الأحد، 26 يوليو 2026

سلسلة دعاة على ابواب جهنم :المتشدد عائض القرني.. سارق الكتاب وصانع الغلو بقلم الناصر خشيني

 

  يتصدر المشهد في قراءة تفكيكية لرموز الفكر الظلامي، الداعية السعودي عائض القرني؛ كنموذج صارخ يجمع بين الغلو الفكري والزيف الأخلاقي والقيمي، مشكّلاً مادة دسمة لفهم طبيعة هذا التيار الانتهازي.
أولاً: جبهة "التقدمية".. معركة الوعي المبكرة (2010 - 2014)
قبل أن تستفيق الكثير من النخب على حقيقة الخطر الداهم لتيار الصحوة والإسلام السياسي، كنا قد أطلقنا صرخة التحذير مبكراً. ففي سويسرا، وخلال الفترة الحارقة الممتدة من 2010 إلى 2014، خضتُ بمعية الاخ الدكتور رياض الصيداوي معركة إعلامية وفكرية شرسة عبر تأسيسنا لصحيفة "التقدمية".
لقد أخذت الصحيفة على عاتقها تفكيك الخطاب المتشدد وبيان تهافته أمام الجماهير في وقت كان فيه هذا التيار في أوج تغوله. ومن فوق منبر "التقدمية"، وفّرتُ للمكتبة العربية جبهة نقدية متكاملة من خلال سلسلة مقالاتي التي نُشرت تحت تصنيف "فتاوى تقدمية" —والتي جُمعت لاحقاً في كتاب— لنسف المرتكزات الفقهية المشوهة التي اعتمد عليها دعاة التكفير والغلو، والقرني أحدهم.
ثانياً: التطرف الفكري واستغلال الطفولة (معركة الهوية في تونس)
لم يكن فكر القرني يوماً فكراً تنويرياً، بل كان قوامُه التحريض وتصدير التشدد. ولعل الحادثة الصادمة التي شهدتها تونس بعد أحداث عام 2011 تلخص هذا النهج؛ إذ استغلت طيور الظلام مناخ "الانفتاح" المؤقت، ليزور القرني البلاد ويشرف علناً على "تحجيب" طفلات صغيرات في عمر الروضة لم تتجاوز أعمارهن الثلاث سنوات.
إن إقحام طفلات في سن الزهور داخل قوالب تكليفية مشددة، وعزلهن في رياض أطفال عشوائية تفتقر لأبسط شروط البيداغوجيا الحديثة، لا يمثل فقط قمة التطرف التربوي، بل هو انتهاك صارخ لبراءة الطفولة وحقوق الإنسان. هذا السلوك يعكس رغبة عارمة في تنشئة جيل مغيّب ومنغلق، وهو ذات الفكر الذي كان القرني يبشر به في أشرطته القديمة مثل شريط "أمريكا التي رأيت" و**"فتاوى وصايا للمرأة"**، حيث كان يربط عفة المرأة واحتشامها بالانعزال التام عن الحياة العامة وتحريم مظاهر الحداثة.
ثالثاً: الفكر التقدمي القومي في مواجهة الاختراق الصحوي
هذه المحاولات لغرس فكر "الصحوة" المتشدد في التربة التونسية لم تمر دون مقاومة. فقد وقف الفكر القومي التقدمي، متسلحاً بالإرث الإصلاحي التونسي والعربي، سداً منيعاً ضد هذا الاختراق.
لقد أدركت القوى التقدمية منذ اللحظة الأولى أن مجيء هؤلاء الدعاة إلى تونس لم يكن دعوة للدين، بل كان محاولة ممنهجة لضرب "الدولة الوطنية" وتفكيك مجلة الأحوال الشخصية، واستبدال قيم المواطنة والتقدم بقيم السمع والطاعة والتشويه العقائدي. ومن هنا، خاض المجتمع المدني والقوى القومية الحية معركة شرسة لإغلاق تلك الأوكار المسماة "رياضاً قرآنية عشوائية"، وملاحقتها قانونياً لحماية أطفال تونس من جراثيم التطرف والتقسيم المجتمعي.
رابعاً: السقوط الأخلاقي والسرقة الفكرية
لا يقف الابتذال عند حدود الفكر المتشدد، بل يمتد إلى المنظومة الأخلاقية التي يتبجح بها هؤلاء الدعاة. فقد كشفت المحاكم والوثائق زيف الادعاءات التنويرية للقرني بعد أن ثبتت إدانته بالسرقة الفكرية في قضية كتاب "لا تيأس".
لقد أقدم القرني على اختلاس نحو 90% من محتوى كتاب الكاتبة سلوى العضيدان (هكذا هزموا اليأس) ونسبه لنفسه، لدرجة تطابق الأخطاء المطبعية والصياغات الحرفية ومقدمة الكتاب. ولم يجد القضاء السعودي مفرّاً من تغريمه وسحب نسخ كتابه المصادر. هذه الفضيحة الأخلاقية أسقطت ورقة التوت عن داعية ملأ الدنيا حديثاً عن الزهد والأمانة، وكشفت أن السطو على جهود الآخرين هو ديدن هذا التيار.
خامساً: التراجع المصلحي والاعتذار المتأخر
بعد عقود من التحريض، وإنتاج الخطب المتطرفة التي تبدّع المخالفين وتكفر الفكر التقدمي والقومي، خرج القرني في وسائل الإعلام ليعلن تبرؤه من ذلك الفكر وتقديم اعتذاره الشهير قائلاً: "أنا باسم الصحوة أعتذر للمجتمع عن الأخطاء التي خالفت سماحة الإسلام وعن الشدة والتنطع".
لم يكن هذا التراجع وليد مراجعة فكرية عميقة بقدر ما كان انحناءً للعاصفة السياسية واستجابة للمتغيرات الجديدة، ليؤكد أن هؤلاء "الدعاة" يتبعون بوصلة مصالحهم أينما دارت، ولا يتورعون عن التضحية بمريديهم لتأمين مواقعهم.
إن عائض القرني، بسرقته الفكرية وغلوه الذي لم يسلم منه حتى الأطفال في رياض تونس، يمثل بامتياز أحد هؤلاء "الدعاة على أبواب جهنم" الذين شوهوا العقول وتاجروا بالقيم. وستبقى المقاومة الفكرية والسياسية لهؤلاء وجهاً أساسياً من وجوه النضال القومي التقدمي من أجل نهضة عربية حقيقية وعقلانية.

سلسلة دعاة على ابواب جهنم :المتشدد عائض القرني.. سارق الكتاب وصانع الغلو بقلم الناصر خشيني

    يتصدر المشهد في قراءة تفكيكية لرموز الفكر الظلامي، الداعية السعودي عائض القرني؛ كنموذج صارخ يجمع بين الغلو الفكري والزيف الأخلاقي والقي...