الجمعة، 24 يوليو 2026

الدكتور محمد شحرور.. ثورة القراءة المعاصرة وتحرير العقل العربي من إسار الجمود التاريخي بقلم: الناصر خشيني



لا يمكن للأمة العربية أن تحقق نهضتها السياسية والاقتصادية الشاملة أو تنسلخ من مخالب التبعية والإمبريالية ما لم تخض أولاً معركة التحرر الفكري والثقافي الكبرى. وفي قلب هذه المعركة الوجودية، يبرز اسم المفكر السوري الراحل الدكتور محمد شحرور (1938 - 2019) كأحد أهم رواد التثوير المعرفي ومؤشس منظومة "القراءة المعاصرة" للتنزيل الحكيم. إن قراءة مشروع شحرور من منظور قومي تقدمي تكشف عن محاولة جبارة لتفكيك "البنى الفقهية والتفسيرية التقليدية" التي صيغت في ظروف تاريخية وسلطوية بائدة، وإعادة بناء الوعي الجمعي العربي ليتصالح مع منطق العصر والعلم والتطور الاجتماعي.
  تفكيك العقل التراثي والتمييز بين "الكتاب" و"القرآن"
تمثلت الانطلاقة الكبرى لمشروع شحرور في كتابه التأسيسي الفذ "الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة" (1990). وباعتباره حاصلاً على الدكتوراه في الهندسة المدنية، نقل شحرور أدوات التحليل العلمي والرياضي إلى اللسانيات والعلوم الإنسانية، معتمداً على منهج أبي علي الفارسي والجرجاني في نفي الترادف في اللغة العربية. [1]
من خلال هذا المنهج، أحدث شحرور قطيعة معرفية مع التفسيرات السلفية الجامدة عبر التمييز الحاسم بين مفهوم "الكتاب" ومفهوم "القرآن" ومفهوم "الذكر". كان يرى أن حصر النص الإلهي في قوالب تفسيرية وُضعت في العصرين الأموي والعباسي هو جناية على حركية الأمة؛ فالنص الإلهي في نظره "ثابت المحتوى، متحرك المفهوم"، مما يعني أن كل جيل عربي يمتلك الحق العضوي والتاريخي في تدبر النص وإعادة إنتاج آليات تشريعية تلائم واقعه الاقتصادي والاجتماعي المعاش، دون ارتهان لأقوال السلف التي صيغت لتلبي حاجات مجتمعات تاريخية محددة [1، 2].
2. البعد التقدمي في "فقه المرأة" ونفي الإقصاء الاجتماعي
في كتابه الهام "نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي: فقه المرأة"، قدم شحرور رؤية تقدمية ثورية نسفت ركائز الفكر البطرياركي (الذكوري) المهيمن على المنظومة الفقهية التقليدية. حيث أعاد قراءة آيات الميراث، والوصية، واللباس، والعلاقات الأسرية من خلال منطق "الحدود الرياضية" (الحد الأدنى والحد الأعلى)، مبرهناً على أن التشريع القرآني يحمل مرونة لامتناهية تسمح بتمكين المرأة اقتصادياً وسياسياً بما يتلاءم مع الدولة الوطنية الحديثة. [1]
إن هذا الطرح يتقاطع مباشرة مع أطروحات الفكر التقدمي العربي؛ إذ لا يمكن الحديث عن تحرر المجتمع العربي أو إقحامه في معركة الإنتاج والبناء والتنمية ونصفه الآخر (المرأة) مكبل بفتاوى ومفاهيم تراثية تعاملها كعورة مجتمعية أو كائن قاصر بحاجة للقوامة والهيمنة الشاملة.
3. تجفيف منابع الإرهاب وتفكيك أيديولوجيا الموت
واجه شحرور بجرأة فكرية نادرة التغول الظلامي والتكفيري الذي عصف بالأمة العربية في العقود الأخيرة، وصاغ في كتابه الوجيز والخطير "تجفيف منابع الإرهاب" استراتيجية معرفية لمواجهة الفكر المتطرف. وجادل شحرور بأن مواجهة الإرهاب لا يمكن أن تنجح عبر المقاربات الأمنية والعسكرية البحتة، بل تتطلب تفكيك البنية التحتية للفكر الفقهي العنيف الذي يشرعن "الجهاد الهجومي"، وتقسيم العالم إلى "دار إسلام ودار حرب"، ومفهوم "الولاء والبراء" الإقصائي [2، 4].
أرجع شحرور أصول هذا الفكر الظلامي إلى تضخم الروايات والأحاديث المنسوبة تاريخياً على حساب النص القرآني المتسم بالسعة والرحمة، مؤكداً أن العبقرية العروبية الحقة هي التي تقدم للعالم نموذجاً إنسانياً حضارياً يقوم على السلم، والعدالة الاجتماعية، وصيانة الحريات الفردية والعامة.
4. الدولة والمجتمع: مأسسة الحرية وإعادة صياغة الأخلاق
في كتابيه المدققين "الدولة والمجتمع" و***"الإسلام والإيمان: منظومة القيم"***، فكك شحرور المفهوم الشمولي لـ "الحاكمية" التي تتبناها حركات الإسلام السياسي، وأثبت أن التشريع الإلهي ترك مساحة شاسعة للتشريع الإنساني المدني القائم على المصلحة الشعبية والشورى الحقيقية<─.
اعتبر شحرور أن الحرية هي الأصل الوجودي والتشريعي للإنسان، وأن غاية الدين هي صيانة منظومة القيم والأخلاق العليا كالعدل والأمانة والتضامن الاجتماعي، وليست فرض قوالب شكلية قسرية. هذا الفهم المتقدم ساهم في إحداث تيار جارف وسط الشباب العربي الكادح والطلابي، الذي وجد في أفكار شحرور مخرجاً فكرياً يزاوج بين الإيمان الوجداني العروبي وبين التطلع لإنشاء نظم مدنية، ديمقراطية، وتقدمية ترفض الاستبدادين السياسي والديني [1، 4].

