التخطي إلى المحتوى الرئيسي

بنت جبيل.. عاصمة التحرير ومقبرة "الميركافا" في تلال الجنوب بقلم الناصر خشيني

 


تاريخ المدينة
تربض مدينة بنت جبيل فوق تلال الجليل الأعلى في جنوب لبنان كواحدة من أعرق الحواضر التراثية والتاريخية في جبل عامل. تميزت المدينة عبر العصور بكونها مركزاً تجارياً وثقافياً نابضاً يربط جنوب لبنان بشمال فلسطين المحتلة، وعاشت محطات من النضال التاريخي ضد الانتداب الفرنسي والبريطاني. واجهت بنت جبيل لعقود مطامع العدو الصهيوني واحتلاله الشرس الذي بدأ عام 1978، لكنها حافظت على هويتها العربية وعقيدتها المقاوِمة، لتتحول بعد اندحار الاحتلال عام 2000 إلى "عاصمة التحرير"، والمدينة التي شهدت إعلان معادلة أن إسرائيل "أوهن من بيت العنكبوت".
أهم معالمها
يأتي "سوق الخميس" التاريخي في مقدمة المعالم التراثية والاقتصادية للمدينة، وهو سوق شعبي عريق يمتد لعمر مئات السنين ويمثل ملتقى لأبناء الجنوب وفلسطين. وتضم المدينة "صف الهوا" الأثري ومساجدها العتيقة التي تروي تجذر الإنسان العاملي في أرضه، بالإضافة إلى "ملعب المدينة البلدي" الذي شهد مهرجان الانتصار التاريخي عام 2000، وأحيائها التراثية التي أُعيد بناؤها بشكل أبهى بعد كل عدوان لتشهد على إرادة الحياة.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
سطرت بنت جبيل صفحات أسطورية من تاريخ الكفاح المسلح؛ وتجلى دورها النضالي الأبرز في "ملحمة بنت جبيل" خلال حرب تموز عام 2006. فحين حاولت قوات النخبة الإسرائيلية التقدم برياً لرفع علمها فوق المدينة للتعويض عن هزيمة عام 2000، تحولت أحياء بنت جبيل (مثل مربع التحرير ومثلث عيتا) إلى مصيدة ومقبرة لجنود الاحتلال ودبابات "الميركافا". قدمت المدينة مواكب من الشهداء الأبرار، ورغم الغارات التدميرية الشاملة والنزيف المستمر، بقيت بنت جبيل صخرة صلبة تحطمت عليها أوهام الغزاة، ولا تزال واقفة بكل شموخ تذود عن حياض الأمة.
خاتمة
تبقى بنت جبيل عاصمة التحرير عنواناً للبأس الحسيني الذي لا ينكسر؛ فترابها المخضب بدماء المقاومين الأبطال صاغ درساً بليغاً في أن الإرادة الحرة تصنع المعجزات، وأن بنت جبيل كانت وستبقى حصناً منيعاً على حدود فلسطين يحرس كرامة الأمة وإباءها

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...