قائمة المدونات الإلكترونية

الأحد، 31 مايو 2026

أزمة المياه في الوطن العربي حين يصبح الماء سلاحاً وسياسةً ومصيراً بقلم الناصر خشيني


 

مقدمة: «مثلث العطش»
لا يُعرف الوطن العربي في الأدبيات الجيوسياسية المائية بوصفه منطقةً غنيةً بمواردها الطبيعية فحسب، بل يُعرف أيضاً بلقب مُثير للقلق: «مثلث العطش». فهذه المنطقة التي تمتد على مساحات شاسعة من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي لا تحتوي إلا على أقل من 7% من مخزون المياه العذبة العالمي، وعلى أقل من 1% من نسبة المياه الجارية [1]، في حين تضمّ ما يزيد على 450 مليون نسمة. هذه المعادلة لا تنبئ بأزمة عابرة، بل بأزمة بنيوية متجذّرة تتشابك فيها عوامل الجغرافيا والتاريخ والسياسة والمناخ.
ما يقرب من 50 مليون شخص في المنطقة العربية يفتقرون إلى مياه الشرب الأساسية، ويعيش 390 مليون شخص — أي ما يقرب من 90% من إجمالي السكان — في بلدان تعاني من ندرة المياه [2]. وتُضاف إلى هذا الواقع المُقلق حقيقة أن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا باتا أكثر مناطق العالم تعرضاً لنقص المياه، وأن هذه النسبة مرشّحة للارتفاع إلى نحو 80% للشخص الواحد بحلول منتصف هذا القرن [3].
أولاً: الندرة الطبيعية والندرة المُصطنعة
قبل الخوض في تشعبات الأزمة، لا بد من تمييز جوهري كثيراً ما يغيب عن الخطاب الرسمي: الفرق بين الندرة الطبيعية والندرة المُصطنعة.
الندرة الطبيعية — الأمطار التي تتساقط في المنطقة لا تتجاوز 2% من المجموع العالمي [1]، ومعدل موارد المياه المتجددة سنوياً في المنطقة العربية يبلغ حوالي 350 مليار متر مكعب، تُغطّى نسبة 35% منها عن طريق تدفقات الأنهار القادمة من خارج المنطقة: 56 مليار متر مكعب عبر نهر النيل، و25 مليار عبر الفرات، و38 مليار عبر دجلة وفروعه [1]. والأخطر أن نصيب الفرد من المياه تآكل بشكل دراماتيكي: من 2000 متر مكعب سنة 1960 إلى 500 متر مكعب سنة 2011، ومن المتوقع أن يتراجع إلى 250 متر مكعب سنوياً بحلول 2050 [1].
الندرة المُصطنعة — وهي الجانب الأشد مرارةً، لأنها نتاج قرارات سياسية وأولويات حوكمية منحرفة. إذ يصل هدر المياه في شبكات الري إلى ما بين 40 و60% في أغلب الدول العربية، فيما يُوجَّه جزء كبير من المياه الجوفية النادرة نحو محاصيل تصديرية كثيفة الاستهلاك، تُصدَّر معها ما يُسمّى «المياه الافتراضية». ويُضاف إلى ذلك الضخ الجائر للمياه الجوفية والاعتماد المفرط على الآبار، مما خلق عجزاً مزدوجاً: سطحياً وجوفياً في آنٍ واحد [4].
ثانياً: المياه العابرة للحدود — من مصدر رزق إلى ورقة ضغط
ثلثا الموارد المائية في المنطقة العربية تعبر حدوداً سياسية، وهو ما يُحوّل المياه من مسألة بيئية واجتماعية إلى قضية أمن قومي وأداة جيوسياسية.
نهر النيل وسد النهضة: تحدي الوجود المصري — مياه النيل تمثّل حوالي 72.62% من إجمالي الموارد المائية المتاحة في مصر [5]. ومنذ أن شرعت إثيوبيا في بناء سد النهضة، تحوّل هذا الرقم إلى مصدر توتر وجودي. فمصر تعاني من الفقر المائي حتى بدون الأخذ في الاعتبار تأثير السد، الذي تحوّل إلى واحدة من أبرز الأزمات حول تقاسم الموارد في العالم [6]. وتشير دراسات علمية إلى أن ملء الخزان على مدار ثلاث سنوات قد يُفقد مصر ما يصل إلى 88% من أراضيها الزراعية وفق السيناريو الأشد وطأةً [5].
الفرات ودجلة: تحت رحمة السدود التركية — تعود تركيا دورياً إلى سياسة خنق الجريان المائي، لتصل مستويات المياه إلى أقل من نصف الكمية المخصصة لسوريا، مما ينعكس كارثياً على مياه الشرب والزراعة وتوليد الطاقة [7]. وقد وصل الأمر إلى حدّ أن الوارد المائي لسد تشرين انخفض إلى ربع الكمية المتفق عليها، مهدداً حياة أربعة ملايين نسمة [4]. وتزايدت الاتهامات لتركيا باستخدام السدود والمياه سلاحاً في صراعات المنطقة [8]. والمثير للسخرية المُرّة أن العراق اضطُرَّ عام 2025 إلى صيغة «النفط مقابل المياه» مع تركيا، مُقايِضاً ثروته النفطية بما كان يجب أن يكون حقاً طبيعياً مكفولاً بالقانون الدولي.
ثالثاً: المياه الجوفية — الكنز الآيل للنضوب
يعتمد أكثر من نصف الدول العربية على المياه الجوفية مورداً أساسياً للمياه العذبة، وهو رهان محفوف بمخاطر جسيمة. فغالبية هذه المياه هي ما يُعرف بـ«المياه الأحفورية» (Fossil Water)، تراكمت على مدى آلاف السنين في عصور مطيرة سابقة، ولا تتجدد بأي معدل يُعتدّ به. فالضخ الجائر ونقص مياه الأنهار بالاعتماد المفرط على الآبار خلق عجزاً مزدوجاً [4]. ولا يوجد حتى الآن إطار قانوني عربي مشترك لحوكمة المياه الجوفية العابرة للحدود، وهو فراغ تشريعي يُفاقم الاستنزاف غير المنظّم.
رابعاً: التغيّر المناخي — مضاعف الأزمة
يضرب تغيّر المناخ بكل قوته في المنطقة العربية، مهدداً أهم مواردها الطبيعية، وسط تحذيرات أممية من زيادة الصراعات وعدم الاستقرار نتيجة ندرة المياه [9]. ورصد تقرير اليونسكو للمياه 2025 أن الدول الأكثر تعرضاً للإجهاد المائي في المنطقة حالياً هي: البحرين والكويت ولبنان وعُمان وقطر، فضلاً عن تونس والإمارات واليمن والعراق ومصر وليبيا والأردن والسعودية وسوريا، مُتوقِّعاً أن يعيش جميع سكان المنطقة في ظل إجهاد مائي مرتفع جداً بحلول 2050 [10]. وارتفاع منسوب البحار يهدد بتملّح المياه الجوفية الساحلية، أي أن المخزون الجوفي الساحلي — ذلك البديل الأخير — هو نفسه مُهدَّد.
خامساً: الاحتلال والصراع — سلب الماء كسلب الوجود
لا يمكن تناول أزمة المياه العربية بمعزل عن السياق السياسي والعسكري. في فلسطين المحتلة، تُمثّل المياه أداةً من أدوات الهيمنة الاستعمارية، إذ تُحكم إسرائيل قبضتها على المياه الجوفية في الضفة الغربية، وتمنح المستوطنين حصصاً تفوق بأضعاف ما يحصل عليه المواطن الفلسطيني. وفي غزة، استُهدفت محطات تحلية المياه وشبكات الصرف الصحي في العدوان المتواصل، لتتحوّل المياه من حق إنساني إلى أداة حصار.
وفي اليمن والعراق وليبيا وسوريا، أفضت الصراعات المسلحة إلى تدمير البنية التحتية المائية بشكل منهجي. والمفارقة المُؤلمة أن الدول الأكثر تضرراً من ندرة المياه هي في الوقت ذاته الأكثر غرقاً في الصراعات والأضعف في قدرتها على الاستثمار في بدائل التحلية والمعالجة [2].
سادساً: ما لا يُقال في الخطاب الرسمي
يدور الخطاب الرسمي العربي عادةً حول ثلاثة محاور: تحلية المياه، والري بالتنقيط، ومعالجة مياه الصرف الصحي. وهي حلول تقنية مشروعة، لكنها تتجاهل ملفات أعمق:
أولاً: الإصلاح الهيكلي لمنظومة الزراعة المستنزِفة للمياه، وإعادة النظر في سياسات الدعم التي تُحفّز على زراعة محاصيل شرهة للمياه في بيئات جافة.
ثانياً: محاسبة شركات التعدين والصناعة الملوِّثة للمصادر المائية — وهو ملف يكاد يكون غائباً تماماً، بما فيها تونس حيث يُلوِّث الفوسفات الموارد المائية دون حساب حقيقي.
