التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف قضايا اسلامية

تجديد الفهم الإيجابي وتفكيك الجمود: قراءة بنيوية في تفسير "التحرير والتنوير" للشيخ الطاهر بن عاشور بقلم: الناصر خشيني

  مقدمة إن إشكالية التعامل مع التراث التفسيري والمدونات العلمية الإسلامية تفرض علينا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، التسلح بأدوات النقد البنّاء والقراءة التحليلية التفكيكية؛ لتجاوز منطق النقل المطلق أو التمجيد الوعظي البارد، والعبور نحو استكشاف مكامن التجديد الحقيقي الحركي. ومن هذا المنطلق المعرفي، نقارب الأثر التفسيري الفذ لشيخ جامعة الزيتونة، الإمام محمد الطاهر بن عاشور، في مَعلمته الكبرى " التحرير والتنوير ". لم يكن منهج ابن عاشور مجرد استجابة تراكمية لمقتضيات النقل الشرعي، بل كان بنية فكرية معقدة ومتطورة تشكلت في محرق الصراع بين جمود المتأخرين وديناميكية النص القرآني المتجدد، وهو ما يفسر سر الأهمية البالغة التي يحظى بها هذا التفسير في فضاء الفكر الإسلامي المعاصر. لقد أدرك ابن عاشور ، بعقليته الإصلاحية الفذة، أن الاقتصار على سرد المأثور واجترار حواشي السابقين دون إضافة نوعية يعطل فيض القرآن ويسهم في تكريس التكلس الفكري. ومن هنا نفذ في " التحرير والتنوير " بجرأة علمية نادرة تقوم على محورين متكاملين: التحرير (الذي يعني الغربلة والتمحيص النقدي لمدونات السلف) والتنوير (...

قرات لكم : بين هاجس الحفاظ على التراث ومأزق مأسسة السلوك: قراءة تفكيكية في "إحياء علوم الدين" للإمام الغزالي بقلم: الناصر خشيني

    ضمن سلسلة "قرأت لكم" ، نفتح اليوم دفتي كتاب طالما اعتبر من أمهات الكتب في المدوّنة الإسلامية، وهو كتاب "إحياء علوم الدين" لأبي حامد الغزالي . هذا الأثر الضخم الذي صُنّف في لحظة تاريخية حرجة، تزامنت مع اشتداد وطأة الحروب الصليبية وتشرذم الأمة سياسياً وفكرياً، جاء كمحاولة عبقرية من الغزالي لـ "لمّ شتات التراث" وخلق حصن فكري يحمي الهوية الثقافية والدينية من الضياع والتلاشي وسط ركام الهزائم العسكرية. ولكن، حين نلج إلى جوهر المتن الفلسفي والفقهي للكتاب، نجد أنفسنا أمام إشكال بنيوي عميق يتعلق بـ "مأسسة السلوك الإنساني" وتحويله إلى طقوس مفرطة في الجزئية، مما يدعونا إلى مراجعة نقدية صارمة توازن بين نبل المقصد الفكري ومأزق التطبيق العملي، عابرين نحو تفكيك هذه الجدلية من خلال محورين أساسيين. أولاً: السياق التاريخي وهاجس الحفاظ على الهوية لا يمكن فهم "إحياء علوم الدين" بمعزل عن عصره؛ فقد كان الإسلام يعيش أزمة وجودية جراء الهجمات الخارجية والانقسامات المذهبية الداخلية. من هنا، تحوّل الغزالي إلى "جامع للتراث"، محاولاً صهر الفقه والت...

تفكيك منظومة الطلاق: بين سموّ التشريع القرآني وتهافت الفقه التراثي بقلم الناصر خشيني

