التخطي إلى المحتوى الرئيسي

​سلسلة أعلام الأمة  ​عمر المختار: ملهم الأمة وإستراتيجية انتصار الدم على السيف ​إعداد الباحث  الناصر خشيني

 


 ​يجسد الشيخ عمر المختار محطة فارقة في الوجدان العربي والإسلامي؛ فهو ليس مجرد قائد لثورة شعبية ضد استعمار فاشي، بل هو رمز حي لتحول المقاومة من حيز الإمكانات العسكرية المحدودة إلى آفاق الصمود الإستراتيجي والعقدي الممتد. على مدى شج عاماً، استطاع المختار بمجموعات صغيرة من المذجاهدين إنهاك جيش نظامي مدجج بأحدث أسلحة العصر، صانعاً فلسفة نضالية ألهمت الأجيال، وأثبتت أن قوة الحق الكامنة في دماء الشهداء قادرة على كسر صلف السيف الاستعماري ومحو أثره.

​1. النشأة والتكوين: بين بادية البطنان والزوايا السنوسية
​الميلاد والبيئة القبَلية
​ولد عمر بن مختار بن عمر المنفي الغيثي في أبريل عام 1858 في منطقة البطنان بالجبل الأخضر في برقة بليبيا [1]. نشأ في بيئة بدوية خالصة تميزت بالصلابة والشهامة والارتباط الوثيق بالأرض، ونشأ يتيماً بعد وفاة والده في رحلة الحج، فتكفل برعايته الشيخ حسين الغرياني شيخ زاوية جنزور السنوسية، مما أتاح له تنشئة تربوية وعشائرية صارمة صقلت مهاراته القيادية منذ الصغر [2].
​التكوين المعرفي والعسكري في الحركة السنوسية
​التحق عمر المختار بالمعهد الجغبوبي التابع للحركة السنوسية، حيث قضى ثمانية أعوام في دراسة العلوم الشرعية، من فقه وتفسير وحديث، إلى جانب إتقان اللغة العربية والخطابة [3]. ولم يقتصر تكوينه على الجانب المعرفي؛ إذ كانت الزوايا السنوسية بمثابة قلاع تربوية وعسكرية تُعنى بتدريب الطلاب على الفروسية وحمل السلاح وإستراتيجيات الصحراء. تميز المختار بذكاء لافت وحكمة بالغة، مما جعل السيد محمد المهدي السنوسي يقربه ويسند إليه مشيخة "زاوية القصور" في الجبل الأخضر، نظراً لقدرته العالية على فض النزاعات القبلية وإدارة الأزمات [4].
​2. الفلسفة الفكرية والدوافع النضالية: جهاد الدفع والسيادة الوطنية
​منطلق الجهاد العقدي
​تأسست الفلسفة النضالية للشيخ عمر المختار على مفهوم "جهاد الدفع" باعتباره فرض عين لرد العدوان الأجنبي وحماية بيضة الإسلام والوطن [5]. لم ينظر المختار إلى المقاومة من منظور حسابات المكسب والخسارة المادية القريبة، بل كانت دوافعه نابعة من مبدأ شرعي راسخ ينص على أن السيادة على الأرض هي حق دائم للأمة لا يمكن التنازل عنه أو مساومته، وكان يردد دائماً أن "المستعمر لا يملك حق البقاء، ونحن لا نملك حق الاستسلام" [6].
​رفض المساومات السياسية
​تجلت هذه الفلسفة بقوة عند بدء الاحتلال الإيطالي لليبيا عام 1911؛ فحين تراجعت القوات العثمانية الرسمية بموجب معاهدة أوشي لوزان، رفض المختار والقبائل الليبية الالتزام بالاتفاقية، واعتبروا أن الدفاع عن الأرض مسؤولية ذاتية [7]. وعلى مدار عقدين، عرضت السلطات الإيطالية على المختار إغراءات مالية ومناصب سياسية رفيعة والإقامة في قصور فاخرة مقابل إلقاء السلاح، إلا أنه رفضها جميعاً متمسكاً بالسيادة الكاملة للأمة، ومؤكداً أن المفاوضات لا تكون إلا على جلاء المحتل [8].
​3. الإنجازات الميدانية والمحطات الإستراتيجية
​إستراتيجية حرب العصابات في الجبل الأخضر
​تعد القيادة العسكرية لعمر المختار نموذجاً يُدرس في تاريخ الحروب غير النظامية؛ إذ استغل الطبيعة الجغرافية الوعرة للجبل الأخضر وطبق إستراتيجية "الكر والفر" الصارمة [9]. قسّم المجاهدين إلى مجموعات صغيرة متحركة (أدوار)، تميزت بالمرونة والسرعة والقدرة على نصب الكمائن لخطوط إمداد الجيش الإيطالي. حقق المختار انتصارات باهرة في معارك كبرى كبدت الاحتلال خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، من أبرزها:
