السبت، 25 يوليو 2026

ظاهرة الشيخ الشعراوي: قراءة تفكيكية من منظور قومي تقدمي بقلم الناصر خشيني

 


 مقدمة: صناعة الوعي الزائف وتخدير الجماهير

لا يمكن فصل صعود ظاهرة الشيخ محمد متولي الشعراوي عن السياق التاريخي والسياسي الذي عاشته الأمة العربية بعد منتصف السبعينيات. ففي الوقت الذي تراجعت فيه المدود القومية والاشتراكية، جرى توظيف "الدعاة" كأدوات لتمرير سياسات الانفتاح الاقتصادي، والصلح مع الكيان الصهيوني، وضرب القوى التقدمية. اتسم الشعراوي بأسلوب مسرحي يعتمد على التمثيل الدقيق والتلاعب بالعبارات لامتصاص الصدمات السياسية وتحويل الأزمات البنيوية والمصيرية إلى قضايا غيبية تُحل بالاستسلام والقدرية.

أولاً: نكسة 1967 وسجود الشكر (تكريس الهزيمة النفسية)
يُعد موقف الشعراوي بالسجود شكراً لله فور سماعه بنبأ هزيمة يونيو 1967 مؤشراً خطيراً على طبيعة الفكر الرجعي الذي يمثله:
  • مناهضة المشروع التحرري: برر الشعراوي سجوده بأنه شكر لعدم انتصار مصر وهي في أحضان "الشيوعية"، وهو تبرير يخدم مباشرة البروباغندا الإمبريالية.
  • ضرب معنويات الأمة: في اللحظة التي كان ينبغي فيها شحذ الهمم القومية للمقاومة وإعادة البناء، قدم الشعراوي طاقة تبريرية تكرس الاستسلام وتعتبر الهزيمة العسكرية أمام العدو الصهيوني "مشيئة إلهية" لتأديب الشعوب.

ثانياً: التوسع في فترة الوزارة وشرعنة الاقتصاد "الكمبرادوري"
شكّل تعيين الشعراوي وزيراً للأوقاف عام 1976 ذروة التحالف بين المؤسسة الدينية التقليدية وسلطة الانفتاح الساداتي:
  • تأسيس البنوك الإسلامية: ساهم الشعراوي بشكل فعال في وضع حجر الأساس لما يُسمى "الاقتصاد الإسلامي" عبر دعم تأسيس بنك فيصل الإسلامي وشركات توظيف الأموال، والتي تبين لاحقاً أنها غطاء لرأسمالية طفيلية امتصت مدخرات الفئات الشعبية.
  • تفكيك المنجز الاشتراكي: استُغلت الفتاوى الدينية في تلك المرحلة لتشريع القوانين التي تراجعت عن الإصلاح الزراعي وإعادة الأراضي للملاك الإقطاعيين القدامى، مما أدى إلى إفقار الفلاحين وتدمير المكتسبات الاجتماعية لثورة يوليو.
  • تسييس المنبر لصالح التبعية: تحولت وزارة الأوقاف في عهده إلى أداة لملاحقة الخطباء التقدميين واليساريين، وتهيئة المناخ الثقافي والاجتماعي لقبول نهج كامب ديفيد والارتداد عن العمق القومي العربي لمصر.

ثالثاً: قضايا المرأة وعرقلة التنمية الاجتماعية
تُمثل قضية المرأة حجر الزاوية في تقييم أي فكر تقدمي؛ حيث تكشف فتاوى الشعراوي عن نزوع بطريركي (أبوي) يعوق تحرر نصف المجتمع:
  • التبرير الفقهي للعنف: إن شرعنة ضرب النساء كوسيلة للتأديب، وتقييد عمل المرأة خارج المنزل، يضرب في الصميم أسس الدولة الحديثة القائمة على المواطنة والعدالة الاجتماعية.
  • تنميط الأدوار: ساهمت خطبه في ترسيخ نظرة دونية للمرأة، بدلاً من الدفع بها كعنصر منتج ومشارك في معركة البناء والتنمية القومية ضد التخلف والتبعية.

رابعاً: تسطيح الوعي الاجتماعي والحقوقي (أزمة مفهوم الاغتصاب)
في تفسيره لجرائم الاغتصاب والاعتداء الجنسي، تجلى قصور المنهج السلفي الغيبي في استيعاب المفاهيم الحقوقية الحديثة:
  • تخفيف مسؤولية الجاني: من خلال تداول آراء تقترح أن العملية الجنسية لا تتم قهراً كاملاً بالمفهوم المطلق، وضع الشعراوي الضحية في موضع الشبهة والمساءلة.
  • غياب الوعي الحقوقي: هذا الطرح يعكس غياب الإدراك لطبيعة جرائم القهر والسلطة الإكراهية، ويعبر عن عقلية فقهية قديمة تعجز عن مواكبة التشريعات الإنسانية والتقدمية التي تحمي كرامة الإنسان وجسده.

خامساً: تهاوي الفكر الرجعي ولحظة الارتداد والندم
رغم التوظيف السياسي الطويل لخطابه، إلا أن اصطدام هذا الفكر بالواقع التاريخي المرير للأمة كشف عن مأزقه البنيوي، وهو ما قاد الشيخ نفسه إلى مراجعات متأخرة:
  • الندم على سجدة الشكر: اعترف الشعراوي لاحقاً في حوارات مسجلة وموثقة بندمه الشديد على سجوده ليلة الهزيمة، معتبراً أن موقفه ذاك كان انفعالاً متسرعاً غير صائب ومجافياً لواقع الألم القومي.
  • زيارة ضريح عبد الناصر: في خطوة رمزية بالغة الدلالة على تهاوي الطروحات الإخوانية والرجعية، زار الشعراوي ضريح القائد الخالد جمال عبد الناصر وقرأ الفاتحة على روحه، في إقرار ضمني متأخر بعظمة المشروع القومي التحرري وصوابية بوصلته ضد الاستعمار والتبعية، بعدما تكشفت له الآثار الكارثية لسياسات الانفتاح والصلح مع العدو.

خاتمة: نحو وعي عربي تنويري ومقاوم
إن تفكيك ظاهرة الشعراوي وأمثاله من "دعاة على أبواب جهنم" التخلف والتبعية، ليس مجرد نقد لشخص، بل هو معركة فكرية ضرورية لاستعادة العقل العربي التنويري. إن مراجعات الشعراوي المتأخرة وندمه يثبتان أن الفكر الرجعي لا يمكنه الصمود أمام حقائق التاريخ والضرورة القومية. لا يمكن للأمة العربية أن تخوض معارك التحرر والوحدة وهي مكبلة بوعي غيبي يبرر الهزيمة؛ وبديلنا التقدمي هو الوعي العلمي، والمواطنة الكاملة، والفكر المقاوم الذي يرى في الإنسان صانعاً لمصيره وتاريخه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

سلسلة دعاة على ابواب جهنم :المتشدد عائض القرني.. سارق الكتاب وصانع الغلو بقلم الناصر خشيني

    يتصدر المشهد في قراءة تفكيكية لرموز الفكر الظلامي، الداعية السعودي عائض القرني؛ كنموذج صارخ يجمع بين الغلو الفكري والزيف الأخلاقي والقي...