    مقدمة: في البدء كانت الأخلاق يمثل الفهم القُرآني لشبكة العلاقات الاجتماعية ذروة النضج التربوي والانسجام الإنساني. فالزواج في القرآن ليس عقد تملّك، بل هو "ميثاق غليظ" [النساء: 21] قائم على السكن والجسور النفسية الواصلة بين الذات والآخر. وعندما تضيق السبل وتصل العلاقة الزوجية إلى أفق مسدود، لا يفتح القرآن باباً للهدم السريع المتهور، بل يضع منظومة وقائية صارمة تجعل من انفصام هذا الميثاق أمراً معقداً يتطلب زمناً طويلاً ومراجعات نفسية واجتماعية عميقة، على العكس تماماً مما كرسته المنظومة التراثية التقليدية التي اختزلت هذا البناء الشاهق في "كلمة" يلقيها الرجل في لحظة غضب. اولاً: المنظومة الزمنية والتربوية للطلاق في القرآن (استحالة الهدم الفجائي) الطلاق في القرآن ليس حدثاً يقع في ثانية، بل هو مسار زمني واجتماعي ممتد قد يستغرق أشهراً طويلة (تصل إلى سبعة أشهر أو أكثر عند احتساب مراحل العلاج والعدّة)، وهدفه الأساسي منح الفرصة لإعادة إحياء الرابطة الزوجية من خلال محطات إجبارية: مراحل العلاج الداخلي: تبدأ المنظومة الوقائية من داخل البيت عند نشوز أي من الطرفين أو شقاقهما...

تفكيك شفرة الحج: منسك السلام العالمي وشهود المنافع الإنسانية في المنظور القرآني بقلم: الناصر خشيني

  تقديم حين نتدبر النص القرآني الحكيم بمنهجية تقدمية، واعية بظروف الواقع الإنساني ومستندة إلى الأصول الكلية للرسالة الإسلامية، نجد أن العبادات لم تأتِ لتكون مجرد طقوس ميكانيكية معزولة عن حركة التاريخ، بل جاءت أدوات ثورية لبناء المجتمع الإنساني وتحقيق العدالة والوحدة. ومن بين هذه العبادات، يبرز الحج كأكبر مؤتمر إنساني عالمي، يحتاج منا اليوم إلى إعادة قراءة وتفكيك لشفراته الكبرى على ضوء القرآن الكريم وحده؛ باعتباره النص الإلهي القطعي الذي يتجاوز المرويات التاريخية والصناعات البشرية الخاضعة لظروف رواتها التاريخية. إن الحج في عمقه القرآني هو إعلان للوحدة الكونية، وتأسيس لمركزية إنسانية عادلة، تتصادم جملة وتفصيلاً مع ما نراه اليوم من اختزال لهذه العبادة العظيمة في أبعاد تجارية واحتكارية، أو توظيف أموالها لخدمة قوى الهيمنة الإمبريالية. 1. عالمية الدين وتأسيس المركزية الإنسانية القرآن الكريم حين شرع الحج، لم يوجه الخطاب لفئة جغرافية أو عرقية محددة، بل أسسه على قاعدة العالمية المطلقة. يقول تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ}...

الهندسة المقاصدية للصيام في القرآن: تفكيك الشفرة اللغوية والاجتماعية وسر الفاصلة الدعائية بقلم: الناصر خشيني

  تقديم إن التعامل مع النص القرآني بوصفه مشروعاً نهضوياً لبناء الإنسان والمجتمع، يفرض علينا الانعتاق من إسار الفقه الشكلي التبريري الذي اختزل الصيام في أبعاده البيولوجية والفيزيولوجية الضيقة. إن إعادة قراءة الأبنية اللغوية والسياقية للآيات تكشف عن "هندسة تشريعية وتربوية" بالغة الدقة، تهدف إلى نقل الكائن البشري من رتبة العبودية للغريزة والمادة، إلى رتبة الإرادة الحرة والوعي الأخلاقي والاجتماعي. أولاً: شفرة اللفظ والفرق البياني بين الصيام والصوم أولى عتبات التفكيك تبدأ من التمييز الدقيق الذي يقيمه النظم القرآني بين بنيتين لغويتين مشتقتين من جذر واحد، لكنهما تختلفان في الوظيفة والدلالة داخل السياق: شفرة "الصِّيَام": ورد هذا اللفظ في القرآن في سياق الأحكام والتشريعات العملية، وهو يعبر عن الإمساك المادي والبيولوجي المؤقت عن المفطرات (الطعام، والشراب، والشهوة) من الفجر إلى غروب الشمس. "الصيام" (على وزن فِعَال) يحمل في بنيته الصرفية معنى المدافعة، والمجاهدة، والجهد البدني العضلي الملموس. إنه التمرين الأولي الإلزامي لضبط غريزة البقاء وتطويع الجسد. شفرة "الصَ...

