قائمة المدونات الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا عربية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا عربية. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 21 يوليو 2026

صرخة تنويرية في مهب التحولات: عندما تسبق السياسةُ الوعيَ الاجتماعي بقلم: الناصر خشيني



الأجيال العربية القادمة بحاجة إلى معرفة الحقيقة كما هي، دون تجميل أو تزييف. والتاريخ لا يرحم الذين صمتوا، كما أنه لا ينسى الذين خاضوا معارك التنوير عندما كان الفكر المتشدد والتيارات المؤدلجة في أوج سطوتها.
منذ خمسة عشر عاماً خلت، أخذت على عاتقي —من واقع تخصصي في الشريعة الإسلامية وفهمي لمقاصدها الحقيقية— مهمة تفكيك وتخطئة الأفكار الوهابية المتشددة وخطاب تيارات الإسلام السياسي. أسستُ رفقة الدكتور رياض الصيداوي "صحيفة التقدمية" في سويسرا، وجعلناها منبراً لفضح الفتاوى التي اعتبرناها ضالة ومشوهة لجوهر الدين. انتقدنا بشدة النظرة الدونية للمرأة، وسيادة الرجل المطلقة عليها، والفتاوى الممعنة في الغرابة والتي وصلت إلى حد تحريم استخدام المرأة للإنترنت إلا بوجود مَحرم (كما نُسب للشيخ سعد الغامدي)، أو تحريم قيادة السيارة، وصولاً إلى فتاوى تحريم كرة القدم، والتصوير، والفنون التشكيلية.
ولم يتوقف نقدنا عند الفتاوى الاجتماعية والاجتهادات الخاطئة، بل امتد ليفضح الانحراف الأخلاقي والسياسي في فتاوى النوازل والحروب. ولقد وقفتُ بقلمي شاهداً وناقداً ومندداً بتلك المحطة التاريخية الخطيرة عام 2013، حين اجتمع في القاهرة —إبان عهد محمد مرسي— أكثر من 500 عالم وممثل لـ 70 جمعية ومنظمة إسلامية في مؤتمر جرى فيه توجيه الأمة نحو اقتتال داخلي مدمر.
لقد انتقدتُ بشدة مخرجات ذلك الاجتماع الذي أعلن "وجوب الجهاد في سوريا" بالنفس والمال والسلاح، في وقت كانت فيه بوصلة فلسطين تُنسى وتُهمش. كان هذا التوجه انسجاماً مع الفتاوى والخطابات التحريضية الصادرة عن الشيخ يوسف القرضاوي، الذي لم يكتفِ بشرعنة الاقتتال الداخلي، بل دعا علانية إلى اغتيال القادة (مثل القذافي وبشار الأسد) وشرعن التدخلات العسكرية وقصف العواصم العربية كطرابلس ودمشق. لقد تسببت تلك الفتاوى في "أفغنة" الصراعات العربية، وسالت بسببها دماء مئات الآلاف من الأبرياء، ودُمرت أوطان بأكملها تحت غطاء ديني زائف برر الاستقواء بالخارج لتدمير الداخل.
كنا نبحث —عبر صحيفتنا وكتاباتنا— عن "إصلاح ديني وجذري" يعيد للمجتمع توازنه، ويصون دماء المسلمين، وينصف المرأة، ويصوب بوصلة الأمة نحو قضاياها الوجودية العادلة كقضية فلسطين، ويفتح الباب أمام الفنون والعلوم لمواكبة العصر ضمن إطار اجتهادي تنويري أصيل. وضغطنا بكل ما نملك من قوة الكلمة والحجة الشرعية، وانتظرنا أن تثمر هذه الجهود عن نهضة فكرية وعقلانية يقودها المثقفون المتنورون.
لكن المفارقة التاريخية المريرة، هي أن التغيير في المنطقة عندما جاء، لم يأتِ نتيجة نضج مجتمعي أو حراك فكري تقوده النخب التنويرية، بل جاء بقرار سياسي فوقي تحول بموجبه المشهد من أقصى اليمين المتشدد إلى النقيض الآخر تماماً. وبدلاً من الانفتاح العقلاني المدروس، شهدنا تحولات اتسمت بالسطحية، حيث فُتحت الأبواب لما وُصف بمهرجانات العري، وتجاوزت التنازلات الثوابت السياسية والقومية لتصل إلى التطبيع مع الكيان المحتل.
إن المرارة التي أستشعرها اليوم —والتي وثقتها في كتابي "فتاوى التقدمية" المنشور رقمياً— تنبع من رؤية التوجه الغالب وهو ينقاد لإرادة الحكام والتقلبات السياسية، لا لإرادة وفكر المثقفين المتنورين.
أكتب هذا للأجيال القادمة ليعلموا أن تحرير العقل وبناء الأوطان لا يحدث بالقفز من التشدد الأعمى والفتن المذهبية إلى الانفتاح السطحي والتطبيع، بل بالوعي، والتعليم، والاجتهاد المقاصدي الحقيقي الذي يحقن الدماء ويحفظ الهوية. ستبقى مواقفنا شهادة على مرحلة صعبة، ولن يتوقف قلم المثقف عن النقد، لأن معركة التنوير الحقيقية هي معركة بناء الإنسان وحماية الأوطان، لا معركة ترفيه عابر أو مصالح سياسية متقلبة.

الاثنين، 20 يوليو 2026

معادلات الاستكبار وكلفة الحماقة الأمريكية-السعودية بقلم الناصر خشيني

الجمعة، 17 يوليو 2026

الإقليمية والتطبيع... وجهان لمشروع تفكيك الأمة بقلم: الناصر خشيني



مدخل

حين نتأمل خارطة الوطن العربي الممزقة إلى اثنتين وعشرين دويلة، لا نقف أمام تنوع طبيعي في أشكال الحكم، بل أمام جريمة تاريخية مكتملة الأركان، صيغت بنودها في اتفاقية سايكس-بيكو، وأُحكم تنفيذها عبر أنظمة وُلدت من رحم الاستعمار وترعرعت في كنف الرضا الغربي. الإقليمية ليست ظاهرة سياسية بريئة، ولا هي تعبير عن "خصوصيات" وطنية كما يروّج دعاتها؛ إنها، في جوهرها، الوظيفة التي يقوم بها كل نظام عربي قطري، وهي ذاتها الوظيفة التي يقوم بها الكيان الصهيوني: اقتطاع جزء من الجسد العربي الواحد، وتسييجه بحدود مصطنعة، ومنع الأمة من استعادة وحدتها الطبيعية.

أولاً: الإقليمية كأداة سياسية للتفتيت

الحدود التي تُرسم اليوم على الخرائط لم تُرسم لحماية الشعوب، بل لحماية الأنظمة من شعوبها ومن محيطها العربي في آن واحد. كل "دولة قطرية" أنشأت جهازاً أمنياً ضخماً، لا لحراسة حدود خارجية حقيقية، بل لضبط الحدود الداخلية بين الوطن العربي ونفسه. هذه الأنظمة، التي وصل أغلبها إلى الحكم برضا غربي أو بتواطؤ معه، حوّلت السيادة إلى قناع تُمارس تحته الوصاية الأجنبية، فيما يُلهى الشعب بشعارات "الاستقلال الوطني" و"الأمن القومي القطري"، وهي في الحقيقة أمن الأنظمة لا أمن الأمة.

ثانياً: الإقليمية كأداة اقتصادية للنهب

اقتصادياً، أنتجت الإقليمية اثنتين وعشرين سوقاً صغيرة متنافرة بدل سوق عربية موحدة كان يمكن أن تنافس الكتل الاقتصادية الكبرى. النفط العربي يُستخرج في قطر ويُستثمر في الغرب، والعمالة العربية تُصدَّر كسلعة رخيصة بين الأقطار بشروط مذلة، بينما تبقى الثروات المائية والزراعية والمعدنية حبيسة حسابات إقليمية ضيقة. لو توحدت الإرادة السياسية العربية، لكانت الأمة اليوم قوة اقتصادية عالمية؛ لكن التجزئة أبقتها سوقاً استهلاكية تابعة، ومصدراً للمواد الخام، ومستورداً للسلاح الذي يُستخدم أحياناً ضد أبناء الأمة أنفسهم.

ثالثاً: الإقليمية كأداة اجتماعية وثقافية للتذويب

على الصعيد الاجتماعي والثقافي، عملت الإقليمية على اختراع "هويات قطرية" مصطنعة تتصادم مع الهوية العربية الجامعة، فرُوّج لخطاب "الخصوصية" و"التميز الوطني" بهدف تفكيك الشعور القومي وإحلال الولاء القطري الضيق محله. المناهج التعليمية أُعيدت صياغتها في كثير من الأقطار لتُقصي التاريخ العربي المشترك، وتُضخّم السرديات المحلية على حساب الرابطة القومية، تماماً كما يفعل الكيان الصهيوني حين يُنتج رواية تاريخية منقطعة عن السياق الفلسطيني والعربي.

رابعاً: الإقليمية والمشروع الصهيوني... تكامل لا تشابه

ليس من قبيل المبالغة القول إن بقاء الكيان الصهيوني مرهون ببقاء التجزئة العربية. فكل حدود قطرية جديدة هي في الواقع خط دفاع إضافي عن "إسرائيل"، وكل نظام عربي يكرّس القطرية إنما يمنح الكيان فسحة أكبر للتمدد. التطبيع، بهذا المعنى، ليس انحرافاً طارئاً عن السياسة القطرية، بل هو تتويج منطقي لها؛ فمن يقبل بالحدود المصطنعة بين دمشق وبغداد، لن يجد حرجاً كبيراً في قبول الحدود المصطنعة بين يافا والقدس.

خامساً: فرية "الإبراهيمية" وتوظيف الدين لتمييع الهوية

الترويج لمفهوم "الديانة الإبراهيمية" الجامعة ليس اجتهاداً لاهوتياً بريئاً، بل هندسة أيديولوجية مقصودة، الهدف منها إذابة الفوارق العقدية الجوهرية بين الإسلام واليهودية والمسيحية في قالب توفيقي فضفاض، يُراد منه تمهيد الأرضية النفسية لقبول الوجود الصهيوني كجزء "شرعي" من نسيج ديني مشترك، لا ككيان استعماري إحلالي اغتصب أرضاً وشرّد شعباً. حين يُختزل الصراع في فلسطين إلى "خلاف بين أبناء إبراهيم" يمكن حله بالحوار والتسامح الديني، تُمحى القضية المركزية للأمة من طابعها التحرري لتتحول إلى ملف "مصالحة روحية"، وهذا بالضبط ما تسعى إليه اتفاقيات ومراكز التطبيع الديني التي تناسلت في السنوات الأخيرة تحت شعارات "التعايش" و"الأخوة الإبراهيمية".