ثالثاً: إعادة ترتيب الأولويات بوضع الأمن المائي فوق الأمن العسكري تمويلاً وقراراً. فالماء أولاً وقبل كل شيء منفعة اجتماعية، وهو هبة طبيعية وعنصر ضروري لاستمرار الحياة، والمياه ملك للمجتمع بأسره [3].
سابعاً: الوحدة العربية — الحل الوجودي الذي تتهرّب منه الأنظمة
في خضمّ هذا الواقع المأزوم، يبرز سؤال لا مفرّ منه: هل يمكن لدولة عربية منفردة أن تواجه أزمة مائية بهذا الحجم والتعقيد؟ الجواب الصريح: لا. فالمياه في الوطن العربي لا تعرف الحدود، وأزمتها لا تُحلّ بقرارات وطنية مجزّأة بينما تنتهج دول المنبع — من إثيوبيا إلى تركيا — سياسات تحقق فيها مكاسب انفرادية على حساب حقوق الشعوب العربية المائية.
التجزئة العربية ليست مجرد عائق سياسي، بل هي في حقل المياه عامل تهديد وجودي. فغياب الموقف العربي الموحّد في مفاوضات سد النهضة أفضى إلى أن تواجه مصر والسودان ضغوطاً هائلة وحيدتَين دون ظهير عربي جماعي فاعل. وغياب التنسيق العربي التركي أعطى أنقرة هامشاً واسعاً للمناورة في ملف دجلة والفرات، بينما تتعطّش العراق وسوريا. وانعدام المنظومة القانونية العربية المشتركة لحوكمة المياه الجوفية العابرة للحدود يفتح الباب لاستنزاف غير مراقَب.
ما الذي تعنيه الوحدة في الملف المائي تحديداً؟
الوحدة العربية في مواجهة أزمة المياه لا تعني شعارات رومانسية، بل تعني منظومة عمل مشترك متكاملة:
— إنشاء هيئة عربية عليا للأمن المائي بصلاحيات قانونية ملزِمة في إدارة المياه المشتركة والتفاوض الجماعي مع دول المنبع غير العربية.
— تأسيس بنك عربي لبيانات المياه الجوفية، إذ لا تزال خرائط المياه الجوفية العابرة للحدود ناقصة أو محتجزة لدواعي السيادة الوطنية الضيّقة، في حين أن مشاركتها هي التي تصون السيادة الجماعية الحقيقية.
— إطار تمويل عربي مشترك لمشاريع التحلية ومعالجة المياه في الدول الأكثر فقراً مائياً كاليمن والأردن وفلسطين، بدلاً من إيكال هذه المهمة لصناديق دولية مشروطة.
— تنسيق دبلوماسي عربي موحّد في المحافل الدولية لرفع اتفاقيات المياه العابرة للحدود إلى مستوى الحق المُقنَّن في القانون الدولي، وإلزام دول المنبع بمبدأ «عدم الإضرار».
— شبكة عربية لنقل التقنيات المائية، إذ تمتلك دول الخليج تجارب متقدمة في التحلية يمكن توطينها في الدول العربية الأفقر بتكاليف أقل بكثير مما تفرضه شركات التقنية الغربية.
تقول الإسكوا إن الإدارة الفعالة المشتركة للموارد المائية هي المخرج الحقيقي من الأزمة [2]، ولكن «الإدارة المشتركة» تستلزم بالضرورة وجود «شريك مشترك»، وهو ما لا تُوفِّره التجزئة العربية الراهنة. فكيف تُدار مياه مشتركة في ظل حدود مرسومة بالمصالح الاستعمارية وتحرسها نظم ترى في الانقسام ضماناً لبقائها؟
التجزئة: العدو الأول للماء
لا يجب أن يغيب عن الأذهان أن اتفاقية سايكس-بيكو ووعد بلفور لم يُقسّما الأرض فحسب، بل قسّما أيضاً الأنهار والأحواض المائية وحوّلا الحقوق المائية الطبيعية إلى موضوع تفاوض بين دول لها حدود بلا منطق جغرافي أو هيدرولوجي [11]. فنهر الفرات الذي كان شرياناً حضارياً موحّداً أصبح اليوم ساحة توتر بين ثلاث دول. ونهر الأردن الذي أروى حضارات قديمة بات مُجزَّأً بين سلطات متعددة أضعفها فلسطين المحتلة. ونهر النيل الذي شكّل هوية مصر الحضارية باتت إثيوبيا تحتجزه وراء سد عملاق بينما تتفرج جامعة الدول العربية بعجز مُذهل.
الوحدة العربية في مواجهة أزمة المياه ليست ترفاً فكرياً أو حلماً رومانسياً، بل هي الشرط الموضوعي الأدنى لبقاء المجتمعات العربية. دولة قُطرية منفردة لا يمكنها إلزام تركيا بضخ حصة المياه المتفق عليها، لكن موقفاً عربياً موحداً مدعوماً بأوراق اقتصادية وسياسية قد يُغيّر المعادلة. ولن يتحقق ذلك طالما أن حكومات تُفضّل إدارة التجزئة على بناء التضامن.
خاتمة: الماء وجوداً لا رفاهيةً — ووحدةً لا خياراً
أزمة المياه في الوطن العربي ليست أزمة جفاف وحسب، بل هي أزمة حوكمة وأزمة سيادة وأزمة أولويات، وفوق كل ذلك هي أزمة تجزئة. إنها تكشف بجلاء كيف يمكن لثروة طبيعية حيوية أن تتحوّل إلى ورقة ضغط جيوسياسية ووسيلة هيمنة حين يغيب الوعي الجماعي والإرادة السياسية.
المنطقة التي أبدعت في السدود والقنوات منذ آلاف السنين — من سدود اليمن القديمة إلى منظومات ري بلاد الرافدين — باتت اليوم عاجزة عن صون ما تبقى من مائها بسبب ترهّل الحوكمة وتغوّل الصراعات وغياب التضامن الإقليمي. الرهان على المستقبل لا يكون بالتحسينات التقنية المجزّأة، بل بإعادة تعريف المياه باعتبارها حقاً سيادياً جماعياً يستوجب استراتيجيات عربية مشتركة.
إن كان ثمة درس واحد تُعلِّمه أزمة المياه، فهو أن التجزئة ليست محايدة — بل هي في حد ذاتها سياسة لصالح من يريد استنزاف الماء العربي. والوحدة ليست حلماً رومانسياً — بل هي الحد الأدنى من العقل السياسي الذي يصون الحياة.
المراجع والمصادر
[1] ويكيبيديا العربية، «المياه في الوطن العربي»، استناداً إلى بيانات البنك الدولي وتقارير الأمم المتحدة.
https://ar.wikipedia.org/wiki/المياه_في_الوطن_العربي
[2] الإسكوا — اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا، تصريحات الأمينة التنفيذية رولا دشتي، ومجلة آراء الاستراتيجية: «أزمة نقص المياه في الوطن العربي تتطلب حلولاً واقعية في إطار جماعي».
https://araa.sa
[3] صحيفة الخليج الإماراتية، «الوطن العربي كبير بمساحته فقير بمياهه العذبة»، مارس 2015.
https://www.alkhaleej.ae
[4] صحيفة الشرق الأوسط، «الجفاف يلاحق أنهاراً بالمنطقة: أزمة مناخ أم ممارسات بشرية؟»، ديسمبر 2025.
https://aawsat.com
[5] عوده جهاد وآخرون، «سد النهضة الإثيوبي والزراعة المصرية»، 2020، منظومة أغريس — منظمة الأغذية والزراعة (FAO).
https://agris.fao.org
[6] موقع الجزيرة نت، «من المغرب إلى العراق.. أزمة شح المياه تتفاقم في العالم العربي»، يناير 2025.
https://www.aljazeera.net/science/2025/1/2
[7] موقع الأخبار اللبناني، «انخفاض جسيم في مياه الفرات: تركيا مستمرة في تعطيش سوريا»، مايو 2025.
https://www.al-akhbar.com/arab/834739
[8] موقع RT عربي، «سلاح السدود التركي: خفض مياه الفرات يهدد بكارثة بيئية في سوريا»، 2020.
https://arabic.rt.com
[9] موقع سكاي نيوز عربية، «شح المياه في الوطن العربي: الأسباب والمخاطر المتوقعة».
https://www.skynewsarabia.com
[10] تقرير اليونسكو العالمي للمياه 2025، نتائج اليوم العالمي للمياه، مارس 2025.
https://aawsat.com
[11] مجلة الدراسات السياسية والاجتماعية، «دور تجارة المياه الافتراضية في التحديات المائية في الشرق الأوسط»، أكتوبر 2022.
https://jpsa.journals.ekb.eg/article_269195
© جميع حقوق النشر محفوظة للكاتب — الناصر خشيني — 2025





