التخطي إلى المحتوى الرئيسي

صالح بن يوسف :  معركة الهوية وثمن الإرادة القومية في تونس بقلم: الناصر خشيني

   


  لم يكن اغتيال القائد والرمز العربي التونسي صالح بن يوسف في أغسطس 1961، ومن بعده إعدام قادة انتفاضة ديسمبر 1962، مجرد تصفية جسدية لمعارضين سياسيين، بل كان محاولة مبكرة لـ"اغتيال المشروع القومي التقدمي" في شمال إفريقيا. لقد كان ذلك ضربة وجهتها قوى الارتهان بالغرب لقطع الجسور بين تونس وعمقها العربي النابض في القاهرة وبغداد ودمشق. إن قراءة هذه المحطة الدامية من تاريخنا تفرض علينا تفكيك طبيعة الصراع الوجودي بين تيار التحرر الشامل والتيار البورقيبي التفتيتي.

أولاً: الجذور والوعي النضالي المبكر

ولد صالح بن يوسف في جزيرة جربة الأبية عام 1907، وحمل في وجدانه إرث المعاناة لشعب يرزح تحت نير الاستعمار الفرنسي. نال شهادة الحقوق والعلوم السياسية من السوربون، لكنه لم يفتن بالنموذج الغربي الاستعلائي؛ بل سخر معرفته لخدمة شعبه، متدرجاً في صفوف الحركة الوطنية حتى أصبح الأمين العام للحزب الحر الدستوري الجديد [1]. لم يكن بن يوسف رجل قانون بيروقراطي، بل كان مناضلاً ميدانياً يدرك أن الحقوق لا تُستجدى في أروقة باريس، بل تُنتزع بنضال الجماهير وكفاحها المشترك.

ثانياً: معركة الهوية.. مرسيليا في مواجهة القاهرة

تمثّل الخلاف اليوسفي-البورقيبي عام 1955 حول "اتفاقيات الاستقلال الداخلي" المنعرج الحاسم الذي كشف زيف "الوطنية الضيقة" المفصولة عن عمقها القومي. هنا تجلت جبهتان ومآلان:

التيار البورقيبي التغريبي: الذي جسد عقلية "الخطوة خطوة" والتنازل المبدئي، معلناً بوضوح أن "مرسيليا أقرب إلى تونس من القاهرة". كانت هذه الرؤية انبتاتاً فكرياً يربط مستقبل البلاد الاقتصادي والثقافي بالعجلة التبعية للغرب الإمبريالي، ويؤصل لجمهورية قطرية معزولة عن قضايا أمتها.

التيار اليوسفي العروبي والتقدمي: بقيادة بن يوسف، الذي رفض أنصاف الحلول والاتفاقيات المذلة التي ترهن تونس لفرنسا [2]. انطلق الشهيد من وعي قومي ناصع يرى أن معركة تونس جزء لا يتجزأ من ثورة التحرر العربي؛ ويمم وجهه شطر قاهرة جمال عبد الناصر، منحازاً لخط الكفاح المسلح، ومدركاً أن الاستقلال الحقيقي هو الاستقلال التام وغير المشروط [3].

ثالثاً: الإقصاء الدامي والمكيدة الغادرة

حين عجز النظام البورقيبي الناشئ عن مقارعة الحجة اليوسفية ديمقراطياً وفكرياً، وحين روعته شعبية بن يوسف في صفوف الجماهير والفلاحين والمقاومين (الفلاقة)، لجأ إلى آلة القمع والإقصاء. طُرد بن يوسف من الحزب، ولوحق أنصاره بالتصفية والتعذيب، مما دفعه للمنفى مواصلاً التحريض الفكري والسياسي ضد دولة الفرد والتبعية [4].

ولأن صوت بن يوسف كان يهدد عروش الارتهان، دُبّرت له المكيدة الكبرى. في 12 أغسطس 1961، وفي غمرة انشغال الشعب التونسي بدمائه في معركة بنزرت، استُدرج القائد العروبي إلى فندق في مدينة فرانكفورت بألمانيا تحت غطاء الصلح الكاذب. وهناك، بأيدي الغدر وبتخطيط من أجهزة أمن السلطة البورقيبية، أطلقت الرصاصات على رأسه المفكر، ليسقط شهيداً غريباً عن أرضه، شاهداً بدمه على دموية التيار القُطري [5].