سادساً: الانسلاخ عن العروبة والإسلام كوظيفة، لا كنتيجة عرضية

التطبيع بهذا المعنى ليس غاية في ذاته، بل أداة لإعادة تعريف هوية الفرد العربي: من مواطن ينتمي لأمة عربية إسلامية لها قضية مركزية وعدو واضح المعالم، إلى "مواطن إقليمي" منسلخ عن عمقه الحضاري، مرتبط بمصالح قطرية ضيقة وشراكات اقتصادية وأمنية مع الكيان الصهيوني. هذا الانسلاخ يُمهَّد له عبر مناهج تعليمية معدَّلة، وإعلام يُطبّع الصورة، ومنتجات ثقافية وفنية مشتركة، إلى أن يصبح العداء التاريخي المشروع لمشروع استعماري إحلالي "تطرفاً" ينبغي تجاوزه.

سابعاً: الأرقام تفضح الوهم الاقتصادي للتطبيع

يُسوَّق للتطبيع بوصفه بوابة لـ"ازدهار اقتصادي" و"شرق أوسط جديد" مزدهر بالتكامل، لكن الأرقام الحقيقية للاقتصاد العربي تكشف زيف هذا الطرح من جهة أخرى تماماً: أزمة التجزئة الاقتصادية العربية نفسها. فرغم أن حجم التجارة العربية الكلية في السلع والخدمات تجاوز 3.6 تريليون دولار خلال 2024، فإن التجارة العربية البينية في السلع لم تتجاوز 250 مليار دولار، أي ما لا يزيد عن 9% فقط من إجمالي التجارة العربية السلعية [1]. بمعنى أن أكثر من 90% من التبادل التجاري العربي يذهب إلى خارج المنظومة العربية، نحو شركاء دوليين كالصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، بينما تبقى الأمة، رغم امتلاكها لكل مقومات التكامل من موارد طبيعية وأسواق استهلاكية وموقع جغرافي استراتيجي، غريبة عن نفسها اقتصادياً.

هذا النمط ليس صدفة إحصائية، بل انعكاس مباشر لبنية اقتصادية استعمارية لم تتغير جوهرياً منذ عصر الانتداب: الأقطار العربية تصدّر المواد الخام (نفط، غاز، فوسفات، معادن، منتجات زراعية أولية) إلى الخارج، ثم تستوردها مصنّعة بقيمة مضافة أعلى بأضعاف مضاعفة، في نزيف اقتصادي مزمن يُبقي الأمة في موقع التابع لا الشريك. والمفارقة الصادمة أن التبادل التجاري بين بعض الدول العربية المطبِّعة والكيان الصهيوني ينمو بمعدلات تفوق أحياناً نمو التبادل العربي-العربي نفسه: فقد بلغت التجارة الثنائية بين الإمارات والكيان الصهيوني نحو 3.24 مليار دولار في نهاية 2024، بزيادة تناهز 11% عن العام السابق [2]، فيما استحوذت أبوظبي وحدها على أكثر من ثلثي إجمالي حجم التبادل التجاري بين الدول العربية المطبِّعة والكيان مجتمعة [3]. وفي الوقت الذي كانت فيه صادرات الإمارات إلى الكيان تمثل أكثر من 81% من إجمالي الصادرات العربية إليه [4]، سجّلت التجارة بين المغرب والكيان قفزات لافتة بلغت 124% خلال أشهر معدودة [5]، رغم أن قيمتها المطلقة لا تزال متواضعة قياساً بحجم اقتصاد المملكة. هذه الأرقام تكشف مفارقة قاتلة: دول عربية تُنمّي علاقاتها التجارية مع كيان يخوض حرب إبادة ضد إخوتها في غزة، بمعدلات نمو تفوق أحياناً معدل نمو تجارتها مع أشقائها العرب، وهو ما يختصر بجلاء أولويات مشروع "التكامل الإقليمي الجديد" الذي يُراد فرضه على المنطقة.

ثامناً: منتدى النقب وممر IMEC... هندسة الاندماج القسري

لم يعد التطبيع يقتصر على اتفاقيات ثنائية معزولة، بل تحوّل إلى بنية مؤسسية إقليمية متكاملة، أبرز تجلياتها "منتدى النقب" الذي أُطلق سنة 2022 بمشاركة وزراء خارجية الكيان الصهيوني، والولايات المتحدة، ومصر، والإمارات، والبحرين، والمغرب، والذي وُضع لتحويل التطبيع من ملف سياسي متقلب إلى إطار عمل دائم يشمل الأمن والمياه والطاقة والتكنولوجيا، أي كل مفاصل الحياة الاقتصادية للمنطقة. هذا المنتدى ليس آلية تعاون متكافئ بين ندّين، بل هيكل يضع الكيان الصهيوني في موقع المركز التقني والأمني الذي تدور حوله الأقطار العربية المطبِّعة كأطراف تابعة.

ويأتي "الممر الاقتصادي الهند-الشرق الأوسط-أوروبا" (IMEC)، الذي أُعلن عنه في قمة العشرين بنيودلهي سنة 2023، ليكرّس هذا المنطق على نطاق أوسع: مشروع بنية تحتية عملاقة يربط الهند بأوروبا عبر موانئ الإمارات والسعودية، مروراً بموانئ الكيان الصهيوني على المتوسط، متجاوزاً بذلك قناة السويس المصرية ومتجاهلاً أي دور مركزي لمعظم الأقطار العربية الأخرى. هذا الممر، المسوَّق إعلامياً بوصفه "طريق حرير جديد"، هو في جوهره إعادة رسم لخارطة النفوذ الاقتصادي الإقليمي بما يخدم دمج الكيان الصهيوني في قلب شبكات التجارة العالمية العابرة للمنطقة العربية، بدل أن يُدمَج الوطن العربي في ذاته عبر مشاريعه الخاصة كالسوق العربية المشتركة أو خط سكك حديد عربي موحد لم يبصر النور يوماً بسبب غياب الإرادة السياسية القومية.

تاسعاً: التخلف الحضاري كنتيجة حتمية للتجزئة

حين تغيب السوق العربية الموحدة، تغيب معها شروط النهضة الصناعية والتكنولوجية: فلا استثمار مشترك في البحث العلمي، ولا سلاسل إنتاج متكاملة بين الأقطار، ولا مشاريع بنية تحتية عابرة للحدود بمستوى الطموح القومي. كل قطر يعيد اختراع نفس الصناعات الأساسية بشكل مكرر وغير تنافسي، بينما تبقى الصناعات المتقدمة والتقنيات الحديثة حكراً على الخارج، ويُستورد حتى غذاء الأمة من الخارج رغم امتلاكها لأراضٍ زراعية شاسعة معطّلة بفعل التشرذم السياسي وغياب سياسات مائية وزراعية عربية موحدة. التطبيع، في هذا السياق، لا يحل هذه المعضلة، بل يعمّقها، لأنه يُدخل الكيان الصهيوني كوسيط تقني واقتصادي إضافي بين الأمة ومقدراتها، بدل أن يفتح الطريق أمام تكامل عربي-عربي حقيقي.

عاشراً: أين الحل؟

الأدبيات القومية التقدمية لم تكتفِ بنقد الواقع القطري، بل قدّمت البديل: دولة الوحدة العربية الديمقراطية الاشتراكية، التي تجمع الأمة تحت مشروع سياسي واحد يعيد توزيع الثروة على أساس العدالة الاجتماعية، ويؤسس لديمقراطية شعبية حقيقية بدل الاستبداد القطري المموّه بالانتخابات الصورية. الوحدة هنا ليست حلماً رومانسياً، بل ضرورة تاريخية تفرضها طبيعة الصراع مع المشروع الصهيوني-الغربي، الذي لا يمكن مواجهته بقوى قطرية مبعثرة ومتناحرة، ولا بشراكات اقتصادية مع الكيان تحت مسميات "الإبراهيمية" أو "الممرات الاقتصادية".

خاتمة

الإقليمية العربية، إذن، ليست خياراً وطنياً مشروعاً كما يُصوَّر، بل هي استمرار للمشروع الاستعماري بأدوات محلية، والتطبيع هو المرحلة الأخيرة من هذا المشروع: بعد تفكيك الأمة سياسياً عبر الحدود القطرية، يأتي تفكيكها عقدياً عبر فرية "الإبراهيمية"، ثم تفكيكها اقتصادياً عبر إدماجها في منظومة إقليمية يقودها الكيان الغاصب بدل أن تُدمَج في ذاتها. والأرقام لا تكذب: تسعة بالمئة فقط من التجارة العربية تبقى داخل الوطن العربي، بينما تنمو تجارة بعض الأقطار المطبِّعة مع الكيان الصهيوني بمعدلات لافتة، وهذا وحده كافٍ لفضح زيف كل خطاب "التكامل الإقليمي الجديد" الذي يُراد منه تعويض الوحدة العربية الغائبة بشراكة مع العدو التاريخي للأمة. والتحرر الحقيقي لن يكتمل إلا بإسقاط هذه المنظومة القطرية-التطبيعية برمّتها، لا بترميمها أو "إصلاحها"، وبناء المشروع القومي الوحدوي الذي وحده يملك أدوات المواجهة الشاملة: سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً.

المراجع:

[1] الشرق الأوسط، "التجارة العربية البينية في السلع ترتفع 16.6% خلال 2024 لتتجاوز 250 مليار دولار"، 2025.

[2] الإمارات ليكس، "إحصائيات رسمية تكشف ارتفاع التبادل التجاري بين الإمارات وإسرائيل"، فبراير 2025.

[3] الإمارات ليكس، "الإمارات تستحوذ على أكثر من ثلثي حجم تجارة الدول العربية مع إسرائيل"، ديسمبر 2024.

[4] موقع عربي 71، "الإمارات بنسبة 81.4%.. دول عربية صدَّرت لـ'إسرائيل' بـ2 مليار دولار خلال العدوان على غزة"، يوليو 2024.

[5] القدس (نسخة إلكترونية)، "زيادة التبادل التجاري بين إسرائيل و4 دول عربية"، أغسطس 2024.