 



الحدود والتجزئة: جذور التخلف العربي ومسالك الخلاص بقلم الناصر خشيني — باحث ومحلل سياسي، نابل، تونس



مقدمة
حين رسم الضابطان البريطاني مارك سايكس والفرنسي فرانسوا جورج بيكو خطوطهما الشهيرة عام 1916 على خريطة المشرق العربي، لم يكونا يرسمان حدوداً بين دول متجاورة، بل كانا يشقّان في جسد أمة واحدة شرايين النزيف التي لم تُقفل حتى اليوم.(1)
في تلك اللحظة الاستعمارية الفارقة، تقرّر مصير مئات الملايين من البشر لعقود قادمة؛ فالخريطة التي أُنجزت لتقسيم المغانم بين لندن وباريس باتت شرطاً للوجود السياسي لكيانات هشّة، أُريد لها أن تتقاتل فيما بينها وتتبعثر طاقاتها في رسم حدود خيالية بدلاً من بناء مستقبل مشترك. فالحدود الوهمية التي زرعها المستعمر في جغرافيا العرب لم تكن أبداً إجراءً إدارياً بريئاً، بل كانت مشروع تخلف ممنهج أُريد به أن يكون دائماً.
تسعى هذه الدراسة إلى كشف الترابط العضوي بين هذه التجزئة المفروضة والتخلف الشامل الذي يعانيه الوطن العربي على الأصعدة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، كما تسعى إلى التدليل على أن لا خروج من هذا المأزق الحضاري دون إعادة بناء الوحدة العربية على أسس ديمقراطية اشتراكية، وذلك هو الطريق الوحيد نحو التحرر الفعلي، بما في ذلك استعادة فلسطين والأراضي العربية المحتلة من دول الجوار.
أولاً: جراح سايكس بيكو — التشريح التاريخي للتجزئة
1-1 الحدود الاستعمارية: خريطة بلا جغرافيا
قبل اتفاقية سايكس بيكو، كان الوطن العربي يشكّل فضاءً جغرافياً وحضارياً متواصلاً؛ لغة واحدة، وثقافة مشتركة، وأسواق تجارية متصلة من المغرب إلى الخليج، وتاريخ تشكّل عبر قرون من التفاعل والتمازج. وما أن انتهت الحرب الكونية الأولى وتوزّعت ريحها الاستعمارية حتى وجد العرب أنفسهم أمام حدود لم يرسمها شعب ولم تفرزها حضارة، بل رسمتها إرادات أجنبية متوحشة.(2)
تلك الحدود لم تكن جغرافية ولا طبيعية، بل كانت في كثير منها ذات طابع هندسي خالص، خطوط مستقيمة تتجاهل الأودية والجبال والتجمعات البشرية على حدٍّ سواء. وهو ما أشار إليه الجغرافي البريطاني هاملتون ماكيندر حين ربط بين السيطرة على القلب الأوراسي والهيمنة الكونية، فكانت التجزئة العربية جزءاً من مشروع استراتيجي أعمق لمنع أي قوة إقليمية من الظهور.(3)
أمّا المفكر العربي عبد الله العروي فقد كشف كيف أن الحداثة التي جاءت إلى المنطقة العربية لم تكن حداثة التحرر بل حداثة الاستتباع، إذ أنتجت كيانات سياسية مسخاً لا هي دول قومية ناجزة ولا هي وحدات قبلية متجانسة، بل هي كائنات انتقالية معلّقة بين أزمنة متعارضة.(4)
1-2 الاقتصاد الممزق: ثروات موزّعة وفقر مركّب
يكفي أن ننظر إلى الأرقام لنفهم حجم الجريمة التي ارتكبتها التجزئة بحق الاقتصاد العربي: ثروات طبيعية هائلة من نفط وغاز ومعادن وموارد زراعية، تُقدَّر بعشرات التريليونات من الدولارات، وفي المقابل يعيش نحو مئة مليون عربي تحت خط الفقر.(5)
التبادل التجاري البيني بين الدول العربية لا يتجاوز 10% من إجمالي تجارتها الخارجية، وهو رقم يكشف مدى الانفصال البنيوي بين اقتصادات متجاورة كان يمكنها أن تشكّل كتلة اقتصادية من أضخم كتل العالم. يُعادل الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نحو أربعة تريليونات دولار، وهو يوازي اقتصاد فرنسا وحدها، رغم أن المنطقة تحتوي على عدد سكان يزيد عشر مرات.(6)
يحتضن الوطن العربي نحو 60% من الاحتياطيات النفطية العالمية المؤكّدة، غير أن عائداتها تتسرّب إلى الخارج أو تُنفق على أنظمة حرب وتوتر وصراع بين إخوة فرّقتهم الخرائط المصطنعة.(7)
هذه الفجوة الهائلة بين الثروة الكامنة والفقر الفعلي لا تُفسَّر بالتأخر الحضاري ولا بقصور الإنسان العربي، بل بالتجزئة التي حالت دون بناء سوق مشتركة وتكامل صناعي وزراعي وتقني يمكن أن يُخرج هذه الشعوب من دوامة التبعية والاستنزاف.
ثانياً: أبعاد التخلف الشامل — قراءة في المنظومة
2-1 التخلف السياسي: أنظمة بلا أمة
أفرزت الكيانات الهشة التي خرجت من رحم سايكس بيكو أنظمة سياسية مشوّهة بطبيعتها؛ أنظمة لا تستمد شرعيتها من إرادة شعوبها، بل من اعتراف المراكز الاستعمارية القديمة والجديدة، ومن قدرتها على إدارة التوازن الداخلي الهشّ بين عشائر وطوائف ومناطق تشكّل مكوّنات متنافسة داخل حدود مصطنعة.
الديمقراطية في هذه الكيانات المجزّأة تغدو مستحيلة من منطلق بنيوي قبل أن تكون مستحيلة لأسباب ثقافية أو دينية كما يروّج بعضهم. فحين يكون الوطن نفسه موضع خلاف، حين تكون الحدود مشروع استعمار لا إطاراً للعيش المشترك، تتحوّل الانتخابات إلى حروب قبلية وطائفية، وتتحول المعارضة إلى خيانة مشبوهة، وتتحوّل الوحدة القسرية إلى استبداد لا مفرّ منه.
لذلك، ليس من قبيل المفارقة أن ظاهرة الاستبداد العربي ليست غريبة عن التجزئة، بل هي إحدى ثمارها المنطقية؛ الدولة التي لا تملك وطناً حقيقياً تُعوّض ذلك بقمع هائل.(8)
2-2 التخلف الاقتصادي: هدر الطاقات المتكاثرة
يمتلك الوطن العربي من الموارد الطبيعية والبشرية ما يكفي لإقامة نهضة اقتصادية ضخمة، غير أن التجزئة جعلت كل دولة تُدير اقتصاداً ناقصاً يعتمد على الخارج بدلاً من أن يتكامل مع محيطه العربي.(9)
الصحراء الكبرى الممتدة عبر عدة دول تخفي في باطنها ثروات معدنية ومائية هائلة تظل عصيّة على الاستثمار لأن استغلالها يستلزم تعاون دول عدة لا تملك إرادة مشتركة. والنيل الذي ينبع من أفريقيا الوسطى ويخترق السودان ويصبّ في مصر يتحوّل إلى مصدر نزاع بدلاً من أن يكون محور تكامل. وثروات الخليج النفطية تظل رهينة اختلال بنيوي حاد بين الفائض المالي الضخم والعجز في الأيدي العاملة الكفؤة، اختلال لو وُجدت وحدة عربية فعلية لحلّه السوق المشتركة من تلقاء نفسها.
يُضاف إلى ذلك نزيف الأدمغة المتصاعد؛ حيث يهاجر أكثر من مئة ألف كفاءة عربية سنوياً نحو أوروبا وأمريكا وكندا وأستراليا، لا لأن البلاد العربية لا تملك موارد لإبقائهم، بل لأن التشتت السياسي والتجزئة الاقتصادية يجعلان البيئة الداخلية طاردة للكفاءة وجاذبة للتبعية.(10)
2-3 التخلف الثقافي والتعليمي: أمة مجزأة في عقلها قبل حدودها
يبلغ معدل الأمية في بعض الدول العربية ما يزيد على 30%، فيما تتصدر المنطقة العربية العالم في معدلات الأمية الوظيفية حتى بين من التحقوا بالمدارس. وتحتضن الجامعات العربية مجتمعة عدداً من الباحثين ومراكز البحث العلمي لا يُقارن بما تملكه دولة متوسطة الحجم في أوروبا.(11)
غير أن الأعمق من ذلك هو ما حدث للوعي الثقافي العربي؛ إذ أُعيد إنتاج الحدود الاستعمارية داخل العقل الجمعي نفسه، فبات المغربي يرى المشرق بعين الغريب، والخليجي يرى الشامي كما يرى جاره الأجنبي. المستعمر لم يكتفِ بتقسيم الأرض بل قسّم الذاكرة، وهو ما أشار إليه فرانتز فانون حين تناول آليات زرع الثقافة الاستعمارية في عقل المستعمَر.(12)
ثالثاً: الحل — الدولة العربية الواحدة الديمقراطية الاشتراكية
3-1 لماذا الوحدة؟ الحجة الاقتصادية
ليست الوحدة العربية شعاراً عاطفياً ولا حلماً رومانسياً، بل هي ضرورة اقتصادية موضوعية تفرضها قوانين الاقتصاد السياسي الحديث. فالدول الصغيرة في عالم متكتل لا تستطيع أن تبني صناعة ثقيلة ولا أن تنافس في التقنية الحديثة ولا أن تفرض شروطاً عادلة في تجارتها مع الكتل الاقتصادية الكبرى.(13)
الوحدة العربية وحدها قادرة على إنشاء سوق داخلية ضخمة تضم أكثر من 450 مليون مستهلك، وعلى إرساء منظومة صناعية تكاملية تستثمر التنوع الجغرافي بين موارد النفط في الخليج وزراعة النيل وثروات المغرب المعدنية وكفاءات المشرق البشرية.(14)
