التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ظاهرة الشيخ الشعراوي: قراءة تفكيكية من منظور قومي تقدمي بقلم الناصر خشيني

 


 مقدمة: صناعة الوعي الزائف وتخدير الجماهير

لا يمكن فصل صعود ظاهرة الشيخ محمد متولي الشعراوي عن السياق التاريخي والسياسي الذي عاشته الأمة العربية بعد منتصف السبعينيات. ففي الوقت الذي تراجعت فيه المدود القومية والاشتراكية، جرى توظيف "الدعاة" كأدوات لتمرير سياسات الانفتاح الاقتصادي، والصلح مع الكيان الصهيوني، وضرب القوى التقدمية. اتسم الشعراوي بأسلوب مسرحي يعتمد على التمثيل الدقيق والتلاعب بالعبارات لامتصاص الصدمات السياسية وتحويل الأزمات البنيوية والمصيرية إلى قضايا غيبية تُحل بالاستسلام والقدرية.

أولاً: نكسة 1967 وسجود الشكر (تكريس الهزيمة النفسية)
يُعد موقف الشعراوي بالسجود شكراً لله فور سماعه بنبأ هزيمة يونيو 1967 مؤشراً خطيراً على طبيعة الفكر الرجعي الذي يمثله:
  • مناهضة المشروع التحرري: برر الشعراوي سجوده بأنه شكر لعدم انتصار مصر وهي في أحضان "الشيوعية"، وهو تبرير يخدم مباشرة البروباغندا الإمبريالية.
  • ضرب معنويات الأمة: في اللحظة التي كان ينبغي فيها شحذ الهمم القومية للمقاومة وإعادة البناء، قدم الشعراوي طاقة تبريرية تكرس الاستسلام وتعتبر الهزيمة العسكرية أمام العدو الصهيوني "مشيئة إلهية" لتأديب الشعوب.

ثانياً: التوسع في فترة الوزارة وشرعنة الاقتصاد "الكمبرادوري"
شكّل تعيين الشعراوي وزيراً للأوقاف عام 1976 ذروة التحالف بين المؤسسة الدينية التقليدية وسلطة الانفتاح الساداتي:
  • تأسيس البنوك الإسلامية: ساهم الشعراوي بشكل فعال في وضع حجر الأساس لما يُسمى "الاقتصاد الإسلامي" عبر دعم تأسيس بنك فيصل الإسلامي وشركات توظيف الأموال، والتي تبين لاحقاً أنها غطاء لرأسمالية طفيلية امتصت مدخرات الفئات الشعبية.
  • تفكيك المنجز الاشتراكي: استُغلت الفتاوى الدينية في تلك المرحلة لتشريع القوانين التي تراجعت عن الإصلاح الزراعي وإعادة الأراضي للملاك الإقطاعيين القدامى، مما أدى إلى إفقار الفلاحين وتدمير المكتسبات الاجتماعية لثورة يوليو.
  • تسييس المنبر لصالح التبعية: تحولت وزارة الأوقاف في عهده إلى أداة لملاحقة الخطباء التقدميين واليساريين، وتهيئة المناخ الثقافي والاجتماعي لقبول نهج كامب ديفيد والارتداد عن العمق القومي العربي لمصر.

ثالثاً: قضايا المرأة وعرقلة التنمية الاجتماعية
تُمثل قضية المرأة حجر الزاوية في تقييم أي فكر تقدمي؛ حيث تكشف فتاوى الشعراوي عن نزوع بطريركي (أبوي) يعوق تحرر نصف المجتمع:
  • التبرير الفقهي للعنف: إن شرعنة ضرب النساء كوسيلة للتأديب، وتقييد عمل المرأة خارج المنزل، يضرب في الصميم أسس الدولة الحديثة القائمة على المواطنة والعدالة الاجتماعية.
  • تنميط الأدوار: ساهمت خطبه في ترسيخ نظرة دونية للمرأة، بدلاً من الدفع بها كعنصر منتج ومشارك في معركة البناء والتنمية القومية ضد التخلف والتبعية.

رابعاً: تسطيح الوعي الاجتماعي والحقوقي (أزمة مفهوم الاغتصاب)
في تفسيره لجرائم الاغتصاب والاعتداء الجنسي، تجلى قصور المنهج السلفي الغيبي في استيعاب المفاهيم الحقوقية الحديثة:
  • تخفيف مسؤولية الجاني: من خلال تداول آراء تقترح أن العملية الجنسية لا تتم قهراً كاملاً بالمفهوم المطلق، وضع الشعراوي الضحية في موضع الشبهة والمساءلة.
  • غياب الوعي الحقوقي: هذا الطرح يعكس غياب الإدراك لطبيعة جرائم القهر والسلطة الإكراهية، ويعبر عن عقلية فقهية قديمة تعجز عن مواكبة التشريعات الإنسانية والتقدمية التي تحمي كرامة الإنسان وجسده.

خامساً: تهاوي الفكر الرجعي ولحظة الارتداد والندم
رغم التوظيف السياسي الطويل لخطابه، إلا أن اصطدام هذا الفكر بالواقع التاريخي المرير للأمة كشف عن مأزقه البنيوي، وهو ما قاد الشيخ نفسه إلى مراجعات متأخرة:
  • الندم على سجدة الشكر: اعترف الشعراوي لاحقاً في حوارات مسجلة وموثقة بندمه الشديد على سجوده ليلة الهزيمة، معتبراً أن موقفه ذاك كان انفعالاً متسرعاً غير صائب ومجافياً لواقع الألم القومي.
  • زيارة ضريح عبد الناصر: في خطوة رمزية بالغة الدلالة على تهاوي الطروحات الإخوانية والرجعية، زار الشعراوي ضريح القائد الخالد جمال عبد الناصر وقرأ الفاتحة على روحه، في إقرار ضمني متأخر بعظمة المشروع القومي التحرري وصوابية بوصلته ضد الاستعمار والتبعية، بعدما تكشفت له الآثار الكارثية لسياسات الانفتاح والصلح مع العدو.

خاتمة: نحو وعي عربي تنويري ومقاوم
إن تفكيك ظاهرة الشعراوي وأمثاله من "دعاة على أبواب جهنم" التخلف والتبعية، ليس مجرد نقد لشخص، بل هو معركة فكرية ضرورية لاستعادة العقل العربي التنويري. إن مراجعات الشعراوي المتأخرة وندمه يثبتان أن الفكر الرجعي لا يمكنه الصمود أمام حقائق التاريخ والضرورة القومية. لا يمكن للأمة العربية أن تخوض معارك التحرر والوحدة وهي مكبلة بوعي غيبي يبرر الهزيمة؛ وبديلنا التقدمي هو الوعي العلمي، والمواطنة الكاملة، والفكر المقاوم الذي يرى في الإنسان صانعاً لمصيره وتاريخه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...