السبت، 11 يوليو 2026

العلاقات العربية القبرصية: من خندق التحرر الناصري إلى منصة الاختراق الأمني للشرق العربي بقلم: الناصر خشيني



تُقدّم الجغرافيا السياسية لجزيرة قبرص نموذجاً حياً لكيفية تحول الساحات المجاورة للوطن العربي من "عمق استراتيجي مساند" إلى "منصة تهديد مباشر" يمس قلب الأمن القومي في بلاد الشام ومصر. هذا التحول التاريخي الخطير يفرض على العقل القومي التقدمي قراءة واعية للمسار الذي سلكته الجزيرة؛ فبعد أن كانت حليفاً متيناً في معارك التحرر والسيادة خلال عهد الرئيس الخالد جمال عبد الناصر، آلت الأمور تدريجياً لتدخل قبرص في فلك التبعية للمشروع الغربي والصهيوني، وصولاً إلى تحولها لخاصرة رخوة تُستخدم للتجسس وضرب استقرار سوريا ولبنان.
أولاً: العهد المضيء والتلاحم الناصري-القبرصي ضد الاستعمار
عقب استقلال جمهورية قبرص عام 1960، ولدت علاقة تاريخية فريدة عُمدت برؤية مشتركة ضد الهيمنة الإمبريالية. صاغ هذه المرحلة الزعيم العربي جمال عبد الناصر وأول رئيس لقبرص المستقلة، الأسقف مكاريوس الثالث، اللذان ربطتهما صداقة وطيدة قائمة على مبادئ التحرر الوطني.
  • جبهة عدم الانحياز: كانت القاهرة ونيقوسيا ركيزتين أساسيتين في تأسيس وتفعيل "حركة عدم الانحياز"، لقطع الطريق أمام محاولات الأحلاف الغربية إخضاع شعوب المنطقة.
  • الدعم المصري للاستقلال: ساندت مصر الناصرية نضال القبارصة ضد الاستعمار البريطاني وحقهم في تقرير المصير، وقدمت الدعم السياسي لنيقوسيا في المحافل الدولية.
  • موقف مكاريوس المشرف (1956): تجسد هذا التحالف في رفض الأسقف مكاريوس القاطع لاستخدام القواعد البريطانية الموجودة فوق أراضي الجزيرة لشن هجمات على مصر خلال العدوان الثلاثي عام 1956، معتبراً أن الجيرة العربية أبقى من الإملاءات الاستعمارية.
  • الاحتضان الدبلوماسي للفلسطينيين: ظلت نيقوسيا لعقود صوتاً مدافعاً عن الحقوق العربية، وفتحت باكراً مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية، متبنية مواقف صارمة ضد الكيان الصهيوني في الأمم المتحدة.
ثانياً: الانكفاء التاريخي ونقاط التحول الجيوسياسي
لم تدم هذه التوأمة طويلاً، إذ تعرضت قبرص لضربات كبرى أعادت توجيه بوصلتها الخارجية بعيداً عن محيطها العربي ودفعتها للارتماء في الأحضان الغربية:
  1. الغزو التركي وانقسام الجزيرة (1974): شكّل الاجتياح العسكري التركي لثمال الجزيرة صدمة وجودية لنيقوسيا. ومع غياب ظهير عربي قوي (خاصة بعد رحيل عبد الناصر وانشغال الجمهوريات العربية بأزماتها الداخلية)، شعرت قبرص بالضعف والعزلة وعمدت إلى البحث عن حلفاء جدد يوفرون لها غطاءً أمنياً ومظلة حماية.
  2. الانضمام للاتحاد الأوروبي (2004): نَقَل هذا التحول قبرص بالكامل إلى المنظومة السياسية والاقتصادية الغربية. وبموجب هذا الانضمام، أصبحت الجزيرة مُلزمة بمواءمة قراراتها الدبلوماسية مع التوجهات الأوروبية والأمريكية، مما أدى إلى تآكل روابط التضامن التاريخية مع القضايا القومية العربية.
ثالثاً: قفزة التحالف مع الكيان الصهيوني
في العقدين الأخيرين، قفزت العلاقات بين نيقوسيا وتل أبيب قفزات غير مسبوقة، فتحول الكيان الصهيوني من معزول دبلوماسياً في الجزيرة إلى "شريك استراتيجي فوق العادة"، عبر بوابتين أساسيتين:
  • ترسيم الحدود البحرية ومنتديات الغاز: شكلت اكتشافات الطاقة في شرق البحر المتوسط مصلحة اقتصادية وسياسية عليا لربط قبرص بالكيان. وجرى توقيع اتفاقيات لترسيم الحدود البحرية وصياغة "منتدى غاز شرق المتوسط" بشكل تجاوز المصالح الاقتصادية والسيادية العربية، لا سيما اللبنانية والمصرية.
  • الاستيطان العقاري الصهيوني: شهدت الساحة القبرصية مؤخراً ظاهرة خطيرة تتمثل في تنامي عمليات شراء الأراضي والعقارات وتأسيس البنى التحتية المغلقة من قبل مستثمرين وجماعات صهيونية (مثل حركة حباد) في الشطرين الجنوبي والشمالي، مما أثار مخاوف قوى سياسية قبرصية محلية (كحزب أكيل اليساري) التي حذرت من تحول الجزيرة إلى عمق ديموغرافي واقتصادي للكيان.
رابعاً: منصة العدوان والتجسس على سوريا ولبنان
بلغت التجاوزات القبرصية مرحلة التهديد الأمني المباشر عبر تحويل جغرافيتها المستحدثة إلى ساحة تدريب ومحطة تجسس استخباري تخدم مباشرة الخطط الحربية الصهيونية والغربية ضد بلاد الشام وغزة:
  • المناورات العسكرية المشتركة (محاكاة غزو لبنان): احتضنت المرتفعات القبرصية (مثل جبال ترودوس) مناورات عسكرية ضخمة ومستمرة لجيش الاحتلال الصهيوني (مثل مناورات "عربات النار" وتمارين "شمس زرقاء"). واختيرت تضاريس الجزيرة بدقة نظراً لتشابهها الشديد مع جغرافية وطبيعة جنوب لبنان، حيث تدربت النخبة العسكرية الصهيونية هناك على سيناريوهات غزو بري وخوض معارك جبلية ضد قوى المقاومة.
  • قاعدة أكروتيري البريطانية وسلاسل الإمداد والتجسس: على الرغم من تمتع القواعد البريطانية (أكروتيري وديكيليا) بصفة "سيادية" بموجب اتفاقيات الاستقلال القديمة، إلا أن تساهل الحكومات القبرصية المتعاقبة جعل منها منطلقاً لأعمال عدائية سافرة. وتؤكد التقارير والتحقيقات الدولية تسيير بريطانيا لأكثر من 500 رحلة طيران استطلاعي من قاعدة أكروتيري فوق قطاع غزة ولبنان وسوريا لجمع معلومات استخبارية عسكرية مررت مباشرة للكيان. كما استُخدمت القاعدة كشريان إمداد لنقل الذخائر والمعدات الأمريكية والبريطانية لدعم الآلة الحربية الصهيونية.
  • الرادارات العملاقة وخرق الأجواء الشامية: تضم الجزيرة منظومات رصد وتشويش فائقة التطور (مثل المحطة المقامة فوق قمة جبل أوليمبوس) تديرها المخابرات الغربية بالتنسيق مع الكيان. تُستخدم هذه المنظومات لكشف المجال الجوي السوري واللبناني، ورصد التحركات الدفاعية، والتشويش على شبكات الرادار القومية، مما يسهل الاعتداءات الجوية المتكررة على الأراضي العربية.
خامساً: معادلة الردع وقادم الأيام
أمام هذا التمادي الخطير، لم يعد الصمت متاحاً للمقاومة القومية؛ ففي حزيران/يونيو 2024، خرج التحذير الشهير والواضح من قيادة المقاومة في لبنان، معلناً بوضوح أن أي فتح للمطارات أو المنشآت القبرصية لجيش الاحتلال لضرب لبنان سيعني رسمياً أن قبرص أصبحت جزءاً من الحرب وسيتم التعامل معها كطرف معادٍ.
تأكدت هذه المخاوف الميدانية مع تصاعد المواجهات الإقليمية وتلقي القواعد البريطانية في الجزيرة ضربات مباشرة بالطائرات المسيرة، مما أثار موجة غضب شعبي داخل القارة القبرصية ضد الوجود العسكري الأجنبي الذي جرّ بلادهم لآتون صراع مدمر خدمة للمصالح الصهيونية.
خاتمة المقال:
إن استعراض هذا الشريط التاريخي يؤكد للعقل القومي التقدمي أن غياب المشروع العربي الجامع، والارتماء في أحضان الاتفاقيات الغربية، يحول دول الجوار الجغرافي من بوابات صداقة إلى منصات طعن استراتيجي. ستبقى قبرص عهد عبد الناصر ومكاريوس درساً في كيف تبنى العلاقات على المبادئ، وتحولها الراهن انذاراً صارخاً بضرورة حماية الأمن القومي العربي من الاختراقات الاستخبارية والعسكرية التي تستهدف تصفية قوى المقاومة والتحرر في منطقتنا.

المراجع والهوامش (وفقاً للأسماء والبيانات التاريخية والتوثيقية):
  • [1] د. فاسيليس كابيتانيس ومجموعات البحث التاريخي بجامعة نيقوسيا (2022): دراسة علمية حول "علاقات جمهورية قبرص مع مصر وإسرائيل خلال عهد الأسقف مكاريوس (1960-1977)"، والتي وثقت التلاحم والتعاون الدبلوماسي بين مكاريوس وعبد الناصر وموقف الجزيرة من قضايا حركة عدم الانحياز والأمم المتحدة.
  • [2] تقارير ومراسلات وزارة الخارجية اللبنانية وبعثاتها الدبلوماسية (يونيو 2022): التقرير الرسمي حول استدعاء السفير القبرصي في بيروت (بانيوتيس كيرياكو) لطلب توضيح عاجل حول طبيعة مناورات جيش الاحتلال الإسرائيلي (عربات النار/ Beyond the Horizon) فوق تضاريس جبال ترودوس القبرصية لمحاكاة قتال حزب الله وجنوب لبنان.
  • [3] نشرة وكالة الأنباء العسكرية المتخصصة "جانيس" للتطوير الدفاعي (Janes Defence) - يونيو 2023: تقرير عسكري تقني حول مناورات سلاح الجو الإسرائيلي المشتركة في قبرص تحت اسم "الشمس الزرقاء" (Exercise Blue Sun)، وتصريحات قادة أسراب الطيران الإسرائيلي حول التدرب على بيئة جغرافية تحاكي الجبهة الشمالية (لبنان).
  • [4] الخطاب التاريخي لقيادة المقاومة في لبنان (19 حزيران 2024): التحذير الاستراتيجي الموجه للحكومة القبرصية برئاسة نيكوس خريستودوليدس حول تبعات فتح الأجواء والمطارات القبرصية أمام طيران العدو الصهيوني.
  • [5] تحقيقات منظمة "دي كلاسيفايد بريطانيا" الاستقصائية (Declassified UK) - الأعوام 2024، 2025، و2026: سلسلة تقارير موثقة بالأرقام وخرائط الطيران حول تسيير بريطانيا لأكثر من 518 رحلة تجسسية واستطلاعية بواسطة طائرات (Shadow R1) من قاعدة RAF Akrotiri السيادية في قبرص فوق أجواء غزة ولبنان، وتزويد الاستخبارات الصهيونية بالبيانات المباشرة.
  • [6] البيانات السياسية الرسمية لحزب التجمع التقدمي للشعب العامل القبرصي "أكيل" (AKEL Party Reports - 2025/2026): التحذيرات والاحتجاجات الرسمية التي أطلقها الأمين العام للحزب ستيفانوس ستيفانو ضد التغلغل والاستيطان العقاري الصهيوني الكثيف، وشراء مساحات شاسعة من أراضي الجزيرة من قبل مجموعات تابعة للاحتلال.
  • [7] مرصد الصحافة السياسية اللبنانية والسورية لشرق المتوسط (تقارير التحديث الأمني - مارس 2026): رصد وتوثيق تداعيات الهجمات بالطائرات المسيرة التي استهدفت الملحقات العسكرية بقاعدة أكروتيري البريطانية في جنوب قبرص، والاحتجاجات الشعبية القبرصية بمدينة ليماسول المطالبة بطرد القواعد البريطانية لحماية الجزيرة من الانخراط في الحروب الصهيونية.