وقد أثبتت تجارب التكامل الاقتصادي الإقليمي في العالم — من الاتحاد الأوروبي إلى آسيان — أن الترابط البنيوي بين اقتصادات متجاورة يُضاعف الناتج ويقلص الفقر ويُرسّخ السلم. فما الذي يمنع العرب من بناء نموذجهم؟ ليس العائق حضارياً ولا لغوياً ولا ثقافياً، بل هو سياسي بامتياز، وهو ما صنعته التجزئة الاستعمارية وتُعيد إنتاجه أنظمة الاستبداد الراهنة.(15)
3-2 لماذا الديمقراطية؟ شرط الحرية
الدولة العربية الواحدة التي ندافع عنها ليست إمبراطورية مركزية أحادية تُلغي تنوّع الشعوب والثقافات، بل هي دولة اتحادية ديمقراطية تقوم على الإرادة الشعبية الحرة، وتضمن التعددية والحقوق المدنية وسيادة القانون وتداول السلطة.
الديمقراطية في هذا السياق ليست ترفاً سياسياً بل شرط وجودي لأي وحدة صحيحة ومتينة. الوحدة القائمة على الاستبداد كما أثبتت تجربة الوحدة المصرية السورية بين 1958 و1961 مآلها الانهيار المبكر، لأنها تفتقر إلى الشرعية الشعبية التي تمنحها المناعة.(16)
ومن هنا فإن المطالبة بالوحدة العربية تستلزم الوقوف في وجه الاستبداد العربي لا الوقوف معه، وإدراك أن تحرير الإنسان العربي في وطنه شرط لتحرير الأمة من هيمنة الخارج. الديمقراطية والوحدة ليستا متناقضتين بل هما في جوهرهما شرطان متلازمان.
3-3 لماذا الاشتراكية؟ العدالة التوزيعية شرط الاستقرار
أثبتت التجارب التاريخية في الوطن العربي وخارجه أن الوحدة السياسية دون عدالة اجتماعية تنتهي إلى تركّز الثروة في أيدي نخب متحكمة تستبدل الاستعمار الخارجي بنهب داخلي. وما كشفته الثروات المنهوبة في تونس وغيرها من الدول العربية من استنزاف ممنهج للموارد الطبيعية يُرسّخ القناعة بأن التحرر الوطني لا يكتمل دون توزيع عادل للثروة.(20)
الاشتراكية التي ندافع عنها ليست الأممَ الستالينية ولا الإدارة البيروقراطية الصماء، بل هي منظومة الاقتصاد المختلط الذي تحتفظ فيه الدولة بالسيادة على الموارد الطبيعية والقطاعات الاستراتيجية، بينما تُحرَّر المبادرة الخاصة في الفضاءات الأخرى وتُضبط بسياسات تضامن اجتماعي فعّالة.(17)
رابعاً: فلسطين والأراضي المحتلة — ثمرة الوحدة الحتمية
لا يمكن الحديث عن التجزئة العربية واستتباعاتها دون الوقوف أمام قضية فلسطين، القضية التي كانت أولى ضحايا التجزئة وستكون أولى منتصرات الوحدة.(18)
فلسطين التي قُدِّر لها أن تكون وطناً قومياً لليهود بموجب وعد بالفور عام 1917 لم تكن لتتحوّل إلى مشروع استيطاني قابل للحياة لولا التفتيت الذي مهّد طريق الاستيطان الصهيوني في جسد عربي مشرذم. وحين خاض العرب حرب 1948 كانوا جيوشاً لدول حديثة العهد تفتقر إلى قرار موحّد وإمداد منتظم وإرادة سياسية متجانسة. وتكرّر الأمر في 1967 حين كشفت الهزيمة الساحقة عن عمق التفكك البنيوي للمنظومة العربية.
والأراضي العربية المحتلة — من الجولان السوري إلى سبتة ومليلية إلى جزر الإمارات — تظل قضايا معلّقة لأن التجزئة أفقدت الوطن العربي ورقة ضغطه الاستراتيجية. دولة عربية واحدة بعدد سكاني يتجاوز 450 مليوناً وناتج اقتصادي يمكن أن يُعادل ما يزيد على عشر تريليونات دولار ستمتلك من رصيد القوة ما يجعل السلام التفاوضي العادل ممكناً.(19)
إن تحرير فلسطين الكامل، إلى جانب عودة كامل الأراضي العربية المحتلة، ليس بعيداً عن قدرة أمة موحّدة تستعيد ذاتها وتُدار ثرواتها لصالح أبنائها. ولعل الربط الذي تعمّده المستعمر بين تجزئة العرب وتأسيس إسرائيل ليس من قبيل الصدفة التاريخية، بل هو جزء من مشروع واحد لإيجاد قوة وظيفية تحرس التجزئة من الداخل.
خاتمة: الطريق الشاق والضروري
إن مشروع الوحدة العربية الديمقراطية الاشتراكية ليس أمنية مثالية منفصلة عن إكراهات الواقع، بل هو استجابة عقلانية للتحديات الجذرية التي تواجه الأمة العربية. فالتجزئة الاستعمارية لم تُنتج فقط تخلفاً اقتصادياً أو هشاشةً سياسية، بل أنتجت اغتراباً حضارياً عميقاً يجعل الإنسان العربي غريباً في وطنه مُقيَّداً لمصالح الخارج.
نعلم أن الطريق طويل وأن العقبات جمّة: مقاومة الأنظمة القائمة التي تستمد وجودها من التجزئة، وعقبة المصالح الاستعمارية الكبرى المنتفعة من الوضع الراهن، وتحدي بناء مؤسسات اتحادية ديمقراطية في مناخات لم تعتد الممارسة الديمقراطية. غير أن هذه العقبات ليست عوامل يأس بل هي عوامل إيضاح تُجلّي ما يجب العمل عليه.
إن الشعوب العربية التي صنعت ربيعها رغم الحديد والنار أثبتت أن إرادة التغيير موجودة؛ وما ينقصها هو الأفق الجامع الذي يتجاوز تغيير الوجوه إلى تغيير البنية. ذلك الأفق هو الدولة العربية الواحدة الديمقراطية الاشتراكية، التي تجمع في مشروعها بين الحرية والعدالة ووحدة الأرض ووحدة الإنسان.
ليست الوحدة العربية ترفاً تاريخياً بل هي الشرط الوجودي لتحرير هذه الأمة من ربقة التخلف والاستبداد والتبعية. وبلا هذا الأفق تظل الأجيال القادمة تتلقى الجروح نفسها بأسماء مختلفة.
ناصر خشيني — نابل، تونس — 2025
الهوامش والمراجع
(1) سايكس بيكو: اتفاقية سرية أبرمت عام 1916 بين الدبلوماسيين مارك سايكس وفرانسوا جورج بيكو لتقسيم المشرق العربي إلى مناطق نفوذ، نُشرت تفاصيلها بعد الثورة البلشفية عام 1917. انظر: David Fromkin, A Peace to End All Peace: The Fall of the Ottoman Empire and the Creation of the Modern Middle East, Henry Holt, New York, 1989.
(2) أنطون سعادة، نشوء الأمم، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، 1994، ص 87-90.
(3) Halford Mackinder, "The Geographical Pivot of History", The Geographical Journal, Vol. 23, No. 4, 1904, pp. 421-437.
(4) عبد الله العروي، مفهوم الأمة، المركز الثقافي العربي، بيروت-الدار البيضاء، 2011، ص 43-56.
(5) البنك الدولي، تقرير التنمية البشرية في الوطن العربي، واشنطن، 2022، ص 14.
(6) صندوق النقد العربي، التقرير الاقتصادي العربي الموحد، أبوظبي، 2023، ص 31-35.
(7) Organization of Arab Petroleum Exporting Countries (OAPEC), Annual Report 2022, Kuwait, 2023.
(8) برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2022، نيويورك، 2022، ص 62.
(9) جمال حمدان، شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان، الجزء الثالث، دار الهلال، القاهرة، 1981، ص 210.
(10) International Labour Organization, Arab Employment Report 2022, Geneva, 2022.
(11) المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الأليكسو)، إحصاءات التعليم في الوطن العربي 2021، تونس، 2022، ص 5.
(12) Frantz Fanon, The Wretched of the Earth, Grove Press, New York, 1963, pp. 148-205.
(13) ميشيل عفلق، في سبيل البعث، دار الطليعة، بيروت، 1963، ص 121-130.
(14) عمر بهاء الدين الأميري، دراسات في النظرية الاشتراكية العربية، دار المعرفة، دمشق، 1975، ص 44.
(15) جمال عبد الناصر، فلسفة الثورة، دار المعارف، القاهرة، 1955، ص 72.
(16) United Nations Conference on Trade and Development (UNCTAD), Trade and Development Report 2022, Geneva, 2022, p. 78.
(17) Samir Amin, The Arab Nation: Nationalism and Class Struggles, Zed Press, London, 1978, pp. 63-72.
(18) Frantz Fanon, The Wretched of the Earth, Grove Press, New York, 1963, pp. 148-205.
(19) إعلان استقلال دولة فلسطين، الجزائر، 15 نوفمبر 1988. وثيقة الأمم المتحدة A/43/827.
(20) الناصر خشيني، الثروات المنهوبة في تونس، مخطوطة معدّة للنشر، 2024. وانظر كذلك: وليد خدوري، النفط العربي: التحديات والمسؤوليات، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2005.

