التخطي إلى المحتوى الرئيسي

كفاءات تونس بالخارج: من نزيف الاستنزاف إلى الشراكة التنموية المستدامة ​بقلم: الناصر خشيني


 ​تُعدّ الجالية التونسية بالخارج (التي تتجاوز اليوم 1.8 مليون مغترب) أحد أهم الروافد الاقتصادية والاجتماعية للبلاد. وفي حين تُثمن الدولة دورهم التقليدي عبر التحويلات المالية التي توفر العملة الصعبة، إلا أن المقاربة الرسمية ما زالت قاصرة عن استيعاب "الثروة اللامادية" التي تمثلها الكفاءات العالية. إن تونس اليوم لا تصدّر فائض عمالة، بل تنزف نخبتها العلمية والتقنية.

​أولاً: تشخيص الإشكاليات (أرقام تترجم حجم النزيف)

​الواقع الحالي يكشف عن فجوة عميقة بين ما تنفقه الدولة وما تستفيده في المقابل، وتتلخص الأزمات في النقاط التالية:

​كلفة التعليم العالية وهدر الاستثمار: وفقاً لتقديرات المعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية، تكلف تنشئة وتعليم مهندس واحد في تونس (منذ الابتدائي حتى التخرج) ما يقارب 100 ألف دينار تونسي. عندما يغادر هذا المهندس فور تخرجه، فإن تونس تقدم هبة مجانية للدول المستقطبة تقدر بمليارات الدينارات سنوياً.

​أرقام مفزعة في قطاعات حيوية:

​الأطباء: تشير تقارير عمادة الأطباء التونسيين إلى أن أكثر من 80% من الأطباء الشبان (المسجلين الجدد) يغادرون البلاد سنوياً، وخاصة نحو فرنسا وألمانيا، مما تسبب في شغورات حادة في مستشفيات المناطق الداخلية.

​المهندسون وخبراء الرقمنة: غادر تونس في السنوات الأخيرة أكثر من 40 ألف مهندس، بمعدل يقارب 20 مهندساً يومياً، مما يخلق عجزاً كبيراً في الشركات المحلية التي تحاول قيادة الانتقال الرقمي.

​قصور المنظومة الحالية:

​الدبلوماسية التقليدية: لا تزال البعثات القنصلية والدبلوماسية تركز على الجوانب الإدارية (جوازات سفر، حال مدنية) وعاجزة عن خلق "شبكات كفاءات" (Networking) لربط الطيور المهاجرة بالمشاريع الوطنية.

​البيروقراطية المقيتة: عند رغبة أي كفاءة بالخارج في الاستثمار أو نقل التكنولوجيا لتونس، يصطدم بجدار من الإجراءات الإدارية المعقدة وقوانين الصرف البالية (قانون الصرف التونسي يُعد من أكبر العوائق).

​ثانياً: البدائل التشريعية والإجرائية المقترحة (الحلول المثلى)

​لم يعد من الممكن منع الهجرة في عصر العولمة، ولكن الحل يكمن في تحويل "نزيف الأدمغة" إلى "تلاقح الأدمغة" (Brain Gain) عبر إجراءات ثورية وشجاعة:

​1. إصلاحات تشريعية واقتصادية جريئة

​مراجعة جذرية لقانون الصرف: السماح للكفاءات التونسية بفتح حسابات بالعملة الأجنبية في تونس دون قيود بيروقراطية، لتسهيل تمويل المشاريع الناشئة والبحث العلمي.

​قانون "استقطاب الطيور المهاجرة": سن تشريع يمنح امتيازات ضريبية وجمركية كبرى (مثل الإعفاء الضريبي للسنوات الخمس الأولى) لكل كفاءة تونسية تقرر العودة لإنشاء شركة مبتكرة أو مركز بحث وتطوير بالبلاد.

​مفهوم "المواطنة الرقمية" (Digital Citizenship): إتاحة الفرصة للمغتربين لإدارة معاملاتهم القانونية، العقارية، والاستثمارية في تونس إلكترونياً بنسبة 100% عبر الهوية الرقمية، دون الحاجة للتنقل العطل السنوية لإتمام ورقة إدارية.

​2. بدائل إجرائية ومؤسساتية

​إعادة هيكلة الدبلوماسية التونسية: تحويل السفارات والمستشاريات إلى "مكاتب ذكاء اقتصادي". يجب أن يكون لكل سفارة ملحق خاص بالكفاءات والابتكار تكون مهمته حصر الكفاءات التونسية في بلد الاعتماد وتسهيل تواصلهم مع الجامعات ومراكز الابتكار التونسية.

​التعاقد عن بُعد (Outsourcing): إذا كان الكفاءة التونسية لا يريد العودة للعيش في تونس لأسباب مادية أو عائلية، فلماذا لا تستفيد منه الدولة وهو في الخارج؟ يمكن إبرام عقود استشارية معهم عن بُعد لتدريس طلبة الدكتوراه، أو الإشراف على مشاريع وطنية (مثل الطاقات المتجددة أو التحول الرقمي للإدارة) بعقود مرنة.

​صندوق الابتكار السيادي للمغتربين: إنتاج آلية استثمارية (صندوق استثماري) يشرف عليه البنك المركزي، يُسمح للتونسيين بالخارج بالاكتتاب فيه بالعملة الصعبة، وتُوجه هذه الأموال حصراً لتمويل المشاريع البنيوية الكبرى والشركات الناشئة في تونس، مع ضمان أرباح مجزية لهم.

​خاتمة:إن وطناً كتونس، ضحى آباؤه وأمهاته بقوت يومهم لتعليم أبنائهم، لا يجب أن يكتفي بدور "المُصدِّر المجاني للذكاء". الحل ليس في لوم المهاجر، بل في تغيير البيئة الطاردة داخل الوطن وتحويل المقاربة من "رعاية شؤون الجالية التقليدية" إلى "شراكة إستراتيجية بين كفاءات الخارج ومشاريع الداخل". بدون هذه الثورة التشريعية، سنظل ننتج العقول لتستهلكها اقتصاديات الغرب.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...