رابعاً: انتفاضة الشرفاء و"مجزرة ديسمبر 1962" القضائية

لم يمر اغتيال القائد بن يوسف دون أن يهز ضمير الحركة الوطنية المسلحة. ففي أواخر عام 1962، قاد ثوار وفلاقة شرفاء وعسكريون تقدميون، وعلى رأسهم المقاوم البطل لزهر الشرايطي ورفيقه صالح الحشاني، محاولة ثورية لقلب نظام بورقيبة وإنهاء عهد الارتهان والتبعية وتصفية الحساب مع قتلة بن يوسف [6].

لكن الآلة القمعية للنظام القُطري الناشئ كانت بالمرصاد لهذه الانتفاضة؛ فنصبت بورقيبية الحكم محاكمة عسكرية صورية افتقرت لأدنى شروط العدالة في يناير 1963. ولم يتأخر نظام بورقيبة في إظهار وجهه الديكتاتوري الدموي، فأصدر أحكاماً بالإعدام نُفذت سريعاً بحق 10 من قادة الحركة، وعلى رأسهم رمز المقاومة الشعبية لزهر الشرايطي [7]. كانت تلك المحاكمة الصورية محاولة بائسة لدفن الفكرة اليوسفية العروبية، واستكمالاً لمسلسل تصفية كل من يرفع راية الكفاح المسلح والانتماء للأمة.

خامساً: مآلات الدم وانتصار الفكرة

حتى بعد اغتيال بن يوسف وإعدام الشرايطي ورفاقه الشرفاء، ظلت أجسادهم الطاهرة ترعب سلطة الاستبداد؛ فرُفض دفن بن يوسف في تونس، ليحتضنه التراب المصري في "مقبرة الشهداء" بالقاهرة، الشاهدة على هويته القومية التي قُتل من أجلها، قبل أن يعود لرفاته في مقبرة الجلاز عام 1991 [8].

اليوم، ونحن نقرأ هذه الصفحة الدامية من تاريخنا من موقعنا التقدمي، ندرك أن "اليوسفية" وحراك "ديسمبر 1962" لم يكونا مجرد أحداث عابرة، بل كانا صرخة مبكرة ضد الهيمنة وتزييف الهوية وتأسيس الاستبداد. إن استحضار هؤلاء الشهداء اليوم هو تأكيد على أن معركة التحرر الوطني لا تكتمل إلا ببعدها القومي العربي، وأن دماء صالح بن يوسف ولزهر الشرايطي ستبقى منارات تضيء طريق الأجيال نحو الانعتاق التام والسيادة الوطنية الحقيقية.

عاش نضال أمتنا، والمجد والخلود لشهداء الفكر والإرادة القومية.

الهوامش والمراجع:

د. عبد اللطيف الحناشي، الحركة اليوسفية في تونس: الجذور الفكرية والسياسية، دار المعرفة، تونس، ص. 45.

د. عميرة علية الصغير، اليوسفية ومآلات الاستقلال المنقوص، منشورات المعهد العالي لتاريخ الحركة الوطنية، تونس، ص. 112.

د. علي المحجوبي، تاريخ تونس المعاصر: الصراع حول الهوية والخيارات السياسية، سراس للنشر، تونس، ص. 89.

د. خالد عبيد، تونس 1955-1956: وثائق صامتة في الصراع البورقيبي اليوسفي، منشورات شهريار، ص. 134.

توفيق المديني، الاغتيال السياسي في تونس: ملف صالح بن يوسف، الدار العربية للعلوم، بيروت، ص. 201.

د. مصطفى التليلي، المقاومة المسلحة والفلاقة في تونس: من بوابات التحرير إلى غرف الإعدام، دار التنوير، ص. 175.

أرشيف المحاكمات العسكرية بتونس (جانفي 1963)، وثائق ملف "مؤامرة لزهر الشرايطي وعمر البنبلي لقلب نظام الحكم".

تقرير هيئة الحقيقة والكرامة التونسية (2019)، الملف القضائي والتحقيقي لشهداء الحركة اليوسفية وانتفاضة 1962.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...