​إيطاليا والأمن القومي العربي: من الأطماع الرومانية والفاشية إلى التعديات البحرية والتخادم الصهيوني ​بقلم: الناصر خشيني

 


​في سياق قراءتنا القومية التقدمية المتواصلة لمهددات الأمن القومي العربي من جهة الجوار الجغرافي، يبرز الجوار الأورو-متوسطي عبر البوابة الإيطالية كأحد الخطوط الجيوسياسية التاريخية التي طالما شكلت مصدر عدوانٍ ومحاولات إخضاع مستمرة للأمة العربية، وتحديداً في شمالها الإفريقي. إن استقراء السلوك الإيطالي يثبت تلازماً عضوياً بين إرث روما الاستعماري القديم، وفاشية القرن العشرين، والتجاوزات "النيو-إمبريالية" الراهنة التي تستهدف السيادة البحرية والثروات العربية في تونس وليبيا، فضلاً عن الاصطفاف السياسي والعسكري التقليدي لروما إلى جانب الكيان الصهيوني.

​أولاً: من الامبراطورية الرومانية إلى الفاشية الحديثة.. صراع وجودي ممتد
​إن العدوان الإيطالي على الجسد العربي ليس وليد العصر الحديث، بل يستند إلى عمق تاريخي وجذور ممتدة منذ العهد الروماني، عندما سعت روما القديمة للتوسع قسراً على حساب ضفاف المتوسط الجنوبية وطمس هوية المنطقة وحضارتها. لكن هذا النفوذ قوبل ببطولات تاريخية خالدة سطرها أبناء المنطقة؛ لعل أبرزها عبقرية القائد القرطاجي الفذ حنبعل، الذي نقل المعركة إلى عقر دار الرومان وسحق جحافلهم في معركة "كان" (Cannae) الشهيرة، مجسداً أولى ملائم الدفاع الاستراتيجي عن تراب هذه المنطقة [1].
​هذه العقلية الامبراطورية التوسعية أطلت برأسها مجدداً في العصر الحديث من بوابة الفاشية الموسولينية التي اجتاحت ليبيا عام 1911. ارتكب الاحتلال الفاشي جرائم حرب وإبادة جماعية يندى لها جبين الإنسانية؛ شملت الإعدامات الميدانية، والتهجير القسري، ونصب المشانق لرموز المقاومة وعلى رأسهم شيخ الشهداء عمر المختار، وتأسيس المعتقلات الجماعية الصحراوية الساعية لكسر إرادة الشعب العربي الليبي وطمس عروبته [2].
​ثانياً: معركة الاعتذار والتعويض.. الثورة الليبية تجبر روما على الانصياع
​إن الفكر التقدمي يؤمن بأن الحقوق التاريخية للشعوب لا تسقط بالتقادم، وأن لغة القوة والندية هي الوحيدة الكفيلة بانتزاع الاعتراف من القوى الاستعمارية. وهو ما تجسد ميدانياً وسياسياً عندما خاضت الجماهيرية الليبية بقيادة الشهيد معمر القذافي معركة دبلوماسية وقانونية شرسة لانتزاع حقوق الشعب الليبي [3].
​لقد أجبرت القيادة الليبية الدولة الإيطالية ــ لأول مرة في تاريخ العلاقات الاستعمارية الغربية مع العالم الثالث ــ على الانصياع والإقرار بجرائمها، وتوج ذلك بتوقيع "معاهدة بنغازي للصداقة والشراكة والتعاون" عام 2008، والتي تضمنت اعتذاراً رسمياً وصريحاً من روما للشعب الليبي عن حقبة الاحتلال، والتزاماً إيطالياً بدفع تعويضات مالية واستثمارية ضخمة بلغت مليارات الدولارات كتعويض عن الأضرار المادية والبشرية التي سببتها الفاشية [4].
​ثالثاً: التجاوزات البحرية والقرصنة الاقتصادية على سواحل تونس وليبيا
​لم تتخلَّ إيطاليا المعاصرة كلياً عن أطماعها؛ إذ يتخذ التعدي الإيطالي الراهن على الأمن القومي العربي طابعاً اقتصادياً وجيوسياسياً يتمثل في الانتهاكات المتكررة للحدود البحرية لكل من تونس وليبيا.
​تتعمد أساطيل ومراكب الصيد الإيطالية، المدعومة أحياناً بغطاء سياسي، اختراق المياه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة للبلدين، والوصول إلى السواحل القريبة لبعض المدن التونسية والليبية لنهب الثروة السمكية ومقدرات الأعماق العربية [5]. إن هذه القرصنة المستمرة لا تشكل انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية والقوانين الدولية فحسب، بل تعد استنزافاً ممنهجاً للأمن الغذائي والاقتصادي للصيادين والشعوب العربية على الضفة الجنوبية للمتوسط.
​رابعاً: العلاقات الاستراتيجية مع الكيان الصهيوني وخيانة الحق العربي
​تتكامل هذه السياسات العدائية الإقليمية مع الموقف الجيوسياسي لروما من القضية المركزية للأمة. ترتبط إيطاليا بعلاقات سياسية، وعسكرية، واقتصادية متطورة وراسخة مع الكيان الصهيوني، نابعة من التزامها بالمنظومة الأطلسية الغربية [6].
​تعتبر روما من العواصم الأوروبية التي توفر غطاءً سياسياً ودبلوماسياً لجرائم الاحتلال الصهيوني في فلسطين، وتشارك في مناورات عسكرية مشتركة مع جيش العدو، متبادلة معه التقنيات الأمنية والاستخباراتية. هذا الانحياز البنيوي يثبت أن إيطاليا، رغم شعارات "الشراكة الأورومتوسطية"، تقف استراتيجياً في الخندق المعادي لطموحات الأمة العربية في التحرر والانعتاق، وتساهم في إطالة أمد احتلال أرضنا في فلسطين.
​خلاصة وموقف قومي:
​إن استعراض التاريخ والحاضر في الملف الإيطالي يؤكد للمدرسة القومية التقدمية أن الأمن القومي العربي وحدة واحدة لا تقبل التجزئة؛ فالتعدي على السيادة البحرية التونسية أو الليبية هو امتداد لذات العقلية التي حاولت بالأمس طمس هوية المنطقة. إن مجابهة هذا التحدي تفرض على الأقطار العربية مغادرة مربع العلاقات غير المتكافئة، وفرض معادلات ندية لحماية المياه الإقليمية والثروات البحرية، وربط المصالح الاقتصادية لروما بمواقفها السياسية من قضايا الأمة العادلة وعلى رأسها قضية فلسطين، تأكيداً على سيادة الأمة وكرامة شعوبها.
​المراجع والمصادر:
​[1] بوليبيوس: تاريخ الإمبراطورية الرومانية والصراع مع قرطاج، دراسات في الاستراتيجية العسكرية لمعركة كان وتأثير حنبعل، منشورات الجامعة التونسية.
[2] مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية: الموسوعة التاريخية للمقاومة الليبية ضد الغزو الإيطالي الفاشي (1911-1932).
[3] السجل القومي: الخطابات والوثائق السياسية للثورة الليبية حول معركة انتزاع التعويضات والاعتذار من إيطاليا.
[4] نص وثيقة "معاهدة بنغازي للصداقة والشراكة والتعاون بين الجماهيرية العظمى وإيطاليا"، أغسطس 2008، منشورات وزارة الخارجية الليبية.
[5] تقارير وزارة الفلاحة والصيد البحري التونسية حول انتهاكات السفن الأجنبية والمراكب الإيطالية للمياه الإقليمية وخليج قابس.
[6] معهد الشؤون الدولية (IAI) في روما: دراسات في العلاقات الإيطالية-الإسرائيلية والتعاون العسكري والتكنولوجي في حوض المتوسط.

