصدية التي تروم حفظ مصالح العباد وتدبير شؤونهم (3).
ثانياً: وهم المهادنة: هل كان السكوت خوفاً من السلطة الباطشة؟
تطرح القراءة التاريخية التقليدية تساؤلاً جوهرياً: كيف لفقيه عاصر هول التحولات، وعاش في المدينة التي لا تزال ذاكرتها الجمعية تنزف من أثر "واقعة الحرة" (سنة 63 هـ) واستباحتها من قِبل يزيد بن معاوية، أن يسكت ولا يثور علانية ضد النظم الأموية والعباسية؟ هل كان الخوف والرهبة من بطش السلطان هما المحرك؟
القراءة العميقة والنقدية للحدث التاريخي تفكك هذا الوهم؛ فالإمام مالك لم يولد إلا عام 93 هـ، أي بعد الحرة بثلاثة عقود، لكن ظلال الفاجعة ومآلاتها الكارثية كانت حاضرة في وعيه الفكري. لم يكن موقفه نابعاً من الجبن أو الخوف على النفس، بل تولّد من "وعي سياسي بائس بالمآلات". لقد رأى مالك أن الثورات المسلحة المباشرة في عصره—كخروج محمد النفس الزكية—أدت إلى إراقة الدماء واستباحة الحرمات دون تحقيق البديل العادل، فآثر صياغة الاستقرار من خلال تثبيت "السلم الأهلي" وحفظ بيضة الأمة (4).
إن عدم الثورة المسلحة لم يعنِ التواطؤ أو المهادنة؛ والتاريخ يحفظ لمالك محنته الشهيرة عندما صدح بفتواه "ليس على مستكره طلاق"، والتي فككت الشرعية السياسية لبيعة الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور القائمة على الإكراه. فكان ثمن هذا الموقف الفكري الصارم أن جُرّد وضُرب بالسياط حتى انخلعت كتفه، مما يثبت أن موقفه كان نابعاً من رؤية إصلاحية تعليمية، لا من خنوع لسلطة باطشة (5).
ثالثاً: مدرسة المدينة ومدرسة العراق: صراع البيئة والأدوات المعرفية
في إطار الموازنة المنهجية، يتبدى لنا التباين الفكري بين "مدرسة الأثر" بالمدينة بقيادة الإمام مالك و"مدرسة الرأي" بالعراق بقيادة الإمام أبي حنيفة، وهو تباين لم يكن اختلافاً عقائدياً بل كان انعكاساً حتمياً لاختلاف البيئات الحاضنة وخصوصياتها الجغرافية. فالمدينة المنورة مثلت بيئة محافظة تختزن الإرث النبوي التطبيقي المباشر وتعتبر السلوك الجمعي للمدينة نصاً متواتراً يغني عن التأويل العقلي الزائد، وتعتمد في معيار قبول الحديث على عدم مخالفته لعمل أهل المدينة والأصول العامة، متخذة من الاستصلاح وسد الذرائع أدوات مرنة للاستنباط الفقهي.
وفي المقابل، نشأت المدرسة الحنيفة في الكوفة ضمن فضاء مدني منفتح وتعددية ثقافية صاخبة تموج بحركات الوضع السياسي والديني، مما دفعها إلى التشدد الكبير في قبول أحاديث الآحاد واشتراط عدم مخالفتها للقياس الجلي أو قواعد العقل وعموم البلوى، مع التوسع الواسع في أدوات التحليل والافتراض العقلي لحماية الشريعة من الاختراق وتفكيك النوازل المعقدة (6).
رابعاً: التوطن الفقهي: سر مالكية تونس وشمال إفريقيا واعتدالها
إن الانتقال الجغرافي للمذهب المالكي من الحجاز إلى تونس ومعظم أرجاء شمال إفريقيا لم يكن مجرد صدفة تاريخية، بل جاء نتيجة تلاؤم بنيوي بين طبيعة إنسان هذه المنطقة وقيم الاعتدال والواقعية التي تميز بها فقه الإمام مالك. ويمكن تفكيك هذا الارتباط في أبعاد سوسيولوجية وفقهية دقيقة:
  1. نبذ التطرف والنزوع نحو الوسطية: تميل البيئة التونسية والمغاربية تاريخياً إلى الاستقرار والنفور من الغلو المذهبي والعقائدية الجوفاء. وقد وجد علماء القيروان في هذا المذهب صمام أمان يجمع بين صيانة الأثر النبوي ومراعاة مقاصد الشريعة، مما حمى المنطقة من الانزلاق وراء الحركات المتطرفة التي عصف بها المشرق (7).
  2. مرونة الأصول (العُرف والمصلحة): تميزت تونس بتركيبة اجتماعية وثقافية ثرية عبر العصور. وقد أتاح اعتماد مالك على أصول مرنة مثل "العُرف والعادات" و"المصالح المرسلة" للمجتمع التونسي والمغاربي الحفاظ على خصوصياته المحلية وتطوير تشريعاته دون الاصطدام مع النص الشرعي (8).
  3. الدور الفكري للمدرسة القيروانية: لم يكن علماء إفريقية مجرد ناقلين جامدين لفقه المدينة، بل حوّلوا المذهب في جامع القيروان إلى منهج عملي واقعي قادر على تدبير شؤون الدولة والمجتمع بروح تتسم بالتسامح والتيسير (9).
  4. حماية السلم الأهلي المغاربي: مثلما كان هاجس الإمام مالك في المدينة هو حقن الدماء وتجنب الفتن، فإن تبني هذا المذهب في شمال إفريقيا وفّر وحدة مرجعية وقانونية منسجمة، منعت التشرذم السياسي والحروب الأهلية المذهبية وطبعت المنطقة بـ"إسلام معتدل" ومتوازن (10).
خاتمة نقدية
إن نقد التراث نقداً بناءً يقتضي منا أن نضع الإمام مالك في سياقه التاريخي والمعرفي. لم يكن منهجه النَّقلي انكفاءً سلبياً أو خوفاً من بطش، بل كان محاولة عبقرية لإنتاج الاستقرار الفقهي والاجتماعي في زمن الفتن العاصفة. إن مكمن القوة في منهجه هو هذه المرونة المقاصدية التي تركها في أصوله، وهي ذاتها الأدوات التي تفسر سر بقاء واعتدال هذا المذهب في تونس وشمال إفريقيا، وهي أيضاً ما نحتاجه اليوم لإعادة قراءة هذا التراث، لا لتكرار أجوبته القديمة، بل لتمثّل شجاعته في مواجهة النوازل واستبصار مصالح الإنسان.

