مقدمة
يحظى الشيخ عبد الرحمن السديس، إمام وخطيب المسجد الحرام وحافظ القرآن، بمكانة دينية رفيعة في العالم الإسلامي بحكم موقعه في أقدس بقعة عند المسلمين. لكن هذه المكانة نفسها جعلت كل موقف يصدر عنه محط تدقيق ونقاش واسعين، خاصة في السنوات الأخيرة التي شهدت تحولات كبرى في السياسة السعودية تجاه ملفات حساسة كالتطبيع مع إسرائيل والعلاقة مع السلطة. هذا المقال يحاول عرض الجدل بموضوعية: ما الذي قيل طفعلاً، وما هي حجج المدافعين، وما السياق الفكري الأوسع الذي يوضع فيه هذا النقاش.
خطبة 2020: نقطة التحول في الجدل
في 4 سبتمبر/أيلول 2020، أي بعد نحو ثلاثة أسابيع من إعلان اتفاق التطبيع الإماراتي الإسرائيلي، ألقى السديس خطبة جمعة تحدّث فيها عن حسن معاملة الإسلام لليهود، مستشهداً بوقائع من السيرة النبوية مثل تعامل النبي محمد مع جاره اليهودي ويهود خيبر، حيث استشهد بأن النبي مات ودرعه مرهونة عند يهودي، وعامل يهود خيبر على الشطر مما يخرج من زروعهم وثمارهم. كما تحدث عن التفريق بين "الولاء والبراء" العقدي وبين حسن التعامل في العلاقات الفردية والدولية مع غير المسلمين.
اعتبر كثير من الناشطين والمعلقين، ومنهم أكاديميون معروفون مثل محمد المختار الشنقيطي، أن توقيت الخطبة ومضمونها كانا بمثابة تمهيد إعلامي وديني لمسار التطبيع الخليجي مع إسرائيل، واتُّهم السديس بأنه يستغل منبر الحرم المكي للتمهيد لذلك. في المقابل، لفت السديس نفسه في الخطبة ذاتها إلى أن قضية فلسطين والمسجد الأقصى تظل "القضية الإسلامية الأولى" التي لا يجب أن تُنسى في خضم الصراعات والتحولات دون مزايدات إعلامية أو مبالغات صحفية، وهو ما يستخدمه المدافعون عنه كدليل على أن كلامه لم يكن دعوة صريحة للتطبيع بقدر ما كان توضيحاً فقهياً لمفهوم متداول أصلاً في التراث الإسلامي.
تحوّل ملحوظ في الخطاب
رصد منتقدون أيضاً تبايناً بين خطابه قبل هذه المرحلة وبعدها؛ فقد كان في السابق يُعرف ببكائه أثناء الدعاء للفلسطينيين ووصفه للاحتلال الإسرائيلي بـ"الغزاة والمعتدين"، بينما دعا لاحقاً إلى تجنّب "التعبيرات العاطفية والحماسية" في الحديث عن هذا الملف. كما امتدح في تصريح سابق له عام 2017 الشراكة السعودية الأمريكية بوصفها قيادة للعالم نحو "الأمن والسلام والاستقرار والرخاء"، في وقت كان الرئيس الأمريكي حينها قد اتخذ مواقف مثيرة للجدل تجاه القضية الفلسطينية.
من زاوية أخرى، يمكن قراءة هذا التحول ضمن سياق أعم: فالسديس كإمام معيّن من السلطة السعودية يخطب بصفته الرسمية، ولا يُتوقع منه سياسياً أن يتبنى مواقف تتعارض مع السياسة الخارجية للدولة التي يمثلها من على منبرها الأكثر رمزية. هذا لا ينفي الجدل، لكنه يضع الموقف في سياق العلاقة البنيوية بين المؤسسة الدينية الرسمية والدولة، وليس بالضرورة موقفاً شخصياً منعزلاً.
مفهوم "علماء السلطان": جذور تاريخية
الجدل حول السديس ليس ظاهرة جديدة في الفكر الإسلامي، بل يندرج ضمن نقاش قديم حول ما يُعرف بـ"علماء السلطان" أو "فقهاء البلاط" — وهو مصطلح يُطلق تاريخياً على علماء الدين الذين يقتربون من الحكام ويصدرون فتاوى أو مواقف تخدم شرعية السلطة الحاكمة، مقابل علماء آخرين اختاروا المسافة النقدية من الحكم، وأحياناً دفعوا ثمن ذلك سجناً أو نفياً أو أذى.
