التخطي إلى المحتوى الرئيسي

عبد الناصر والاخوان بقلم عبد الحليم قنديل

 




2011-08-07

 القدس العربي

قصة صدام عبدالناصرمع الإخوان طويلة، ولا يتسع المجال لرواية تفاصيلها، وإنما نقف عند أبرز ملامحها ومغازيها.

ويلزم أن نرفع عما جرى صفتين: أولهما: أن يكون صداما دينيا، ثانيهما: أن يكون صداما مدفوعا إليه أو تم لحساب جهات أجنبية، وأغلب كتابات الإخوان تدور حول التفسيرين، ووصل الحال بكاتبة إخوانية هي السيدة زينب الغزالي أن تقول في مذكراتها: ‘إن المخابرات الأمريكية والمخابرات الروسية والصهيونية العالمية قدمت تقارير مشفوعة بتعليمات لعبد الناصر بالقضاء على الحركة الإسلامية’.

وتفسير تآمري كهذا لايصمد لنقاش، بل من العبث أن يناقشه أحد، إنه يجور على بديهية إستقلالية عبد الناصر وعدائه الصارم للغرب بكافة تلاوينه وأطيافه، كذلك لايجوز التفسير الديني، لأنه ليس للإخوان، ولا لغيرهم حق إدعاء سلطة دينية ليست في الإسلام، ثم إن عبد الناصر لم يكن غريبا عن الإسلام، بل كان وارثا ومجددا لصيغة التوفيق الفعال بين الإسلام والعقل الثوري المنفتح على العصر.

لم يبق غير التفسير الواقعي جدا، وهو أن ما جرى كان صداما بين تنظيمين وصيغتين، وأن ما حدث من تجاوزات مدان من الجميع، وأولهم الناصريون، لكنه لايصح أن يعمينا عن رؤية ماهو جوهري في القصة كلها.

كان الإخوان يمثلون موروثا يتحدى الوافد ويصارعه، كانوا حالة دفاع عن ثقافة وحضارة مهددة، كانوا يعرفون مالا يريدون، أما ما يريدونه فلم يكن معلوما بالدقة ولا بالإجمال المفيد، بينما عبد الناصر كان يعرف طريقه، لاأعني أنه كانت لديه إيديولوجيات متكاملة منذ البداية، بل كان في الواقع دليله ووراءه ميراث التوفيق الفعال في التاريخ المصري الحديث والمعاصر بالذات. ودعونا نعيد تأمل ما جرى:

نشأت بداية حركة الضباط الأحرار ـ كما هو معروف ـ سنة 1938، وقتها كان عبد الناصر يعمل في منقباد، ويقول لزملائه من الضباط الوطنيين: ‘إن الإنجليز أصل بلائنا كله’ والتاريخ له مغزاه، ففي العام نفسه تحولت حركة الإخوان إلى العمل السياسي، وأعلنت حركة مصر الفتاة عن تحولها إلى حزب، ثم كانت معاهدة 1936 تؤتي أكلها، فقد تفسخت المؤسسة السياسية القديمة بكل أحزابها، وقنع زعماؤها بدور الشريك الأصغر لقصر الملك ودور المندوب السامي، وقررت سلطات الإحتلال فتح أبواب الكلية الحربية لفئات كانت محرومة، وكان الهدف تقوية االجيش المصري لتوريطه في الصدام مع جيوش النازي الزاحفة من شمال إفريقيا، ويذكر اليوناني ‘فاتيكيوتيس’ في كتابه (الجيش المصري في السياسة): ‘أن الأحد عشر ضابطا الذين ضمتهم الهيئة التأسيسية لجماعة الضباط الأحرار في أواخر 1949 دخل منهم الكلية الحربية سنة 1936 ثمانية والباقون دخلوا بعدها، وأن خمسة منهم ولدوا سنة 1918 واثنين 1917 والباقون أقل سنا، وكانت غالبيتهم من أصول شعبية، كما أن صلتهم بالريف لاتبعد عن جيل الآباء أو الأجداد’.

