لم يعد شراء سيارة في تونس مجرد خطوة لتحسين جودة الحياة، بل تحول إلى رحلة محفوفة بالمخاطر المادية والجسدية، يواجه فيها المواطن التونسي شبكات معقدة بدأت من احتكارات الوكلاء المعتمدين والمضاربة التشريعية، وصولاً إلى مافيات الورشات العشوائية (الشنطري) وسماسرة قطع الغيار المتآكلة في أسواق "الفراي". هذا التحقيق الاستقصائي يزيح الستار عن أساليب التحيل الأكثر بشاعة، مدعومة بالأرقام الرسمية الصادمة لحوادث الطرقات، ويفكك الثغرات القانونية التي يستغلها الجناة للإفلات من العقاب.
أولاً: من الوصل إلى "البلاك".. الاحتكار المؤسساتي وقهر الطبقة الوسطى
تبدأ رحلة المعاناة من قمة الهرم، حيث تتحكم لوبيات وكلاء السيارات في حصص الاستيراد (Quotas) الممنوحة من الدولة. هذه المنظومة أنشأت سوقاً سوداء موازية لـ "السيارات الشعبية"، الملاذ الأخير للمواطن محدود الدخل.
وتشير البيانات الميدانية إلى أن طوابير الانتظار الرسمية للحصول على سيارة شعبية تجاوزت حاجز الـ 5 سنوات لدى بعض الوكلاء. هذا البطء المتعمد فتح الباب لشبكات السماسرة المتواطئين مع أطراف داخلية لإنشاء ما يُعرف بـ "مافيا الوصولات". يتم تسجيل أسماء وهمية أو أشخاص لا تتوفر فيهم الشروط الجبائية، وعند اقتراب دور السيارة في المنظومة الرقمية، يتم ابتزاز المواطن الحقيقي وإجباره على دفع مبالغ إضافية تحت الطاولة (تُعرف محلياً بـ "البلاك") تتراوح بين 8,000 و 12,000 دينار تونسي مقابل التنازل عن الدور، مما يفرغ الآلية الاجتماعية للسيارات الشعبية من جوهرها.
ثانياً: توابيت "القصان واللحام".. الموت المشرعن وأرقام فاجعة على الأسفلت
إذا نجا المواطن من جحيم الانتظار وتوجه إلى سوق السيارات المستعملة، فإنه يصطدم بأبشع طرق التحيل الميكانيكي وأخطرها على الإطلاق: سيارات "القصان واللحام" (Les voitures coupées). تعتمد هذه الجريمة على شبكات تهريب ديوانية تجلب سيارات تعرضت لحوادث مدمرة في أوروبا وتم تصنيفها من شركات التأمين الغربية كخردة غير قابلة للإصلاح (Épave). تدخل هذه السيارات تونس كقطع غيار مفككة، لتبدأ الورشات العشوائية (الشنطري) في تجميعها؛ حيث يتم قص سيارتين متضررتين (واحدة مصدومة من الأمام والأخرى من الخلف) وإعادة لحام النصفين السليمين معاً وإخفاء العيوب بمادة "المعجون" والطلاء [5].
وتظهر الأرقام الرسمية الصادرة عن المرصد الوطني لسلامة المرور بوزارة الداخلية مدى كارثية الوضع؛ حيث سجلت تونس سنة 2025 لوحدها 5,249 حادث مرور، أسفرت عن فاجعة بشرية تمثلت في 1,233 قتيلاً و6,939 جريحاً، مسجلة ارتفاعاً لافتاً في عدد الوفيات بنسبة 5.84% [1]. ولم يتوقف النزيف عند هذا الحد، إذ تشير أحدث البيانات الإحصائية المحيّنة إلى حدود ماي 2026، أن عدد قتلى حوادث الطرقات شهد قفزة مرعبة أخرى بنسبة 14.59% مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي [2].
ورغم أن "السهو وعدم الانتباه" والسرعة يتصدران الأسباب المعلنة بنسب مئوية هامة [3]، إلا أن خبراء السلامة المرورية يؤكدون أن العيوب الهيكلية الخفية الناتجة عن الغش، وتلاشي أنظمة الأمان في السيارات "المفبركة والمغشوشة"، تضاعف من "معدل الخطورة" وقاتلية الحوادث عند وقوعها، حيث تصنف منظمة الصحة العالمية طرقات تونس كإحدى أخطر الطرقات بمعدل وفيات يصل إلى 16.3 قتيل لكل 100 ألف ساكن [4].
ثالثاً: التزوير الميكانيكي والرقمي لمحركات "الفراي"
لا تتوقف الجريمة عند هيكل السيارة، بل تمتد إلى أحشائها. في أسواق قطع الغيار المستعملة (مثل الملاسيين، اليهودية، وبن عروس)، يُمارس التحيل بأساليب كيميائية وتكنولوجية متقدمة:
- مكياج المحركات التالفة: يتم غسل المحركات المستهلكة بمركبات أسيدية لإزالة ترسبات الكربون والزيوت لإيهام الزبون بأنها بحالة المصنع ومستوردة من أوروبا (Moteur Importé).