الجمعة، 10 يوليو 2026

​فرنسا وشمال إفريقيا العربي: من الاحتلال المباشر إلى الاستعمار الجديد وأدوات التبعية الفرنكوفونية بقلم: الناصر خشيني

 

       مقدمة
​في إطار قراءتنا القومية التقدمية الشاملة لمفهوم الأمن القومي العربي، ندرك أن التهديدات لا تقتصر على حدود الإقليم الجغرافية المباشرة، بل تتقاطع بشكل عضوي مع القوى الإمبريالية التاريخية التي ما زالت ترى في جغرافيا الأمة وفضاءاتها الحيوية مجالات نفوذ تابعة لها. وتبرز فرنسا كنموذج صارخ لهذه القوى؛ إذ لم يكن احتلالها العسكري لشمال إفريقيا (تونس، الجزائر، والمغرب) مجرد مرحلة تاريخية عابرة، بل أسس لمنظومة استعمارية جديدة (Neo-colonialism) تواصل عبرها باريس، حتى يومنا هذا، استنزاف ثروات المنطقة والهيمنة على مقدراتها السياسية والاقتصادية عبر شبكات نفوذ معقدة وأدوات ثقافية "فرنكوفونية" تعمل كطابور خامس لرهن الإرادة الوطنية العربية.
​أولاً: الإرث الاستعماري الأسود.. عقيدة التدمير البنيوي وطمس الهوية
​إن تاريخ فرنسا في المغرب العربي هو تاريخ من الدم، ومحاولات المسخ الهوياتي الممنهج. فمنذ احتلال الجزائر عام 1830 وما تلاه من فرض "الحماية" على تونس والمغرب، لم تكتفِ الإمبريالية الفرنسية بنهب الأرض، بل خاضت حرباً وجودية لطمس الهوية العربية والإسلامية لشعوب المنطقة [1].
​لقد قامت هذه العقيدة الاستعمارية على مصادرة الأراضي الحصبة، وتدمير البنى الاقتصادية التقليدية لصالح ربط الاقتصاد المغاربي بالمركّب الرأسمالي الفرنسي، فضلاً عن سياسات "الفرنسة" التعليمية والإدارية العنيفة التي استهدفت عزل هذه الأقطار عن عمقها القومي المشرقي، وهي العقلية الاستعلائية التي ما زالت تحكم نظرة باريس إلى هذه الدول كـ"حديقة خلفية" تابعة لها.
​ثانياً: الاستعمار الجديد (Françafrique) والاستغلال الاقتصادي المتواصل
​رغم نيل دول شمال إفريقيا استقلالها السياسي بفضل تضحيات حركات التحرر الوطني، إلا أن فرنسا حرصت على صياغة "اتفاقيات استقلال" منقوصة تضمن لها استمرار الهيمنة الاقتصادية. تتجلى هذه الهيمنة اليوم في استمرار الشركات الفرنسية الكبرى (مثل توتال، وأورانو، والمجموعات المصرفية والصناعية) في السيطرة على قطاعات حيوية كاستخراج النفط والغاز، الفوسفات، والملح، فضلاً عن التحكم في قطاعات الاتصالات والخدمات والمال [2].
​وعلى الرغم من التراجعات الميدانية الكبيرة والصفعات المتتالية التي تلقتها فرنسا في منطقة الساحل الإفريقي (مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو) ورفض شعوبها لاستعباد "فرنك غرب إفريقيا" (CFA franc) واحتكارات اليورانيوم [3]، إلا أن باريس ما تزال تكافح بشراسة للحفاظ على نفوذها الاقتصادي الاستنزافي في شمال إفريقيا عبر عقود امتياز واحتكارات تجارية غير متكافئة تضمن بقاء المواد الخام وثروات الشعوب العربية متدفقة نحو الشمال، بينما تعاني الدول الوطنية من أزمات هيكلية وتنموية خانقة.
​ثالثاً: النفوذ الفرنكوفوني.. الاختراق الثقافي والطبقة الوظيفية
​لا يمكن فهم ديمومة الهيمنة الفرنسية دون تفكيك سلاحها الأكثر خطورة: الفرنكوفونية. إن الفكر التقدمي يرى في الفرنكوفونية أداة جيوسياسية ومؤسساتية صممتها باريس لإعادة إنتاج التبعية بعد الاستقلال المباشر [4]. ومن خلال التغلغل الثقافي، والتعليمي، والإعلامي، نجحت فرنسا في رعاية وتشجيع نخب وتيارات "فرنكوفونية" داخل المجتمعات المغاربية.
​هذه النخب الوظيفية، التي ترتبط مصالحها الطبقية والثقافية بباريس، تعمل كجدار صد يدافع عن المصالح الاستراتيجية الفرنسية، وتعطل أي مشروع حقيقي للتعريب الشامل أو التحرر الاقتصادي والسياسي. إنها تمارس نوعاً من "الاستلاب الحضاري" الذي يبقي مراكز صنع القرار الإداري والاقتصادي في المغرب العربي مقيدة بالنمط والمعايير الفرنسية، مما يمنح باريس قدرة عالية على التدخل والتوجيه من خلف الستار.
​رابعاً: التخادم الإمبريالي الصهيوني وتطويق الطموح القومي
​في المشهد الاستراتيجي الأوسع، تلتقي السياسة الفرنسية في شمال إفريقيا دائماً مع أهداف المشروع الصهيوني والإمبريالية الأمريكية في المنطقة. تسعى فرنسا، عبر الحفاظ على حالة التبعية والتجزئة في المغرب العربي، إلى منع قيام أي كتلة قومية عربية متكاملة وقوية اقتصادياً وسياسياً على جنوب المتوسط [5].
​إن إبقاء هذه الدول مستنزفة الثروات وتابعة للمركز الأوروبي يضمن تحييد قدراتها البشرية والجغرافية الهائلة عن معركة الأمة المركزية في فلسطين، بل إن السياسات الفرنسية طالما وظفت ملفات الدعم المالي والديون للضغط على الحكومات المغاربية لضبط مواقفها السياسية بما يتوافق مع التوجهات الغربية والأطلسية.
​خلاصة وموقف قومي:
​إن الحالة الفرنسية في شمال إفريقيا تثبت حقيقة مبدئية في الفكر القومي التقدمي: وهي أن معركة التحرر الوطني لم تنتهِ برحيل الجندي الأخير للاستعمار التقليدي. إن مجابهة هذا التعدي السافر على الأمن القومي العربي تتطلب خوض معركة تحرر ثانٍ؛ تتمثل في تصفية كافة أشكال التبعية الاقتصادية، وإلغاء الاحتكارات الأجنبية لثروات شعوبنا، وتطهير الفضاء الثقافي والتعليمي من الهيمنة الفرنكوفونية الاستلابية، وبناء اقتصاد وطني ومغاربي مستقل يضع مقدرات الأرض في خدمة أصحابها، كخطوة أساسية نحو تحقيق السيادة الكاملة والوحدة القومية الشاملة.
​المراجع والمصادر:
​[1] مركز دراسات الوحدة العربية: دراسات في تاريخ المغرب العربي المعاصر وسياسات الاستعمار الفرنسي الثقافية والاقتصادية.
[2] تقارير اللجنة الاقتصادية لإفريقيا (الأمم المتحدة) حول هيكلية التبادل التجاري والاحتكارات الأجنبية في منطقة شمال إفريقيا.
[3] معهد الدراسات الإقليمية والدولية: تحولات المشهد الإفريقي والساحل، وسقوط منظومة "فرانس-أفريك" التقليدية وأثره الجيوسياسي (2025-2026).
[4] المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو): الفرنكوفونية وأثر التغلغل اللغوي والثقافي على الهوية والسيادة الوطنية في المغرب العربي.
[5] العلاقات الأورو-متوسطية والسياسات الاستعمارية الجديدة، منشورات معهد الإنماء العربي.

 

خارطة الطريق اليمنية: ورقة توقّفت عند حدود النوايا بقلم الناصر خشيني



مدخل: سلامٌ يُكتب على الورق ولا يُصرف في الواقع

ثمة مفارقة تكاد تلخّص عبثية السياسة في هذا الشرق المنهك: حربٌ استمرت قرابة عقد كامل، أنهكت شعباً بأكمله، ثم يُعلن فجأة أن ثمة "خارطة طريق" ترسم مساراً واضحاً للخروج منها — وقف نار، رفع حصار، صرف مرتبات، توحيد بنك مركزي، خروج قوات أجنبية، حوار وطني، إعمار — كل هذا موثّق ومرتّب على مراحل زمنية دقيقة: ستة أشهر، ثم ستة أشهر أخرى، ثم سنتان للحل الشامل. وفجأة أيضاً، يتبخر كل هذا الترتيب الأنيق في دهاليز المماطلة والتسويف، وتبقى الورقة حبراً على ورق بينما يستمر اليمنيون في العيش بلا رواتب، وبلا مطارات مفتوحة بالكامل، وبلا أفق سياسي.

بين النية المعلنة والفعل المؤجَّل

الخارطة التي بلورتها الوساطة العُمانية عام 2023، وتبنّتها لاحقاً جهود أممية بقيادة المبعوث الخاص هانس غروندبرغ، لم تكن يوماً وثيقة نظرية. لقد ترجمت زيارات متبادلة، ومشاورات في مسقط والرياض، بل وتصريحات رسمية سعودية وصفت الخارطة بأنها "جاهزة". غير أن الجاهزية على الورق شيء، والالتزام بالتنفيذ على الأرض شيء آخر تماماً. فبعد ثلاث سنوات كاملة من الإعلان عن هذه الخارطة، ما تزال بنودها الأكثر حساسية — توحيد الإيرادات، خروج القوى الأجنبية، الحوار السياسي الشامل — معلّقة في انتظار "الظرف المناسب" الذي لا يأتي أبداً.

من يعطّل، ومن يستفيد من التعطيل؟

الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الرواية هنا ليست أحادية كما تروّج بعض الأدبيات: فالحكومة اليمنية المعترف بها دولياً حمّلت في أكثر من مناسبة صنعاء مسؤولية التصعيد وعدم الاستفادة من فرصة الخارطة، بينما ترى أطراف أخرى أن الرياض هي من تسحب قدميها كلما اقترب موعد استحقاق جوهري، مفضّلة "تعليق الحرب" على إنهائها فعلياً، لأن استمرار حالة اللا-حرب واللا-سلم يحفظ لها هامش مناورة إقليمية لا تريد التفريط فيه. المبعوث الأممي نفسه وصف المسار، بعد عامين من الحديث عنه، بأنه "معطّل بالكامل"، في غياب — كما قال — شريك تفاوضي حقيقي وملموس.

وبين هذا وذاك، يبقى الثابت الوحيد هو أن اليمني العادي هو من يدفع الفاتورة: موظف بلا راتب، ومريض بلا دواء يصل عبر ميناء مقيَّد، ومسافر يخضع لتفتيش وتأخير في مطار لم تُرفع عنه القيود بالكامل رغم مرور سنوات على "الاتفاق" المزعوم.

خاتمة: السلام حين يتحول إلى أداة مماطلة

لا يمكن الحديث عن خارطة طريق حقيقية للسلام حين تتحول بنودها إلى ورقة ضغط تتقاذفها الأطراف كل بحسب مصلحته الآنية. فإما أن يُترجم التوقيع إلى التزام، بجدول زمني ملزم ورقابة دولية فعلية، أو يُعترف صراحة بأن ما جرى لم يكن أكثر من هدنة تكتيكية أُريد لها أن تبدو سلاماً. والفارق بين الاثنين ليس تفصيلاً لغوياً، بل هو الفارق بين شعب يستعيد كرامته ووطنه، وشعب يُترك ينتظر إلى أجل غير مسمى.