فلسفة الطهارة بين التحرر القرآني والجمود التراثي بقلم: الناصر خشيني

    تقديم تُشكل المسألة الدينية في وعينا القومي والتقدمي ركيزة أساسية من ركائز التحرر والتنوير، شريطة أن نعود بها إلى نبعها الأصيل الصافي: القرآن الكريم . فالنص القرآني في جوهره ثورة على الأشكال والطقوس الجامدة، ودعوة مستمرة لتزكية الإنسان والارتقاء بوعيه. ومِن أكثر المفاهيم التي تعرضت لـ "الاختطاف الشكلي" وتحولت من غاية إنسانية كبرى إلى هوس طقسي فرعي، هو مفهوم "الطهارة" . حين نتدبر القرآن الكريم بعقل تقدمي يرفض الإغراق في المظاهر، نكتشف مفارقة صارخة بين "إيجاز القرآن وتحرره" وبين "إطناب التراث وجموده" . أولاً: الطهارة في الاستعمال القرآني.. انتصار للمعنى على المبنى إذا تتبعنا مادة "طهر" ومشتقاتها في القرآن الكريم، سنجد أنها وردت 31 مرة في مواضع وسياقات متنوعة . والملمح الحاسم هنا هو أن الغالبية الساحقة من هذه الآيات جاءت لترسيخ "الطهارة المعنوية والأخلاقية" ، لا الطهارة المادية الجسدية . القرآن الكريم جعل الطهارة غاية كبرى ترتبط بسلامة المجتمعات ونقاء القلوب والتحرر من الأثرة: التنزّه الأخلاقي والفطري: كقوله تعالى عن خط ا...

دلالات "الصلاة" في القرآن الكريم: من الصلة الشاملة إلى الشعيرة المخصوصة بقلم الناصر خشيني

 تقديم يذكر عدد من الباحثين في الدلالة القرآنية أن لفظ "الصلاة" ومشتقاته ورد في القرآن الكريم نحو تسع وتسعين مرة، وهو رقم يستوقف كل قارئ متأمل: فهل يعقل أن يتكرر لفظ واحد بهذا الحجم ليدل حصرا على شعيرة حركية محددة الأركان والهيئة، أم أن اللفظ يحمل حمولة دلالية أوسع تتصل بجوهر العلاقة بين الإنسان وربه، وبينه وبين الكون الذي استخلف فيه، وبينه وبين مجتمعه الذي أُمر أن يقيم فيه العدل ويقطع دابر الفساد؟ هذا هو السؤال المركزي الذي يحاول هذا المقال مقاربته، من غير ادعاء اليقين القاطع، وإنما استئناسا بالسياقات القرآنية ذاتها. أولا: الصلاة بوصفها صلة لا حركة يذهب بعض الباحثين المحدثين في الدلالة القرآنية إلى أن جذر "صلى" في أصله اللغوي يحيل إلى معنى الاتصال والارتباط، لا إلى هيئة بدنية بعينها، مستندين إلى أن القرآن يستعمل اللفظ في سياقات لا علاقة لها بالركوع والسجود مطلقا، من ذلك قوله تعالى في وصف صلاة الله وملائكته على النبي: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" (الأحزاب:...

مأزق الفكر الأثري وعوائق النهضة العربية: تفكيك منهج ابن كثير في التفسير بقلم: الناصر خشيني 

مقدمة: معركة الوعي والتحرر الحضاري لا يمكن لأمة أن تخوض معركة التحرر السياسي والاقتصادي وهي ترزح تحت وطأة وعي معرفي مكبل بالماضوية والاتباع. إن أزمة الأمة العربية اليوم، في جوهرها، هي أزمة عقل مستقيل استبدل التدبر القرآني المباشر بالاجترار الحشوي. ويقف "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير (ت 774هـ) كأحد أبرز الشواهد على تحويل النص القرآن المتحرك، الصالح لبناء نهضة إنسانية متجددة، إلى نصوص مغلقة محكومة بمرويات القرون الوسطى وإسقاطاتها الفقهية والقصصية. إن نقد هذا المنهج ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة قومية تقدمية لتطهير الوعي العربي من رواسب الجمود المعرفي، وفتح الآفاق أمام عقلانية عربية علمية ومفتوحة. أولاً: آيات الخلق بين آفاق السنن الكونية ومستنقع الإسرائيليات (شواهد تطبيقية) تتجلى خطورة المنهج الحشوي عند ابن كثير في تعامله مع "آيات الخلق" والكون والوجود. فالقرآن يطرح قضية الخلق كقوة دافعة للبحث العلمي والتدبر في السنن الكونية ("قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ"). لكن ابن كثير، عوضاً عن فتح الباب للعقل ليتأمل في فيزياء الكون ونوامي...