  5. الخاتمة: رحيل المفكر وخلود الرسالة
أدى الدكتور محمد شحرور رسالته التاريخية برصانة وهدوء العلماء، تاركاً خلفه ثروة فكرية هائلة تتجسد في مشروعه "القراءة المعاصرة" وفي أجزاء مذكراته العميقة كالقصص القرآني. ورغم الهجمات التكفيرية الشرسة وحملات التبديع والتضليل التي شنتها ضده المؤسسات الدينية التقليدية والرجعية العربية، إلا أن فكره الثوري شق طريقه بنجاح إلى عمق وعي الأجيال العربية الجديدة. [1]
رحل شحرور بجسده ليدفن في ثرى الشام الطاهر، لكن أفكاره ستبقى حجر أساس متين في بناء "الكتلة التاريخية التقدمية" القادرة على صياغة نهضة فكرية عربية شاملة، تسقط أوهام الخرافة، وتحرر الطاقات الحية للأمة لصناعة مستقبلها بأيديها وعقولها المستنيرة.
هوامش ومراجع المقال:
  1. شحرور، محمد (1990). الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة، دمشق: الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع.
  2. سبيلا، محمد (2005). مخاضات العقلانية العربية: قراءات في فكر التجديد والتفكيك، بيروت: دار الطليعة، ص 114-122.
  3. شحرور، محمد (2000). نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي: فقه المرأة، دمشق: دار الأهالي.
  4. أومليل، علي (2012). الفكر العربي المعاصر وسؤال التجديد الفقهي واللساني، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ص 205-212.
  5. شحرور، محمد (2008). تجفيف منابع الإرهاب، بيروت: دار الساقي للنشر والتوزيع. [1, 2]

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

سلسلة دعاة على ابواب جهنم :المتشدد عائض القرني.. سارق الكتاب وصانع الغلو بقلم الناصر خشيني

    يتصدر المشهد في قراءة تفكيكية لرموز الفكر الظلامي، الداعية السعودي عائض القرني؛ كنموذج صارخ يجمع بين الغلو الفكري والزيف الأخلاقي والقي...