تركيا والأمن القومي العربي: أطماع التمدد، التعطيش الممنهج، والتخادم مع مشاريع التفتيت بقلم: الناصر خشيني

 


    ​في إطار قراءتنا القومية التقدمية للصراع المحتدم حول الأمة العربية، ندرك أن جبهات الاستهداف لا تأتي فقط من العدو الصهيوني المباشر، بل تتقاطع مع أدوار إقليمية لجوار جغرافي طالما وظّف شعارات مخادعة لإخفاء نزعاته التوسعية وإرثه الاستعماري. وتبرز تركيا اليوم كأحد أبرز هذه الأطراف الإقليمية التي مارست، وما تزال، أدواراً عدوانية ألحقت أبلغ الأضرار بالأمن القومي العربي، متمثلة في انتهاك السيادة، ورعاية الإرهاب التفتيتي، والتعطيش الممنهج لبلاد الرافدين والشام، فضلاً عن ارتماء نظامها في أحضان علاقات استراتيجية متطورة مع الكيان الصهيوني على حساب دماء شعبنا العربي في فلسطين.

​أولاً: لواء الإسكندرونة والتوغلات في العراق.. عقيدة قضم الأرض وانتهاك السيادة
​إن السلوك التركي تجاه الجغرافيا العربية يستند إلى عقلية توسعية تاريخية لم تتخلَّ يوماً عن أطماعها. ويتجلى ذلك تاريخياً في استمرار احتلال لواء الإسكندرونة السوري منذ عقود، في صفقة استعمارية جرت بتواطؤ مع القوى الغربية لسلخ جزء أصيل من الجسد العربي [1].
​ولم تقف هذه النزعة عند حدود التاريخ؛ بل تتجسد دورياً في الانتهاكات الصارخة والتوغلات العسكرية المتكررة شمال العراق. فتحت ذريعة ملاحقة الانفصاليين الأكراد (حزب العمال الكردستاني)، تستبيح القوات التركية السيادة العراقية، مخلّفة دماراً هائلاً في القرى والبنى التحتية، وقاتلة للمواطنين العراقيين الأبرياء، في تجسيد لسياسة فرض الأمر الواقع العسكري والاستخفاف بالدول الوطنية العربية [2].
​ثانياً: تدمير سوريا ورعاية الإرهاب.. طعن ركائز المقاومة لصالح التفتيت
​لقد مثلت الحرب على سوريا خلال العقدين الماضيين الذروة في السلوك التركي المعادي للأمن القومي. فتحت إدارة نظام العدالة والتنمية، تحولت تركيا إلى الممر الرئيسي والخزان اللوجستي لضخ عشرات الآلاف من الإرهابيين والتكفيريين نحو الأراضي السورية [3]. وشمل هذا الدور تقديم الدعم العسكري، والتدريب، والتسليح، والغطاء الاستخباراتي، وصولاً إلى التدخل العسكري المباشر واحتلال أجزاء واسعة من الشمال السوري.
​إن الهدف الاستراتيجي من هذا التدخل لم يكن سوى تدمير الدولة الوطنية السورية وإسقاط نظامها، الذي لطالما شكّل ركيزة أساسية من ركائز محور المقاومة وجدار الصد العربي في وجه الأطماع الإمبريالية والصهيونية. وبفعل هذا العدوان، جرى تدمير القدرات العسكرية والصناعية والعلمية لسوريا وتحت نظر القوات التركية المحتلة، مما أدى في المحصلة الجيوسياسية الراهنة إلى استنزاف سوريا وتقديم جنوبها وفضائها لقمة سائغة للاعتداءات الصهيونية المتواصلة [4].
​ثالثاً: سلاح "الإرهاب المائي".. مشروع "GAP" وتجفيف نهري دجلة والفرات
​لا يقتصر العدوان التركي على السلاح والبارود، بل يمتد إلى توظيف الطبيعة كأداة للحروب الوجودية وخنق الشعوب العربية. لقد عمدت أنقرة عبر عقود إلى تنفيذ مشروع جنوب شرق الأناضول (GAP)، وقامت بإنشاء أكثر من عشرين سداً (وفي مقدمتها سد أتاتورك وسد إيليصو) على مجريي نهري دجلة والفرات [5].
​هذا الحجز الممنهج للمياه وحرمان دول المصب التاريخية (سوريا والعراق) من حصصها العادلة والمكتسبة، يمثل جريمة تعطيش ممنهجة تسببت في جفاف مساحات زراعية شاسعة، وتدمير البيئة الحيوية، وتصحر الرافدين. إن تحويل المياه إلى ورقة ابتزاز سياسي يعكس رغبة تركية في إخضاع الإرادة السياسية العربية عبر التهديد بالتعطيش والجوع.
​رابعاً: العلاقات مع الكيان الصهيوني وخيانة قضية غزة
​رغم الخطابات الرنانة والشعارات العاطفية التي يدغدغ بها النظام التركي مشاعر الشارع الإسلامي والعربي، إلا أن التفكيك التقدمي للمواقف يكشف زيف هذه الادعاءات. ترتبط تركيا بعلاقات بنيوية ومتطورة مع الكيان الصهيوني، تشمل اتفاقيات تجارية وعسكرية واستخباراتية ضخمة لم تنقطع خلف الكواليس حتى في أوج الأزمات [6].
​ويتضح هذا التناقض الصارخ في العجز الميداني والسياسي التركي عن إنقاذ أهلنا في قطاع غزة من حرب الإبادة والبطش الصهيوني؛ حيث اكتفت أنقرة ببيانات الإدانة وظلت عاجزة ــ أو غير راغبة ــ في اتخاذ مواقف استراتيجية حاسمة تقطع شريان العلاقات مع العدو أو تفرض ضغطاً حقيقياً يوقف المجازر، مما يؤكد أن المصالح والتحالفات الإقليمية لتركيا تتقدم دائماً على نصرة القضايا العادلة للأمة العربية.
​خلاصة وموقف قومي:
​إن استقراء الحالة التركية يضعنا أمام حقيقة لا لبس فيها: إن أي مشروع إقليمي يقوم على قضم الأرض العربية، أو تدمير دولها الوطنية، أو حبس مياهها، هو مشروع معادٍ للأمن القومي بالضرورة. إن الفكر القومي التقدمي يملي علينا كشف هذه السياسات وتعرية خطاباتها المخادعة، والتأكيد على ضرورة بناء كتلة عربية متماسكة وقوية قادرة على حماية سيادتها ومواردها، والدفاع عن فضاءاتها الجغرافية والتاريخية ضد أطماع الجوار ومخططات التفتيت الإمبريالية والصهيونية.
​المراجع والمصادر:
​[1] لواء الإسكندرونة: دراسات في اقتطاع الأراضي السورية والتوازنات الدولية الاستعمارية، مركز دراسات الوحدة العربية.
[2] تقارير وزارة الخارجية العراقية حول انتهاكات السيادة والعمليات العسكرية التركية في شمال العراق (دهوك وأربيل).
[3] تقارير مراكز الدراسات الاستراتيجية الدولية حول "طرق تدفق المقاتلين الأجانب عبر الحدود التركية إلى سوريا".
[4] المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات: تحولات المشهد السوري وتأثير التدخلات الإقليمية على القدرات الدفاعية والصناعية للدولة.
[5] مشروع جنوب شرق الأناضول (GAP) وأثره على الأمن المائي والبيئي في سوريا والعراق، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.
[6] العلاقات التركية الإسرائيلية: دراسة في الجيوسياسية والتجارة البينية والتحالفات الأمنية، معهد الدراسات الإقليمية.

 

الأربعاء، 8 يوليو 2026

​إثيوبيا وتحدي الأمن القومي العربي بقلم: الناصر خشيني


    مقدمة

​تخوض الأمة العربية في مرحلتها الراهنة صراعاً وجودياً متعدد الجبهات، لا يقتصر على مواجهة الغزوات الخارجية المباشرة، بل يمتد إلى جبهات الإقليم وجوارنا الجغرافي الذي يجري توظيف بعض أطرافه كأدوات وظيفية لمحاصرة الأمن القومي العربي وتفتيت ركائزه. وفي هذا السياق الجيوسياسي، يبرز الدور الإثيوبي الراهن ليس كمجرد خلافات حدودية أو تنموية عابرة، بل كحلقة أساسية في استراتيجية معادية تستهدف عمق الأمة العربية، من حوض النيل إلى القرن الإفريقي، وصولاً إلى قلب السودان الشقيق.
​أولاً: إقليم الأوغادين.. تاريخ من التوسع الإمبريالي والإنكار الحضاري
​إن قراءتنا القومية والتقدمية للتاريخ تنطلق من الإيمان بحق الشعوب في تقرير مصيرها ورفض الهيمنة. ومن هذا المنطلق، يمثل إقليم الأوغادين أرضاً عربية الهوى والهوية، جرى اقتطاعها وإلحاقها بإثيوبيا في سياق التوازنات الاستعمارية القديمة التي استهدفت تمزيق الفضاء العربي والإسلامي في القرن الإفريقي. إن استمرار السيطرة الإثيوبية على هذا الإقليم يمثل إرثاً توسعياً يرفض الاعتراف بالحقوق التاريخية والحضارية لأبناء المنطقة، ويشكل خلفية أيديولوجية وسلوكية تحكم العقلية السياسية الحاكمة في أديس أبابا حتى اليوم.
​ثانياً: سد النهضة.. الإرهاب المائي وأدوات خنق دول المصب
​لم يعد العدوان يقتصر على الجغرافيا، بل تحول إلى محاولة للتحكم في شريان الحياة الوجودي للأمة. إن إصرار النظام الإثيوبي على بناء "سد النهضة" وفرض سياسة الأمر الواقع عبر عمليات الملء الأحادية، متجاوزاً الحقوق التاريخية المكتسبة لشعبي مصر والسودان، لا يمكن توصيفه إلا كـ"إرهاب مائي".
إن هذا السد، الذي يحظى بدعم وتمويل صامت من قوى الإمبريالية العالمية، لا يستهدف التنمية كما يزعم الخطاب الرسمي لأديس أبابا، بل يستهدف رهن الإرادة السياسية للقاهرة والخرطوم، وتحويل المياه إلى سلاح استراتيجي لابتزاز الدولة الوطنية العربية وخنق قدراتها الاقتصادية والبشرية.
​ثالثاً: تفكيك السودان.. دعم المليشيات كأداة لضرب الدولة الوطنية
​في إطار الرؤية القومية الشاملة، ندرك أن استهداف أي قطر عربي هو استهداف للمنظومة القومية بأسرها. ومن هنا، يأتي الدور الإثيوبي المشبوه في الأزمة السودانية عبر تقديم الدعم والغطاء لمليشيا الدعم السريع المتمردة. إن هذا التدخل السافر لا يمثل مجرد انحياز سياسي، بل هو مساهمة فعلية في تدمير مؤسسات الدولة الوطنية السودانية وتفتيت نسيجها الاجتماعي. والهدف من وراء ذلك هو إبقاء السودان في حالة سيولة أمنية وضعف دائم، بما يضمن تحييده عن معركة الدفاع عن الأمن المائي العربي، ويخلق حزاماً من الفوضى على حدود مصر الجنوبية.
​رابعاً: التحالف الإثيوبي الصهيوني.. الطوق المخترق للأمة
​يتجلى البُعد الأكثر خطورة في المشهد الاستراتيجي عند تفكيك العلاقات العضوية والمتطورة بين إثيوبيا والكيان الصهيوني. إن هذا التحالف يمثل التطبيق العملي لما يُعرف في العقيدة الأمنية الصهيونية بـ"استراتيجية المحيط" (تطويق العالم العربي من خلال بناء تحالفات مع دول الجوار غير العربية).
إن التعاون العسكري والأمني والتكنولوجي بين أديس أبابا وتل أبيب ــ خاصة في مجالات الاستخبارات وإدارة الموارد المائية وحماية المنشآت الحيوية ــ يؤكد أن النظام الإثيوبي بات يمثل منصة متقدمة للمشروع الصهيوني-الإمبريالي في منطقة البحر الأحمر وباب المندب وحوض النيل، وهو ما يجعله في خندق المجابهة المباشرة مع طموحات أمتنا في التحرر والسيادة.
​خلاصة وموقف: نحو جبهة عربية لمواجهة التحديات الإقليمية
​بناءً على هذه المعطيات التي لا تقبل التجزئة، فإن إثيوبيا بسياساتها الراهنة تضع نفسها في موقع "الجوار المعادي" للأمة العربية. وإن مجابهة هذا التهديد الوجودي تتطلب تجاوز السياسات القُطرية الضيقة بردود أفعالها المؤقتة، والذهاب فوراً نحو صياغة استراتيجية قومية موحدة وتكاملية.
إن الفكر التقدمي يفرض علينا تفعيل كافة عناصر القوة العربية ــ السياسية والاقتصادية والدبلوماسية والشعبية ــ لدعم صمود مصر والسودان، وحماية الحقوق التاريخية، والوقوف بحزم ضد مشاريع التفتيت والتحالفات المشبوهة، صوناً لكرامة الأمة ومستقبل أجيالها.


