التخطي إلى المحتوى الرئيسي

دعاة على أبواب الجحيم: أبو إسحاق الحويني وتسليع الإنسان باسم الدين بقلم: الناصر خشيني


   في الوقت الذي تخوض فيه أمتنا العربية معركتها الوجودية من أجل التحرر، والتقدم، واللحاق بركب العصر، يصر التيار السلفي الوهابي على ارتداد قسري بالوعي الجمعي نحو غياهب القرون الوسطى. وضمن سلسلة "دعاة على أبواب الجحيم"، نتوقف اليوم أمام ظاهرة فكرية بالغة الخطورة، يمثلها "أبو إسحاق الحويني"، أحد أبرز رموز السلفية "المدارسية" في مصر والعالم العربي، والذي تكشف أطروحاته عن أزمة عميقة في بنية العقل السلفي المعزول عن حركة التاريخ ومقاصد الإسلام الحقيقية.

صدمة "https://youtu.be/muN4NCshbsA?si=0zNqpVQEL1ejekow

السبي": العقل الفقهي عندما يتحول إلى تاجر رقيق
لم يكن تصريح الحويني الشهير حول "السبي" مجرد زلة لسان، بل هو انعكاس بنيوي لمنهج يقدس النصوص التراثية دون وعي بسياقها التاريخي. لقد صدم الحويني الضمير الإنساني والعروبي عندما ربط الأزمة الاقتصادية بترك "جهاد الطلب" (الغزو)، معتبراً أن غزو المجتمعات الأخرى وسبي نسائها وأطفالها وبيعهم في "أسواق النخاسة" يمثل حلاً مالياً واقتصادياً للأمة!
هذا الفكر الشاذ لا ينتهك كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية فحسب، بل يسيء إساءة بالغة للاستراتيجية الاقتصادية الإسلامية، ويحول رسالة الإسلام الأخلاقية من رسالة تحرير للبشر إلى مشروع استعماري يعتاش على الاسترقاق والمغانم. إن المنهج السلفي هنا يعاني من "عمى تاريخي"؛ فهو لا يدرك أن الإسلام تجاوب مع واقع دولي قديم كان يبيح الرق، لكنه وضع آليات وتشريعات لتجفيف منابعه تدريجياً، لتكون الغاية النهائية هي الحرية المطلقة.
النظرة الدونية للمرأة: تغييب نصف المجتمع
لا تتوقف خطورة أطروحات الحويني عند "السبي"، بل تمتد إلى رؤيته المقرفة والتقليدية للمرأة المعاصرة. فالمرأة في هذا الفكر ليست شريكة في النضال القومي، ولا قوة إنتاجية في معركة البناء، بل هي "عورة" يجب حجبها، ومصدر للفتنة يجب محاصرته.
تتجلى هذه الرؤية في:
  • تحريم العمل والإنتاج: التضييق على خروج المرأة وتجريم دورها التنموي في المجتمع.
  • الاختزال البيولوجي: حصر دور المرأة في المتعة والخدمة المنزلية، وتجريدها من أهليتها الفكرية والسياسية.
  • التأصيل للاستبداد الذكوري: استخدام الدين كأداة لتكريس سلطة بطريركية (أبوية) تقمع تطلعات المرأة التقدمية.
السلفية وعمى الحقيقة: الصدام مع روح العصر ومقاصد الشريعة
إن المأزق الحقيقي للحويني والتيار الذي يمثله يكمن في جمود المنهج السلفي وقصوره عن استيعاب "مقاصد الشريعة الإسلامية". فالإسلام في جوهره جاء لتحقيق قيم الحرية، والعدل، والمساواة، والكرامة الإنسانية ("ولقد كرمنا بني آدم").
بينما يعمل الفكر السلفي المتشدد على:
  1. تقديس الوسائل التاريخية: التعامل مع "الوسائل المعيشية والسياسية" للقرون الأولى وكأنها "غايات تعبدية" صالحة لكل زمان ومكان.
  2. معاداة التطور الإنساني: رفض القوانين الدولية، وحقوق الإنسان، والمواثيق العالمية التي جرمت العبودية والتمييز ضد المرأة، واعتبارها مؤامرة غربية، بينما هي في العمق تلتقي مع الجوهر التحرري للإسلام المعياري.
خاتمة: نحو ثورة ثقافية وتنويرية
إن أطروحات أبو إسحاق الحويني وأشباهه من دعاة الظلام تؤكد أن معركة التحرر القومي العربي لا يمكن أن تكتمل دون ثورة ثقافية وتنويرية جذرية تفكك هذا الفكر المتكلس. إن أمتنا اليوم بحاجة إلى فقه تقدمي، فقه يربط الأرض بالسماء، ويجعل من الإنسان وعقله وحريته القيمة الأسمى، ويرفض بقوة تسليع البشر أو احتقار المرأة باسم الدين. لن ينصلح حال الاقتصاد بـ "السبي والغزو"، بل بالعلم، والعمل، والعدالة الاجتماعية، ومواكبة العصر.

المراجع الفكرية والتوثيقية للمقال:
  1. التسجيلات والردود الرسمية: التسجيل الصوتي الشهير للشيخ الحويني (2011) المأخوذ من محاضراته بمسجد حاتم بالإسكندرية حول "جهاد الطلب والسبايا"، والردود الصحفية اللاحقة التي نشرها تلاميذه للدفاع عنه تحت تبرير "التأصيل الفقهي التاريخي".
  2. أدبيات نقد الفكر السلفي: كتاب "بنية العقل السلفي" للدكتور عمار علي حسن (تحليل آليات التفكير والجمود داخل التيار السلفي المصري).
  3. الفقه المقاصدي والردود الرسمية: بيان دار الإفتاء المصرية ومجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف حول "مفهوم الجهاد في الإسلام وتجريم الرق والسبي في العصر الحديث"، وتفنيد ربط الغزو بالاقتصاد.
  4. الفكر القومي والتقدمي: كتابات المفكر العربي نصر حامد أبو زيد ("نقد الخطاب الديني") في تفكيك الرؤية السلفية للمرأة والنصوص التاريخية.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...