الهوامش والإحالات المعرفية:
(1) القاضي عياض، ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، تحقيق: أحمد بكير محمود، دار مكتبة الحياة، بيروت، ج1، ص 45-48.
(2) جلال الدين السيوطي، تنوير الحوالك بشرح موطأ مالك، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، 1969م، ص 7-10.
(3) ابن رشد الجد، المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1988م، ج1، ص 23.
(4) ابن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة، تحقيق: خليل المنصور، دار الكتب العلمية، بيروت، 1997م، صوابية الموقف من الفتن، ج2، ص 11-15.
(5) أبو الفرج الأصفهاني، مقاتل الطالبيين، تحقيق: أحمد صقر، دار المعرفة، بيروت، ص 234-237 (سياق محنة مالك في فتوى طلاق المكره).
(6) محمد أبو زهرة، مالك: حياته وعصره - آراؤه وفقهه، دار الفكر العربي، القاهرة، ط2، ص 210-225 (الموازنة بين مدرستي الرأي والأثر).
(7) محمد الجوادي، الفكر الاجتماعي في المذهب المالكي بالمغرب العربي، الدار التونسية للنشر، تونس، ص 88-92.
(8) ابن عاشور (محمد الطاهر)، مقاصد الشريعة الإسلامية، تحقيق: محمد الحبيب ابن الخوجة، وزارة الشؤون الدينية، تونس، 2001م، ص 114.
(9) سحنون بن سعيد التنوخي، المدونة الكبرى، دار الكتب العلمية، بيروت، 1994م، ج1، ص 5-8 (رواية سحنون وأثرها في صياغة الفقه المغاربي).
(10) حسن حسني عبد الوهاب، ورقات عن الحضارة العربية بإفريقية التونسية، مكتبة المنار، تونس، ط3، ج1، ص 142-147.

جمال عبد الناصر: جدلية الوعي والممارسة في مسيرة قائد الأمة وباني نهضتها الحديثة بقلم: الناصر خشيني

نقف اليوم على أعتاب الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو (جويلية) 1952، وهي محطة لم تكن مجرد انقلاب عسكري تقليدي، بل كانت ...