 




هل البنوك الإسلامية تابعة للنظام الرأسمالي ومتحايلة على الشريعة؟ بقلم الناصر خشيني






مدخل
يُعدّ الجدل حول البنوك الإسلامية من أكثر النقاشات الاقتصادية والفقهية حدةً في العالم العربي والإسلامي المعاصر، إذ تتشابك فيه الحجج الشرعية مع التحليلات الاقتصادية، وتتقاطع المصالح المالية مع الخطاب الديني. وقد نشأت فكرة المصرفية الإسلامية في سياق يسعى إلى تقديم بديل عن النظام المصرفي التقليدي القائم على الفائدة، التي يُعدّها الفقه الإسلامي ربًا محرّمًا. غير أن الواقع العملي لهذه البنوك طرح تساؤلات جوهرية حول مدى صحة هذا الادعاء، وما إذا كانت هذه المؤسسات تمثّل فعلاً نموذجاً مالياً مغايراً، أم أنها لا تعدو كونها غلافاً شرعياً لممارسات رأسمالية في جوهرها.
أولاً: تعريف البنوك الإسلامية والإطار النظري
أشارت الاتفاقية الخاصة بإنشاء الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية في فقرتها الأولى من المادة الخامسة إلى تعريف البنوك الإسلامية بأنها: "تلك البنوك أو المؤسسات التي ينص قانون إنشائها ونظامها الأساسي صراحةً على الالتزام بمبادئ الشريعة، وعلى عدم التعامل بالفائدة أخذاً وعطاءً" (1).
كما يمكن تعريفها بأنها مؤسسات مالية نقدية ذات أهداف اقتصادية واجتماعية وأخلاقية، تسعى إلى تعبئة الموارد وتوظيفها في مشاريع تتوافق ومبادئ الشريعة الإسلامية، ملتزمةً في ذلك بعدم التعامل بالربا أخذاً أو عطاءً، ومحققةً التنمية الاقتصادية والرفاهية للمجتمع الإسلامي (2).
وتقوم البنوك الإسلامية، من الناحية النظرية، على دور الوساطة المالية بين فئتَي المدخّرين والمستثمرين، في إطار صيغة المضاربة الشرعية القائمة على مبدأ المشاركة في الربح والخسارة، والقاعدة الفقهية "الغُنم بالغُرم" (3). وتُعدّ هذه القاعدة ركيزةً أساسيةً في الفقه الإسلامي، إذ تعني أن من يتحمّل مخاطر الخسارة هو وحده من يستحق الربح، وهو ما يميّزها نظرياً عن القرض بفائدة ثابتة الذي يضمن للمُقرض ربحاً بصرف النظر عن نتيجة المشروع المموَّل.
ولكي يُصنَّف بنكٌ ما إسلامياً وفق المروّجين لهذا النموذج، ينبغي توافر شرطين أساسيين: الأول هو عقد التأسيس، بمعنى أن تُعلن المؤسسة البنكية في وثائق إنشائها التزامها بأحكام الشريعة ورفضها للتعامل بالربا. والثاني هو هيئة الرقابة الشرعية، أي وجود لجنة علمائية متخصصة تُراقب مدى مطابقة المنتجات والمعاملات المصرفية لأحكام الشريعة (4). ويرى المدافعون عن هذا النموذج أن هذين الشرطين كافيان لإضفاء الشرعية الدينية على العمل المصرفي.
ثانياً: المرابحة بين الشرعية الصورية والحقيقة الاقتصادية
يُشكّل منتج المرابحة العمود الفقري للعمل المصرفي الإسلامي في أغلب الدول، إذ تتجاوز حصته في محافظ كثير من البنوك الإسلامية 70% من إجمالي التمويلات (5). والمرابحة في الفقه الإسلامي الكلاسيكي هي بيع يُفصح فيه البائع عن تكلفة البضاعة ويضيف إليها ربحاً معلوماً. وقد تطوّرت هذه الآلية في السياق المصرفي المعاصر لتشمل ما يُعرف بـ"المرابحة للآمر بالشراء"، وهي صيغة يطلب فيها العميل من البنك شراء سلعة معينة، ثم يشتريها العميل بدوره من البنك بسعر مؤجّل يشمل ربحاً محدداً.
غير أن هذه الآلية تعرّضت لانتقادات جوهرية من داخل الفقه الإسلامي ذاته؛ إذ يرى فريق من الباحثين أن البنك في الواقع العملي لا يمتلك السلعة حقيقةً، ولا تنتقل إليه ملكيتها الفعلية بما تستلزمه من مخاطر، وإنما يُوظَّف عقد البيع الصوري ستاراً لعملية إقراض بفائدة مُقنّعة (6). فإذا كان القرض بالفائدة ربا صريحاً محرّماً، فإن هذا الشكل من المرابحة لا يختلف في مآله الاقتصادي عنه، وإن اختلف في التسمية والإجراء الشكلي.
ويزيد من إشكالية هذه الآلية أن نسبة الربح فيها تتغيّر بحسب مدة التسديد؛ فكلما طالت المدة ارتفعت النسبة، وهو ما يُعيد بدقة منطق الفائدة الزمنية في الاقتصاد التقليدي (7). ويُلاحظ بعض الخبراء أن البنوك الإسلامية كثيراً ما تفرض هوامش ربح أعلى من نظيراتها التقليدية، مستترةً بغياب سقف واضح للربح في عقود المرابحة (8)، ما يجعل المنتج المالي "الإسلامي" أغلى فعلياً من القرض التقليدي.
وما يُفاقم الإشكال أن آلية المرابحة تنطوي على غياب المخاطرة الحقيقية من جانب البنك، فهو يشترط في الغالب ضمانات عينية وشخصية مشابهة تماماً لتلك التي تشترطها البنوك التقليدية، بل إن عقود المرابحة المعاصرة تتضمن في أغلب الأحيان شرطاً بالتزام العميل بالشراء قبل انتقال الملكية، مما يُلغي عملياً مخاطرة البنك (9). وهنا يسقط المبرّر الفقهي الأساسي للمشروعية، وهو قاعدة "الغُنم بالغُرم".
ثالثاً: هيئات الرقابة الشرعية وإشكالية الاستقلالية
تُعدّ هيئات الرقابة الشرعية العمود المؤسسي الذي يُضفي على البنوك الإسلامية شرعيتها الدينية. وتتكوّن هذه الهيئات في الغالب من علماء دين حظوا بمكانة مرموقة في الفقه الإسلامي. غير أن استقلالية هذه الهيئات باتت مثار جدل واسع في الأوساط الأكاديمية والفقهية؛ إذ يُلاحظ باحثون كثيرون أن الهيئة تتقاضى مقابلاً مادياً من البنك ذاته الذي تُراقبه، مما يُفضي بطبيعته إلى تعارض في المصالح (10).
ويُشير بعض الدارسين إلى أن عدداً من كبار العلماء المعيَّنين في هذه الهيئات يجمعون بين العضوية في هيئات شرعية لبنوك متعددة، قد تتجاوز العشرة في آنٍ واحد، مما يُثير تساؤلات حول مدى قدرتهم على الرقابة الفعلية الدقيقة، وحول طبيعة العلاقة الفعلية بين هؤلاء العلماء والمؤسسات المالية التي يُضفون عليها الشرعية (11).
ويذهب فريق من الباحثين إلى أن هذه الهيئات باتت في جوهرها أداةً تسويقيةً أكثر منها رقابةً شرعيةً حقيقية، وأن الفتاوى الصادرة عنها كثيراً ما تُصاغ بما يخدم مصلحة البنك في تسويق منتجاته، لا بما يخدم مصلحة المتعاملين أو يُحقق العدالة المالية (12). وهذا ما يُفسّر كيف أن بنوكاً تُقدّم منتجات شبه متطابقة بنتائجها الاقتصادية مع منتجات البنوك التقليدية تحصل مع ذلك على "شهادة الحلال" من هيئاتها الشرعية.
رابعاً: البنوك الإسلامية وبنية النظام الرأسمالي العالمي
إن فهم واقع البنوك الإسلامية لا يكتمل دون استيعاب البنية الكلية للنظام الاقتصادي العالمي الذي تعمل في إطاره. فالرأسمالية المالية المعاصرة نظامٌ متكامل له قوانينه ومنطقه الداخلي الذي يفرض نفسه على كل مؤسسة تعمل ضمنه، بصرف النظر عن الواجهة الأيديولوجية أو الدينية التي تتبنّاها (13). وقد أدركت المؤسسات المالية الكبرى هذا المنطق مبكراً، فأسّست هي ذاتها "نوافذ إسلامية"، أي وحدات متخصصة في تقديم المنتجات المالية الإسلامية، من داخل بنوك رأسمالية عملاقة كـ"HSBC" و"Citibank" و"Deutsche Bank" (14)، مما يكشف أن "الإسلامية" في هذا السياق باتت مجرد نيش تسويقي في سوق رأسمالية عالمية متشعّبة.
والبنوك الإسلامية، شأنها شأن سائر المؤسسات المالية، تعمل ضمن منظومة مالية دولية تُهيمن عليها مؤسسات من قبيل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وتخضع لتوجيهاتها في ما يتعلق بالسياسات النقدية والمالية (15). وفي هذا الإطار، يكون هامش المناورة الفعلي لهذه البنوك ضيّقاً للغاية؛ إذ لا يُمكنها الانحراف جوهرياً عن الآليات الرأسمالية دون أن تُعرّض نفسها للإفلاس أو التهميش.
ويظهر هذا التناقض بجلاء في تعامل البنوك الإسلامية مع سوق ما بين البنوك (Interbank Market)، حيث تضطر في أغلب الأحيان إلى الاستعانة بأدوات مرتبطة بمعدلات الفائدة العالمية كـ"LIBOR" و"SOFR" (16)، وذلك لضبط هوامش ربحها بما يتناسب مع بيئة المال الدولية. فتجد هذه البنوك نفسها أمام مفارقة جوهرية: إنها تُعلن رفضها المبدئي للفائدة، بينما تستخدم الفائدة ذاتها مرجعاً خفياً لتسعير منتجاتها.
خامساً: الأثر الجيوسياسي والدور الخليجي
لا يمكن فهم انتشار البنوك الإسلامية واتساع نفوذها دون استحضار السياق الجيوسياسي، ولا سيما دور دول الخليج العربي في دعم هذا النموذج وتمويله وتصديره. فقد شهدت العقود الأخيرة تضخيماً واسعاً للثروات النفطية الخليجية، التي وجدت في البنوك الإسلامية نافذةً مُريحةً تجمع بين تعظيم الأرباح المالية وصرف الأموال في مشاريع تحمل غطاءً دينياً (17). وقد أسهم ذلك في تأسيس شبكة واسعة من البنوك الإسلامية في أرجاء العالم العربي والإسلامي، تتمركز أصول معظمها في دول الخليج أو ترتبط بمصالح خليجية.
غير أن الحكومات الخليجية ذاتها تعيش تناقضاً عميقاً: فهي، من جهة، تُروّج للاقتصاد الإسلامي وتضخّ الأموال في بنوكه ومؤسساته، ومن جهة أخرى، تُقيم علاقات عضوية مع المنظومة الرأسمالية الغربية، وترتبط بتحالفات استراتيجية مع الولايات المتحدة وحلف الناتو تضمن استمرارية أنظمتها (18). وهذا التناقض يكشف أن الاقتصاد الإسلامي كما تُقدّمه هذه الأنظمة ليس مشروعاً للانفصال عن الرأسمالية، بل هو في أحيان كثيرة أداة لإدارة مجتمعاتها داخلياً وتسويق سياساتها في الخارج.
سادساً: نحو بديل حقيقي
إن الخروج من هذا المأزق الاقتصادي والشرعي يستلزم تجاوز الإصلاح الشكلي للنماذج القائمة والتفكير في بنية مالية بديلة جوهرياً. ويرى كاتب هذه السطور أن الحل الأمثل يقوم على مرتكزات ثلاثة:
أولها: تأميم القطاع المصرفي وإخضاعه للسلطة العامة للدولة، بحيث تكون البنوك مؤسسات عمومية تعمل في خدمة الاقتصاد الوطني لا في خدمة الأرباح الخاصة. وهذا ما أثبت جدواه في نماذج تنموية متعددة، حيث نجحت البنوك العمومية في تمويل مشاريع البنية التحتية والتنمية الاجتماعية بعيداً عن منطق الربح الرأسمالي الأعمى.
وثانيها: تحديد هوامش ربح شفافة ومعلنة مسبقاً من قِبل الدولة، بما يُلغي الغموض المتعمَّد في تسعير المنتجات المالية ويُحمي المتعاملين من الاستغلال.
وثالثها: إرساء قطاع مالي وطني مستقل يُحدّ من التبعية للمنظومة المالية الدولية ومؤسساتها، في إطار سياسة اقتصادية سيادية شاملة.
بيد أن هذا المسار لن يتحقق في ظل الأنظمة الراهنة المرتبطة عضوياً بالمنظومة الرأسمالية العالمية. إن بناء اقتصاد ذي سيادة يستلزم إرادةً سياسيةً حرة وشعوباً واعيةً بمصالحها، تتجاوز الخطاب الديني المُسيَّس الذي كثيراً ما أُوظّف لتكريس الواقع لا لتغييره.
خاتمة
يكشف التحليل المعمَّق لنماذج العمل المصرفي الإسلامي أن الإشكالية ليست في الشريعة ذاتها، التي تتضمن بالفعل مبادئ عدالة مالية راسخة، بل في توظيف هذه المبادئ لخدمة منطق رأسمالي لا تُخفيه الواجهة الدينية. فالبنوك الإسلامية في صيغتها الراهنة تُمثّل نموذجاً لما يمكن تسميته بـ"الرأسمالية المُؤسلمة"، أي رأسمالية تُضفي على نفسها شرعيةً دينيةً دون أن تُغيّر جوهرها. والمستفيد الأكبر من هذه المعادلة ليس المواطن المسلم الباحث عن تمويل شرعي، بل الرساميل الكبرى التي وجدت في هذا الخطاب الديني أداةً لتوسيع قاعدة عملائها ورفع أرباحها.
الهوامش
(1) الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية، الاتفاقية الخاصة بإنشاء الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية، المادة الخامسة، الفقرة الأولى، جدة، 1977.
(2) أحمد محيي الدين أحمد، البنوك الإسلامية: المبادئ والأهداف، دار النهضة العربية، بيروت، 1984، ص. 47.
(3) ابن قدامة المقدسي، المغني، دار هجر للطباعة، القاهرة، 1986، ج8، ص. 120؛ انظر أيضاً: يوسف القرضاوي، فوائد البنوك هي الربا الحرام، مكتبة وهبة، القاهرة، 1994، ص. 35.
(4) محمد عبد الحليم عمر، الإطار الشرعي والاقتصادي والمحاسبي لبيع المرابحة، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، جدة، 1996، ص. 20.
(5) هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (أيوفي)، التقرير السنوي، البحرين، 2019، ص. 54.
(6) سامي السويلم، التحوط في التمويل الإسلامي، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، جدة، 2007، ص. 88.
(7) محمد نجاة الله صديقي، قضايا في الاقتصاد الإسلامي، المركز العالمي لأبحاث الاقتصاد الإسلامي، جدة، 1996، ص. 101.
(8) Mahmoud El-Gamal, Islamic Finance: Law, Economics, and Practice, Cambridge University Press, New York, 2006, p. 20.
(9) عبد العزيز فهمي هيكل، الاقتصاد الإسلامي المعاصر، دار الشروق، القاهرة، 2000، ص. 132.
(10) Volker Nienhaus, "Governance of Islamic Banks", in Handbook of Islamic Banking, Edward Elgar Publishing, Cheltenham, 2007, p. 129.
(11) Timur Kuran, Islam and Mammon: The Economic Predicaments of Islamism, Princeton University Press, Princeton, 2004, p. 15.
(12) فالح عبد الله العامري، هيئات الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية: الواقع والمأمول، بحث مقدم لمجمع الفقه الإسلامي الدولي، جدة، 2010، ص. 7.
(13) إيمانويل والرشتاين، النظام العالمي الحديث، ترجمة: عبد الهادي عباس، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، 1991، ج1، ص. 23.
(14) Ibrahim Warde, Islamic Finance in the Global Economy, Edinburgh University Press, Edinburgh, 2000, p. 97.
(15) عصام الدين محمد علي، صندوق النقد الدولي والدول النامية، دار النهضة العربية، بيروت، 1998، ص. 56.
(16) Humayon Dar & John Presley, "Lack of Profit Loss Sharing in Islamic Banking", International Journal of Islamic Financial Services, Vol. 2, No. 2, 2000, p. 45.
(17) الجزيرة الاقتصادية، تقرير: دول الخليج والمصرفية الإسلامية، الرياض، 2018، ص. 12.
(18) نوم تشومسكي، الردع النووي والسياسة الخارجية الأمريكية، ترجمة: صالح علماني، دار الآداب، بيروت، 2002، ص. 89.

