التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سلسلة اعلام الامة: الفريق عبد المنعم رياض.. شهيد الخطوط الأولى وباني عقيدة الصمود والاشتباك المباشر بقلم: الناصر خشيني

 

يمثل الفريق عبد المنعم رياض (1919 - 1969)، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية الأسبق، نموذجاً فذاً للقائد العسكري المشتبك الذي حطم الصورة التقليدية للجنرالات القابعين في الغرف المكيفة وراء الصفوف. هو تجسيد حي للوعي الناصري المقاوم الذي رفض الاعتراف بالهزيمة عقب نكسة 1967، واضعاً أسس علم الحرب الحديثة القائم على التلاحم العضوي مع الجنود في خنادق المواجهة الأمامية.
أبعاد الفكر التقدمي والقومي في مسيرة رياض:
  • إعادة بناء الجيش وعقيدة حرب الاستنزاف: تولى رياض منصب رئيس الأركان في أدق مرحلة تاريخية تمر بها الأمة عقب نكسة يونيو 1967، فخاض بتكليف من الزعيم جمال عبد الناصر معركة صامتة وجبارة لإعادة بناء القوات المسلحة المصرية على أسس علمية متطورة. نجح في تحويل الاستراتيجية العسكرية من "الدفاع الساكن" إلى "الهجوم النشط والإيجابي"، مصمماً خطط حرب الاستنزاف التي أذاقت العدو الصهيوني مرارة الرعب اليومي وفككت أسطورة "الجيش الذي لا يقهر" [1، 2].
  • التلاحم الميداني والشهادة في الخطوط الأولى: تمثلت اللمسة التقدمية والإنسانية العميقة للجنرال رياض في إيمانه بأن مكان القائد الحقيقي هو بين جنوده في المواقع المتقدمة لبث روح التحدي. وفي 9 مارس 1969، توجه بنفسه إلى الجبهة في السويس، وتحديداً إلى "الموقع رقم 6" الأكثر خطورة والذي تبعد فيه خنادق الأعداء أمتاراً قليلة؛ وتحت دوي القصف المدفعي الصهيوني الكثيف، رفض التراجع واستشهد وسط جنوده متأثراً بجراحه [2، 3]. تحول يوم استشهاده تاريخياً إلى "يوم الشهيد"، مكرساً درساً بليغاً في تلازم القيادة والتضحية.
  • العمق القومي والإيمان بوحدة الجبهات: امتلك رياض فكراً استراتيجياً عروبياً عابراً للحدود؛ حيث تولى قيادة مركز القيادة الموحد للجبهات العربية (المصرية والسورية والأردنية)، وكان يؤمن إيماناً راسخاً بأن الأمن القومي العربي وحدة عضوية لا تقبل التجزئة، وأن دحر المشروع الصهيوني الاستيطاني يتطلب تنسيقاً شاملاً وتكاملاً لوجستياً وعسكرياً بين جميع العواصم الطوقية [1، 4].
هوامش ومراجع المقال:
  1. رياض، عبد المنعم (تحرير وتجميع مذكراته 1970). أوراق الفريق عبد المنعم رياض: استراتيجية الحرب والصمود، القاهرة: دار المعارف، ص 42-50.
  2. الحديدي، صلاح الدين (1974). حرب الاستنزاف: سنوات الصمود والبعث العسكري المصري، القاهرة: مكتبة مدبولي، ص 118-126.
  3. جمعة، محمد سعيد (1985). الشهيد عبد المنعم رياض: جنرال في الخندق الأمامي، بيروت: دار الطليعة، ص 94-101.
  4. هيكل، محمد حسنين (1972). الأنفجار 1967: حرب الثلاثين سنة، القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر، ص 412-419.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...