- إضافات الزيت الكثيفة (Les Additifs): يوضع داخل المحرك زيوت ذات لزوجة صناعية فائقة تخفي أصوات "التكتكة" وتمنع انبعاث الدخان الأزرق مؤقتاً، وتزول فعاليتها تماماً بعد قطع مسافة لا تتجاوز 50 كيلومتراً.
- جريمة "التلاعب بالعداد" (Kilométrage): وهي الجريمة الرقمية الأكثر انتشاراً؛ حيث تُستخدم برمجيات صينية رخيصة لتقليص مسافات السير من 300 ألف كم إلى 90 ألف كم، مما يرفع ثمن السيارة بشكل وهمي بما قيمته 10 إلى 15 ألف دينار.
- حشو علب السرعة بالنشار والموز: لامتصاص ضجيج علب التروس المتآكلة تماماً، يعمد بعض الغشاشين إلى حشو علبة السرعة بنشارة خشب ناعمة جداً مخلوطة بموز مهروس، وهي حيلة ميكانيكية بشعة تؤدي لتصلب العلبة وتحطمها كلياً بعد أيام من البيع الفعلي للضحية.
رابعاً: الثغرات التشريعية.. المظلة القانونية للغشاشين
لماذا تفلت هذه اللوبيات والعصابات من العقاب؟ الإجابة تكمن في ترسانة قانونية قديمة تشوبها ثغرات قاتلة يستغلها المحامون والسماسرة:
- غياب السجل الرقمي التراكمي: تكتفي وكالة النقل البري التونسية بفحص الحالة الراهنة للسيارة يوم المعاينة [5]. على عكس الدول المتقدمة، لا يوجد ربط شبكي بين مراكز الفحص الفني، شركات التأمين، والورشات، مما يمنع كشف التلاعب بالعدادات أو معرفة ما إذا كانت السيارة قد تعرضت لحادث سابق.
- بند المعاينة القاتل في عقود البيع: يتم تضمين بند تقليدي في عقود البيع البلدية ينص على: "أقر المشتري بأنه عاين العربة المعاينة التامة والنافية للجهالة وقبلها بحالتها" [5]. ورغم أن مجلة الالتزامات والعقود التونسية تضمن حق المشتري في القيام بدعوى "العيوب الخفية" (Vice caché)، إلا أن إثبات تعمد البائع إخفاء العيب يتطلب تقارير خبراء واختبارات معقدة وقضايا تستغرق في المحاكم التونسية بين 3 إلى 5 سنوات، مما يدفع معظم الضحايا للتنازل عن حقوقهم بسبب طول الإجراءات وتكلفتها المادية.
- القطاع غير المصنف للورشات: تعمل أكثر من 70% من ورشات ميكانيك السيارات والتصليح في تونس خارج الأطر القانونية (دون معرف جبائي أو فواتير رسمية). هذا التعتيم يجعل من المستحيل إثبات من قام بعملية اللحام أو إلغاء أنظمة الأمان (EGR/FAP) وتعديل لوحة القيادة لطمس لمبات التحذير (Check Engine)، مما يقيد القضايا ضدهم ضد مجهول.
خاتمة وتوصيات
إن تفكيك لوبيات السيارات ومافيات "الشنطري" في تونس لم يعد مجهوداً حمائياً للمستهلك فحسب، بل هو معركة أمن قومي لإنقاذ أرواح التونسيين على الطرقات. إن إصلاح هذا القطاع يتطلب فوراً:
- إرساء منظومة رقمية وطنية موحدة لتاريخ السيارات (Car-Pass تونسية) تربط بين الفحص الفني، الديوانة، وشركات التأمين [5].
- فرض رقابة صارمة وفجئية على ورشات التصليح ومحلات بيع قطع الغيار المستعملة "الفراي".
- تعديل القوانين المتعلقة بالعيوب الخفية لتقصير آجال التقاضي وإنشاء محاكم اقتصادية سريعة تفصل في قضايا التحيل التجاري.
الهوامش والمراجع:
- [1] تقرير الحصيلة السنوية الشامل، المرصد الوطني لسلامة المرور بوزارة الداخلية التونسية، جانفي 2026.
- [2] التقرير الإحصائي الدوري لضحايا حوادث الطرقات، المرصد الوطني لسلامة المرور، ماي 2026.
- [3] قاعدة البيانات الرقمية لتوزيع حوادث السير حسب المسؤولية والأسباب، المرصد الوطني لسلامة المرور، 2026.
- [4] تقرير مؤشرات السلامة المرورية العالمي، المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية (OMS)، مارس 2026.
- [5] كراس الشروط ونظم الفحص الفني والمعاينة، وكالة النقل البري التونسية (ATTT)، ومجلة الالتزامات والعقود التونسية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق