التخطي إلى المحتوى الرئيسي

شركة فوسفاط قفصة: من عمود الاقتصاد الوطني إلى عبء يهدد استقراره بقلم: الناصر خشيني


   مدخل
قلّما توجد في تونس مؤسسة تختزل في مسارها كل مفارقات الدولة التونسية بعد الاستقلال كما تختزلها شركة فوسفاط قفصة. فهي المؤسسة التي جعلت من الجنوب الغربي التونسي، ولا سيما الحوض المنجمي بولاية قفصة، مصدر عملة صعبة ورافدا استراتيجيا للخزينة العمومية، حين كانت تونس تحتل مراتب متقدمة عالميا في إنتاج وتصدير الفوسفاط ومشتقاته. غير أن العقدين الأخيرين، وتحديدا ما تلا سنة 2011، حوّلا هذه المؤسسة العريقة من رافعة اقتصادية إلى ملف مثقل بشبهات الفساد المالي والإداري، وبات اسمها اليوم مقترنا بالخسائر المتراكمة والمحاكمات القضائية أكثر من اقترانه بالإنتاج والتصدير. هذا المقال محاولة لتفكيك أوجه الفساد التي نخرت جسم الشركة، وتبيّن كلفتها على الاقتصاد الوطني، ثم اقتراح مداخل ممكنة للإصلاح.
أولا: من الريادة إلى الانحدار.. أرقام تكشف حجم الكارثة
بلغ إنتاج شركة فوسفاط قفصة في سنة 2010 نحو 8.1 ملايين طن [1]، وهو رقم جعل تونس في مصاف كبار المنتجين عالميا. لكن هذا المسار انقلب بشكل حاد بعد ثورة جانفي 2011، إذ تراجع الإنتاج تدريجيا حتى وصل إلى 3.5 ملايين طن سنة 2022، ثم إلى نحو 2.9 مليون طن سنة 2023 [1]. وتأكد لاحقا أن الإنتاج تراجع إلى أقل من نصف ما كان عليه سنة 2011 [2].
الأخطر من تراجع الإنتاج أن هذا التراجع لم يواكبه أي تقليص مماثل في الكتلة الأجرية أو في عدد الأعوان. فبينما تنتج المؤسسة المغربية للفوسفاط أكثر من 30 مليون طن سنويا بنحو 21 ألف عامل فقط، تشغّل شركة فوسفاط قفصة عشرات الآلاف من الأعوان مقابل إنتاج لا يتجاوز أحيانا عُشر ذلك الرقم [3]. وهذا الخلل البنيوي بين حجم اليد العاملة وحجم الإنتاج هو جوهر الأزمة: تشغيل بلا مردودية، وكتلة أجرية تنزف من موارد مؤسسة عمومية أصبحت عاجزة عن تغطية تكاليفها.
ثانيا: التشغيل بلا عمل.. أزمة "الأجراء الأشباح"
يمثّل ملف الانتداب دون حاجة فعلية للعمل أحد أخطر مداخل استنزاف الشركة، وهو معطى كشفه مسؤولون في الشركة نفسها قبل أن تُصادق عليه تصريحات نقابية لاحقة. فقد أقرّ رئيس مدير عام سابق للشركة أمام لجنة برلمانية للإصلاح الإداري ومكافحة الفساد بأن نحو 7500 عامل كانوا يتقاضون أجورهم دون مباشرة العمل فعليا منذ أفريل 2010، وأن هذا الوضع كان يكبّد الشركة خسائر تقدَّر بـ50 مليون دينار سنويا [4]. وأوضحت المعطيات أن جزءا كبيرا من هؤلاء ينتمون إلى ما يُعرف بـ"شركات البيئة" التي أُحدثت في مختلف معتمديات الحوض المنجمي سنة 2010 إثر انتفاضة 2008 [4]، ضمن ما شبَّهه معلّقون بـ"منحة بطالة" مقنّعة أُلقي عبؤها على كاهل الشركة بدل أن تتحملها الدولة مباشرة. ويندرج ضمن هذه الفئة أعداد من عمال البستنة والتشجير وصيانة المساحات الخضراء والنظافة العامة، الذين وُظّفوا لأغراض تهدئة اجتماعية أكثر منها لحاجة إنتاجية حقيقية، فتحوّلوا إلى عبء أجري دائم دون أن يقابله أي عائد إنتاجي يُذكر.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ كشفت مصادر نقابية لاحقا أن نحو 12 ألف عامل بالشركة يتقاضون رواتبهم بانتظام في وقت يمارسون فيه أنشطة ثانوية خارج نطاق عملهم الأصلي، في الوقت الذي اضطرت فيه الشركة إلى الاقتراض من البنوك لتسديد أجور شهرين متتاليين [5]، لتعجز للمرة الأولى في تاريخها عن الوفاء بالتزاماتها المالية الاعتيادية. هذا التوظيف المتضخم، الذي تراكم عبر عقد ونصف من المساومات الاجتماعية والسياسية، حوّل الشركة من مؤسسة إنتاجية إلى ما يشبه صندوقا اجتماعيا موازيا، يوزّع الأجور بمعزل عن أي منطق اقتصادي أو إنتاجي.
ثالثا: مظاهر الفساد.. من نقل الفوسفاط إلى الصفقات المشبوهة
يتصدّر ملف نقل الفوسفاط عبر الشاحنات الخاصة، بديلا عن السكك الحديدية المملوكة للدولة، قائمة الشبهات الأكثر إثارة للجدل. فقد تقدّمت جهة رقابية مستقلة بشكاية موثقة في نحو 26 صفحة إلى القضاء، تتضمن ملاحق تكشف عن شبكة مصالح تورّطت في تخريب الشركة عبر منظومة نقل بالشاحنات أضرّت بالتوازنات المالية للمؤسسة لخدمة عدد محدود من المتنفذين [6]. وقدّرت جهات رقابية حجم الأضرار الناجمة عن الإخلالات في عملية نقل الفوسفاط بما لا يقل عن 70 مليون دينار، وشملت الشكاية قائمة اسمية ضمّت مديرا عاما حاليا وقتها وثلاثة رؤساء مديرين عامين سابقين ووزير صناعة سابق، إضافة إلى إطارات ومناولين من بينهم صاحب شركة نقل هو في الآن نفسه عضو في مجلس نواب الشعب [7].
وإلى جانب ملف النقل، تكشّفت ملفات صفقات عمومية مشبوهة، أبرزها صفقة اقتناء معدات ثقيلة أُبرمت سنة 2019 بقيمة 14 مليون دينار، أفضت التحقيقات فيها إلى شبهات تلاعب وتبديد للمال العام [8]. كما تتابع النيابة العمومية عدة ملفات أخرى تتعلق بشبهات فساد وتجاوزات مالية في التصرف داخل الشركة، لا تزال قيد البحث [9].
رابعا: القضاء يتحرك.. أحكام متباينة ومسار طويل
شهد هذا الملف تطورات قضائية متلاحقة خلال العامين الأخيرين. ففي ماي 2025 قررت دائرة الاتهام عدم سماع الدعوى في حق الرئيس المدير العام الأسبق للشركة وأربعة مسؤولين آخرين لعدم كفاية الأدلة، في حين أحالت ثلاثة مسؤولين سابقين آخرين على الدائرة الجنائية المختصة لمواصلة محاكمتهم [8]. وفي نوفمبر 2025، أصدرت المحكمة الابتدائية بتونس أحكاما متباينة شملت السجن أربع سنوات لوزير صناعة أسبق، وأربع سنوات لمسؤول سابق بالشركة، وثلاث سنوات لنائب سابق مع تخطئته بنحو 3 ملايين دينار، إلى جانب عقوبات مماثلة لشقيقه وعدد من المسؤولين، في ملف يتعلق بشبهات تدليس واستعمال وثائق مزيفة أضرت بالمؤسسة العمومية [10]. وفي ملف منفصل صدرت أحكام بالسجن بلغت 11 سنة في حق موظفين سابقين بالشركة ووكالة النهوض بالصناعة، في قضية شملت شبهات التلاعب بوثائق وفواتير محاسبية [10].
هذه الأحكام، على أهميتها الرمزية بوصفها إقرارا قضائيا بوجود فساد ممنهج، تظل قاصرة عن معالجة الجذور البنيوية للأزمة، فهي تلاحق الأفراد بعد وقوع الضرر، ولا تفكك المنظومة التي تنتج الفساد بشكل متجدد.
خامسا: الكلفة الاقتصادية.. من مصدر للعملة الصعبة إلى عبء على الموازنة
كانت شركة فوسفاط قفصة، في عزّ عطائها، من أهم موارد تونس من العملة الصعبة عبر تصدير الفوسفاط الخام ومشتقاته من حامض فسفوري وأسمدة. أما اليوم، فباتت بحاجة إلى تمويلات خارجية لمجرد ضمان استمراريتها التشغيلية: ففي جويلية 2026 صادق البرلمان التونسي على اتفاقية قرض بقيمة 110 ملايين يورو مع البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، مرفوق بهبة فنية بـ7 ملايين يورو، لتمويل اقتناء معدات منجمية حديثة ووحدة لمعالجة المياه المستعملة، بأغلبية 58 صوتا مقابل 13 رفضا و9 امتناعات [11]. وهكذا تحوّلت مؤسسة كانت تراكم فوائض إلى مؤسسة تستدين لتغطية أعطابها البنيوية، في مفارقة تختصر عمق الانحدار.
سادسا: نحو إصلاح ممكن
لا يمكن الحديث عن إصلاح جذري لشركة فوسفاط قفصة دون معالجة خمسة محاور متشابكة:
تدقيق شامل ومستقل في الكتلة الوظيفية لكشف الحجم الحقيقي للأعوان الذين يتقاضون رواتب دون عمل فعلي، وعلى رأسهم عمال "شركات البيئة" والبستنة والصيانة، وإعادة توزيعهم على وظائف فعلية أو إدماجهم في برامج تنموية بديلة بدل بقائهم عبئا صامتا على كتلة الأجور.
إعادة الاعتبار للسكك الحديدية كوسيلة النقل الأساسية للفوسفاط، وتفكيك منظومة النقل بالشاحنات الخاصة التي تحوّلت إلى مصدر ريع لشبكات نفوذ متداخلة مع القرار الإداري والسياسي.
تفعيل الرقابة المسبقة لا اللاحقة فقط، بتعزيز دور هيئات الرقابة المالية والإدارية قبل إبرام الصفقات، بدل الاكتفاء بالملاحقة القضائية بعد وقوع الضرر بسنوات.
فصل منطق التشغيل الاجتماعي عن التسيير الاقتصادي للشركة، عبر إحداث آليات تنموية وتشغيلية جهوية مستقلة عن الشركة، بدل استعمالها صندوقا لامتصاص الاحتقان الاجتماعي في الحوض المنجمي.
ربط التنمية الجهوية بمردودية الشركة، عبر تخصيص جزء من عائدات الفوسفاط لمشاريع تنموية حقيقية في قفصة، بما يفكك الحلقة المفرغة التي تجعل من الاحتجاج على التهميش سببا إضافيا لتعطيل الإنتاج وتغذية الفساد في آن واحد.
خاتمة
إن شركة فوسفاط قفصة ليست مجرد ملف اقتصادي بل هي مرآة لأزمة الدولة التونسية في إدارة مواردها الاستراتيجية، وفي التوفيق بين العدالة الاجتماعية والنجاعة الاقتصادية. والمفارقة أن هذه المؤسسة التي راكمت لعقود ثروة وطنية، تحوّلت اليوم، في خضم ما يسميه كثيرون بـ"العشرية السوداء"، إلى نموذج صارخ لكيفية تبديد الثروات حين تتقاطع مصالح النفوذ السياسي والنقابي والاقتصادي، ويتحول التشغيل من حق مشروع إلى أداة ابتزاز واستنزاف، على حساب المصلحة العامة. وما لم تُعالَج جذور هذا الفساد ببعديه البنيوي والقضائي معا، ستظل الشركة عالقة بين خطاب استعادة الريادة ووثائق المحاكم التي تتوالى دون أن توقف النزيف.
المراجع:
[1] أرقام إنتاج شركة فوسفاط قفصة الرسمية 2010-2023، وكالة الأناضول، جانفي 2025
[2] تصريح وزيرة الصناعة والمناجم والطاقة أمام البرلمان بشأن تراجع الإنتاج، جانفي 2025
[3] كيف خسرت تونس مكانتها في صدارة الدول المنتجة والمصدّرة للفوسفات؟ القدس العربي
[4] شركة فسفاط قفصة: 7500 عامل يتقاضون أجورهم دون مباشرة العمل، بابنات، ديسمبر 2013
[5] شركة فسفاط قفصة: 12 ألف عامل يتقاضون رواتب ويمارسون أنشطة ثانوية، نسمة تيفي، مارس 2019
[6] هذه قيمة الخسائر الأولية: شكاية حول فساد في نقل الفسفاط عبر الشاحنات، ألترا تونس
[7] كلّفت شركة فسفاط قفصة خسائر قدّرت بـ70 مليون دينار: إخلالات وشبهات فساد، جريدة المغرب
[8] قضية فساد في شركة فسفاط قفصة: القضاء يقول كلمته، Tunisie Telegraph، ماي 2025
[9] مصدر قضائي: النيابة العمومية متعهدة بملفات فساد في شركة فسفاط قفصة، شمس أف أم
[10] السجن 11 سنة لموظفين سابقين بفسفاط قفصة ووكالة النهوض بالصناعة، Kashf Media، ماي 2026
[11] البرلمان يصادق على قرض لفائدة شركة فسفاط قفصة بقيمة 110 مليون يورو، جويلية 2026

 مدخل

قلّما توجد في تونس مؤسسة تختزل في مسارها كل مفارقات الدولة التونسية بعد الاستقلال كما تختزلها شركة فوسفاط قفصة. فهي المؤسسة التي جعلت من الجنوب الغربي التونسي، ولا سيما الحوض المنجمي بولاية قفصة، مصدر عملة صعبة ورافدا استراتيجيا للخزينة العمومية، حين كانت تونس تحتل مراتب متقدمة عالميا في إنتاج وتصدير الفوسفاط ومشتقاته. غير أن العقدين الأخيرين، وتحديدا ما تلا سنة 2011، حوّلا هذه المؤسسة العريقة من رافعة اقتصادية إلى ملف مثقل بشبهات الفساد المالي والإداري، وبات اسمها اليوم مقترنا بالخسائر المتراكمة والمحاكمات القضائية أكثر من اقترانه بالإنتاج والتصدير. هذا المقال محاولة لتفكيك أوجه الفساد التي نخرت جسم الشركة، وتبيّن كلفتها على الاقتصاد الوطني، ثم اقتراح مداخل ممكنة للإصلاح.

أولا: من الريادة إلى الانحدار.. أرقام تكشف حجم الكارثة

بلغ إنتاج شركة فوسفاط قفصة في سنة 2010 نحو 8.1 ملايين طن [1]، وهو رقم جعل تونس في مصاف كبار المنتجين عالميا. لكن هذا المسار انقلب بشكل حاد بعد ثورة جانفي 2011، إذ تراجع الإنتاج تدريجيا حتى وصل إلى 3.5 ملايين طن سنة 2022، ثم إلى نحو 2.9 مليون طن سنة 2023 [1]. وتأكد لاحقا أن الإنتاج تراجع إلى أقل من نصف ما كان عليه سنة 2011 [2].

الأخطر من تراجع الإنتاج أن هذا التراجع لم يواكبه أي تقليص مماثل في الكتلة الأجرية أو في عدد الأعوان. فبينما تنتج المؤسسة المغربية للفوسفاط أكثر من 30 مليون طن سنويا بنحو 21 ألف عامل فقط، تشغّل شركة فوسفاط قفصة عشرات الآلاف من الأعوان مقابل إنتاج لا يتجاوز أحيانا عُشر ذلك الرقم [3]. وهذا الخلل البنيوي بين حجم اليد العاملة وحجم الإنتاج هو جوهر الأزمة: تشغيل بلا مردودية، وكتلة أجرية تنزف من موارد مؤسسة عمومية أصبحت عاجزة عن تغطية تكاليفها.

ثانيا: التشغيل بلا عمل.. أزمة "الأجراء الأشباح"

يمثّل ملف الانتداب دون حاجة فعلية للعمل أحد أخطر مداخل استنزاف الشركة، وهو معطى كشفه مسؤولون في الشركة نفسها قبل أن تُصادق عليه تصريحات نقابية لاحقة. فقد أقرّ رئيس مدير عام سابق للشركة أمام لجنة برلمانية للإصلاح الإداري ومكافحة الفساد بأن نحو 7500 عامل كانوا يتقاضون أجورهم دون مباشرة العمل فعليا منذ أفريل 2010، وأن هذا الوضع كان يكبّد الشركة خسائر تقدَّر بـ50 مليون دينار سنويا [4]. وأوضحت المعطيات أن جزءا كبيرا من هؤلاء ينتمون إلى ما يُعرف بـ"شركات البيئة" التي أُحدثت في مختلف معتمديات الحوض المنجمي سنة 2010 إثر انتفاضة 2008 [4]، ضمن ما شبَّهه معلّقون بـ"منحة بطالة" مقنّعة أُلقي عبؤها على كاهل الشركة بدل أن تتحملها الدولة مباشرة. ويندرج ضمن هذه الفئة أعداد من عمال البستنة والتشجير وصيانة المساحات الخضراء والنظافة العامة، الذين وُظّفوا لأغراض تهدئة اجتماعية أكثر منها لحاجة إنتاجية حقيقية، فتحوّلوا إلى عبء أجري دائم دون أن يقابله أي عائد إنتاجي يُذكر.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ كشفت مصادر نقابية لاحقا أن نحو 12 ألف عامل بالشركة يتقاضون رواتبهم بانتظام في وقت يمارسون فيه أنشطة ثانوية خارج نطاق عملهم الأصلي، في الوقت الذي اضطرت فيه الشركة إلى الاقتراض من البنوك لتسديد أجور شهرين متتاليين [5]، لتعجز للمرة الأولى في تاريخها عن الوفاء بالتزاماتها المالية الاعتيادية. هذا التوظيف المتضخم، الذي تراكم عبر عقد ونصف من المساومات الاجتماعية والسياسية، حوّل الشركة من مؤسسة إنتاجية إلى ما يشبه صندوقا اجتماعيا موازيا، يوزّع الأجور بمعزل عن أي منطق اقتصادي أو إنتاجي.

ثالثا: مظاهر الفساد.. من نقل الفوسفاط إلى الصفقات المشبوهة

يتصدّر ملف نقل الفوسفاط عبر الشاحنات الخاصة، بديلا عن السكك الحديدية المملوكة للدولة، قائمة الشبهات الأكثر إثارة للجدل. فقد تقدّمت جهة رقابية مستقلة بشكاية موثقة في نحو 26 صفحة إلى القضاء، تتضمن ملاحق تكشف عن شبكة مصالح تورّطت في تخريب الشركة عبر منظومة نقل بالشاحنات أضرّت بالتوازنات المالية للمؤسسة لخدمة عدد محدود من المتنفذين [6]. وقدّرت جهات رقابية حجم الأضرار الناجمة عن الإخلالات في عملية نقل الفوسفاط بما لا يقل عن 70 مليون دينار، وشملت الشكاية قائمة اسمية ضمّت مديرا عاما حاليا وقتها وثلاثة رؤساء مديرين عامين سابقين ووزير صناعة سابق، إضافة إلى إطارات ومناولين من بينهم صاحب شركة نقل هو في الآن نفسه عضو في مجلس نواب الشعب [7].

