التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سلسلة اعلام الامة: الرئيس هواري بومدين.. باني الاشتراكية الوطنية والقلعة العروبية الضاربة بقلم: الناصر خشيني

 


لم يكن الرئيس هواري بومدين (1932 - 1978) مجرد زعيم سياسي عابر في تاريخ الجزائر، بل كان مهندساً استراتيجياً وقائداً تقدمياً صاغ نموذجاً فريداً لـ "الدولة الوطنية المهابة". آمن بومدين بأن استقلال الجزائر الناجز لا يكتمل إلا بتحقيق السيادة الاقتصادية الكاملة وبناء قاعدة صناعية اشتراكية، محولاً الجزائر إلى قبلة لحركات التحرر العالمية وقلعة عروبية صلبة لا تساوم على قضايا الأمة [1، 2].

 أبعاد الفكر التقدمي والقومي في مسيرة بومدين:

  • تأميم الثروات وبناء القاعدة الصناعية: أدرك بومدين بوعيه التقدمي أن الحرية السياسية تظل منقوصة ما لم تقترن بالتحرر الاقتصادي؛ فقاد في 24 فبراير 1971 ملحمة تأميم المحروقات والنفط من أيدي الشركات الفرنسية المستغلة، موجهاً العائدات لتمويل "الثورة الصناعية" وتأسيس مصانع الحديد والصلب والمركبات، بالتوازي مع "الثورة الزراعية" التي أعادت الأرض للفلاحين الكادحين وبنت لهم آلاف القرى الاشتراكية الحديثة لإنهاء مخلفات الإقطاع الكولونيالي [1، 3].
  • الالتزام القومي المطلق وفلسطين كبوصلة: لم تكن العروبة عند بومدين شعاراً عاطفياً، بل كانت عقيدة نضالية متجذرة؛ وهو صاحب المقولة التاريخية الخالدة: "الجزائر مع فلسطين ظالمة أو مظلومة". وتجلى هذا الالتزام عملياً في حرب أكتوبر 1973، عندما ألقى بثقل الجزائر العسكري والمالي في المعركة، وأرسل فيلقاً حربياً ضخماً وجسراً جوياً لدعم الجبهتين المصرية والسورية، وقام بتقديم "شيك على بياض" للاتحاد السوفيتي لشراء أسلحة عاجلة لدعم القوات المسلحة المصرية عقب ثغرة الدفرسوار [2، 4].
  • الدبلوماسية الهجومية والنظام العالمي الجديد: قاد بومدين معسكر الدول النامية والتحررية من خلال رئاسته لحركة عدم الانحياز، ووقف عام 1974 على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة كأول زعيم من العالم الثالث يخطب باللغة العربية، مطالباً بجرأة تاريخية بـ "تأسيس نظام اقتصادي عالمي جديد" ينهي نهب الامبراطوريات الغربية لثروات الشعوب المستضعفة، مكرساً مكانة الجزائر كـ "مكة للثوار" وملجأ لكل حركات التحرر في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
هوامش ومراجع المقال الأول:
  1. بلعيد، عبد السلام (2002). هواري بومدين والتصنيع في الجزائر: معركة السيادة، الجزائر: دار القصبة للنشر، ص 88-95.
  2. سعد الله، أبو القاسم (1998). تاريخ الجزائر الثقافي والسياسي في عهد البناء الوطني، بيروت: دار الغرب الإسلامي، ص 312-318.
  3. لطفي، مصطفى (1989). هواري بومدين: الرجل والمشروع والاشتراكية الوطنية، الجزائر: الشركة الوطنية للنشر، ص 145-152.
  4. هيكل، محمد حسنين (1984). حديث المبادرة: شهادة على حرب أكتوبر والدور العربي، القاهرة: مركز الأهرام، ص 204-210.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...