 

​السودان الجريح: الحرب المنسية ومؤامرة الحصار والتفتيت ​بقلم: الناصر خشيني

 

  مقدمة: ​بينما تتجه أنظار الإعلام العالمي والمحلي بشكل مكثف وصاخب نحو بؤر مشتعلة في الشرق الأوسط مثل غزة ولبنان، أو تتابع ارتدادات الحرب في اليمن، تقبع في الزاوية المعتمة من المشهد الدولي مأساة إنسانية وجيوسياسية تفوق في فظاعتها المادية والاجتماعية الكثير مما رصدته الكاميرات؛ إنها الحرب الأهلية في السودان. هذا الصراع المستمر لا يمثل مجرد نزاع داخلي على السلطة، بل هو مخطط ممنهج لحصار السودان، تفتيت بنيته الدولة، ومصّ مقدراته وثرواته لصالح أجندات إقليمية ودولية [1].
​فظاعة الجرائم: حرب أرقام مرعبة خلف جدار الصمت
​منذ اندلاع المواجهات، ارتكبت ميليشيات الدعم السريع، بقيادة محمد جانب دقلو (حميدتي)، فظائع ترقى إلى جرائم الحرب والتطهير العرقي. وتشير التقديرات الدولية المحدثة لعام 2026 إلى أن الحصيلة الحقيقية للضحايا قد تجاوزت 150,000 قتيل يشملون ضحايا المعارك المباشرة، والمجاعة والأوبئة الناتجة عن الحصار [2]، في حين وثقت نقابات الأطباء والمنظمات الميدانية أكثر من 40,000 جريح سقطوا بأسلحة الحرب والمقذوفات [3]. أما المفقودين والمحتجزين قسرياً فلا توجد إحصائية رسمية دقيقة تحصيهم بسبب انهيار المنظومة الأمنية، وسط توثيق آلاف الحالات من الإخفاء القسري والاختطاف [2].
​الأمر الأكثر مأساوية يتجلى في أزمة النزوح؛ حيث بات السودان يمثل أكبر أزمة نزوح داخلي وخارجي في العالم اليوم، بنزوح وتهجير ما يقرب من 14 مليون إنسان (منهم حوالي 11.5 مليون نازح داخلياً وأكثر من 3 ملايين لاجئ عبروا الحدود إلى دول الجوار) [4].
​الفاتورة التدميرية: سحق البنية التحتية والخدمية
​لم تكتفِ الميليشيات باستهداف الإنسان، بل شنت حرباً ممنهجة لتدمير مقومات الحياة، وهو ما تؤكده الأرقام والتقارير الأممية لعام 2026:
​المستشفيات والقطاع الصحي: تعرض القطاع الصحي لانهيار شبه كامل؛ حيث خرجت أكثر من 70% من مستشفيات السودان عن الخدمة نتيجة التدمير المباشر، أو القصف، أو النهب المحتوم من قبل ميليشيا الدعم السريع [5]. ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، تم رصد المئات من الهجمات المباشرة والمسلحة على المنشآت الطبية والعاملين فيها، مما جعل السودان يتصدر عالمياً المؤشر الجنائي لنسبة الوفيات الناتجة عن استهداف الرعاية الصحية [3].
​المدارس والتعليم: تحولت أروقة العلم إلى ساحات حرب أو ملاجئ بائسة؛ حيث تشير تقارير منظمة اليونيسف لعام 2026 إلى أن أكثر من ثلث مدارس السودان مغلقة تماماً، بينما تُستخدم 11% من المنشآت التعليمية المتبقية كمراكز إيواء مؤقتة للنازحين أو ثكنات عسكرية محتلة من قبل أطراف النزاع، مما حرم أكثر من 8 ملايين طفل سوداني من حقهم الأساسي في التعليم [6].
​المساكن والمرافق المدنية: تعرضت مدن كبرى بأكملها مثل الخرطوم، والـجنينة، والفاشر لدمار واسع جعل بعض أحيائها السكنية "غير صالحة للحياة" جراء القصف الجوي والمدفعي، واستهداف شبكات المياه ومحطات الكهرباء والأسواق المركزية كأداة لتجويع وتركيع السكان [6].
​المحور الإقليمي والدور الإماراتي: تحالف الحصار والمصّ
​لا يمكن فهم استمرارية وقوة ميليشيات الدعم السريع دون النظر إلى خطوط الإمداد والدعم اللوجستي والمالي والعسكري والسياسي المتدفقة إليها. تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة في هذا السياق كلاعب رئيسي ومحرك أساسي خلف الكواليس؛ حيث تشير التقارير الدولية والتحقيقات الاستقصائية إلى دور أبوظبي في تزويد هذه الميليشيات بالأسلحة والعتاد المتطور (مثل المسيرات التي باتت تتسبب في 60% إلى 80% من قتلى الأطفال المدنيين مؤخراً) تحت غطاء المساعدات الإنسانية [6] [7]. الهدف من هذا الدعم يتجاوز النفوذ السياسي المباشر إلى الرغبة في السيطرة على موانئ السودان الاستراتيجية على البحر الأحمر، والاستيلاء على ثرواته الهائلة من الذهب والأراضي الزراعية الخصبة [7].
​تشاد وإثيوبيا: أدوات الاختراق الجغرافي
​لتمرير هذا المخطط، كان لا بد من وجود ممرات جغرافية وأدوات إقليمية مساعدة:
​تشاد: تحولت الأراضي التشادية، وبتواطؤ أو ضغوط على النخبة الحاكمة هناك، إلى الممر اللوجستي الأساسي والمطار الخلفي لتدفق الأسلحة الإمارتية المتجهة إلى دارفور لدعم ميليشيات حميدتي، مما جعل الحدود الغربية للسودان ثغرة برية تنزف منها سيادة الدولة [8].
​إثيوبيا: يتقاطع الموقف الإثيوبي مع أجندة إضعاف الدولة المركزية في السودان، مستغلاً الأزمة لتثبيت واقع جديد في ملفات الحدود (مثل منطقة الفشقة) وضمان تحييد السودان في ملف سد النهضة، فضلاً عن تقديم تسهيلات سياسية ودبلوماسية لقيادات الميليشيا [9].
​هذا التحالف الإقليمي يهدف بالدرجة الأولى إلى حصار السودان جغرافياً وسياسياً، ومنع قيام دولة قوية ومستقرة قادرة على حماية أمنها القومي وثرواتها، وبالتالي تسهيل عملية "مصّ" مقدرات هذا البلد العربي الأفريقي العريق [1].
​خاتمة
​إن الصمت الإعلامي والدولي المطبق تجاه ما يحدث في السودان يمثل تواطؤاً غير معلن يمنح القتلة والممولين مزيداً من الوقت لإتمام مخططهم. إن استعادة السودان لسلامته واستقراره تتطلب أولاً كسر حلقة الحصار الإقليمي، وفضح الأدوار التدميرية للقوى الخارجية التي تجعل من دماء الشعب السوداني وقوداً لأطماعها التوسعية والاقتصادية.
​الهوامش والمراجع:
​[1] المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات: تقارير تحليلية حول الأبعاد الجيوسياسية للصراع الممتد في السودان وأثر التدخلات الإقليمية على سيادة الدولة.
[2] صحيفة نيويورك تايمز (The New York Times) / شبكة بي بي سي (BBC): تقارير استقصائية وأممية محدثة تتبع الحصيلة الكلية التقديرية للوفيات الناتجة عن الصراع المباشر والمجاعة والأوبئة المصاحبة للحرب في السودان.
[3] منظمة الصحة العالمية (WHO): التقرير التحليلي للوضع الصحي العام في السودان (Public Health Situation Analysis - 2026)؛ توثيق الإصابات واستهداف الكوادر والمنشآت الطبية عبر نظام (SSA).
[4] المنظمة الدولية للهجرة (IOM) / شبكة الجزيرة الإعلامية: مرصد الحريات العامة وحقوق الإنسان - تقرير أرقام الأزمة الإنسانية للسودان (تحديثات 2026).
[5] لجنة الإنقاذ الدولية (IRC): تقرير "الأزمة في السودان: ماذا يحدث وكيف نساعد"، توثيق نسب دمار وانهيار المستشفيات والقطاع الصحي بنسبة تتخطى 70%.
[6] منظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF): البيانات الصحفية الصادرة في (أبريل ويوليو 2026) حول أعداد الأطفال الضحايا، ونسب استخدام الطائرات المسيرة، وإحصائيات إغلاق المدارس وخروجها عن الخدمة التعليمية.
[7] صحيفة وول ستريت جورنال (The Wall Street Journal): تحقيقات استقصائية موسعة كشفت بالخرائط والوثائق الدعم التسليحي الإماراتي السري لحميدتي ومسارات التهريب وشبكات الذهب.
[8] صحيفة لوموند الفرنسية (Le Monde): تقارير استقصائية ميدانية حول استخدام المطارات والحدود التشادية كممرات إمداد عسكري بدعم مالي إقليمي لصالح قوات الدعم السريع.
[9] مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية: دراسات مستفيضة حول الموقف الإثيوبي وتقاطع المصالح الإقليمية في ملفات الحدود والمياه وأثرها على تعميق الأزمة السودانية.

