قائمة المدونات الإلكترونية

السبت، 11 يوليو 2026

​إيطاليا والأمن القومي العربي: من الأطماع الرومانية والفاشية إلى التعديات البحرية والتخادم الصهيوني ​بقلم: الناصر خشيني

 


​في سياق قراءتنا القومية التقدمية المتواصلة لمهددات الأمن القومي العربي من جهة الجوار الجغرافي، يبرز الجوار الأورو-متوسطي عبر البوابة الإيطالية كأحد الخطوط الجيوسياسية التاريخية التي طالما شكلت مصدر عدوانٍ ومحاولات إخضاع مستمرة للأمة العربية، وتحديداً في شمالها الإفريقي. إن استقراء السلوك الإيطالي يثبت تلازماً عضوياً بين إرث روما الاستعماري القديم، وفاشية القرن العشرين، والتجاوزات "النيو-إمبريالية" الراهنة التي تستهدف السيادة البحرية والثروات العربية في تونس وليبيا، فضلاً عن الاصطفاف السياسي والعسكري التقليدي لروما إلى جانب الكيان الصهيوني.

​أولاً: من الامبراطورية الرومانية إلى الفاشية الحديثة.. صراع وجودي ممتد
​إن العدوان الإيطالي على الجسد العربي ليس وليد العصر الحديث، بل يستند إلى عمق تاريخي وجذور ممتدة منذ العهد الروماني، عندما سعت روما القديمة للتوسع قسراً على حساب ضفاف المتوسط الجنوبية وطمس هوية المنطقة وحضارتها. لكن هذا النفوذ قوبل ببطولات تاريخية خالدة سطرها أبناء المنطقة؛ لعل أبرزها عبقرية القائد القرطاجي الفذ حنبعل، الذي نقل المعركة إلى عقر دار الرومان وسحق جحافلهم في معركة "كان" (Cannae) الشهيرة، مجسداً أولى ملائم الدفاع الاستراتيجي عن تراب هذه المنطقة [1].
​هذه العقلية الامبراطورية التوسعية أطلت برأسها مجدداً في العصر الحديث من بوابة الفاشية الموسولينية التي اجتاحت ليبيا عام 1911. ارتكب الاحتلال الفاشي جرائم حرب وإبادة جماعية يندى لها جبين الإنسانية؛ شملت الإعدامات الميدانية، والتهجير القسري، ونصب المشانق لرموز المقاومة وعلى رأسهم شيخ الشهداء عمر المختار، وتأسيس المعتقلات الجماعية الصحراوية الساعية لكسر إرادة الشعب العربي الليبي وطمس عروبته [2].
​ثانياً: معركة الاعتذار والتعويض.. الثورة الليبية تجبر روما على الانصياع
​إن الفكر التقدمي يؤمن بأن الحقوق التاريخية للشعوب لا تسقط بالتقادم، وأن لغة القوة والندية هي الوحيدة الكفيلة بانتزاع الاعتراف من القوى الاستعمارية. وهو ما تجسد ميدانياً وسياسياً عندما خاضت الجماهيرية الليبية بقيادة الشهيد معمر القذافي معركة دبلوماسية وقانونية شرسة لانتزاع حقوق الشعب الليبي [3].
​لقد أجبرت القيادة الليبية الدولة الإيطالية ــ لأول مرة في تاريخ العلاقات الاستعمارية الغربية مع العالم الثالث ــ على الانصياع والإقرار بجرائمها، وتوج ذلك بتوقيع "معاهدة بنغازي للصداقة والشراكة والتعاون" عام 2008، والتي تضمنت اعتذاراً رسمياً وصريحاً من روما للشعب الليبي عن حقبة الاحتلال، والتزاماً إيطالياً بدفع تعويضات مالية واستثمارية ضخمة بلغت مليارات الدولارات كتعويض عن الأضرار المادية والبشرية التي سببتها الفاشية [4].
​ثالثاً: التجاوزات البحرية والقرصنة الاقتصادية على سواحل تونس وليبيا
​لم تتخلَّ إيطاليا المعاصرة كلياً عن أطماعها؛ إذ يتخذ التعدي الإيطالي الراهن على الأمن القومي العربي طابعاً اقتصادياً وجيوسياسياً يتمثل في الانتهاكات المتكررة للحدود البحرية لكل من تونس وليبيا.
