قرات لكم : بين هاجس الحفاظ على التراث ومأزق مأسسة السلوك: قراءة تفكيكية في "إحياء علوم الدين" للإمام الغزالي بقلم: الناصر خشيني
ضمن سلسلة "قرأت لكم" ، نفتح اليوم دفتي كتاب طالما اعتبر من أمهات الكتب في المدوّنة الإسلامية، وهو كتاب "إحياء علوم الدين" لأبي حامد الغزالي . هذا الأثر الضخم الذي صُنّف في لحظة تاريخية حرجة، تزامنت مع اشتداد وطأة الحروب الصليبية وتشرذم الأمة سياسياً وفكرياً، جاء كمحاولة عبقرية من الغزالي لـ "لمّ شتات التراث" وخلق حصن فكري يحمي الهوية الثقافية والدينية من الضياع والتلاشي وسط ركام الهزائم العسكرية. ولكن، حين نلج إلى جوهر المتن الفلسفي والفقهي للكتاب، نجد أنفسنا أمام إشكال بنيوي عميق يتعلق بـ "مأسسة السلوك الإنساني" وتحويله إلى طقوس مفرطة في الجزئية، مما يدعونا إلى مراجعة نقدية صارمة توازن بين نبل المقصد الفكري ومأزق التطبيق العملي، عابرين نحو تفكيك هذه الجدلية من خلال محورين أساسيين. أولاً: السياق التاريخي وهاجس الحفاظ على الهوية لا يمكن فهم "إحياء علوم الدين" بمعزل عن عصره؛ فقد كان الإسلام يعيش أزمة وجودية جراء الهجمات الخارجية والانقسامات المذهبية الداخلية. من هنا، تحوّل الغزالي إلى "جامع للتراث"، محاولاً صهر الفقه والت...