 

الثلاثاء، 7 يوليو 2026

من القضايا المسكوت عنها:المدن والبلدات الصحراوية الخاضعة لسيطرة جبهة البوليساريو بقلم الناصر خشيني

 


مقدمة عامة عن الوضع الحالي
تسيطر جبهة البوليساريو فعليًا على الجزء من أراضي الصحراء الغربية الواقع شرق الجدار العسكري المغربي المعروف بـ"البِرْم"، وتُطلق على هذه المنطقة تسمية "المناطق المحررة" أو "المنطقة الحرة"، في حين يصفها المغرب بـ"المنطقة العازلة"¹. وهذا الخلاف في التسمية نفسه جزء من نزاع سياسي وقانوني أوسع لم يُحسم بعد حول مصير الإقليم.
تبلغ نسبة الأراضي الخاضعة لسيطرة البوليساريو نحو 30% من مساحة الصحراء الغربية الإجمالية، مقابل سيطرة مغربية على النسبة المتبقية البالغة نحو 70%، وهي نسب تكاد تكون ثابتة منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في سبتمبر 1991². يمتد الجدار الفاصل بين الجانبين لمسافة تتراوح بين 2200 و2700 كيلومتر، وهو محاط بحقول ألغام، وتراقبه بعثة الأمم المتحدة لتنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو) على جانبيه³.
من الناحية السكانية، تُقدَّر أعداد سكان المنطقة الحرة بما بين 30 و40 ألف نسمة فقط، وهم في الغالب بدو رحّل يمارسون رعي الإبل التقليدي، إلى جانب عناصر جيش التحرير الشعبي الصحراوي، نظرًا لقسوة المناخ ووعورة المنطقة وانتشار الألغام فيها⁴. في المقابل، يعيش القسم الأكبر من اللاجئين الصحراويين، ويقدَّر عددهم بنحو 250 ألف شخص، في مخيمات تندوف بالجزائر⁵.
العاصمة المعلنة للجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية هي مدينة العيون، غير أنها تقع تحت السيطرة المغربية؛ لذلك اتُّخذت بئر لحلو عاصمة مؤقتة عند إعلان الجمهورية عام 1976، قبل أن تنتقل العاصمة المؤقتة رسميًا إلى تيفاريتي في 27 فبراير 2008، فيما تُدار الشؤون اليومية عمليًا من مخيمات تندوف⁶.
دوليًا، تعتبر الأمم المتحدة جبهة البوليساريو الممثل الشرعي للشعب الصحراوي، وتحظى الجمهورية الصحراوية باعتراف نحو 45 دولة عضوًا في الأمم المتحدة وبعضوية كاملة في الاتحاد الأفريقي⁷. غير أن مواقف عدد من الدول تطورت في الاتجاه المعاكس مؤخرًا: ففي يونيو 2025 غيّرت المملكة المتحدة موقفها لتؤيد مقترح الحكم الذاتي المغربي⁸، وفي أبريل 2025 كرر وزير الخارجية الأمريكي اعتراف الإدارة الأمريكية بالسيادة المغربية على الإقليم واعتبار مقترح الحكم الذاتي "الأساس الوحيد" لحل النزاع⁹، كما أعلنت مالي في أبريل 2026 دعمها لهذا المقترح وسحب اعترافها بالجمهورية الصحراوية¹⁰. في المقابل، أعلنت جبهة البوليساريو في نوفمبر 2020 إنهاء وقف إطلاق النار الذي كان ساريًا منذ 1991، وسجّلت الأمم المتحدة منذ ذلك الحين ما وصفته بـ"أعمال عدائية منخفضة الحدة" بين الطرفين¹¹.
ملاحظة منهجية: لا تتوفر إحصاءات سكانية أو مساحية دقيقة وحديثة لكل بلدة على حدة، كونها مناطق نائية شبه خالية من السكان المدنيين ولم تشهد تعدادًا رسميًا موثوقًا منذ عقود؛ لذا تبقى بعض الأرقام الواردة أدناه (خصوصًا الخاصة بعام 1975) أرقامًا تاريخية سابقة لاندلاع الحرب.
أكوانيت
مدينة تقع قرب الحدود الجنوبية الشرقية للصحراء الغربية مع موريتانيا، خاضعة لسيطرة جبهة البوليساريو، وتضم مقر بعثة مينورسو. استضافت احتفالات الذكرى 27 لاندلاع الكفاح المسلح في مايو 2000، وعرضًا عسكريًا في يونيو 2006، كما شهدت افتتاح مستشفى بتمويل باسكي ومحطة تحلية مياه بتمويل أندلسي ومركز اتصالات، إلى جانب وضع حجر أساس لمدرسة ومقر بلدية.
أمغالة
قرية تقع جنوب السمارة وغرب تيفاريتي، على بعد أميال من الحدود الموريتانية، من المناطق المحررة الخاضعة لسيطرة البوليساريو. شهدت مواجهات عدة بين المغرب والبوليساريو والجزائر خلال الحرب، من بينها المواجهة المباشرة الوحيدة بين الجيشين الجزائري والمغربي منذ 1963، في يناير وفبراير 1976. قُدّر عدد سكانها قبل الحرب بنحو 2000 نسمة (رقم تاريخي).
بئر لحلو (بير لحلو)
تعني تسميتها "مصدر المياه العذبة". في 27 فبراير 1976 أُعلنت منها الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، واتُّخذت عاصمة مؤقتة حتى تحرير العيون، قبل أن تُنقل العاصمة رسميًا إلى تيفاريتي عام 2008. وهي مقر المنطقة العسكرية الخامسة، وشهدت احتفالات الذكرى 34 لتأسيس الجمهورية.
بئر تيريسيت
قرية صحراوية تحت سيطرة جبهة البوليساريو، من نقاط الوجود العسكري والمدني المحدود في المنطقة الحرة.
دوكاج
منطقة تقع جنوب الصحراء الغربية، في منتصف الطريق تقريبًا بين أكوانيت والجدار العسكري المغربي، تحت سيطرة جبهة البوليساريو.
مهيرس
منطقة تقع شمال الصحراء الغربية قرب الحدود مع موريتانيا، خاضعة لسيطرة البوليساريو، وبها مركز مراقبة تابع لمينورسو. وهي مقر المنطقة العسكرية الرابعة.
ميجك
منطقة في النصف الجنوبي من الصحراء الغربية تحت سيطرة البوليساريو وإشراف مينورسو. استضافت في مايو 2007 احتفالات الذكرى 34 لاندلاع الكفاح المسلح بحضور الرئيس الصحراوي ووفود أجنبية. وهي مقر المنطقة العسكرية الثالثة.
تيفاريتي
بلدة تقع بين السمارة (على بعد نحو 50 كم) وتندوف الجزائرية (نحو 90 كم). سمّتها البوليساريو العاصمة الثانية للجمهورية بعد بئر لحلو، ثم أصبحت رسميًا العاصمة المؤقتة منذ 27 فبراير 2008. بلغ عدد سكانها نحو 7000 نسمة عام 1975 (رقم تاريخي سابق للحرب)، تراجع بشدة بعد 1976، وتبادل الطرفان السيطرة عليها قبل أن تستقر بيد البوليساريو نهائيًا في مارس 1979. في 20 أغسطس 1991 قصف الطيران المغربي البلدة وآبار مياهها عشية وقف إطلاق النار. وهي مقر المنطقة العسكرية الثانية، ونُظّم فيها لأول مرة عرض عسكري لذكرى ميلاد الجمهورية.
زوك
منطقة تقع في الطرف الجنوبي من الصحراء الغربية قرب الحدود مع موريتانيا، ضمن أراضي البوليساريو، ومرتبطة باتفاق توأمة مع أربع مدن إسبانية. وهي مقر المنطقة العسكرية الأولى.
خلاصة
تبقى هذه البلدات جزءًا من "المنطقة الحرة" الخاضعة عمليًا لسيطرة جبهة البوليساريو منذ اتفاق وقف إطلاق النار عام 1991، وسط نزاع دولي مستمر حول الوضع القانوني للإقليم، وتحولات دبلوماسية متسارعة لصالح الطرح المغربي من جهة، وتصعيد عسكري متقطع منذ نهاية 2020 من جهة أخرى.
الهوامش
موسوعة ويكيبيديا الإنجليزية، مقال "Free Zone (region)".
موسوعة ويكيبيديا الإنجليزية، مقال "Western Sahara".
المرجع نفسه؛ وكذلك مكتبة مجلس العموم البريطاني (House of Commons Library)، ملف "Western Sahara".
منظمة حقوق الأقليات الدولية (Minority Rights Group)، صفحة "Western Sahara".
تقرير "In Limbo in the Saharan 'Free Zone'"، موقع ReliefWeb.
موسوعة ويكيبيديا الإنجليزية، مقال "Sahrawi Arab Democratic Republic".
المرجع نفسه.
مكتبة مجلس العموم البريطاني، ملف "Western Sahara" (تحديث 2026).
المرجع نفسه، نقلًا عن تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، أبريل 2025.
راديو فرنسا الدولي (RFI)، تقرير بالفرنسية، 10 أبريل 2026.
مكتبة مجلس العموم البريطاني، ملف "Western Sahara" (تحديث 2026).

 

جمال عبد الناصر: جدلية الوعي والممارسة في مسيرة قائد الأمة وباني نهضتها الحديثة بقلم: الناصر خشيني

نقف اليوم على أعتاب الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو (جويلية) 1952، وهي محطة لم تكن مجرد انقلاب عسكري تقليدي، بل كانت ...