​تتعمد أساطيل ومراكب الصيد الإيطالية، المدعومة أحياناً بغطاء سياسي، اختراق المياه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة للبلدين، والوصول إلى السواحل القريبة لبعض المدن التونسية والليبية لنهب الثروة السمكية ومقدرات الأعماق العربية [5]. إن هذه القرصنة المستمرة لا تشكل انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية والقوانين الدولية فحسب، بل تعد استنزافاً ممنهجاً للأمن الغذائي والاقتصادي للصيادين والشعوب العربية على الضفة الجنوبية للمتوسط.
​رابعاً: العلاقات الاستراتيجية مع الكيان الصهيوني وخيانة الحق العربي
​تتكامل هذه السياسات العدائية الإقليمية مع الموقف الجيوسياسي لروما من القضية المركزية للأمة. ترتبط إيطاليا بعلاقات سياسية، وعسكرية، واقتصادية متطورة وراسخة مع الكيان الصهيوني، نابعة من التزامها بالمنظومة الأطلسية الغربية [6].
​تعتبر روما من العواصم الأوروبية التي توفر غطاءً سياسياً ودبلوماسياً لجرائم الاحتلال الصهيوني في فلسطين، وتشارك في مناورات عسكرية مشتركة مع جيش العدو، متبادلة معه التقنيات الأمنية والاستخباراتية. هذا الانحياز البنيوي يثبت أن إيطاليا، رغم شعارات "الشراكة الأورومتوسطية"، تقف استراتيجياً في الخندق المعادي لطموحات الأمة العربية في التحرر والانعتاق، وتساهم في إطالة أمد احتلال أرضنا في فلسطين.
​خلاصة وموقف قومي:
​إن استعراض التاريخ والحاضر في الملف الإيطالي يؤكد للمدرسة القومية التقدمية أن الأمن القومي العربي وحدة واحدة لا تقبل التجزئة؛ فالتعدي على السيادة البحرية التونسية أو الليبية هو امتداد لذات العقلية التي حاولت بالأمس طمس هوية المنطقة. إن مجابهة هذا التحدي تفرض على الأقطار العربية مغادرة مربع العلاقات غير المتكافئة، وفرض معادلات ندية لحماية المياه الإقليمية والثروات البحرية، وربط المصالح الاقتصادية لروما بمواقفها السياسية من قضايا الأمة العادلة وعلى رأسها قضية فلسطين، تأكيداً على سيادة الأمة وكرامة شعوبها.
​المراجع والمصادر:
​[1] بوليبيوس: تاريخ الإمبراطورية الرومانية والصراع مع قرطاج، دراسات في الاستراتيجية العسكرية لمعركة كان وتأثير حنبعل، منشورات الجامعة التونسية.
[2] مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية: الموسوعة التاريخية للمقاومة الليبية ضد الغزو الإيطالي الفاشي (1911-1932).
[3] السجل القومي: الخطابات والوثائق السياسية للثورة الليبية حول معركة انتزاع التعويضات والاعتذار من إيطاليا.
[4] نص وثيقة "معاهدة بنغازي للصداقة والشراكة والتعاون بين الجماهيرية العظمى وإيطاليا"، أغسطس 2008، منشورات وزارة الخارجية الليبية.
[5] تقارير وزارة الفلاحة والصيد البحري التونسية حول انتهاكات السفن الأجنبية والمراكب الإيطالية للمياه الإقليمية وخليج قابس.
[6] معهد الشؤون الدولية (IAI) في روما: دراسات في العلاقات الإيطالية-الإسرائيلية والتعاون العسكري والتكنولوجي في حوض المتوسط.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

​إيطاليا والأمن القومي العربي: من الأطماع الرومانية والفاشية إلى التعديات البحرية والتخادم الصهيوني ​بقلم: الناصر خشيني

  ​في سياق قراءتنا القومية التقدمية المتواصلة لمهددات الأمن القومي العربي من جهة الجوار الجغرافي، يبرز الجوار الأورو-متوسطي عبر البوابة الإي...