هذا التصنيف يمتد إلى قرون من التاريخ الإسلامي، وارتبط بجدل فقهي حول حدود طاعة ولي الأمر، ومتى تصبح هذه الطاعة تواطؤاً مع الظلم. من الناحية الفكرية، يرى منتقدو هذا النمط أن قرب رجل الدين من السلطة يمكن أن يُفقد خطابه استقلاليته الأخلاقية، بينما يرى مؤيدو "طاعة ولي الأمر" ضمن الفقه السني التقليدي أن الحفاظ على وحدة الجماعة واستقرار الدولة يُقدَّم على المعارضة العلنية، تجنباً للفتنة والفوضى. وقد استحضر السديس نفسه هذا المنطق الفقهي في إحدى خطبه حين تحدث عن "لزوم الجماعة وحسن السمع للإمام والطاعة" في مقابل ما وصفه بـ"منهج الخوارج المارقين"، مستخدماً وصف "البغاة المقيتين والأحزاب الضالة وجماعات العنف المسلحة" لمن يكفّرون الولاة ويخرجون على الأئمة.
هذا النقاش ليس محصوراً بالسديس أو بالسياق السعودي، بل تكرر عبر التاريخ الإسلامي مع علماء آخرين اتُّهموا بمسايرة السلطة في عصورهم، مقابل علماء عُرفوا بالنقد الصريح للحكام حتى في أوقات القمع.
الجدل حول الثروة: ادعاءات بلا إثبات
إلى جانب النقد المتعلق بالمواقف السياسية، تتداول بعض المواقع المعارضة والإعلام الإيراني (مثل قناة العالم وموقع "سعودي ليكس") منذ سنوات ادعاءات حول ثروة شخصية كبيرة للسديس، وربطتها بعضها بتسريبات عن استيلاء جهات نافذة عليها. تجدر الإشارة إلى أن هذه الادعاءات لم تثبتها أي مصادر مستقلة أو تحقيقات صحفية محايدة، وأن بعض الأخبار المرتبطة بها — كخبر "إقالته بتهمة فساد مالي" — تبيّن أنها لم تصدر عن أي جهة إعلامية رسمية. ما هو موثق فعلاً هو أن أئمة الحرمين موظفون حكوميون رسميون يتقاضون رواتب ومخصصات وفق سلم رسمي (السديس برتبة وزير)، وهذا في حد ذاته ليس "فضيحة" بل تفصيل معروف عن طبيعة المنصب. أما ادعاءات الثروة الطائلة تحديداً، فتبقى في خانة غير المؤكد، وينبغي التعامل معها بحذر نظراً لمصدرها ذي المصلحة السياسية المباشرة في الخصومة مع السعودية.
بين الرمزية الدينية والموقع الرسمي
يبقى من المهم التمييز بين نوعين من النقد الموجَّه للسديس: نقد يتعلق بمواقف علنية موثقة (كخطبة التطبيع، أو التصريحات المتعلقة بالعلاقة الأمريكية السعودية)، ونقد آخر أقرب إلى الاتهامات الشخصية غير الموثقة (كنمط الحياة الشخصي أو الثروة)، والتي يصعب التحقق منها أو تعميمها دون مصادر موثوقة. النقد الموضوعي الجاد يستفيد من التركيز على الأول: المواقف العلنية القابلة للتوثيق والمناقشة، بدل الانزلاق إلى تخمينات شخصية.
خلاصة
الجدل حول السديس يعكس توتراً أعمق في العلاقة بين المؤسسة الدينية الرسمية والدولة في المنطقة، وهو توتر له جذور تاريخية طويلة تحت مسمى "علماء السلطان". سواء اعتبر المرء موقفه انعكاساً لواجب مؤسسي كخطيب رسمي، أو تماهياً غير مبرر مع سياسات مثيرة للجدل، فإن القضية تستحق نقاشاً هادئاً يستند إلى الوقائع الموثقة والمقارنة التاريخية، أكثر مما تستحق خطاباً تجريحياً موجهاً لشخصه.
المصادر: عنب بلدي، CNN بالعربية، الجزيرة نت، الجزيرة مباشر، القدس العربي (تغطيات سبتمبر 2020 لخطبة السديس)، إضافة إلى تقارير لاحقة تناولت مواقفه من قضية غزة والادعاءات المتعلقة بثروته.



