التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سلسلة دعاة على ابواب جهنم :المتشدد عائض القرني.. سارق الكتاب وصانع الغلو بقلم الناصر خشيني

 

  يتصدر المشهد في قراءة تفكيكية لرموز الفكر الظلامي، الداعية السعودي عائض القرني؛ كنموذج صارخ يجمع بين الغلو الفكري والزيف الأخلاقي والقيمي، مشكّلاً مادة دسمة لفهم طبيعة هذا التيار الانتهازي.
أولاً: جبهة "التقدمية".. معركة الوعي المبكرة (2010 - 2014)
قبل أن تستفيق الكثير من النخب على حقيقة الخطر الداهم لتيار الصحوة والإسلام السياسي، كنا قد أطلقنا صرخة التحذير مبكراً. ففي سويسرا، وخلال الفترة الحارقة الممتدة من 2010 إلى 2014، خضتُ بمعية الاخ الدكتور رياض الصيداوي معركة إعلامية وفكرية شرسة عبر تأسيسنا لصحيفة "التقدمية".
لقد أخذت الصحيفة على عاتقها تفكيك الخطاب المتشدد وبيان تهافته أمام الجماهير في وقت كان فيه هذا التيار في أوج تغوله. ومن فوق منبر "التقدمية"، وفّرتُ للمكتبة العربية جبهة نقدية متكاملة من خلال سلسلة مقالاتي التي نُشرت تحت تصنيف "فتاوى تقدمية" —والتي جُمعت لاحقاً في كتاب— لنسف المرتكزات الفقهية المشوهة التي اعتمد عليها دعاة التكفير والغلو، والقرني أحدهم.
ثانياً: التطرف الفكري واستغلال الطفولة (معركة الهوية في تونس)
لم يكن فكر القرني يوماً فكراً تنويرياً، بل كان قوامُه التحريض وتصدير التشدد. ولعل الحادثة الصادمة التي شهدتها تونس بعد أحداث عام 2011 تلخص هذا النهج؛ إذ استغلت طيور الظلام مناخ "الانفتاح" المؤقت، ليزور القرني البلاد ويشرف علناً على "تحجيب" طفلات صغيرات في عمر الروضة لم تتجاوز أعمارهن الثلاث سنوات.
إن إقحام طفلات في سن الزهور داخل قوالب تكليفية مشددة، وعزلهن في رياض أطفال عشوائية تفتقر لأبسط شروط البيداغوجيا الحديثة، لا يمثل فقط قمة التطرف التربوي، بل هو انتهاك صارخ لبراءة الطفولة وحقوق الإنسان. هذا السلوك يعكس رغبة عارمة في تنشئة جيل مغيّب ومنغلق، وهو ذات الفكر الذي كان القرني يبشر به في أشرطته القديمة مثل شريط "أمريكا التي رأيت" و**"فتاوى وصايا للمرأة"**، حيث كان يربط عفة المرأة واحتشامها بالانعزال التام عن الحياة العامة وتحريم مظاهر الحداثة.
ثالثاً: الفكر التقدمي القومي في مواجهة الاختراق الصحوي
هذه المحاولات لغرس فكر "الصحوة" المتشدد في التربة التونسية لم تمر دون مقاومة. فقد وقف الفكر القومي التقدمي، متسلحاً بالإرث الإصلاحي التونسي والعربي، سداً منيعاً ضد هذا الاختراق.
لقد أدركت القوى التقدمية منذ اللحظة الأولى أن مجيء هؤلاء الدعاة إلى تونس لم يكن دعوة للدين، بل كان محاولة ممنهجة لضرب "الدولة الوطنية" وتفكيك مجلة الأحوال الشخصية، واستبدال قيم المواطنة والتقدم بقيم السمع والطاعة والتشويه العقائدي. ومن هنا، خاض المجتمع المدني والقوى القومية الحية معركة شرسة لإغلاق تلك الأوكار المسماة "رياضاً قرآنية عشوائية"، وملاحقتها قانونياً لحماية أطفال تونس من جراثيم التطرف والتقسيم المجتمعي.
رابعاً: السقوط الأخلاقي والسرقة الفكرية
لا يقف الابتذال عند حدود الفكر المتشدد، بل يمتد إلى المنظومة الأخلاقية التي يتبجح بها هؤلاء الدعاة. فقد كشفت المحاكم والوثائق زيف الادعاءات التنويرية للقرني بعد أن ثبتت إدانته بالسرقة الفكرية في قضية كتاب "لا تيأس".
لقد أقدم القرني على اختلاس نحو 90% من محتوى كتاب الكاتبة سلوى العضيدان (هكذا هزموا اليأس) ونسبه لنفسه، لدرجة تطابق الأخطاء المطبعية والصياغات الحرفية ومقدمة الكتاب. ولم يجد القضاء السعودي مفرّاً من تغريمه وسحب نسخ كتابه المصادر. هذه الفضيحة الأخلاقية أسقطت ورقة التوت عن داعية ملأ الدنيا حديثاً عن الزهد والأمانة، وكشفت أن السطو على جهود الآخرين هو ديدن هذا التيار.
خامساً: التراجع المصلحي والاعتذار المتأخر
بعد عقود من التحريض، وإنتاج الخطب المتطرفة التي تبدّع المخالفين وتكفر الفكر التقدمي والقومي، خرج القرني في وسائل الإعلام ليعلن تبرؤه من ذلك الفكر وتقديم اعتذاره الشهير قائلاً: "أنا باسم الصحوة أعتذر للمجتمع عن الأخطاء التي خالفت سماحة الإسلام وعن الشدة والتنطع".
لم يكن هذا التراجع وليد مراجعة فكرية عميقة بقدر ما كان انحناءً للعاصفة السياسية واستجابة للمتغيرات الجديدة، ليؤكد أن هؤلاء "الدعاة" يتبعون بوصلة مصالحهم أينما دارت، ولا يتورعون عن التضحية بمريديهم لتأمين مواقعهم.
إن عائض القرني، بسرقته الفكرية وغلوه الذي لم يسلم منه حتى الأطفال في رياض تونس، يمثل بامتياز أحد هؤلاء "الدعاة على أبواب جهنم" الذين شوهوا العقول وتاجروا بالقيم. وستبقى المقاومة الفكرية والسياسية لهؤلاء وجهاً أساسياً من وجوه النضال القومي التقدمي من أجل نهضة عربية حقيقية وعقلانية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...