 




زيت الزيتون التونسي: ذهب أخضر يُصدَّر خاماً ويُهدر وطنياً بقلم: الناصر خشيني






مدخل
مئة مليون شجرة زيتون تتناثر على امتداد الأرض التونسية من الشمال إلى الجنوب، تحمل في أغصانها ثروة حقيقية وميزة تنافسية نادرة على المستوى العالمي. غير أن هذا الذهب الأخضر يُصدَّر في غالبيته سائلاً خاماً في صهاريج ضخمة، فيجني الطرف الأجنبي المستورد القيمة المضافة الحقيقية من تعليبه وتسويقه تحت علامات تجارية أوروبية بأثمان مضاعفة، بينما يبقى الفلاح التونسي الذي روى هذه الأشجار بعرقه ووقته رهين شبكة وسطاء وتجار يحتكرون التسعير والتخزين والتصدير. هذه هي فضيحة القطاع بعينها.
أولاً: تونس... قوة عالمية تفرّط في قيمتها المضافة
الأرقام تُجلّي حجم الثروة التي تمتلكها تونس وحجم ما تخسره في آنٍ واحد.
احتلت تونس المرتبة الثانية عالمياً في إنتاج زيت الزيتون لموسم 2024-2025 بعد إسبانيا، بإنتاج بلغ 340 ألف طن، في حين يبلغ الإنتاج العالمي نحو 3 ملايين طن.  (Babnet Tunisie) والمعدل السنوي لإنتاج تونس خلال الفترة 2014-2024 يناهز 220 ألف طن، وتُعدّ تونس الأولى عالمياً في إنتاج الزيت البيولوجي الخالي من المواد الكيميائية وتصديره.  (As-Safir Al-Arabi)
وقد صدّرت تونس في موسم 2023-2024 ما يقارب 195 ألف طن بقيمة 5162 مليون دينار إلى أكثر من 60 دولة، محققةً زيادة في العائدات بنسبة 51% مقارنة بالموسم السابق.  (Al-Chourouk)
لكن خلف هذه الأرقام البراقة يكمن العيب الهيكلي الأكبر: تصدير الزيت الخام يُعدّ خسارة على مستوى قيمة الصادرات، إذ يُستفاد منها بالخارج عبر تكريره وتعليبه وترويجه بالأسواق العالمية.  (Ministère des Finances) والأوروبي يشتري الزيت التونسي الخام ليُعبّئه تحت علامات تجارية إيطالية أو إسبانية أو فرنسية ويبيعه بأضعاف ما دفعه، وتبقى تونس مجرد موردة للمادة الأولية.
ثانياً: احتكار الكبار وتهميش الصغار
يتسم سوق الزيت في تونس بممارسات احتكارية فادحة: شركة خاصة واحدة تحتكر تصدير 20% من إجمالي الزيت الموجه للخارج وقرابة 55% من الكميات المعلّبة.  (As-Safir Al-Arabi) وأشار المجلس الدولي للزيتون إلى أن 10 مؤسسات فقط من بين 100 مؤسسة تونسية تعمل في التصدير تسيطر على 70% من إجمالي الصادرات و69% من أرباحها.  (Legal Agenda)
وقد كشفت قضية أعادت رسم مشهد القطاع بأسره حدّة هذا الاحتكار. فقد كُشِف عن قضية احتيال بقيمة 170 مليون يورو من قبل رئيس مجموعة "CHO"، أكبر مصدّر لزيت الزيتون في تونس، مما أدى إلى خسائر فادحة أثرت على الاقتصاد التونسي، وقدّر الخبراء أن هذه الأزمة قد تؤدي إلى خسائر تتراوح بين 8 و10% من عائدات تصدير زيت الزيتون.  (Erem Business) وقد جرى إيقاف أكبر الفاعلين في القطاع بالتزامن مع انطلاق موسم جني 2024-2025.  (Legal Agenda)
هذه ليست قضية فرد شاذ، بل هي انعكاس لمنظومة سعت سنوات إلى تركيز القطاع في أيدي قلة، بعد أن أُنهي في 1995 احتكار الديوان الوطني للزيت وتراجع دور الدولة في التسعير والتخزين لصالح الفاعلين الخواص.  (As-Safir Al-Arabi)
ثالثاً: الفلاح... آخر من يجني ثمار شجرته
في مفارقة مؤلمة، يبقى الفلاح التونسي، الذي يُشكّل العمود الفقري للقطاع، حلقته الأضعف والأكثر هشاشة. يصف الفلاح حسن البعلي وضعه بقوله إن الأسعار خذلته ولن يتمكن من تغطية تكاليف الإنتاج، مشيراً إلى اعتماده الكامل على عائدات الزيتون لسداد ديونه وتغطية نفقات عائلته. دون خيار، باع محصوله بدينار واحد للكيلوغرام في حين كان يبيعه في الموسم الماضي بثلاثة دنانير.  (Al Jazeera)
وقد دفع تراجع الأسعار عشرات الفلاحين في مناطق عدة إلى وقف عمليات الجني أو تأجيلها، مؤكدين أن الأسعار لا تغطي مصاريف الإنتاج وتكاليف اليد العاملة.  (Ultra Tunisia) وتكاليف اليد العاملة هذه ليست وهماً: فيد العمل شحيحة في موسم الجني، والعمال يُطالبون بأجور لا تُطيقها الحسابات الهزيلة للفلاح الصغير.
وفي تحذير بالغ الدلالة، أشار رئيس نقابة الفلاحين إلى أن الزياتين زراعات موسمية محددة بأجل يتراوح بين 90 و120 يوماً، ولا يمكن تأخير الجني أبعد من ذلك، وأن التأخير له عواقب وخيمة قد تؤثر على الموسم القادم.  (Sarabic) وهكذا يجد الفلاح نفسه بين خيارين كلاهما مر: بيع بخسارة أو مشاهدة محصوله يتلف على الأشجار.
رابعاً: التعليب... الحل الذي يتعثر
تشير الأرقام إلى أن الكميات المصدرة من الزيت المعلب ارتفعت بنسبة 46% في موسم 2023-2024  (Al-Chourouk) ، وهو مؤشر إيجابي لا يجب التقليل من شأنه. غير أنه يبقى ضئيلاً قياساً بحجم الإنتاج الكلي.
أقرّت الحكومة بأن تصدير الزيت الخام خسارة، وضمّن مشروع قانون المالية لسنة 2024 الترفيع في معلوم الزيت المصدَّر غير المعلب، وذلك لحثّ المصدرين على خلق القيمة المضافة عبر التكرير في مرحلة أولى والتعليب في مرحلة ثانية.  (Ministère des Finances)
لكن الإقرار بالمشكلة شيء ومعالجتها شيء آخر. المنظومة الضريبية وحدها لا تُحوّل قطاعاً بنيوياً يعتاش الكبار فيه على تصدير الخام.
خامساً: الحلول... من الميدان لا من المكاتب
أولاً: فرض نسبة دنيا للتعليب في الصادرات. لا يكفي التحفيز المالي، المطلوب قرار سياسي جريء يُلزم المصدّرين بتعليب نسبة متصاعدة من صادراتهم، يُرفع سقفها تدريجياً حتى يصبح تصدير الزيت الخام استثناءً لا قاعدة.
ثانياً: كسر الاحتكار وتعزيز المنافسة. المنافسة الحقيقية في قطاع التعليب والتصدير تبدأ بفتح الباب أمام المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ودعمها بقروض ميسّرة ومرافقة تقنية، بدلاً من ترك السوق لعشرة مؤسسات تلتهم كل شيء.
ثالثاً: دعم الفلاح في موسم الجني. إنشاء منظومة وطنية لتأمين اليد العاملة في أوقات الذروة، وتسهيل الحصول على الآليات الميكانيكية لجمع الصابة، ودعم تعاونيات الفلاحين حتى يتمكنوا من التفاوض الجماعي بدلاً من البيع فرادى لوسطاء يستغلون حاجتهم للسيولة.
رابعاً: تطوير العلامة التونسية عالمياً. زيت الزيتون التونسي البيولوجي هو الأول عالمياً في نوعه. هذه ميزة استثنائية تستحق برنامجاً وطنياً للترويج والتسويق بالأسواق العالمية تحت علامة تجارية تونسية قوية، لا أن يُباع أفضل زيت في العالم بلا هوية ثم يُعاد بيعه باسم غيرنا.
خامساً: سعر أدنى مضمون للفلاح. آلية تدخل ديوان الزيت مهمة لكنها غير كافية. الديوان الوطني للزيت لم يتدخل بالكيفية المطلوبة لمواكبة وفرة الموسم وامتصاص الفائض.  (Sarabic) يجب وضع منظومة سعر أدنى مضمون يحمي الفلاح من الانهيار عند كل موسم وفير.
خاتمة
تونس تمتلك 100 مليون شجرة زيتون وتحتل المرتبة الثانية عالمياً في الإنتاج، وتنتج الأجود بيولوجياً على وجه الأرض. ومع ذلك يبيع فلاحها كيلوغرام الزيتون بدينار في حين يباع مُعلَّباً في أوروبا بعشرة أضعاف. هذا ليس قدراً، بل هو نتيجة حتمية لسياسة فلاحية تفرّط في القيمة المضافة ولمنظومة احتكارية تحصن مصالحها بكل الوسائل. الإصلاح الحقيقي لهذا القطاع لن يأتي من بيانات حكومية براقة، بل من كسر الاحتكار وتمكين الفلاح وإلزام المصدّر بخلق القيمة على أرض تونس لا في مصانع جنوب أوروبا.
المراجع والمصادر
موقع الترا تونس، "تراجع أسعار الزيت يدفع الفلاحين إلى تأجيل جني الزيتون"، نوفمبر 2024.
الجزيرة نت، "أسعار زيت الزيتون تشعل أزمة في تونس: فرحة للمواطنين ونقمة على الفلاحين"، ديسمبر 2024.
موقع السفير العربي، "زيت الزيتون في تونس: وفرة في الإنتاج ولكن"، ديسمبر 2025.
موقع Legal Agenda، "إنتاج زيت الزيتون في تونس: مأزق التصدير وعجز الدولة"، أبريل 2025.
موقع إرم بزنس، "قضية احتيال تضرب صناعة زيت الزيتون الحيوية لاقتصاد تونس"، فبراير 2025.
سبوتنيك عربي، حوار مع رئيس نقابة الفلاحين التونسيين الميداني الضاوي، ديسمبر 2024.
جريدة الشروق، "زيت الزيتون: تونس تتوقع إنتاج 340 ألف طن في 2024-2025"، يناير 2025.
موقع babnet، "صادرات تونس من زيت الزيتون ستبلغ 300 ألف طن"، نوفمبر 2024.
وزارة المالية التونسية، مشروع قانون المالية لسنة 2024، أحكام دعم التعليب.
المجلس الدولي للزيتون، تقرير حول تركّز سوق التصدير التونسي، 2024.
وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، مؤشرات قطاع زيت الزيتون 2024-2025.
جميع حقوق النشر محفوظة للمؤلف

