التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام عبد الحميد بن باديس.. باني القلعة الثقافية والعمق العروبي للثورة الجزائرية بقلم: الناصر خشيني



   لم يكن الشيخ عبد الحميد بن باديس (1889 - 1940) مصلحاً دينياً بالمعنى التقليدي الانكفائي، بل كان مهندساً استراتيجياً تقدمياً أدرك مبكراً أن مواجهة الاستعمار الاستيطاني الفرنسي -الذي استهدف مسخ وتجريف الهوية الوطنية- تتطلب أولاً بناء الوعي القومي والتحرري وإعداد "الإنسان البديل" القادر على خوض معركة التحرير الشاملة. لقد قاد ابن باديس ثورة ثقافية واجتماعية كانت بمثابة التمهيد اللوجستي والفكري لاندلاع الكفاح المسلح.
أبعاد الفكر التقدمي والقومي في مسيرة ابن باديس:
  • التعليم كأداة تحرر اجتماعي وتحرير للمرأة: حوّل ابن باديس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين (تأسست 1931) من مجرد إطار وعظي إلى تنظيم جبهوي شعبي ممتد عبر شبكة واسعة من المدارس والمساجد والنوادي الثقافية. ولم يقصر المناهج على العلوم الدينية، بل أدخل بقوة العلوم الحديثة، والتاريخ العربي، والجغرافيا السياسية لربط الناشئة بامتدادهم الحضاري. وفي قفزة تقدمية رائدة، أولى ابن باديس أهمية قصوى لـ"تعليم المرأة وإشراكها في النهضة"، فأسس مدارس خاصة بالإناث ودافع عن حقوقهن الاجتماعية، إيماناً منه بأن المجتمع لا يمكن أن يتحرر ونصفه مكبل بالجهل والتبعية.
  • إسقاط أوهام الاندماج والتبعية الحضارية: في مرحلة تاريخية عصيبة انزلقت فيها بعض النخب البرجوازية والسياسية الجزائرية وراء سراب "الاندماج والمواطنة الفرنسية الكاملة"، وقف ابن باديس بصلابة مبدئية ليعلن في مقاله التاريخي الشهير عام 1936: "إن الأمة الجزائرية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا... بل هي أمة لها تاريخها، ودينها، ولغتها". هذا الموقف الحاسم قطع الطريق تماماً أمام محاولات الذوبان الفكري والثقافي، وحصّن الوجدان الشعبي ضد مشاريع "الفرنسة" الممنهجة.
  • الالتزام بالقضايا القومية (فلسطين بوصلةً): لم تنغلق حركة ابن باديس داخل الأطر المحلية الضيقة، بل كان الفكر العروبي التحرري حاضراً بقوة في قلب أدبيات الجمعية ونشاطها اليومي. تجسد ذلك في الدعم المطلق لـ"الثورة الفلسطينية الكبرى" عام 1936؛ حيث أفردت جريدتا "الشهاب" و"البصائر" مساحات واسعة لتوعية الشعب الجزائري بمخاطر المشروع الصهيوني الاستيطاني. واعتبر ابن باديس أن الدفاع عن عروبة فلسطين واجباً قومياً مقدساً لا ينفصل بأي حال من الأحوال عن معركة تحرير الجزائر، مرسخاً مبدأ ترابط النضال القومي العربي.
  • صناعة الجيل الحاضن لثورة نوفمبر الخالدة: إن المقاومة الثقافية الشرسة التي خاضها ابن باديس تحت شعاره التاريخي "الإسلام ديننا، العربية لغتنا، الجزائر وطننا" هي التي صانت الشخصية الوطنية الجزائرية من خطر الإبادة الثقافية. وبشهادات موثقة لقادة الثورة التحريرية العظمى (1954-1962) كالعربي بن مهيدي ومصطفى بن بولعيد، فإن تلك المدارس والنوادي الباديسية هي التي تخرج منها آلاف الشباب الوعاة الذين شكلوا العمود الفقري اللوجستي والسياسي لجيش التحرير الوطني، مما يجعل من ابن باديس المهندس الحقيقي لحاضنة الثورة.
هوامش ومراجع 
  • [1] سعد الله، أبو القاسم (1992). الحركة الوطنية الجزائرية، بيروت: دار الغرب الإسلامي، الجزء الثالث، ص 145-150.
  • [2] خير الدين، محمد (1985). مذكرات الشيخ محمد خير الدين: من رواد الحركة الإصلاحية الجزائرية، الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، ص 65-72.
  • [3] مرتاض، عبد الملك (1983). الشيخ عبد الحميد بن باديس: رائد النهضة الفكرية في الجزائر الحديثة، الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، ص 104-108.
  • [4] جريدة الشهاب الجزائرية، العدد الصادر في أفريل 1936، مقال افتتاحي بقلم الشيخ عبد الحميد بن باديس.
  • [5] البلاغ، أحمد (1999). البعد القومي العربي في فكر جيل الإصلاح الجزائري، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ص 210-216.
  • [6] ابن باديس، عبد الحميد (1968). آثار عبد الحميد بن باديس (تجميع وتحقيق عمار طالبي)، الجزائر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، المجلد الأول، ص 88-

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...