التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدكتور محمد شحرور.. ثورة القراءة المعاصرة وتحرير العقل العربي من إسار الجمود التاريخي بقلم: الناصر خشيني



لا يمكن للأمة العربية أن تحقق نهضتها السياسية والاقتصادية الشاملة أو تنسلخ من مخالب التبعية والإمبريالية ما لم تخض أولاً معركة التحرر الفكري والثقافي الكبرى. وفي قلب هذه المعركة الوجودية، يبرز اسم المفكر السوري الراحل الدكتور محمد شحرور (1938 - 2019) كأحد أهم رواد التثوير المعرفي ومؤشس منظومة "القراءة المعاصرة" للتنزيل الحكيم. إن قراءة مشروع شحرور من منظور قومي تقدمي تكشف عن محاولة جبارة لتفكيك "البنى الفقهية والتفسيرية التقليدية" التي صيغت في ظروف تاريخية وسلطوية بائدة، وإعادة بناء الوعي الجمعي العربي ليتصالح مع منطق العصر والعلم والتطور الاجتماعي.
  تفكيك العقل التراثي والتمييز بين "الكتاب" و"القرآن"
تمثلت الانطلاقة الكبرى لمشروع شحرور في كتابه التأسيسي الفذ "الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة" (1990). وباعتباره حاصلاً على الدكتوراه في الهندسة المدنية، نقل شحرور أدوات التحليل العلمي والرياضي إلى اللسانيات والعلوم الإنسانية، معتمداً على منهج أبي علي الفارسي والجرجاني في نفي الترادف في اللغة العربية. [1]
من خلال هذا المنهج، أحدث شحرور قطيعة معرفية مع التفسيرات السلفية الجامدة عبر التمييز الحاسم بين مفهوم "الكتاب" ومفهوم "القرآن" ومفهوم "الذكر". كان يرى أن حصر النص الإلهي في قوالب تفسيرية وُضعت في العصرين الأموي والعباسي هو جناية على حركية الأمة؛ فالنص الإلهي في نظره "ثابت المحتوى، متحرك المفهوم"، مما يعني أن كل جيل عربي يمتلك الحق العضوي والتاريخي في تدبر النص وإعادة إنتاج آليات تشريعية تلائم واقعه الاقتصادي والاجتماعي المعاش، دون ارتهان لأقوال السلف التي صيغت لتلبي حاجات مجتمعات تاريخية محددة [1، 2].
2. البعد التقدمي في "فقه المرأة" ونفي الإقصاء الاجتماعي
في كتابه الهام "نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي: فقه المرأة"، قدم شحرور رؤية تقدمية ثورية نسفت ركائز الفكر البطرياركي (الذكوري) المهيمن على المنظومة الفقهية التقليدية. حيث أعاد قراءة آيات الميراث، والوصية، واللباس، والعلاقات الأسرية من خلال منطق "الحدود الرياضية" (الحد الأدنى والحد الأعلى)، مبرهناً على أن التشريع القرآني يحمل مرونة لامتناهية تسمح بتمكين المرأة اقتصادياً وسياسياً بما يتلاءم مع الدولة الوطنية الحديثة. [1]
إن هذا الطرح يتقاطع مباشرة مع أطروحات الفكر التقدمي العربي؛ إذ لا يمكن الحديث عن تحرر المجتمع العربي أو إقحامه في معركة الإنتاج والبناء والتنمية ونصفه الآخر (المرأة) مكبل بفتاوى ومفاهيم تراثية تعاملها كعورة مجتمعية أو كائن قاصر بحاجة للقوامة والهيمنة الشاملة.
3. تجفيف منابع الإرهاب وتفكيك أيديولوجيا الموت
واجه شحرور بجرأة فكرية نادرة التغول الظلامي والتكفيري الذي عصف بالأمة العربية في العقود الأخيرة، وصاغ في كتابه الوجيز والخطير "تجفيف منابع الإرهاب" استراتيجية معرفية لمواجهة الفكر المتطرف. وجادل شحرور بأن مواجهة الإرهاب لا يمكن أن تنجح عبر المقاربات الأمنية والعسكرية البحتة، بل تتطلب تفكيك البنية التحتية للفكر الفقهي العنيف الذي يشرعن "الجهاد الهجومي"، وتقسيم العالم إلى "دار إسلام ودار حرب"، ومفهوم "الولاء والبراء" الإقصائي [2، 4].
أرجع شحرور أصول هذا الفكر الظلامي إلى تضخم الروايات والأحاديث المنسوبة تاريخياً على حساب النص القرآني المتسم بالسعة والرحمة، مؤكداً أن العبقرية العروبية الحقة هي التي تقدم للعالم نموذجاً إنسانياً حضارياً يقوم على السلم، والعدالة الاجتماعية، وصيانة الحريات الفردية والعامة.
4. الدولة والمجتمع: مأسسة الحرية وإعادة صياغة الأخلاق
في كتابيه المدققين "الدولة والمجتمع" و***"الإسلام والإيمان: منظومة القيم"***، فكك شحرور المفهوم الشمولي لـ "الحاكمية" التي تتبناها حركات الإسلام السياسي، وأثبت أن التشريع الإلهي ترك مساحة شاسعة للتشريع الإنساني المدني القائم على المصلحة الشعبية والشورى الحقيقية<─.
اعتبر شحرور أن الحرية هي الأصل الوجودي والتشريعي للإنسان، وأن غاية الدين هي صيانة منظومة القيم والأخلاق العليا كالعدل والأمانة والتضامن الاجتماعي، وليست فرض قوالب شكلية قسرية. هذا الفهم المتقدم ساهم في إحداث تيار جارف وسط الشباب العربي الكادح والطلابي، الذي وجد في أفكار شحرور مخرجاً فكرياً يزاوج بين الإيمان الوجداني العروبي وبين التطلع لإنشاء نظم مدنية، ديمقراطية، وتقدمية ترفض الاستبدادين السياسي والديني [1، 4].

  5. الخاتمة: رحيل المفكر وخلود الرسالة
أدى الدكتور محمد شحرور رسالته التاريخية برصانة وهدوء العلماء، تاركاً خلفه ثروة فكرية هائلة تتجسد في مشروعه "القراءة المعاصرة" وفي أجزاء مذكراته العميقة كالقصص القرآني. ورغم الهجمات التكفيرية الشرسة وحملات التبديع والتضليل التي شنتها ضده المؤسسات الدينية التقليدية والرجعية العربية، إلا أن فكره الثوري شق طريقه بنجاح إلى عمق وعي الأجيال العربية الجديدة. [1]
رحل شحرور بجسده ليدفن في ثرى الشام الطاهر، لكن أفكاره ستبقى حجر أساس متين في بناء "الكتلة التاريخية التقدمية" القادرة على صياغة نهضة فكرية عربية شاملة، تسقط أوهام الخرافة، وتحرر الطاقات الحية للأمة لصناعة مستقبلها بأيديها وعقولها المستنيرة.
هوامش ومراجع المقال:
  1. شحرور، محمد (1990). الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة، دمشق: الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع.
  2. سبيلا، محمد (2005). مخاضات العقلانية العربية: قراءات في فكر التجديد والتفكيك، بيروت: دار الطليعة، ص 114-122.
  3. شحرور، محمد (2000). نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي: فقه المرأة، دمشق: دار الأهالي.
  4. أومليل، علي (2012). الفكر العربي المعاصر وسؤال التجديد الفقهي واللساني، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ص 205-212.
  5. شحرور، محمد (2008). تجفيف منابع الإرهاب، بيروت: دار الساقي للنشر والتوزيع. [1, 2]

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...