وإلى جانب ملف النقل، تكشّفت ملفات صفقات عمومية مشبوهة، أبرزها صفقة اقتناء معدات ثقيلة أُبرمت سنة 2019 بقيمة 14 مليون دينار، أفضت التحقيقات فيها إلى شبهات تلاعب وتبديد للمال العام [8]. كما تتابع النيابة العمومية عدة ملفات أخرى تتعلق بشبهات فساد وتجاوزات مالية في التصرف داخل الشركة، لا تزال قيد البحث [9].

رابعا: القضاء يتحرك.. أحكام متباينة ومسار طويل

شهد هذا الملف تطورات قضائية متلاحقة خلال العامين الأخيرين. ففي ماي 2025 قررت دائرة الاتهام عدم سماع الدعوى في حق الرئيس المدير العام الأسبق للشركة وأربعة مسؤولين آخرين لعدم كفاية الأدلة، في حين أحالت ثلاثة مسؤولين سابقين آخرين على الدائرة الجنائية المختصة لمواصلة محاكمتهم [8]. وفي نوفمبر 2025، أصدرت المحكمة الابتدائية بتونس أحكاما متباينة شملت السجن أربع سنوات لوزير صناعة أسبق، وأربع سنوات لمسؤول سابق بالشركة، وثلاث سنوات لنائب سابق مع تخطئته بنحو 3 ملايين دينار، إلى جانب عقوبات مماثلة لشقيقه وعدد من المسؤولين، في ملف يتعلق بشبهات تدليس واستعمال وثائق مزيفة أضرت بالمؤسسة العمومية [10]. وفي ملف منفصل صدرت أحكام بالسجن بلغت 11 سنة في حق موظفين سابقين بالشركة ووكالة النهوض بالصناعة، في قضية شملت شبهات التلاعب بوثائق وفواتير محاسبية [10].

هذه الأحكام، على أهميتها الرمزية بوصفها إقرارا قضائيا بوجود فساد ممنهج، تظل قاصرة عن معالجة الجذور البنيوية للأزمة، فهي تلاحق الأفراد بعد وقوع الضرر، ولا تفكك المنظومة التي تنتج الفساد بشكل متجدد.

خامسا: الكلفة الاقتصادية.. من مصدر للعملة الصعبة إلى عبء على الموازنة

كانت شركة فوسفاط قفصة، في عزّ عطائها، من أهم موارد تونس من العملة الصعبة عبر تصدير الفوسفاط الخام ومشتقاته من حامض فسفوري وأسمدة. أما اليوم، فباتت بحاجة إلى تمويلات خارجية لمجرد ضمان استمراريتها التشغيلية: ففي جويلية 2026 صادق البرلمان التونسي على اتفاقية قرض بقيمة 110 ملايين يورو مع البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، مرفوق بهبة فنية بـ7 ملايين يورو، لتمويل اقتناء معدات منجمية حديثة ووحدة لمعالجة المياه المستعملة، بأغلبية 58 صوتا مقابل 13 رفضا و9 امتناعات [11]. وهكذا تحوّلت مؤسسة كانت تراكم فوائض إلى مؤسسة تستدين لتغطية أعطابها البنيوية، في مفارقة تختصر عمق الانحدار.

سادسا: نحو إصلاح ممكن

لا يمكن الحديث عن إصلاح جذري لشركة فوسفاط قفصة دون معالجة خمسة محاور متشابكة:

تدقيق شامل ومستقل في الكتلة الوظيفية لكشف الحجم الحقيقي للأعوان الذين يتقاضون رواتب دون عمل فعلي، وعلى رأسهم عمال "شركات البيئة" والبستنة والصيانة، وإعادة توزيعهم على وظائف فعلية أو إدماجهم في برامج تنموية بديلة بدل بقائهم عبئا صامتا على كتلة الأجور.

