التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحمامات.. عاصمة السياحة الساحرة وحصن الرباط البحري القديم بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تقع مدينة الحمامات على الساحل الشرقي للجمهورية التونسية في شمال خليج الحمامات، وهي حاضرة تاريخية عريقة تعود جذورها إلى العهد الروماني حيث عُرفت باسم "ببيار". واكتسبت المدينة مكانة استراتيجية كبرى في العهد الإسلامي، لاسيما في العهد الأغلبي والحفصي، حيث حُوّلت إلى نقطة رباط بحري متقدم لحماية السواحل التونسية من الغزوات الصليبية. وفي العصر الحديث، نفضت المدينة غبار الزمن لتصبح العاصمة الحقيقية للسياحة التونسية، والوجهة العالمية التي تمتزج فيها زرقة المتوسط بعبق الياسمين وأشجار البرتقال.
أهم معالمها
تتربع "قصبة الحمامات" (القلعة الأثرية) الشامخة على شاطئ البحر كأعظم شاهد عسكري وتاريخي إسلامي عاصر الصراعات البحرية القديمة. وتضم المدينة "المدينة العتيقة" بأسوارها الحصينة وأزقتها الضيقة الملتوية وبيوتها البيضاء ذات الأبواب الزرقاء التقليدية. وتكتمل لوحتها بـ "المركز الثقافي الدولي بدار سيباستيان" الساحر، والمنتجعات السياحية الحديثة في ياسمين الحمامات، والأسواق التراثية التي تفوح بصناعات الفخار والتطريز التقليدي.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
لعبت الحمامات دوراً نضالياً بارزاً عبر التاريخ كخط دفاع أول ضد القرصنة والغزوات البحرية الأوروبية في القرنين السادس عشر والسابع عشر؛ حيث صمدت القصبة وأهلها المرابطون أمام حصارات بحرية عنيفة خاضها فرسان القديس يوسف والإسبان. وفي تاريخ كفاح التحرر الوطني ضد الاستعمار الفرنسي، كانت المدينة حاضنة للحركة الوطنية وملاذاً للمناضلين والمفكرين، وانطلقت من أحيائها حركات الوعي والنقابات العمالية التي ساهمت في صياغة الاستقلال الوطني والسيادة التونسية الكاملة.
خاتمة
تظل الحمامات نموذجاً للمدينة التي تزاوج بين رقة الجمال العائم وصلابة التاريخ المقاوم؛ فأمواجها الهادئة التي تداعب جدران القلعة العتيقة تحمل في طياتها حكايات الثبات والرباط الأبدي، لتظل الحمامات دائماً منارة للسياحة والفكر، وشاهداً على أن الجمال العربي يحميه سياج من العزة والكرامة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...