وكانت حركة الضباط الأحرار نوعا من الاستطراد في ظروف جديدة لتقليد راسخ في حركة الوطنية المصرية، فقد نشأ الجيش الحديث مع تجربة محمد على الاستقلالية، وتحرك الجيش المصري وراء عرابي، وفي ثورة 1919 تحركت جمعيات سرية مساندة في أوساط الجيش كما يقول اللواء محمد نجيب في مذكراته، وبعد الحرب العالمية الثانية نما النشاط الوطني في صفوف الجيش المصري باطراد، فقد التفت مجموعة من الضباط الشبان (بينهم عبد اللطيف بغدادي ـ حسن إبراهيم ـ عبد المنعم عبد الرءوف) حول عزيز المصري، وكان عزيز المصري معروفا بشدة عدائه للإنجليز وتعاونه مع حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق، وكان جمال عبد الناصر يعتبر عزيز المصري بمثابة الأب الروحي، وإن لم ينضم لجماعته، واقترب عبد الناصر من تنظيم سري آخر في الجيش تابع لجماعة الإخوان المسلمين، ثم انشق عن التنظيم الإخواني سنة 1947، بعد مناهضة الإخوان لإنتفاضة العمال والطلبة سنة 1946، وخرج معه آخرون بينهم كمال الدين حسين وخالد محيى الدين، وإلى جوار هذين التنظيمين كان هناك تنظيم عسكري ثالث لحركة ‘حدتو’ الماركسية تشكل سنة 1945، ثم انشق عنه أغلب أعضائه بعد التزام حدتو (الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني) بموقف الاتحاد السوفيتي المؤيد لإنشاء إسرائيل وتقسيم فلسطين، وإلى جوار تلك التنظيمات الشخصية والأيديولوجية الثلاثة، كان هناك عدد هائل من الضباط وصف الضباط الوطنيين استفزهم حادث 4 شباط/فبراير 1942، وهو الحادث الذي أجبر خلاله الملك فاروق على تعيين وزارة وفدية بأمر مباشر من المندوب السامي البريطاني السير ‘مايلز لامبسون’ وتحت تهديد الدبابات التي تطوق القصر الملكي.

وكان عبد الناصر يتأمل ماجرى في الجيش، ثم يتلمس مراكز التأثير خارجه، وقد احتك بالوفد حينا وانضم إلى مصر الفتاة حينا آخر، واقترب من الإخوان والماركسيين والحزب الوطني وجهازه السري بقيادة عبد العزيز علي، ثم كان اشتراكه كقائد فيلق في حرب 1948 نقطة النهاية في رسوخ اليقين لديه بضرورة التغيير وأداته الممكنة، وأدرك عبد الناصر وهو محاصر في منطقة الفالوجا الفلسطينية: ‘أن المشكلة ليست في الأسلحة الفاسدة التي زود بها الجيش المصري، بل في ترك العواصم للذئاب ترعاها’، وعاد إلى القاهرة ليجمع كل معارفه من الضباط الوطنييين من كل الاتجاهات في تنظيم واحد أطلق عليه إسم ‘الضباط الأحرار’، وتم اجتماعه القيادي الأول في تشرين الاول/أكتوبر 1949، وهنا تجلت موهبة عبد الناصر في التنظيم المحكم الذي تنتهى كل خيوطه إليه شخصيا، كما نجح في جعل التنظيم مرآة عاكسة لكل تيارات الأجيال الجديدة ‘فقد تفرعت عن قيادة الضباط الأحرار إدارة اسمها ‘إدارة الاتصال بالكتل الشعبية’ إلى جوار أربع إدارات أخرى للتجنيد والتمويل والإرهاب والأمن ‘ وفي سنة 1950 وضع عبد الناصر للتنظيم الجبهوي برنامجا من ست نقاط: القضاء على الاستعمار وأعوانه من الخونة المصريين، والقضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم، إقامة عدالة إجتماعية، إقامة جيش وطني قوي، وإقامة حياة ديمقراطية سليمة.

وقد يسأل سائل: وأين الإسلام ؟ سؤال طرحه حسن الهضيبي مرشد الإخوان على عبد الناصر في أيام الثورة الأولى، ورد عليه عبد الناصر: ‘إن التحرر من الإستعمار والاستغلال بداية العمل للإسلام’ ويقول د. حسن حنفي ـ وكان وقتها عضوا بحركة الإخوان ـ: ‘إذا كان القرآن هو الدستور، فإن ذلك يعني خلع الملك والقضاء على الفساد والظلم الاجتماعي وتحقيق الجلاء، وهو ما حققته الثورة’ ويضيف د. حنفي: ‘لم يتجاوز الإخوان حدود الشعارات الدينية ولم يملأوها بمضمون سياسي، في حين حققت الثورة المضمون دون الشعار’.

كانت تلك صيغة البداية، وفيها يتضح تأثر عبد الناصر بحاجات الواقع وبصيغة ‘التوفيق الفعال’، وقد يصح هنا أن نضيف لمحة عن خريطة القراءات التي أسهمت في تشكيل وعي عبد الناصر قبل الثورة، وقد نشر السويسري ‘جورج فوشيه’ قائمة إصدارات بالعربية والإنجليزية استعارها عبد الناصر من مكتبة مدرسته الثانوية ثم من مكتبة الكلية الحربية التي تعلم بها وعمل بها بعد تخرجه، وتبرز في قائمة فوشيه مؤلفات رموز ‘التوفيق الفعال’ الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وشكيب أرسلان وسيرة مصطفى كامل ومؤلفات عبد الرحمن الرافعي عن تاريخ الثورة المصرية وديوان على الغاياتي ‘وطنيتي’، وتبرز أيضا قراءاته في التاريخ والاقتصاد السياسي والاستراتيجية العسكرية بعدها تجئ قراءاته في سيرة بسمارك والثورة الفرنسية، ومجلد ضخم إسمه ‘معجزة اليابان’ كتجربة بلد حقق تنمية هائلة بعيدا عن سيطرة الغرب.

‘ كاتب مصري


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...