إعادة الاعتبار للسكك الحديدية كوسيلة النقل الأساسية للفوسفاط، وتفكيك منظومة النقل بالشاحنات الخاصة التي تحوّلت إلى مصدر ريع لشبكات نفوذ متداخلة مع القرار الإداري والسياسي.

تفعيل الرقابة المسبقة لا اللاحقة فقط، بتعزيز دور هيئات الرقابة المالية والإدارية قبل إبرام الصفقات، بدل الاكتفاء بالملاحقة القضائية بعد وقوع الضرر بسنوات.

فصل منطق التشغيل الاجتماعي عن التسيير الاقتصادي للشركة، عبر إحداث آليات تنموية وتشغيلية جهوية مستقلة عن الشركة، بدل استعمالها صندوقا لامتصاص الاحتقان الاجتماعي في الحوض المنجمي.

ربط التنمية الجهوية بمردودية الشركة، عبر تخصيص جزء من عائدات الفوسفاط لمشاريع تنموية حقيقية في قفصة، بما يفكك الحلقة المفرغة التي تجعل من الاحتجاج على التهميش سببا إضافيا لتعطيل الإنتاج وتغذية الفساد في آن واحد.

خاتمة

إن شركة فوسفاط قفصة ليست مجرد ملف اقتصادي بل هي مرآة لأزمة الدولة التونسية في إدارة مواردها الاستراتيجية، وفي التوفيق بين العدالة الاجتماعية والنجاعة الاقتصادية. والمفارقة أن هذه المؤسسة التي راكمت لعقود ثروة وطنية، تحوّلت اليوم، في خضم ما يسميه كثيرون بـ"العشرية السوداء"، إلى نموذج صارخ لكيفية تبديد الثروات حين تتقاطع مصالح النفوذ السياسي والنقابي والاقتصادي، ويتحول التشغيل من حق مشروع إلى أداة ابتزاز واستنزاف، على حساب المصلحة العامة. وما لم تُعالَج جذور هذا الفساد ببعديه البنيوي والقضائي معا، ستظل الشركة عالقة بين خطاب استعادة الريادة ووثائق المحاكم التي تتوالى دون أن توقف النزيف.

المراجع:

[1] أرقام إنتاج شركة فوسفاط قفصة الرسمية 2010-2023، وكالة الأناضول، جانفي 2025

[2] تصريح وزيرة الصناعة والمناجم والطاقة أمام البرلمان بشأن تراجع الإنتاج، جانفي 2025

[3] كيف خسرت تونس مكانتها في صدارة الدول المنتجة والمصدّرة للفوسفات؟ القدس العربي

[4] شركة فسفاط قفصة: 7500 عامل يتقاضون أجورهم دون مباشرة العمل، بابنات، ديسمبر 2013

[5] شركة فسفاط قفصة: 12 ألف عامل يتقاضون رواتب ويمارسون أنشطة ثانوية، نسمة تيفي، مارس 2019

[6] هذه قيمة الخسائر الأولية: شكاية حول فساد في نقل الفسفاط عبر الشاحنات، ألترا تونس

[7] كلّفت شركة فسفاط قفصة خسائر قدّرت بـ70 مليون دينار: إخلالات وشبهات فساد، جريدة المغرب

[8] قضية فساد في شركة فسفاط قفصة: القضاء يقول كلمته، Tunisie Telegraph، ماي 2025

[9] مصدر قضائي: النيابة العمومية متعهدة بملفات فساد في شركة فسفاط قفصة، شمس أف أم

[10] السجن 11 سنة لموظفين سابقين بفسفاط قفصة ووكالة النهوض بالصناعة، Kashf Media، ماي 2026

[11] البرلمان يصادق على قرض لفائدة شركة فسفاط قفصة بقيمة 110 مليون يورو، جويلية 2026

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...