الخميس، 23 يوليو 2026

اغتيال وطن في شخص شهيد: محمد براهمي.. الصوت العروبي الشامخ وجريمة الاغتيال الممتدة ضد عائلته بقلم: الناصر خشيني


    تمر الأيام والسنوات وتتجدد الذكرى، لتضعنا اليوم في 23 يوليو (جويلية) 2026 على عتبة الذكرى الثالثة عشرة لاستشهاد أخي وصديقي الحاج محمد براهمي (1955 - 2013). لم تكن الرصاصات الأربع عشرة الغادرة التي استهدفته أمام بيته في ذلك اليوم القائظ من تموز (جويلية) 2013، مجرد عملية تصفية جسدية لسياسي معارض، بل كانت محاولة استراتيجية من قوى الردة والظلامية لإعدام مشروع فكري وسياسي متكامل؛ مشروع "الخط القومي التقدمي الذي رأى فيه صمام الأمان لتصحيح مسار الثورة التونسية وربطها بمدارها العروبي المقاوم.

إن تفكيك هذا الاغتيال برؤية استقصائية معمقة يكشف أنه لم ينتهِ بإنهاء حياة الشهيد، بل إن الاغتيال ما زال متواصلاً وممتداً عبر استهداف ممنهج لعائلته ونضالات رفاقه سخريةً بالعدالة.
. النشأة والمنشأ: سيدي بوزيد كخزان للوعي والالتزام الطبقي
ولد محمد براهمي عام 1955 في عمق تونس المنسية، بمدينة "الحشّانة" التابعة لولاية سيدي بوزيد، وهي الجغرافيا التي لم تكن يوماً مجرد نقطة على الخارطة، بل كانت مختبراً حياً لمعاناة التهميش والفقر التي فرضتها خيارات الدولة البورقيبية ومن بعدها النوفمبرية على دواخل البلاد.
من هذا الرحم الاجتماعي، ومن طين الأرض التي يفلحها الكادحون، رضع براهمي فكره التقدمي. لم يدرس الاشتراكية والعدالة الاجتماعية في الكتب الماركسية أو العروبية المعزولة فحسب، بل عاشها واقعاً ملموساً. ولذلك جاء نضاله الطلابي في الجامعة التونسية خلال ثمانينيات القرن الماضي متسقاً مع هذا الانحياز الطبقي الصارم، حيث انخرط في "الفصيل القومي التقدمي الطلبة العرب التقدميون الوحدويون معبراً عن صوت الفلاح والمنسحق، ومؤسساً لوعي يرفض الفصل بين التحرر الاجتماعي والتحرر القومي [1، 2].
2. شهادة دم حية: عام 1980 وجسارة براهمي في إنقاذ رفاقه من الخنق (محطة شخصية)
إن معركتنا الفكرية والسياسية مع تيار الإسلام السياسي (حركة الاتجاه الإسلامي التي تحولت إلى "النهضة" لاحقاً) لم تكن يوماً ترفاً فكرياً أو سجالاً ناعماً، بل كانت معركة وجودية تَعمدت بالدم والحديد في الساحات الجامعية منذ عقود.
وفي هذا السياق، أحمل في وجداني ونضالي الشخصي شهادة تاريخية حيّة على جسارة هذا البطل وعقيدته الرفاقية الصلبة؛ ففي عام 1980، وخلال ذروة تصاعد العنف الأعمى الذي كانت تمارسه مجموعات "الاتجاه الإسلامي" داخل أسوار الجامعة التونسية لضرب الفصائل اليسارية والقومية، تعرضتُ شخصياً لعنف شديد ووحشي من قِبل ميليشياتهم التي حاولت تصفيتي جسدياً وعمدت إلى خنق مادي كاد يودي بحياتي.
وفي تلك اللحظة الفاصلة بين الموت والحياة، لم يكن المنقذ لي من براثن الموت إلا أخي ورفيق دربي محمد براهمي. بحكم قرب كليته من كليتنا، لم يتردد الحاج ثانية واحدة في الاندفاع نحو ساحة المعركة مقتحماً طوق الخطر ليفك الخناق عن عنقي وينقذني من موت محقق. لم تكن هذه الحادثة يتيمة، بل كان براهمي يُمثل الظهير القتالي والدرع الميداني الصلب الذي يهرع لنجدتنا ونجدة الرفاق كلما احتدم الصراع الفكري والبدني مع جماعة الاتجاه الإسلامي، مجسداً بفعله الميداني التلازم الحقيقي بين المبدأ القومي والتضحية بالذات لحماية العائلة النضالية الواحدة.
3. معارك المجلس التأسيسي: صياغة الدستور ومواجهة الردة والتبعية
عقب ثورة 14 يناير (جانفي) 2011، حمل براهمي لواء العروبة التقدمية إلى داخل أروقة المجلس الوطني التأسيسي. وكان دخوله للمجلس صدمة للنخب الفرنكوفونية والرجعية على حد سواء، وخاض معارك ضارية تمثلت في:
  • عروبة تونس: وقف سداً منيعاً أمام محاولات تمييع الهوية الوطنية والعروبية في صياغة توطئة الدستور الجديد، معتبراً أن عزل تونس عن امتدادها القومي هو تمهيد لإلحاقها بالمنظومة الاستعمارية الغربية [2، 4].
  • تجريم التطبيع: خاض معركة شرسة من أجل إدراج بند صريح يُجرم التطبيع مع الكيان الصهيوني في الدستور، معتبراً فلسطين البوصلة الأخلاقية والسياسية لأي نظام ثوري تقدمي ينشأ بعد 14 جانفي.
  • الانحياز للفقراء ورفض الإملاءات: عارض بشدة السياسات الاقتصادية والمالية التي تبنتها حكومات الترويكا، وفضح ارتهانها لإملاءات صندوق النقد الدولي والدوائر الأجنبية.
4. التأسيس الأخير: "التيار الشعبي" وجبهة الإنقاذ