​معركة السلاوي [10].
​معركة أم شخنب [11].
​معركة بئر الغبي [12].
​مواجهة الجنرال غراتسياني والشهادة (1931)
​أمام العجز العسكري الإيطالي، عينت روما الجنرال "رودولفو غراتسياني" الذي اتبع سياسة الأرض المحروقة؛ فقام بإنشاء الأسلاك الشائكة على الحدود المصرية لقطع الإمدادات، وهجّر أكثر من مائة ألف مدني من القبائل إلى معسكرات الاعتقال الجماعية لعزل المجاهدين [13]. ورغم الحصار الخانق والـمرض وكبر سنه (73 عاماً)، واصل المختار القتال حتى وقع في الأسر بعد مقتل جواده في معركة قرب زاوية الغوط في سبتمبر 1931 [14]. قُدم لمحاكمة صورية عسكرية قضت بإعدامه شنقاً، فواجه حبل المشنقة بثبات تاريخي مردداً الآية الكريمة: «يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً»، في 16 سبتمبر 1931 أمام آلاف الليبيين [15].
​4. التحليل الأكاديمي لمسيرته وأثرها الحضاري
​نموذج انتصار الدم على السيف
​يجمع المؤرخون والباحثون على أن إعدام عمر المختار لم يكن نهاية للمقاومة، بل كان الوقود الذي أحرق الوجود الإيطالي في ليبيا؛ حيث تحولت دماؤه إلى رمزية ملهمة أزالت الرهبة من نفوس الجماهير وحققت مفهوم "انتصار الدم على السيف" [16]. فقد أثبتت التجربة التاريخية أن القوة المادية الغاشمة للمحتل عاجزة عن طمس وعي أمة حية، وأن استشهاده عمّق شرعية الرفض الشعبي للاستعمار وعجّل بجلاء الطليان ونيل ليبيا استقلالها لاحقاً [17].
​الأثر الفكري في الوعي العربي
​تجاوز أثر عمر المختار الحدود الجغرافية لليبيا ليصبح أيقونة عالمية وعربية للتحرر الوطني؛ حيث تغنى بجهاده كبار شعراء الأمة كأحمد شوقي في قصيدته الشهيرة "رثاء عمر المختار"، وغدا اسمه محركاً أساسياً للثورات العربية ضد الاستعمار الإنجليزي والفرنسي في منتصف القرن العشرين، مؤكداً عمق الرابط القومي والحضاري الذي يجمع أبناء الأمة العربية في خندق الدفاع عن هويتها وحريتها [18].
​الهوامش والمراجع:
​علي محمد الصلابي، الشيخ جليل عمر المختار: نشأته، وجهاده، واستشهاده، القاهرة: دار التوزيع والنشر الإسلامية، ص 22.
​المرجع نفسه، ص 26.
​أحمد محمود، الحركة السنوسية: نشأتها وتطورها في المجتمع الليبي، بنغازي: دار الكتب الوطنية، ص 84.
​علي محمد الصلابي، عمر المختار، مرجع سابق، ص 41.
​محمد أسد، الطريق إلى مكة، ترجمة: رفعت السيد، القاهرة: دار الشروق، ص 190. (تضمن شهادة حية عن لقاءات المجاهدين).
​المرجع نفسه، ص 195.
​طاهر الزاوي، جهاد الأبطال في طرابلس الغرب، طرابلس: دار الفتح، ط 2، ص 134.
​المرجع نفسه، ص 142.
​رودولفو غراتسياني، برقة المهدأة، ترجمة: محمد بشير، بنغازي: دار ومكتبة الفضيل، ص 75. (شهادة قائد الجيش الإيطالي ضد المختار).
​طاهر الزاوي، جهاد الأبطال، مرجع سابق، ص 201.
​علي محمد الصلابي، عمر المختار، مرجع سابق، ص 115.
​رودولفو غراتسياني، برقة المهدأة، مرجع سابق، ص 92.
​المرجع نفسه، ص 150.
​طاهر الزاوي، جهاد الأبطال، مرجع سابق، ص 310.
​علي محمد الصلابي، عمر المختار، مرجع سابق، ص 245.
​محمد أسد، الطريق إلى مكة، مرجع سابق، ص 212.
​أحمد محمود، الحركة السنوسية، مرجع سابق، ص 167.
​ديوان أحمد شوقي، الشوقيات، القاهرة: دار الشروق، ج 2، ص 88.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...