التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من سبتمبر 6, 2026

تفكيك شفرة الحج: منسك السلام العالمي وشهود المنافع الإنسانية في المنظور القرآني بقلم: الناصر خشيني

  تقديم حين نتدبر النص القرآني الحكيم بمنهجية تقدمية، واعية بظروف الواقع الإنساني ومستندة إلى الأصول الكلية للرسالة الإسلامية، نجد أن العبادات لم تأتِ لتكون مجرد طقوس ميكانيكية معزولة عن حركة التاريخ، بل جاءت أدوات ثورية لبناء المجتمع الإنساني وتحقيق العدالة والوحدة. ومن بين هذه العبادات، يبرز الحج كأكبر مؤتمر إنساني عالمي، يحتاج منا اليوم إلى إعادة قراءة وتفكيك لشفراته الكبرى على ضوء القرآن الكريم وحده؛ باعتباره النص الإلهي القطعي الذي يتجاوز المرويات التاريخية والصناعات البشرية الخاضعة لظروف رواتها التاريخية. إن الحج في عمقه القرآني هو إعلان للوحدة الكونية، وتأسيس لمركزية إنسانية عادلة، تتصادم جملة وتفصيلاً مع ما نراه اليوم من اختزال لهذه العبادة العظيمة في أبعاد تجارية واحتكارية، أو توظيف أموالها لخدمة قوى الهيمنة الإمبريالية. 1. عالمية الدين وتأسيس المركزية الإنسانية القرآن الكريم حين شرع الحج، لم يوجه الخطاب لفئة جغرافية أو عرقية محددة، بل أسسه على قاعدة العالمية المطلقة. يقول تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ}...

الهندسة المقاصدية للصيام في القرآن: تفكيك الشفرة اللغوية والاجتماعية وسر الفاصلة الدعائية بقلم: الناصر خشيني

  تقديم إن التعامل مع النص القرآني بوصفه مشروعاً نهضوياً لبناء الإنسان والمجتمع، يفرض علينا الانعتاق من إسار الفقه الشكلي التبريري الذي اختزل الصيام في أبعاده البيولوجية والفيزيولوجية الضيقة. إن إعادة قراءة الأبنية اللغوية والسياقية للآيات تكشف عن "هندسة تشريعية وتربوية" بالغة الدقة، تهدف إلى نقل الكائن البشري من رتبة العبودية للغريزة والمادة، إلى رتبة الإرادة الحرة والوعي الأخلاقي والاجتماعي. أولاً: شفرة اللفظ والفرق البياني بين الصيام والصوم أولى عتبات التفكيك تبدأ من التمييز الدقيق الذي يقيمه النظم القرآني بين بنيتين لغويتين مشتقتين من جذر واحد، لكنهما تختلفان في الوظيفة والدلالة داخل السياق: شفرة "الصِّيَام": ورد هذا اللفظ في القرآن في سياق الأحكام والتشريعات العملية، وهو يعبر عن الإمساك المادي والبيولوجي المؤقت عن المفطرات (الطعام، والشراب، والشهوة) من الفجر إلى غروب الشمس. "الصيام" (على وزن فِعَال) يحمل في بنيته الصرفية معنى المدافعة، والمجاهدة، والجهد البدني العضلي الملموس. إنه التمرين الأولي الإلزامي لضبط غريزة البقاء وتطويع الجسد. شفرة "الصَ...

فلسفة الطهارة بين التحرر القرآني والجمود التراثي بقلم: الناصر خشيني

    تقديم تُشكل المسألة الدينية في وعينا القومي والتقدمي ركيزة أساسية من ركائز التحرر والتنوير، شريطة أن نعود بها إلى نبعها الأصيل الصافي: القرآن الكريم . فالنص القرآني في جوهره ثورة على الأشكال والطقوس الجامدة، ودعوة مستمرة لتزكية الإنسان والارتقاء بوعيه. ومِن أكثر المفاهيم التي تعرضت لـ "الاختطاف الشكلي" وتحولت من غاية إنسانية كبرى إلى هوس طقسي فرعي، هو مفهوم "الطهارة" . حين نتدبر القرآن الكريم بعقل تقدمي يرفض الإغراق في المظاهر، نكتشف مفارقة صارخة بين "إيجاز القرآن وتحرره" وبين "إطناب التراث وجموده" . أولاً: الطهارة في الاستعمال القرآني.. انتصار للمعنى على المبنى إذا تتبعنا مادة "طهر" ومشتقاتها في القرآن الكريم، سنجد أنها وردت 31 مرة في مواضع وسياقات متنوعة . والملمح الحاسم هنا هو أن الغالبية الساحقة من هذه الآيات جاءت لترسيخ "الطهارة المعنوية والأخلاقية" ، لا الطهارة المادية الجسدية . القرآن الكريم جعل الطهارة غاية كبرى ترتبط بسلامة المجتمعات ونقاء القلوب والتحرر من الأثرة: التنزّه الأخلاقي والفطري: كقوله تعالى عن خط ا...

دلالات "الصلاة" في القرآن الكريم: من الصلة الشاملة إلى الشعيرة المخصوصة بقلم الناصر خشيني

 تقديم يذكر عدد من الباحثين في الدلالة القرآنية أن لفظ "الصلاة" ومشتقاته ورد في القرآن الكريم نحو تسع وتسعين مرة، وهو رقم يستوقف كل قارئ متأمل: فهل يعقل أن يتكرر لفظ واحد بهذا الحجم ليدل حصرا على شعيرة حركية محددة الأركان والهيئة، أم أن اللفظ يحمل حمولة دلالية أوسع تتصل بجوهر العلاقة بين الإنسان وربه، وبينه وبين الكون الذي استخلف فيه، وبينه وبين مجتمعه الذي أُمر أن يقيم فيه العدل ويقطع دابر الفساد؟ هذا هو السؤال المركزي الذي يحاول هذا المقال مقاربته، من غير ادعاء اليقين القاطع، وإنما استئناسا بالسياقات القرآنية ذاتها. أولا: الصلاة بوصفها صلة لا حركة يذهب بعض الباحثين المحدثين في الدلالة القرآنية إلى أن جذر "صلى" في أصله اللغوي يحيل إلى معنى الاتصال والارتباط، لا إلى هيئة بدنية بعينها، مستندين إلى أن القرآن يستعمل اللفظ في سياقات لا علاقة لها بالركوع والسجود مطلقا، من ذلك قوله تعالى في وصف صلاة الله وملائكته على النبي: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" (الأحزاب:...