 عندما استشعر براهمي محاولات تدجين "حركة الشعب" وجرّها نحو مساومات سياسية لا تخدم الطبقات الشعبية، استقال وأسس مع رفاقه الخلّص "التيار الشعبي" في يوليو 2013. كان التيار الشعبي في فكر براهمي يمثل البديل التاريخي: تنظيم قومي، تقدمي، شعبي، يرفض الاقتتال الطائفي والجهوي، ويوجه الصراع نحو وجهته الحقيقية (ضد الرجعية، الإرهاب، والتبعية الكولونيالية).

5. الاغتيال المتواصل: استهداف العائلة لإنهاء مشروع الشهيد
إن الجريمة الإرهابية الغادرة التي نُفذت بـ14 رصاصة في 25 يوليو 2013 لم تتوقف عند إنهاء الحياة الجسدية للحاج محمد براهمي. ففي قراءة استقصائية لمسار الصراع السياسي في تونس، نجد أن غرف عمليات تنظيم الإخوان المسلمين ومرتزقتهم ما زالت تمارس عداءها التاريخي الممتد من الثمانينيات عبر حملات تحريضية وتتشويهية همجية تطال أرملة الشهيد وأبنائه بشكل متزامن وممنهج.
إن هذا التشويه وبث الأكاذيب ضد عائلة البراهمي لا ينفصل عن مناخ التجييش التكفيري الذي عشته أنا معه عام 1980؛ فالقوى الظلامية تدرك أن عائلة الشهيد، بوقوفها الصلب خلف مشروعه الفكري والسياسي وملاحقتها لملف الجهاز السري والاغتيالات، تمثل العقبة الكأداء أمام طمس معالم الجريمة. وبالتالي، فإن استهداف العائلة بالثلب والتحريض هو محاولة يائسة ومستمرة لتصفية الإرث الرمزي للشهيد، واغتيال معنوي متجدد لوأد الصوت القومي المقاوم الذي ترفض أرملته وأبناؤه المساومة عليه.
6. الخاتمة: رحيل الجسد وخلود الفكرة
أخي وصديقي ومنقذي الحاج محمد، ونحن نستحضر ذكراك اليوم، أسترجع ملامح وجهك وأنت تذود عني وعن الرفاق في ساحات الجامعة، وأوقن أن دماءك الزكية لم تذهب سدى. إن الهجمة الشرسة التي تشنها قوى الردة ضد عائلتك الصابرة اليوم هي أكبر دليل على أن فكرك وجسارتك لا تزال ترعبهم حتى بعد رحيلك. ستبقى "البرنس" التي كنت ترتديها، وصوتك الهادر، وثبات عائلتك منارات تضيء درب الأجيال العروبية التقدمية في تونس وفي كل شبر من وطننا العربي الكبير.
هوامش ومراجع المقال:
  1. التيار الشعبي تونس (2014). الوثيقة الفكرية والسياسية التأسيسية: الشهيد محمد براهمي ملهماً، منشورات التيار الشعبي، ص 12-18.
  2. مرزوقي، عادل (2016). اليسار والقوميون في تونس بعد الثورة: صراع الهوية والبرامج، تونس: دار النور للنشر، ص 89-95.
  3. خشيني، الناصر (1980/2026). شهادة حية موثقة من مذكرات الكاتب حول أحداث العنف الجامعي عام 1980 ودور الشهيد محمد براهمي الميداني، 
  4. محضر جلسات المجلس الوطني التأسيسي التونسي (2012-2013). مداخلات النائب محمد براهمي حول السيادة الوطنية وتجريم التطبيع، الأرشيف الوطني التونسي.
  5. بيان حزب التيار الشعبي تونس (ديسمبر 2025). بيان إدانة حول حملات التشويه الرقمي والتحريض الممنهج التي تتعرض لها عائلة الشهيد من بقايا المنظومة الظلامية الإخوانية، الأرشيف الإعلامي للحزب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

سلسلة دعاة على ابواب جهنم :المتشدد عائض القرني.. سارق الكتاب وصانع الغلو بقلم الناصر خشيني

    يتصدر المشهد في قراءة تفكيكية لرموز الفكر الظلامي، الداعية السعودي عائض القرني؛ كنموذج صارخ يجمع بين الغلو الفكري والزيف الأخلاقي والقي...