الحبوب والبذور في تونس: ثروة أخرى منهوبة بين سوء التخزين والتبعية الخارجية بقلم: الناصر خشيني



مقدمة: من "سلة روما" إلى قفة المستورد
كانت تونس تُعرف في العهد القرطاجي والروماني بـ"سلة الحبوب"، تلك التسمية التي أهّلتها لأن تكون مورد الغذاء الأول لإمبراطورية ممتدة من المحيط إلى الخليج. اليوم، وبعد قرون من هذا التاريخ المجيد، باتت تونس تستورد أكثر مما تنتج، وتتسوّل الحبوب من أسواق عالمية متقلبة، وتدفع ثمنها بعملة صعبة شحيحة، بينما تُضيّع ما أنتجته أرضها بين مخازن متهالكة ومنظومة فاسدة ولوبيات متربصة. هذا المقال محاولة لكشف طبقات هذا النهب المزدوج: نهب الحبوب بفعل سوء التخزين والإهمال، ونهب البذور بفعل التبعية والاستسلام للوبيات الدولية.
أولاً: أرقام تكشف حجم الكارثة
تستهلك تونس سنوياً ما يقارب 3.4 مليون طن من الحبوب موزعة على القمح الصلب والقمح اللين والشعير، في حين لا يغطي إنتاجها المحلي في أفضل السنوات سوى 40 إلى 45 بالمائة من هذه الحاجيات. ومن أبرز المفارقات المؤلمة:
تستورد تونس أكثر من 90 بالمائة من حاجتها من القمح اللين  (AA.com.tr) ، وهو المادة الأساسية لصنع الخبز.
ارتفع حجم واردات الحبوب بين 2011 و2020 من 15.7 مليون قنطار إلى 27.5 مليون قنطار  (Arabi21) ، أي بنسبة تجاوزت 75 بالمائة.
الحبوب الموردة تمثل 50.8 بالمائة من الواردات الغذائية لتونس في سنة 2022 بكلفة بلغت 4552 مليون دينار من جملة 8954 مليون دينار  (Nawaat) .
وصل دين ديوان الحبوب إلى 1.1 مليار دولار  (Al-Ain) ، مما يضيّق هامش المناورة أمام الدولة لتأمين احتياجاتها.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات باردة، بل هي قراءة في خريطة استنزاف وطني ممنهج.
ثانياً: سوء التخزين — الصابة تضيع قبل أن تصل المائدة
منظومة متهالكة بنيوياً
تبلغ القدرة الوطنية لتجميع وتخزين الحبوب للموسم 2024/2025 نحو 1578 ألف طن، تتوزع بين قدرة التجميع في مناطق الإنتاج بـ780 ألف طن، وقدرة على التخزين بحجم 798 ألف طن  (Radionationale) ، وهي أرقام تظل قاصرة في مواسم الوفرة.
تنقسم إشكاليات التخزين إلى عدة محاور:
1. غياب الصوامع الحقلية: يعيب الخبراء على السلطات عدم الاهتمام ببناء صوامع تخزين جديدة في مناطق الإنتاج، والاكتفاء بالأساليب القديمة المتمثلة في نقل المحصول إلى مناطق أخرى تضم مخازن تجميع، مما يؤدي إلى تواصل الإهدار وزيادة التكاليف في ظل الظروف المالية الصعبة  (Al Arab) .
2. ضعف منظومة النقل: أشار خبراء إلى ضرورة تحسين البنية التحتية الإضافية لربط الصوامع عن طريق السكك الحديدية لتسهيل النقل، وتجديد الصوامع في الموانئ الرئيسية التي تستقبل الواردات من الحبوب  (Ciessm) ، غير أن هذا التحديث لم يُنجز حتى الآن.
3. التلف على مراحل متعددة: تتعرض الحبوب المنتجة لخسائر كبيرة على مراحل عدة: يجب طرح كميات كبيرة تذهب للاستهلاك الذاتي للفلاحين المنتجين وأخرى تخزن للبذر، فضلاً عن كميات يصيبها التلف بسبب الأمراض وظروف التجميع والنقل والتخزين  (Nawaat) .
4. العجز الهيكلي المزمن: تونس تعاني عجزاً هيكلياً مزمناً ومتنامياً في قطاع الحبوب، إذ لا يغطي الإنتاج المحلي إلا 40 أو 45 بالمائة من احتياجات البلاد، مما يجعلها مجبرة على استيراد حوالي 3 مليون طن من الحبوب سنوياً  (Nawaat) .
الحرائق: عدو الصابة الصامت
لا يمكن تجاهل ظاهرة حرائق الحبوب التي تتكرر كل موسم حصاد، تاركةً وراءها خسائر فادحة. بسبب عوامل متداخلة تتقدمها سوء إدارة القطاع وموجة الجفاف والحرائق، تلجأ تونس إلى التوريد من السوق العالمية لتغطية الطلب المحلي من الحبوب، مما يضغط على الميزانية السنوية الضعيفة للدولة  (Al Arab) . وبعض هذه الحرائق يطرح تساؤلات جدية حول وجود جهات منتفعة من إتلاف المحصول لصالح تضخيم فاتورة الاستيراد.
ثالثاً: مفارقة التصدير والاستيراد — معادلة العار
تُنتج تونس قمحاً صلباً ذا جودة عالية يُصدَّر إلى الأسواق الأوروبية، في حين تستورد هي قمحاً أدنى جودةً لتغذية مواطنيها. هذه المفارقة ليست محض مصادفة، بل هي نتاج منظومة مشبوهة يتقاطع فيها الفاسدون في الداخل مع شركات الاستيراد في الخارج. برزت خلال السنوات الأخيرة أزمة السيادة الغذائية في تونس وتعمّقت، خاصة مع هيمنة لوبيات الفساد على أبرز مسالك الإنتاج والتوزيع وتحويل السوق الفلاحي الوطني من منتج إلى مستورد لجميع مستلزمات الفلاح في مسار تدميري ممنهج للقطاع الفلاحي ككل  (Kapitalis) .
يشير خبراء إلى أن معدل المردودية الوطني للحبوب لا يتجاوز 16 قنطاراً لكل هكتار، وهو معدل ضعيف لا يمكن من خلاله تحقيق الاكتفاء الذاتي  (Arabi21) ، رغم أن الإمكانية الإنتاجية للأرض التونسية أوسع بكثير مما تُعطيه حالياً.
رابعاً: البذور المحلية — ثروة وراثية في مواجهة الإبادة الممنهجة
من الاكتفاء إلى التبعية الكاملة
لعل أخطر ما يتهدد الأمن الغذائي التونسي هو ما يجري بصمت بعيداً عن الأضواء: إبادة البذور المحلية الأصيلة واستبدالها بأخرى هجينة مستوردة. وتكشف الأرقام هول المأساة:
تراجع معدل استعمال البذور المحلية الأصيلة في تونس من 65% عام 1975 إلى 25% عام 2004، وما يقارب 5% فقط حالياً  (Alaraby) .
وصلت نسبة استيراد تونس لبذور الخضار المهجنة من الخارج إلى 90%، مما يعني أن البلاد باتت في تبعية مفرطة للخارج  (Al Jazeera) .
قدّرت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة أن نحو 75% من التنوع الجيني للمحاصيل في العالم اندثر في القرن الماضي، إذ تحوّل المزارعون إلى زراعة أصناف وراثية موحدة والتخلي عن الأصناف المحلية المتعددة  (Annabaa) ، وتونس لم تكن بمعزل عن هذا الخراب.
آلية الإحلال: كيف تعمل اللوبيات؟
تعمل اللوبيات الخارجية من خلال ثلاثة مسارات متداخلة:
المسار الأول — الإغراء بالمردودية: الأصناف المحلية القديمة معروفة بطعمها اللذيذ وتأقلمها الجيد مع التربة والمناخ التونسيين، حيث تتحمل حرارة وبرودة الطقس ونقص المياه وفقر التربة، وهي أيضاً تقاوم بكفاءة عديد الأمراض والآفات الزراعية ولا تكاد تحتاج إلى المدخلات من الأسمدة والمبيدات  (Kapitalis) . لكن الشركات الأجنبية تُروّج لبذورها الهجينة بحجة الإنتاجية العالية، متجاهلةً هشاشتها أمام المناخ التونسي.
المسار الثاني — فخ التبعية التقنية: الشركات العالمية تستغل خاصية البذور الهجينة العلمية لمنع الفلاحين من إكثار البذور التي تنتجها، وبذلك تحمي حقوق الملكية الفكرية لأصنافها  (Kapitalis) ، مما يُكبّل الفلاح بشراء بذور جديدة في كل موسم ويُحوّله من منتج مستقل إلى "مستهلك" دائم.
