التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الملح التونسي: "الذهب الأبيض" المنهوب.. من قيد التبعية إلى رهان السيادة والتنمية الجهوية بقلم: الناصر خشيني

 



لا يمكن قراءة ملف الثروات الطبيعية في تونس، وعلى رأسها "الملح"، إلا بوصفه جرحاً مفتوحاً في جسد السيادة الوطنية. إن هذا "الذهب الأبيض" ليس مجرد سلعة تُصدّر، بل هو شاهد عيان على عقود من النهب المشرعن والتبعية الهيكلية التي صُممت لتبقى تونس مجرد خزان للمواد الخام لفائدة المركز الاستعماري القديم.
خطيئة 1949: جذور الاستنزاف
إن السبب الحقيقي وراء ضياع هذه الثروة يكمن في اتفاقية 3 أكتوبر 1949. تلك الاتفاقية التي وُقعت في ظلام الحقبة الاستعمارية، ومنحت شركة "كوتوزال" الفرنسية حق استباحة مساحات شاسعة من سواحلنا ومن حيزنا الجغرافي الوطني مقابل معاليم رمزية تكرس الإذلال الاقتصادي. إن استمرار هذه العقود لعقود بعد الاستقلال يعكس "هشاشة هيكلية" في المعالجة السياسية والتشريعية، حيث غابت الإرادة الحقيقية لفك الارتباط مع موروث الاستعمار، وبقيت الإدارة أسيرة نصوص قانونية تجاوزها الزمن والمنطق الوطني.
غياب التصنيع وهشاشة البناء التشريعي
رغم الشعارات، ظلت الدولة تتعامل مع الملح كقطاع منجمي ثانوي، فغاب التوجه نحو "التصنيع الوطني" للملح، وبقينا نُصدّر الملح الخام بأسعار بخسة لنشتري مشتقاته الكيميائية والطبية بأغلى الأثمان. هذا العجز لم يكن تقنياً، بل هو نتاج منظومة تشريعية وإدارية هشة فضلت الحلول الترقيعية والغموض على الوضوح والسيادة المطلقة التي نص عليها الفصل 13 من دستور 2014، والذي ظل في كثير من الأحيان حبراً على ورق أمام قوة اللوبيات والمصالح العابرة للحدود.كما ان دستور الجمهورية التونسية لعام 2022 تضمن عدة فصول صريحة تؤكد على سيادة الشعب على ثرواته الوطنية ووجوب حسن إدارتها وتوزيعها، وأبرز هذه الفصول هي:
التوطئة (المقدمة): أشارت التوطئة  إلى رفض الشعب التونسي لـ "نهب الثروات الطبيعية" والمال العام، معتبرة أن تصحيح مسار التاريخ يهدف لاسترجاع هذه الحقوق
الفصل 16 (الأهم): ينص صراحة على أن "ثروات الوطن ملك للشعب التونسي". كما يُلزم الدولة بالعمل على:
توزيع عائدات هذه الثروات على أساس العدل والإنصاف بين المواطنين في جميع جهات الجمهورية.
إخضاع عقود الاستثمار والاتفاقيات المتعلقة بالثروات الوطنية لموافقة مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم.
الفصل 43: يركز على السيادة والموارد الحيوية، حيث نص على أن الدولة تضمن حق المواطنين في الماء، وتسعى لتحقيق السيادة الغذائية عبر توفير الموارد الفلاحية والطاقية من داخل حدود الوطن. كما جعل المحافظة على الموارد الطبيعية (الفلاحية والبيئية والطاقية) وترشيد استغلالها واجباً على الدولة والمجتمع.
الفصل 44: يؤكد على أن "الحق في الماء مضمون"، وأن ترشيد استهلاكه والمحافظة عليه واجب مشترك.
الفصل 45: يربط بين الثروات والبيئة، حيث يضمن الحق في بيئة سليمة ومتوازنة، ويُلزم الدولة بتوفير الوسائل اللازمة للقضاء على التلوث.
التنمية الجهوية: الحلقة المفقودة والعدالة الغائبة
إن المعالجة الهيكلية الحقيقية لهذا الملف لا تكتمل إلا برد الاعتبار للمناطق المستخرجة لهذه الثروة. فمن المفارقات الصارخة أن المناطق التي تحتضن الملاّحات والشطوط، من الساحل إلى الجنوب (مثل شط الجريد)، تعاني من تهميش تنموي وبطالة متفاقمة وبنية تحتية متهالكة.
إن الرؤية الوطنية التي ننشدها يجب أن تقوم على "العدالة المنجمية"؛ بحيث يتم توجيه جزء سيادي من عائدات الملح لخلق أقطاب تنمية جهوية حقيقية. إن ربط استخراج الملح بإنشاء وحدات تحويلية وصناعية في قلب تلك الجهات هو الكفيل بتحويل الملح من "مادة منهوبة" إلى "رافعة للتنمية"، مما يخلق مواطن شغل قارة ويقطع مع سياسة التهميش الممنهج التي طالت تلك الربوع لسنوات طويلة.
الخلاصة: نحو ثورة في إدارة الثروات
إن استعادة "الذهب الأبيض" تتطلب قراراً سيادياً شجاعاً يتجاوز مجرد إنهاء العقود، إلى إرساء استراتيجية وطنية شاملة تقوم على:
السيادة التشريعية: صياغة مجلة مناجم وطنية بامتياز تنهي كل أشكال الامتيازات الاستعمارية.
التثمين الصناعي: منع تصدير الملح في شكله الخام وفرض تصنيعه محلياً لرفع القيمة المضافة.
العدالة الجهوية: تخصيص نسبة ثابتة من الموارد لتنمية المناطق المنتجة، وجعلها شريكاً في الثروة لا مجرد مسرح لاستخراجها.
إنها معركة استكمال الاستقلال، وبناء اقتصاد وطني متحرر من كل قيود التبعية.
المراجع والمصادر:
اتفاقية 3 أكتوبر 1949: المبرمة بين الدولة التونسية (تحت الحماية) والشركة العامة للملاحات التونسية (COTUSAL).
دستور الجمهورية التونسية 2014: الفصل 13 المتعلق بملكية الشعب للثروات الطبيعية.                                  دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022
مجلة المناجم التونسية: والنصوص الترتيبية المنظمة للاستغلال المنجمي.
تقارير هيئات الرقابة: تقارير دائرة المحاسبات حول قطاع الطاقة والمناجم (2018-2020).
الأرشيف الوطني التونسي: وثائق تتعلق بتاريخ الامتيازات الاستعمارية في قطاع الملح

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...