المسار الثالث — التشريع الموجَّه: سياسة التخلي عن البذور المحلية والاعتماد على بذور هجينة بدأت منذ أكثر من 30 عاماً، وكانت تجد تحفظاً من قبل المزارعين الذين كانوا يعولون على أنفسهم في تخزين جزء من المحاصيل لإعادة استعمالها في البذر للموسم التالي  (Alaraby) ، غير أن ضغوطاً تشريعية متواصلة تهدد هذه العادة الصحية.
لوبيات الداخل: الشريك الصامت
لا تعمل اللوبيات الخارجية وحدها. طالب ناشطون زراعيون رئيس الجمهورية عديد المرات بترسيم البذور التونسية الأصيلة  (Dhadpost) في الفهرس الوطني، غير أن هذه المطالب ظلت حبيسة الرفوف البيروقراطية بفعل متنفذين يجدون في استمرار التبعية للخارج مصلحة مباشرة.
استرداد ما نُهب: دلالة مؤلمة
في دلالة صارخة على حجم ما فُقد، أعلن بنك الجينات التونسي عن استرجاع 1705 عينات من البذور الأصيلة التي كانت موجودة في بنك جينات أستراليا، واصفاً هذه الخطوة بالإنجاز القيّم الذي سيعزز مخزوناته بنوعيات اندثرت  (Al Jazeera) . وهو أمر يجعل المرء يتساءل بمرارة: كيف وصلت بذور تونس إلى أستراليا؟ ومن نقلها؟ ولمصلحة من؟
خامساً: الحلول العاجلة والآجلة
حلول عاجلة (المدى القريب: 1-2 سنة)
1. إعلان حالة طوارئ غذائية زراعية: إعلان رسمي يُلزم الحكومة بإيلاء قطاع الحبوب الأولوية القصوى في الميزانية والقرار.
2. بناء صوامع حقلية طارئة: تركيز صوامع معدنية في مناطق الإنتاج الكبرى كباجة وسليانة وجندوبة وبنزرت لاستيعاب الصابة فور حصادها.
3. توفير بذور معتمدة مدعومة: دعم مباشر يُتيح للفلاحين الحصول على بذور جيدة بأسعار في متناولهم، ووقف الاعتماد العشوائي على بذور مستوردة غير معتمدة.
4. تجريم استيراد الحبوب الفاسدة: تفعيل دور الرقابة والمختبرات الجهوية لفحص كل شحنة مستوردة والتشهير بكل مخالفة.
5. إعادة هيكلة ديوان الحبوب: إخضاعه لمراجعة شاملة لماليته وعقوده وصفقاته، ومحاسبة كل من ثبت تورطه في مخالفات.
حلول آجلة (المدى المتوسط والبعيد: 3-10 سنوات)
1. استراتيجية وطنية شاملة لقطاع الحبوب: وضع خطة وطنية على 5 سنوات تمكّن من تحقيق الاكتفاء الذاتي من مادة الحبوب  (AA.com.tr) ، وتقليص التبعية في القمح اللين إلى أدنى مستوياتها.
2. إنشاء شبكة صوامع حديثة: رفع القدرة الإجمالية للتخزين إلى ما يكفي لموسمين كاملين، مع ربط مناطق الإنتاج بالسكك الحديدية.
3. إحياء بنك الجينات الوطني وتوسيعه: استكمال استرداد البذور الأصيلة من بنوك الجينات الدولية، وإنشاء شبكة لامركزية من بنوك البذور الجماعية يُديرها الفلاحون أنفسهم.
4. مراجعة الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالبذور: مراجعة الانخراط في اتفاقيات حقوق الملكية الفكرية النباتية، وتكريس حق الفلاح في تبادل البذور وتخزينها بحرية.
5. دعم البحث العلمي في تطوير الأصناف المحلية: رفع ميزانيات المعهد الوطني للبحوث الزراعية لتطوير أصناف هجينة تونسية الهوية تجمع بين إنتاجية عالية وتأقلم مع المناخ المحلي.
6. التوسع في الزراعات المروية: تطوير شبكة الري لتغطية مساحات أوسع من زراعة القمح، مما يقلص الاعتماد على الأمطار ويضمن استقرار الإنتاج.
7. تكريس السيادة الغذائية في التشريع: سنّ قانون خاص يحمي البذور المحلية ويعاقب على تهريبها أو إتلافها، ويُكرّس السيادة الغذائية حقاً مقدساً لا تنازل عنه.
خاتمة: الحبّة كرامة وطن
لا يمكن فصل ملف الحبوب والبذور عن الصورة الأشمل للسيادة الوطنية. فالبلد الذي لا يملك حبته يرهن قراره السياسي لمن يملك القمح، والأمة التي تفقد بذورها الأصيلة تفقد معها ذاكرتها الزراعية وتنوعها البيولوجي الذي راكمته لآلاف السنين.
ما يجري في تونس اليوم ليس مجرد إخفاق في إدارة قطاع، بل هو نهب ممنهج لثروة استراتيجية، تتقاطع فيه إهمال الدولة مع جشع اللوبيات وغياب الوعي الشعبي بحجم الخطر. الوقت لا يزال سانحاً لاسترداد ما يمكن استرداده، لكن ذلك يتطلب إرادة سياسية جادة لا تتوقف عند الخطابات الموسمية، وصحوة مجتمعية تُعيد للفلاح التونسي كرامته وللبذرة التونسية هويتها.
المراجع والمصادر
ديوان الحبوب التونسي — البيانات الرسمية لمواسم الإنتاج والتخزين 2021-2025، وكالة تونس إفريقيا للأنباء.
وكالة الأناضول — "أزمة في قطاع الحبوب تهدد خبز التونسيين"، ديسمبر 2021. متاح على: aa.com.tr
جريدة النهار — "التغيّر المناخي أبرز الأسباب... زراعة الحبوب في تونس تتراجع والأمن الغذائي مهدَّد"، مارس 2022. متاح على: annahar.com
موقع عربي21 — "كيف تنعكس أزمة الحبوب في تونس على أمنها الغذائي؟"، فبراير 2022. متاح على: arabi21.com
موقع نواة — "أزمة الحبوب في تونس: كيف أينعت سنابل العجز؟ (الجزء الثاني)"، أغسطس 2023. متاح على: nawaat.org
صحيفة العرب اللندنية — "المشكلات اللوجستية وقلة المخازن تهددان محصول الحبوب في تونس"، يونيو 2021. متاح على: alarab.co.uk
Carnegie Endowment for International Peace — "تراكم العوامل المؤدية إلى الأزمة: تونس بين المشاكل الحالية والمسارات المستقبلية"، يناير 2024. متاح على: carnegieendowment.org
الجزيرة نت — "معركة أمن غذائي قادها المرزوقي.. تونس تسترد جزءاً من بذورها المنهوبة"، ديسمبر 2020. متاح على: aljazeera.net
القدس العربي — "اندثار البذور المحلية يهدد زراعة تونس"، أبريل 2017. متاح على: alaraby.co.uk
موقع كابيتاليس (أنباء تونس) — "تونس: معركة البذور والشتلات والأصناف لا مبرر لها"، يوليو 2022. متاح على: kapitalis.com
موقع كابيتاليس (أنباء تونس) — "تونس: إطلاق تجربة زراعة بذور أصلية من أجل تكريس السيادة الغذائية"، فبراير 2024. متاح على: kapitalis.com
المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية الأمنية والعسكرية (CIESSM) — "قطاع الحبوب وضعف منظومة التخزين في تونس: ثروة مهدورة بفعل الفقر الغذائي"، يوليو 2024. متاح على: ciessm.org
منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (FAO) — تقارير سنوية حول الأمن الغذائي وتبذير الطعام.
الراديو الوطني التونسي — "موسم الحبوب 2024/2025: القدرة الوطنية لتجميع وتخزين الحبوب"، مارس 2025. متاح على: radionationale.tn
الترا تونس — "موسم الحبوب في تونس: الكميات المجمعة تتجاوز 11 مليون قنطار"، يوليو 2025. متاح على: ultratunisia.ultrasawt.com
مقال تحليلي للكاتب الناصر خشيني — 2026

أزمة المياه في الوطن العربي حين يصبح الماء سلاحاً وسياسةً ومصيراً بقلم الناصر خشيني

  مقدمة: «مثلث العطش» لا يُعرف الوطن العربي في الأدبيات الجيوسياسية المائية بوصفه منطقةً غنيةً بمواردها الطبيعية فحسب، بل يُعرف أيضاً بلقب م...